حول تأسيس نقابة فئوية
مقال منشور في العدد 88 من جريدة المناضل- ة
بقلم؛ عبد الله غميمط: الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم /التوجه الديمقراطي
من منظور نقابي ديمقراطي، إن تأسيس نقابة فئوية لأساتذة التعليم الابتدائي ليست مسألة تقنية أو تنظيمية محضة، بل هو اختيار نقابي تبلور بعد نقاش مسؤول داخل أجهزة النقابة، رغم الوعي بوجود تناقضات وجب تدبيرها وفق تراتبيتها.
أولا: دوافع التفكير في نقابة فئوية لأساتذة الابتدائي
هناك واقع موضوعي يغذي ويدافع عن هذا الطرح، سماته هي:
-التهميش التاريخي لأساتذة الابتدائي داخل النقابات التعليمية.
-ثقل أعباء العمل (الاكتظاظ، تعدد المستويات، الزمن المدرسي، الإدارة التربوية).
-ضعف التمثيلية الفعلية في أجهزة القرار النقابي.
-الإحساس بأن مطالب الابتدائي تُستعمل كورقة ضغط ثم تنسى عند التسويات.
هاد الأسباب مفهومة، ومشروعة من حيث الإحساس بالظلم.
ثانيا: التأسيس الفئوي: مكاسب محتملة
من زاوية كفاحية، يمكن تسجيل بعض الإيجابيات النظرية:
-تركيز كامل على ملف مطلبي خاص بالابتدائي.
-بناء قيادة نابعة من القاعدة ومجربة ميدانيا.
-تجاوز البيروقراطية النقابية وفرض المشاركة في التفاوض.
-إعادة الاعتبار للابتدائي كقاعدة صلبة للمدرسة العمومية.
بعض الانتقادات مع مبادرة تأسيس نقابة لأساتذة وأستاذات التعليم الإبتدائي تتعاطي مع الفئوية كأنها اختيار واع، في حين أنها في الواقع هي نتيجة مباشرة لأزمة العمل النقابي، وتراجع الثقة في النقابة كأداة من أدوات الصراع الطبقي وليست مشروعا سياسيا متكاملا.
بمعنى آخر: الفئوية ليست هي أصل الداء، بل هي في نظري فقط أحد أعراضه، ورغم اعتراف المنتقدين للفئوية بالأزمة العامة، تم التركيز على إدانة الفئوية وكأنها هي المسؤول الأول عن واقع العمل النقابي، وهذا يخفي الأسئلة الجوهرية:
- الفئوية: خيار أم نتيجة؟
يتعامل المنتقدون مع الفئوية وكأنها اختيار سياسي واع اتخذته فئات من الشغيلة ضد مصلحة الوحدة، بينما يغيب في تحليلهم أن الفئوية هي في كثير من الحالات نتيجة موضوعية لتراجع النقابة المؤطرة لكافة فئات الشغيلة التعليمية.
حين تفقد النقابة قدرتها على:
-تمثيل القواعد فعليا
-تأطير الغضب الجماعي
-تحويل المطالب إلى معارك موحدة
فإن الشغيلة لا “تختار” الفئوية بقدر ما تدفع إليها دفعا كآلية دفاع ذاتي.
إن اختزال الفئوية في بعدها السلبي فقط، دون الاعتراف بكونها تعبيرا عن أزمة تمثيلية عميقة، يجعل النقد أخلاقيا أكثر منه نقابيا-سياسيا.
- نقد القيادات لا يكفي دون نقد الإطار التنظيمي
تحمل القراءة القيادات النقابية مسؤولية الانزلاق نحو المنطق الفئوي، وهذا صحيح جزئيا، لكنه غير كاف.
إن اختزال ظاهرة الفئوية في “خيارات القيادات النقابية” قراءة سطحية تغفل السياق السياسي والاجتماعي والمؤسساتي الذي أنتجها. فالفئوية لم تنشأ بإرادة ذاتية للمناضلين أو القيادات، بل كانت نتيجة مباشرة لسياسات رسمية ممنهجة قامت على:
-تفتيت الشغيلة التعليمية عبر أنظمة أساسية مجزأة، ومسارات مهنية غير موحدة، وتعويضات انتقائية تُمنح لفئات دون أخرى.
-ضرب مبدأ الوحدة داخل الوظيفة العمومية التعليمية، وتحويل الحقوق إلى امتيازات ظرفية تُستعمل لإخماد الاحتجاجات وتدبير الغضب الاجتماعي.
-إضعاف النقابات القطاعية عبر الحوارات الشكلية و عدم تنفيذ الاتفاقات، والإقصاء المتعمد لمطالب شاملة، وفرض الأمر الواقع.
أما هذه الوضعية، فتكون النقابة في أغلب الحالات أمام اختيارات صعبة ومفروضة:
إما مرافقة نضالات فئات متضررة وملموسة، أو تركها وحيدة في مواجهة الوزارة، وهو ما كان سيعد تخليا عن الدور النضالي للنقابة.
إن دعم مطالب فئوية لا يعني تبني الفئوية كخيار استراتيجي، بل يعكس في كثير من الأحيان غياب إطار نضالي موحد فرضته الدولة نفسها. المسؤولية الحقيقية تقع
السياسات العمومية التي تنتج التمييز ثم تتهم الضحية بتفكيك الوحدة.
وعليه، فإن المعركة الحقيقية ليست في شيطنة الفئوية بل في:
إعادة بناء وحدة الشغيلة التعليمية على أساس ديمقراطي وكفاحي،
ربط المطالب الفئوية بأفق شمولي للعدالة الأجرية والمهنية،
ومواجهة منطق الفئوية داخل القطاع بنهج سياسة نضالية توحيدية، لا أخلاقوية ولا تبريرية.
الفئوية عرض، وليست السبب؛
والسبب هو سياسة تفكيك ممنهجة، لن تواجه إلا بنقابة جماهيرية ديمقراطية، مستقلة، ووحدوية بالفعل لا بالشعارات.
- التناقض في تقييم نضالات الفئات
تعترف القراءة بأن نضالات الفئات:
-فرضت نفسها ميدانيا
-أحرجت النقابات
-أعادت الاعتبار للفعل النضالي القاعدي
لكنها في الوقت نفسه تقلل من قيمتها الاستراتيجية، وتعتبرها مجرد معارك تقنية معزولة.
هذا التقييم يغفل أن هذه النضالات:
أعادت الثقة للشغيلة في قدرتها على التنظيم.
أفرزت أشكالا ديمقراطية في اتخاذ القرار أكثر تقدما.
المشكل إذن ليس في النضال الفئوي في حد ذاته، بل في غياب أفق يربطه بمعركة أشمل وأعم، وهو غياب تتحمل النقابات القائمة والنقابيين قسطا كبيرا من مسؤوليته.
- النقابة الفئوية: تراجع تاريخي أم تعبير عن لحظة انتقال؟
تعتبر القراءة أن تأسيس نقابة فئوية هو “تقهقر تاريخي” إلى ما قبل النقابة الجامعة.
غير أن هذا الحكم يتجاهل السياق التاريخي الحالي، الذي يتميز بـ:
-تفكك للعمل النقابي نتيجة استهدافه من طرف الدولة عبر العديد من التشريعات.
– ضعف الشرعية النضالية للعمل النقابي بمفهومه التقليدي
-تحول النقابات في كثير من الحالات إلى وسائط تدبير إداري،
في مثل هذا السياق، قد لا تكون النقابة الفئوية حلا استراتيجيا نهائيا، لكنها قد تمثل شكلا انتقاليا لإعادة تنظيم القواعد وبناء توازن قوى جديد، شريطة ألا تنغلق على ذاتها وألا تتحول إلى أداة تفاوض تقني معزول.
- الوحدة ليست شعارا بل ميزان قوى
تحيل القراءة باستمرار على “الوحدة” كحل، لكن التجربة الميدانية تظهر أن:
الوحدة لا تفرض أخلاقيا
ولا تستعاد بالنداء إليها
بل تبنى على أساس الثقة والقدرة على الفعل الميداني.
ولا يمكن مطالبة الشغيلة بالانخراط في وحدة نقابية لم تعد تشعر بأنها تحميها أو تعبر عنها.
إن الوحدة الحقيقية لا تمر عبر رفض الأشكال الجديدة من التنظيم، بل عبر احتضانها، نقدها، وتوجيهها نحو أفق جماعي.
خلاصة
إن الرهان الحقيقي ليس في الدفاع المبدئي عن النقابة الجامعة ولا في شيطنة النقابة الفئوية، بل في:
-استعادة القرار النقابي من القاعدة
-بناء أدوات نضالية ديمقراطية
-ربط المطالب الفئوية بالمعركة العامة دون وصاية ولا إقصاء
– اعتبار الفئوية ليست نقيض الوحدة دائما، كما أن الوحدة الشكلية قد تكون أحيانا الغطاء الأنجع لتفكيك الشغيلة. وما تحتاجه شغيلة التعليم اليوم هو نقاش نقابي شجاع لا يخاف من الأسئلة الصعبة، ولا يختبئ وراء شعارات صحيحة في ظاهرها لكنها معطلة في واقعها.
اقرأ أيضا


