استياء عمالي في رونو طنجة: نقابة بلا دفاع، واستثمار بلا حد
بقلم العاصي
يعيش شغيلة مصنع رونو طنجة حالة استياء عارم متصاعد، يُحمَّل فيها عدد واسع من العمال المسؤولية المباشرة للمكتب النقابي التابع للاتحاد المغربي للشغل، متهمين إياه بالتقاعس عن أداء مهامه الأساسية، وعلى رأسها الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للشغيلة والتصدي للإجراءات التي تمس الأجور واستقرار مناصب الشغل. لا يمكن فصل هذا الاستياء عن السياق العام الذي تُدبَّر فيه العلاقات المهنية داخل الشركات متعددة الجنسيات، حيث يُراد للتنظيم النقابي أن يكون أداة لـ”التأطير الاجتماعي” وضمان “الاستقرار”، بدل أن يكون قوة نضالية حقيقية للدفاع عن مصالح الشغيلة.
في الوقت ذاته، جرى الترويج لتحديث اتفاقيات جماعية شملت الوحدات الصناعية والتجارية لمجموعة رونو بالمغرب، توزعت بين الاتحاد المغربي للشغل بالنسبة لمصنع طنجة، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالنسبة لمصنعي «صوماكا» و«رونو كوميرس المغرب». من المفترض أن تؤطر هذه الاتفاقيات ظروف العمل وتحمي الحقوق الاجتماعية، لكن العمال يواجهون الواقع اليومي المتناقض: غياب أثر ملموس على أجورهم، استقرار مناصبهم، أو ظروف العمل، وغموض كامل حول مضمون هذه الاتفاقيات، التي لم تُنشر على مواقع النقابات الرسمية، ولا يُعرف من يراقب تنفيذها على أرض الواقع.
ما يحدث داخل رونو طنجة يعكس نموذج الاستثمار متعدد الجنسيات القائم على تعظيم الأرباح عبر خفض كلفة الإنتاج، بأجور متدنية، امتيازات ضريبية وجمركية سخية، وبنية تحتية تمولها الدولة. في هذا الإطار، تُختزل قوة العمل في يد عاملة مِطواعة، قابلة للاستنزاف، ومؤطَّرة نقابيًا بشكل شكلي يضمن “السلم الاجتماعي” دون نضال حقيقي، بينما يُمارس الضغط على الشغيلة لقبول شروط عمل مجحفة تحت شعار المنافسة الدولية وجاذبية الاستثمار. وهكذا يتحول العامل إلى الحلقة الأضعف في معادلة يتحكم فيها منطق الربح، ويعاد إنتاج الاستغلال الطبقي بأدوات حديثة لكنها لا تقل قسوة.
تقاعس الجهاز النقابي وقرارات تمس لقمة العيش
تفيد معطيات داخل المصنع بأن المكتب النقابي أخفق في معالجة ملفات اجتماعية حارقة، تشمل توقيف العمل المؤقت، اقتطاعات من الأجور، وتغييرات على تنظيم العمل، دون إشراك القاعدة العمالية أو تقديم توضيحات. إن تحميل العمال كلفة اختلالات تنظيمية أو خيارات تدبيرية لا يتحملون مسؤوليتها يعكس انحرافًا خطيرًا عن الدور التاريخي للنقابة كأداة للدفاع الجماعي، ويحوّلها إلى وسيط صامت يمرر منطق الإدارة على حساب مصالح الشغيلة.
اتفاقيات جماعية بلا مضمون فعلي
يزداد الأمر سوءًا في ظل المفارقة التالية: بينما تتحدث الإدارة والحكومة والنقابات عن “شراكة اجتماعية نموذجية” و”اتفاقيات حديثة وقطاعية”، يبقى العمال عاجزين عن معرفة مضمون هذه الاتفاقيات، التي يفترض أن تأتي بمكاسب تفوق تلك المنصوص عليها في قانون الشغل، أو مدى تطبيقها على أرض الواقع. حين تُفرغ الاتفاقيات من محتواها النضالي، فإنها لا تعود مكسبًا للشغيلة، بل تتحول إلى غطاء سياسي واجتماعي لتكريس الاستغلال وإضفاء الشرعية على المساس بحقوق الطبقة العاملة.
أزمة تمثيل لا تعني رفض التنظيم النقابي
الغضب العمالي المشروع داخل مصنع رونو طنجة يجب ألا يُوجَّه ضد مبدأ التنظيم النقابي نفسه، بل يجب أن يُستثمر في معركة إعادة بناء نقابة ديمقراطية، كفاحية، ومستقلة عن الإدارة والمصالح الضيقة، قادرة على التعبير عن مصالح العمال والدفاع عنها بفعالية. التاريخ العمالي يعلّمنا أن إضعاف النقابة أو تفريغها من مضمونها النضالي لا يخدم سوى أرباب العمل، غير أن نقابة تُفرض من فوق، ولا تُحاسب من القاعدة، ولا تنصت لنبض العمال، تتحول بدورها إلى عبء على الشغيلة بدل أن تكون أداتها في الصراع الطبقي.
من أجل نقابة مناضلة لا نقابة مرافقَة
الحل لا يكمن في الانسحاب أو الرضوخ، بل في تنظيم العمال ديمقراطيًا، وفرض المحاسبة داخل الأجهزة النقابية، واسترجاع النقابة من أيدي البيروقراطية، وربط النضال داخل المصنع بالنضال العمالي العام. فالطبقة العاملة بلا تنظيم نقابي واعٍ ومستقل تظل لقمة سائغة للاستغلال، بينما التنظيم النقابي الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع بالنضال الجماعي، بالوعي والإصرار. الطريق واضح: إما نقابة مناضلة تدافع عن مصالح العمال، أو فراغ يملؤه الاستغلال والقمع الاجتماعي والتهميش.
اقرأ أيضا


