يوم دراسي حول التعليم بمجلس المستشارين: حوار مع المناضلة صفية كجي

الحوار منشور في العدد 88 من جريدة المناضل-ة

نظمت مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، بوم دراسيا حول “مشروع قانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي ومسألة الدفاع عن مجانية وجودة المدرسة العمومية”. لإلقاء الضوء على دواعي عقده وخلاصاته، أجرت جريدة المناضل- ة حوارا مع المناضلة صفية كجي. هذا نصه:

1* عقدت مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل داخل مجلس المستشارين يوما دراسيا حول مشروع القانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي ومسألة الدفاع عن مجانية وجودة المدرسة العمومية”. ما سياق ودواعي ذلك؟

صفية: يندرج تنظيم هذا اليوم الدراسي من طرف النقابة الوطنية للتعليم ومجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، تحت عنوان: من أجل قانون للتعليم المدرسي العمومي يضمن الجودة والمجانية للجميع، وذلك للوقوف على مضامين ومقتضيات مشروع القانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، المساهمة في النقاش العمومي بخصوص المشروع، والدفاع عن المدرسة العمومية والمجانية والكشف عن ظواهر وبواطن هذا المشروع، وكذا لتخوفها من المساس بمدأ مجانية التعليم وفتح المجال للخوصصة أمام تراجع جودة المدرسة العمومية

2* ما هي الأطراف المشاركة في اليوم الدراسي؟ وهل كانت هناك مشاركة لمستشاري النقابات الأخرى داخل مجلس المستشارين؟

صفية:شارك في اليوم الدراسي المنظم يومه الاثنين 5 يناير 2026  بمجلس المستشارين كل من: النقابة الوظنية للتعليم و ⁠مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين والمكتب التنفيذي  للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ورئيس لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية في مجلس المستشارين و⁠ممثلين عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

3* ما هي محاور النقاش التي تناولها اليوم الدراسي؟

صفية: تناول اليوم الدراسي مجموعة من المحاول أهمها :

-كلمة رئيس لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين؛

– كلمة مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين من خلال مداخلتها المعدة لتقديمها أمام أنظار وزير التربية الوطنية والتعليم الاولي والرياضة أثناء مناقشة مشروع القانون؛

– كلمة المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل؛

– عرض ممثل الوزارة حول مضامين مشروع القانون 59-21؛

– ⁠عرض موقف النقابة الوطنية للتعليم من مشروع القانون.

4* ما هي خلاصات وتوصيات اليوم الدراسي؟

صفية: بعد تقديم العروض، فُتح نقاش مستفيض من طرف مناضلي ومناضلات النقابة الوطنية للتعليم ومجموع الحضور حول ما جرى تقديمه، ويتمثل موقف النقابة الوطنية للتعليم من مشرع القانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، في كونه موقفا مسؤولا، حذرا ومنفتحا في الآن نفسه يستند إلى تجربة ميدانية طويلة، وإلى تراكم نقابي يعتبر المدرسة العمومية رهانا مجتمعيا لا مجال للتفريط فيه، كما جرى التأكيد على أن الإشكال لا يكمن فقط في غياب القوانين بل في طبيعة الاختيارات التي تؤطرها وفي مدى توفر الإرادة السياسية الكفيلة بتحويلها إلى أثر  داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية. وخلص اللقاء إلى رفع مجموعة من التوصيات يتمثل مجملها في :

– التعليم المدرسي مسؤولية الدولة والضامن الفعلي للحق في التعليم والمتحمِّل الأول لمسؤولية تمويله وضمان إنصاف؛

– منح المدرسة العمومية مكانة مركزية واضحة مقرونة بضمانات مادية وبشرية؛

– ضمان شروط استمرار التعلم وجودة التعلمات والإنصاف في التوزيع والمجانية باعتبارها مبدأ مؤسِّسا؛

– ضمان الاستقرار المهني لنساء ورجال التعليم وتحسين شروط العمل؛

– الإنصات لمواقف الفاعلين الاجتماعيين وفي مقدمتهم النقابات التعليمية، واستحضار البعد الإجتماعي والإنساني للتشريع إلى جانب البعد التنظيمي والقانوني؛

– تحمَّل الدولة مسؤوليتها الكاملة في توفير العرض العمومي الكافي والقريب والمجاني وأن تضمن البنيات التحتية والموارد البشرية والنقل المدرسي والدعم الاجتماعي خاصة في الوسط القروي والمناطق الهشة؛

– دمج التعليم الاولي في التعليم الابتدائي وتوحيد المعايير وضمان تكوين حقيقي للمربيات والمربين يحميهم من الهشاشة عبر إدماجهم في الوظيفة العمومية؛

– ربط الجسور بين التعليم العام والتعليم المهني لإنقاذ المتعلم من الانقطاع، لا جسورا تبرر الإقصاء أو تضفي عليه طابعا مؤسساتيا؛

– ارساء آليات التتبع والتقييم لتشخيص أسباب التعثر؛

– رفض تحول الشراكات إلى مدخل لتقليص دور الدولة أو لتفويت وظائفها الأساسية أو لتكريس تفاوتات مجالية؛

– ⁠تنظيم القطاع الخاص لحماية المتعلم والأسر وضمان الجودة، وعدم تقديمه كبديل موضوعي عن المدرسة العمومية؛

– التأكيد على أن التعليم الإلزامي التزامٌ حقوقي وأخلاقي، والدولة ملزَمة بتوفير الموارد البشرية المتخصصة والبنيات الملائمة؛

وفي الأخير عبرت النقابة الوطنية للتعليم عن كون إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون إصلاحا قانونيا فقط، بل هو إصلاح مجتمعي شامل يتطلب وضوح الرؤية وثبات الاختيارات، واحترام الحق في التعليم وحماية المدرسة العمومية والاعتراف بالدور المحوري لنساء ورجال التعليم.

==============

ملحق

مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين

أرضية اليوم الدراسي حول موضوع: “مشروع قانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي ومسألة الدفاع عن مجانية وجودة المدرسة العمومية”

هناك حقيقة اليوم، لم تعد موضوع جِدال أو إِنكار، يتعلق الأمر بالأهمية التي يكتسيها موضوع التعليم في حياة الأمم وحضاراتها. ولىَّ زمنُ خطاب تبخيس هذه القيمة المتمعية المرتبطة بالسياسة والاقتصاد والثقافة. برهنت التجارب التاريخية على أن النَّقلات النوعية التي عرفتها المجتمعات، والقطائع التي أحدثتها مع التخلف والتأخر التاريخي، يرجع الفضل فيها إلى الاهتمام بموضوع التعليم، والاستثمار فيه، والاقتناع بأنه بوابة التقدم والتنمية، وبذلك حققت هذه المجتمعات نهضتها، واحتلت المكانة الريادية في اقتصادات العالم. بيدَ أن التحولات العالمية، وموازين القوى التي اختلت لصالح الرأسمال، في ظل عولمة متوحشة، وتوجه نيوليبرالي يروم اكتساح الأسواق وعولمتها، للتحكم والهيمنة عليها، أعاد صياغة الاستراتيجيات، وبناء أنساق جديدة قائمة على المنطق التجاري كمنطق للربح يستبعد القيم والثقافة القائمة على محورية الإنسان. ولتحقيق هذه الفعالية، من وجهة نظر هذا المنطق، يتعين تدمير البيئة، وتدمير الإنسان، وتدمير حقوقه ومكتسباته، وتدمير كل ما راكمته الإنسانية. في هذا السياق، ضغط الرأسمال على الدول والحكومات، لتقديم التحفيزات الضريبية، ومراجعة التشريعات ومراجعة الضمان الاجتماعي والصحي، لفتح الباب لخوصصة الخدمات العمومية، وإضفاء الطابع التجاري عليها، وضمنها التعليم (يمكن الرجوع هنا إلى كتاب: “فخ العولمة”، سلسلة عالم المعرفة، 2003، ص 10). ورغم أن هذا التوجه الليبرالي الجديد كان من تداعياتها تعميق التفاوتات الاجتماعية والمجالية واتساع دائرة البطالة والفقر… فإن الرأسمال مستمر في هذه البربرية الجديدة. وقليل من الدول والحكومات التي تمكنت من الصمود، ما عرَّضها لمختلف الضغوط والعقوبات. ولقد كان للحركة النثابية العالمية دورا رياديا في هذه المواجهة والمقاومة. انطلاقا من ذلك، يمكن القول إن موضوع التعليم ظل موضوعا للتجاذبات السياسية والأيديولوجية منذ الاستقلال المعطوب، وهو تعبير عن صراع يعكس في جوهره الجواب المقدَّم لسؤال: أي مشروع مجتمعي نريد؟ وهو السؤال الذي حكم منطلقات وخلفيات كل “مخطَّطات الإصلاح التي كان مآلها الإخفاقات المتتالية، وظلت المدرسة العمومية تشكو من الأعطاب البنيوية. هذا الفشل تشهد عليه التقارير الوطنية (المجلس الأعلى للتربية والتكوين، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي…)، والتقارير الدولية (TIMS-PIRLS).

نعتقد في النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الموقف الرسمي تجاه موضوع التعليم، ظل يترأجح بين الرفض وتهميش القطاع باعتباره غير منتِج ومكلِّف، وبين تبني خطاب “الإصلاح” بدون مدلول وتكمن مأساويته في المفاربة بين الخطاب والممارسة. وفي الحالتين، فالأمر لا يخرج عن الخضوع لإملاءات التوجهات النيوليبرالية والمؤسسات المالية الناطقة باسمها. وتظل خلاصتنا كلما وضعنا أمامنا نصا يخص التعليم، يتأكد غياب الإرادة السياسية في الإصلاح بل عدم الاقتناع بجدوى الإصلاح، لأن إصلاح التعليم هو جزء من الإصلاح الشامل، ولكي يتخذ مدلوله الواقعي والتاريخي، بتعبير الراحل محمد عابد الجابري، ينبغي أن يكون طوحه مواجهة الإمبريالية/ الرأسمال، ووضع حد للاستبداد (كتاب: “في نقد الحاجة إلى الإصلاح، ص 234).

في هذا السياق يندرج تنظيم هذا اليوم الدراسي حول مشروع قانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، للوقوف على مضامينه ومقتضياته، عبر تفكيكه كنص، والكشف عن ظواهره وبواطنه طارحين الأسئلة التالية: – ما موقع التعليم العمومي في هذا المشروع؟ – أي تعليم عمومي يؤسس له هذا المشروع؟ – ما هي تداعيات هذا المشروع على الحق في التعليم كحق إنساني؟ وعلى المجانية؟ وعلى العدالة التربوية؟ وعلى الإنصاف وتكافؤ الفرص؟ ما هي رهانات هذا المشروع وخلفياته ومنطلقاته؟ أي مجتمع يؤسس له هذا المشروع؟ أي دور لهذا المشروع في الإصلاح والنهوض بالمدرسة العمومية في ظل التحولات الكونية؟

شارك المقالة

اقرأ أيضا