قراءة سوسيولوجية في كتاب حراك شغيلة التعليم 2023: تقييم ودروس المستقبل (منشورات جريدة المناضلة)
بقلم؛ كمال مصطفي*
يشكّل كتاب حراك شغيلة التعليم 2023: تقييم ودروس المستقبل، الصادر عن منشورات جريدة المناضلة التابعة إلى المناضلة، محاولة تحليلية لتوثيق واحدة من أهم اللحظات الاجتماعية التي عرفها قطاع التعليم بالمغرب خلال السنوات الأخيرة. فالكتاب لا يقتصر على سرد وقائع الحراك الذي قادته شغيلة التعليم، بل يسعى إلى استخلاص دلالاته الاجتماعية والسياسية، والوقوف عند أبعاده المستقبلية في علاقة المدرسة العمومية المغربية بمحيطها المجتمعي والسياسي. ومن منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار هذا العمل مساهمة في فهم التحولات التي يعرفها الحقل التربوي بالمغرب، باعتباره فضاءً للصراع الرمزي والاجتماعي بين فاعلين متعددين تتقاطع مصالحهم داخل منظومة التعليم.
إن الحراك الذي عرفه قطاع التعليم خلال سنة 2023 لم يكن مجرد تعبير ظرفي عن مطالب مهنية مرتبطة بتحسين الأجور أو تعديل النظام الأساسي، بل مثّل لحظة اجتماعية كثيفة الدلالة كشفت عن توترات بنيوية داخل المؤسسة التعليمية وعن التحولات التي تعرفها العلاقة بين الدولة وشغيلة التعليم. فالمؤسسة المدرسية، باعتبارها أحد أهم أجهزة إنتاج المعرفة وإعادة إنتاج المجتمع، تصبح مجالاً للصراع حول المكانة الاجتماعية للمدرس، وحول طبيعة السياسات التعليمية التي توجه مستقبل المدرسة العمومية.
في هذا الإطار يمكن الاستفادة من التحليل السوسيولوجي الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu لفهم طبيعة الصراعات التي يعرفها الحقل التعليمي. فبوريو ينظر إلى المجتمع باعتباره مجموعة من الحقول الاجتماعية المستقلة نسبياً، حيث يتنافس الفاعلون حول أشكال مختلفة من الرأسمال، مثل الرأسمال الاقتصادي والثقافي والرمزي. ومن هذا المنظور يمكن فهم التعليم باعتباره حقلاً اجتماعياً قائماً بذاته، تتحدد داخله مواقع الفاعلين تبعاً لما يمتلكونه من موارد مادية ورمزية. وفي هذا الحقل يحتل المدرسون موقعاً خاصاً بحكم امتلاكهم لرأس مال ثقافي يتمثل في المعرفة والتكوين الأكاديمي، غير أن هذا الرأسمال لا يوازيه دائماً اعتراف اقتصادي أو اجتماعي كافٍ، وهو ما يخلق حالة من التوتر داخل المهنة التعليمية.
إن الحراك الذي وثقه الكتاب يعكس، في جانب منه، محاولة لإعادة التوازن داخل هذا الحقل، حيث يسعى المدرسون إلى الدفاع عن موقعهم الاجتماعي وعن الاعتراف بقيمة العمل التربوي الذي يقومون به داخل المجتمع. فالمطالبة بتحسين الأوضاع المهنية ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل هي أيضاً مطالبة بإعادة الاعتبار للرأسمال الرمزي للمهنة التعليمية، أي الاعتراف الاجتماعي بدور المدرس في إنتاج المعرفة وتكوين الأجيال. وقد أشار Pierre Bourdieu إلى أن الصراعات داخل الحقول الاجتماعية غالباً ما تكون صراعات حول الشرعية والاعتراف بقدر ما هي صراعات حول الموارد المادية.
ومن جهة أخرى، يتيح تحليل الفيلسوف الفرنسي Michel Foucault فهماً مكملاً لطبيعة التوترات التي يعرفها قطاع التعليم. فالمؤسسة التعليمية في تصور فوكو ليست مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل هي أيضاً جهاز اجتماعي يمارس أشكالاً مختلفة من السلطة من خلال آليات المراقبة والتقييم والتنظيم الإداري. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحراك التعليمي باعتباره لحظة مقاومة داخل جهاز مؤسساتي يسعى إلى ضبط الفاعلين التربويين وفق قواعد إدارية وتنظيمية محددة.
إن المطالب التي عبّر عنها المدرسون خلال هذا الحراك لم تقتصر على الجوانب المادية، بل شملت أيضاً نقداً لأنماط الحكامة داخل المنظومة التعليمية، والاحتجاج على بعض أشكال التدبير البيروقراطي التي يشعر العديد من الفاعلين التربويين بأنها تحد من استقلاليتهم المهنية. وبهذا المعنى يمكن القول إن الحراك كشف عن صراع حول تعريف المهنة التعليمية وحدود السلطة داخل المؤسسة المدرسية، أي حول من يمتلك الحق في تحديد طبيعة العمل التربوي وأهدافه.
كما يعكس هذا الحراك تحولات في أشكال الفعل الجماعي داخل المجتمع المغربي. فخلافاً للحركات النقابية التقليدية، برزت خلال هذه المرحلة أشكال جديدة من التعبئة المهنية اعتمدت بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء للتنسيق والتنظيم وبناء الخطاب الاحتجاجي. وقد ساهم هذا العامل في تعزيز الشعور بالانتماء المهني لدى المدرسين وفي بناء هوية جماعية قائمة على الدفاع عن المدرسة العمومية وعن مكانة المدرس داخل المجتمع.
ومن منظور سوسيولوجيا التعليم، فإن هذه الدينامية الاحتجاجية لا يمكن فصلها عن الأزمة الأوسع التي تعيشها المدرسة العمومية بالمغرب. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن النظام التعليمي المغربي يواجه تحديات متعددة تتعلق بجودة التعلمات، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية والاجتماعية في فرص الولوج إلى التعليم. كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة أثرت بشكل مباشر في علاقة المجتمع بالمدرسة، حيث أصبحت هذه الأخيرة مطالبة بتحقيق وظائف متعددة في آن واحد، من بينها التكوين المعرفي، وإعداد الموارد البشرية لسوق الشغل، وتعزيز قيم المواطنة.
في هذا السياق تناولت الباحثة المغربية Rahma Bourqia في عدد من أعمالها العلاقة بين التعليم والتحولات الاجتماعية في المغرب، مبرزة أن المدرسة تلعب دوراً مركزياً في إنتاج النخب وفي إعادة تشكيل القيم الاجتماعية داخل المجتمع. كما اهتم الباحث Moha Ennaji بدراسة العلاقة بين التعليم والهوية الثقافية في المغرب، خاصة في ظل التعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع المغربي، حيث تشكل اللغة والثقافة عناصر أساسية في تحديد مسارات التلاميذ داخل النظام التربوي.
إن القراءة السوسيولوجية للكتاب تظهر أن الحراك التعليمي لسنة 2023 لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بمكانة المدرسة العمومية داخل المجتمع المغربي. فالاحتجاجات التي عرفها القطاع أعادت طرح سؤال جوهري حول وظيفة المدرسة: هل هي مجرد أداة لإنتاج الموارد البشرية لسوق الشغل، أم فضاء لإنتاج المعرفة وبناء المواطنة وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الكتاب يمثل محاولة لتوثيق هذه اللحظة الاجتماعية وتحليلها في أفق استخلاص الدروس المستقبلية، خاصة فيما يتعلق بضرورة إعادة التفكير في السياسات التعليمية وفي موقع المدرس داخل المنظومة التربوية. فالإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح دون إشراك الفاعلين الأساسيين داخل المدرسة، وعلى رأسهم المدرسون، في صياغة السياسات التعليمية وفي تحديد مسارات الإصلاح.
وفي النهاية، يكشف التحليل السوسيولوجي الذي يتيحه هذا الكتاب أن التوترات التي عرفها قطاع التعليم ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي تعبير عن صراع أعمق حول المعرفة والسلطة والاعتراف داخل المجتمع. ومن خلال استحضار مفاهيم الحقل والرأسمال الرمزي لدى Pierre Bourdieu، وتحليل السلطة والمعرفة لدى Michel Foucault، يمكن فهم هذا الحراك باعتباره جزءاً من دينامية اجتماعية أوسع تعكس التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي في سعيه إلى بناء منظومة تعليمية أكثر عدلاً وفعالية، حيث تظل المدرسة العمومية أحد أهم الفضاءات التي تتحدد داخلها رهانات المستقبل الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
إن الحراك الذي عرفه قطاع التعليم خلال سنة 2023 لم يكن مجرد تعبير ظرفي عن مطالب مهنية مرتبطة بتحسين الأجور أو تعديل النظام الأساسي، بل مثّل لحظة اجتماعية كثيفة الدلالة كشفت عن توترات بنيوية داخل المؤسسة التعليمية وعن التحولات التي تعرفها العلاقة بين الدولة وشغيلة التعليم. فالمؤسسة المدرسية، باعتبارها أحد أهم أجهزة إنتاج المعرفة وإعادة إنتاج المجتمع، تصبح مجالاً للصراع حول المكانة الاجتماعية للمدرس، وحول طبيعة السياسات التعليمية التي توجه مستقبل المدرسة العمومية.
في هذا الإطار يمكن الاستفادة من التحليل السوسيولوجي الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu لفهم طبيعة الصراعات التي يعرفها الحقل التعليمي. فبوريو ينظر إلى المجتمع باعتباره مجموعة من الحقول الاجتماعية المستقلة نسبياً، حيث يتنافس الفاعلون حول أشكال مختلفة من الرأسمال، مثل الرأسمال الاقتصادي والثقافي والرمزي. ومن هذا المنظور يمكن فهم التعليم باعتباره حقلاً اجتماعياً قائماً بذاته، تتحدد داخله مواقع الفاعلين تبعاً لما يمتلكونه من موارد مادية ورمزية. وفي هذا الحقل يحتل المدرسون موقعاً خاصاً بحكم امتلاكهم لرأس مال ثقافي يتمثل في المعرفة والتكوين الأكاديمي، غير أن هذا الرأسمال لا يوازيه دائماً اعتراف اقتصادي أو اجتماعي كافٍ، وهو ما يخلق حالة من التوتر داخل المهنة التعليمية.
إن الحراك الذي وثقه الكتاب يعكس، في جانب منه، محاولة لإعادة التوازن داخل هذا الحقل، حيث يسعى المدرسون إلى الدفاع عن موقعهم الاجتماعي وعن الاعتراف بقيمة العمل التربوي الذي يقومون به داخل المجتمع. فالمطالبة بتحسين الأوضاع المهنية ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل هي أيضاً مطالبة بإعادة الاعتبار للرأسمال الرمزي للمهنة التعليمية، أي الاعتراف الاجتماعي بدور المدرس في إنتاج المعرفة وتكوين الأجيال. وقد أشار Pierre Bourdieu إلى أن الصراعات داخل الحقول الاجتماعية غالباً ما تكون صراعات حول الشرعية والاعتراف بقدر ما هي صراعات حول الموارد المادية.
ومن جهة أخرى، يتيح تحليل الفيلسوف الفرنسي Michel Foucault فهماً مكملاً لطبيعة التوترات التي يعرفها قطاع التعليم. فالمؤسسة التعليمية في تصور فوكو ليست مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل هي أيضاً جهاز اجتماعي يمارس أشكالاً مختلفة من السلطة من خلال آليات المراقبة والتقييم والتنظيم الإداري. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحراك التعليمي باعتباره لحظة مقاومة داخل جهاز مؤسساتي يسعى إلى ضبط الفاعلين التربويين وفق قواعد إدارية وتنظيمية محددة.
إن المطالب التي عبّر عنها المدرسون خلال هذا الحراك لم تقتصر على الجوانب المادية، بل شملت أيضاً نقداً لأنماط الحكامة داخل المنظومة التعليمية، والاحتجاج على بعض أشكال التدبير البيروقراطي التي يشعر العديد من الفاعلين التربويين بأنها تحد من استقلاليتهم المهنية. وبهذا المعنى يمكن القول إن الحراك كشف عن صراع حول تعريف المهنة التعليمية وحدود السلطة داخل المؤسسة المدرسية، أي حول من يمتلك الحق في تحديد طبيعة العمل التربوي وأهدافه.
كما يعكس هذا الحراك تحولات في أشكال الفعل الجماعي داخل المجتمع المغربي. فخلافاً للحركات النقابية التقليدية، برزت خلال هذه المرحلة أشكال جديدة من التعبئة المهنية اعتمدت بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء للتنسيق والتنظيم وبناء الخطاب الاحتجاجي. وقد ساهم هذا العامل في تعزيز الشعور بالانتماء المهني لدى المدرسين وفي بناء هوية جماعية قائمة على الدفاع عن المدرسة العمومية وعن مكانة المدرس داخل المجتمع.
ومن منظور سوسيولوجيا التعليم، فإن هذه الدينامية الاحتجاجية لا يمكن فصلها عن الأزمة الأوسع التي تعيشها المدرسة العمومية بالمغرب. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن النظام التعليمي المغربي يواجه تحديات متعددة تتعلق بجودة التعلمات، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية والاجتماعية في فرص الولوج إلى التعليم. كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة أثرت بشكل مباشر في علاقة المجتمع بالمدرسة، حيث أصبحت هذه الأخيرة مطالبة بتحقيق وظائف متعددة في آن واحد، من بينها التكوين المعرفي، وإعداد الموارد البشرية لسوق الشغل، وتعزيز قيم المواطنة.
في هذا السياق تناولت الباحثة المغربية Rahma Bourqia في عدد من أعمالها العلاقة بين التعليم والتحولات الاجتماعية في المغرب، مبرزة أن المدرسة تلعب دوراً مركزياً في إنتاج النخب وفي إعادة تشكيل القيم الاجتماعية داخل المجتمع. كما اهتم الباحث Moha Ennaji بدراسة العلاقة بين التعليم والهوية الثقافية في المغرب، خاصة في ظل التعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع المغربي، حيث تشكل اللغة والثقافة عناصر أساسية في تحديد مسارات التلاميذ داخل النظام التربوي.
إن القراءة السوسيولوجية للكتاب تظهر أن الحراك التعليمي لسنة 2023 لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بمكانة المدرسة العمومية داخل المجتمع المغربي. فالاحتجاجات التي عرفها القطاع أعادت طرح سؤال جوهري حول وظيفة المدرسة: هل هي مجرد أداة لإنتاج الموارد البشرية لسوق الشغل، أم فضاء لإنتاج المعرفة وبناء المواطنة وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الكتاب يمثل محاولة لتوثيق هذه اللحظة الاجتماعية وتحليلها في أفق استخلاص الدروس المستقبلية، خاصة فيما يتعلق بضرورة إعادة التفكير في السياسات التعليمية وفي موقع المدرس داخل المنظومة التربوية. فالإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح دون إشراك الفاعلين الأساسيين داخل المدرسة، وعلى رأسهم المدرسون، في صياغة السياسات التعليمية وفي تحديد مسارات الإصلاح.
وفي النهاية، يكشف التحليل السوسيولوجي الذي يتيحه هذا الكتاب أن التوترات التي عرفها قطاع التعليم ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي تعبير عن صراع أعمق حول المعرفة والسلطة والاعتراف داخل المجتمع. ومن خلال استحضار مفاهيم الحقل والرأسمال الرمزي لدى Pierre Bourdieu، وتحليل السلطة والمعرفة لدى Michel Foucault، يمكن فهم هذا الحراك باعتباره جزءاً من دينامية اجتماعية أوسع تعكس التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي في سعيه إلى بناء منظومة تعليمية أكثر عدلاً وفعالية، حيث تظل المدرسة العمومية أحد أهم الفضاءات التي تتحدد داخلها رهانات المستقبل الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
شارك المقالة
اقرأ أيضا
