تجربة صحافة برجوازية ناقدة، كتاب أحمد بوز عن «الصحيفة» و»لوجورنال»
المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة
صدر أول كتاب مفصل عن تجربة إعلامية طبعت المشهد الإعلامي المغربي البائس في متم سنوات 1990 حتى ما بعد منتصف العقد الأول من قرننا بقليل. إنها تجربةُ مِنبريْ الصحيفة ولوجورنال (بمختلف تسمياتهما المتتالية تتاليَ التضييق)، التي خصها أحد المساهمين فيها بمؤلف من 350 صفحة (قطع كبير) [*]. ما أضفى على تلك التجربة فرادة إنما هي خصائصُ الساحة الإعلامية المغربية، المخنوقة بقمع تاريخي لم يترك سوى هامش مضبوط يجرى الإجهاز عليه بين فينة وأخرى من جهة، والمتسمة من جهة أخرى بطغيان، لا يزال مستمرا، للأصوات البرجوازية المعارضة، لكن ناقصة النزعة الديمقراطية، أي التي طبعت تاريخ مواجهة الاستبداد بمسعى الدمقرطة بتوافق وتعاون معه، مسعى نابع من الخوف من كفاحية الجماهير الكادحة، القوة الوحيدة القادرة على انتزاع الديمقراطية.
بقلم؛ محمود جديد
من وجهة نظر عمالية، يساعد الكتاب بما يروي من تفاصيل على فهم جانب من آليات اشتغال النظام المغربي وتدبيره للحياة السياسية.
تلك الصحافة ناطقة باسم قسم من البرجوازية، القسم المتضرر من مكانة الملكية ضمن الطبقة البرجوازية المغربية، وكذا ضرب من مثقفي البرجوازية الأوعى بمصلحة هذه الطبقة التاريخية. الأمر الذي جعل تجربة توأمي أبي بكر الجامعي مجرد امتداد للصحافة الاتحادية، بعد أن تخلت هذه عن وظيفتها بعد انهيار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفعل دوره في الآلية السياسية المبتكرة لتأمين انتقال العرش، آلية «حكومة التناوب التوافقي». فكان أن اشتغل فيها فريق من أصول اتحادية، جاء أساسا من التيار الناقد المتخذ اسم «الوفاء للديمقراطية».
ظهرت هذه الصحافة في السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، حيث كانت تجري ترتيبات نقل الحكم إلى خلَفه. على صعيد مؤسسات ديمقراطية الواجهة، جرى التحضير لما سمي «حكومة تناوب توافقي» التي أراد لها الحسن الثاني أن تكون برئاسة قائد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي، الأمر الذي بلَّغه الملك لخادمه قبل انتخابات 1992 عبر المستشار الملكي إدريس السلاوي. وهذا ما تطلب تزوير الانتخابات لصالح هذا الحزب (تزوير اعترف به الحزب وصحافته)، ولغير صالح حزب الاستقلال لتأمين وصول اليوسفي وزيرا أول بلا منافس.
بموازاة صنع حكومة مزورة بانتخابات مزورة، وضمن تحضير الأجواء العامة لتوريث العرش، أتاح النظام للصحافة البرجوازية الناقدة إمكان الوجود المضبوط بإبقائها ضمن حدود مرسومة بدقة، وهو ما اعترف به أبو بكر الجامعي في أحد حواراته [1]. بهذا النحو، استعمل النظام هذه الصحافة كما استعمل حزب الاتحاد الاشتراكي لترتيب الوضع العام بالبلد بما يتيح استمرار نمط الحكم المفروض منذ بداية الاستقلال الشكلي.
سُمح للمِنبريْن بالتطرق لعدد من المحرمات التقليدية (جرائم القمع السياسي، التجرؤ على الملكية، لكن دون وضع وجودها موضع نقاش..). لم تضع هذه الصحافة الاختيارات الاقتصادية الجوهرية (الرأسمالية والخضوع التام للمؤسسات المالية الدولية…) في قفص الاتهام، بل نافحت عن المساواة بين الرأسماليين باحترام قواعد «التنافس الشريف» (في استغلال قوة العمل)، ومن ثمة التركيز على انتقاد الظواهر التي تنال من تلك القواعد (الريع، الفساد، المحسوبية، نقص الشفافية…).
ولم تكن المسألة الاجتماعية المتفاقمة (البطالة، الهشاشة، الفقر، النتائج الاجتماعية للخصخصة،…)، أي مصير غالبية المغاربة العظمى ضحايا النظام الرأسمالي التابع، تثير الاهتمام إلا من زاوية التلطيف لتفادي التفجر، أو ما يسمى في لغتهم «خفض منسوب الاحتقان الاجتماعي».
باختصار كانت الصحيفة ولوجورنال راية الدفاع البرجوازي عن تقاسم «عادل» لـ»حقوق» استغلال الطبقة العاملة وتدمير الطبيعة وقهر سواد المغاربة الأعظم.
قسم من اليسار: من فقدان المناعة الفكرية إلى ضياع الهوية الطبقية
معظم اليسار المغربي متحدر من الحركة الوطنية البرجوازية، وبالتحديد يسارها. اتسم هذا اليسار بطابع شعبوي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، متعدد الطبقات، بقيادة فئة من مثقفي البرجوازية التقدميين، وقاعدة شعبية ممتدة داخل الطبقة العاملة. ضم هذا اليسار جناحا متأثرا بالماركسية، رافعا لواء بناء حزب الطبقة العاملة، تعزز بتجذر الشبيبة بعد منتصف سنوات 1960. انتعش هذا الجناح داخل الاتحاد الاشتراكي، وانتهى إلى التلاشي مع الانعطاف التاريخي الذي مثله انهيار الاتحاد السوفياتي، وما جر من تعميق أزمة اليسار المنتسب الى الطبقة العاملة.
جرى تلاشي اليسار العمالي بموازاة تعزز المنظور الإصلاحي البرجوازي الذي رفع لواءَه الاتحاد الاشتراكي بانضمام قسم من اليسار الثوري سابقا، فأضحى برنامج رأسمالية نقية من الشوائب «المخزنية»، تسير بقواعد «المنافسة الشريفة» بين الرساميل، بلا ريع ولا فساد، وبلا حضور اقتصادي قوي للملكية ، باعتباره معرقلا لحركية الاقتصاد، برنامجا لمعظم اليسار برغم الانتساب إلى الاشتراكية. إن العجز عن تجديد فكر اليسار المنتسب الى الطبقة العاملة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بناء على دروس التجربة التاريخية، المحلية والعالمية، جعل هذا اليسار فريسة لأيديولوجية الرأسمالية النقية التي كانت الصحيفة ولوجورنال بوقَها الرئيس بعد انهيار حاملها التاريخي، الاتحاد الاشتراكي. بدأت العملية بتغلغل هذه الأيديولوجية بفعل فقدان مناعة فكرية، وانتهت إلى ما نعاين اليوم من فقدان الهوية الطبقية لدى قسم متعاظم من اليسار المنتسب إلى الاشتراكية.
كانت الأصول الوطنية المناهضة للامبريالية (بنبركة في منفاه حتى اغتياله)، والانتساب الى الاشتراكية، والجناح المتبني الماركسية (بكل نواقص ذلك التبني) كلها على طرف نقيض من مشروع الصحافة البرجوازية الناقدة. لكن الضعف الفكري، وانعدام صحافة عمالية بروح طبقية حازمة، ذات تأثير، أديا إلى تلاشٍ تدريجي لما تبقى من نزوع طبقي لدى قسم كبير من مناضلي الطبقة العاملة، وتشربهم لأيديولوجية الصحيفة ولوجورنال.
في غياب استقلال اليسار المناضل، فكريا وسياسيا، عن المعارضة البرجوازية، وصحافتها الناقدة، يفتح باب الانسياق مع خطط النظام لتدبير الوضع السياسي لمصلحة استمرار السيطرة الطبقية البرجوازية ونظامها السياسي الاستبدادي المقنَّع. برز هذا في ما يرويه بوز أحمد (صفحات 93 إلى 102) عن لقاء قادة من الحزب الاشتراكي الموحد (الذي يضم يساريين ما زالوا ينتسبون إلى الاشتراكية وحتى إلى الماركسية) ببعض من كبار مسؤولي الدولة (فؤاد الهمة، ومستشار الملك محمد معتصم، ومحمد الباكوري ومصطفى التراب، وآخرون) في صيف 2006 بمنزل عزيز أخنوش. كانت الغاية استعمال هذا الحزب بعد انهيار الاتحاد الاشتراكي بفعل «التناوب التوافقي»، وتنامي قوة الإسلاميين. كان ذلك مسعى لم يُكتب له النجاح، ووجد مخرجا آخر في تأسيس الهمة لحزب الأصالة و المعاصرة باستعمال حشد من متلاشيات اليسار «الثوريين» سابقا .
تؤكد واقعة الاجتماع بكبار الدولة ما أدى اليه ضعف اليسار من اختراق، فكري وسياسي، الأمر الذي يضع مناضليه الأوفياء لعلة وجوده التاريخية (التحرر الوطني و الاجتماعي) أمام مسؤولية رسم حدود واضحة بناء على مرتكزات مشروع التحرر المزدوج هذا، ومن ثمة تطوير صحافة مطابقة له مستقلة عن مجمل التوجهات البرجوازية المعارضة بمختلف تلاوينها، «الحداثية» و السلفية على حد سواء.
(*) بوز أحمد، سنوات الصحافة.. أوراق من زمن «الصحيفة» و»لوجورنال». مطبعة دار المناهل. الرباط. بلا سنة إصدار.
[1] 15 غشت 2025، https://www.youtube.com/watch?v=gb1syBZ3HKQ&t=6327s.
اقرأ أيضا


