مشكلة مطلق الجن في عصر الذكاء الاصطناعي
المقال منشور في العدد 62 من اسبوعية جريدة المناضل – ة
بقلم ديفيد موسكروب David Moscrop
يُعتبر الذكاء الاصطناعي قوة يستحيل إيقافها، لكنه لا يزال يعتمد كليًا على العمل البشري لكي يعمل. وسواء كانت هذه التقنيات ستحرر أو ستسبب البؤس، يتوقف الأمر على من يتحكم في تطويرها ونشرها.
يجنح الحديث عن ثورة الذكاء الاصطناعي إلى تجاهل الشغيلة، ما خلا عندما يتعلق الأمر بالتحذير من أن التقنيات الجديدة ستجرد العمالة البشرية من سلطتها وتحل محلها. من المؤكد أن صفارات الانذار سوف تدوي بصوت أعلى وأعلى، ولكنها من النوع الذي يشجع على التجاهل الجماعي. ففي نهاية المطاف، ماذا بوسعك أن تفعل؟ إنها موجة عارمة من التكنولوجيا والتاريخ والتقدم. التاريخ سيتكلف بالأمر. كما يفعل دائمًا.
في الواقع، التاريخ يتكلف بالأمر. ولكن ليس بالطريقة الموعودة. لم تُلغ الثورات التكنولوجية السابقة العمل، ولكنها غيرته بنحو كبير. فعلا تولد سيرورة التحويل هذه فرص عمل جديدة — كما يدعي غالبا المدافعون عن التكنولوجيا— ولكنها فرص عمل أكثر تجزئة ومراقبة واستلابا. أدت بدايات الميكنة إلى إضعاف مهارات الحرفيين، مُركِّزة السيطرة على الإنتاج حتى مع توسع فرص العمل. بالطبع تخلق الابتكارات التكنولوجية ”فرص عمل جديدة“، من أتمتة الأعمال المكتبية إلى لوجستيات المنصات، ولكن استقلالية العمال تتعرض لضربة تلو الأخرى مع إعادة تنظيم العمل حول أنظمة مدارة بشكل أشذ تصلبا.
تُسهم النزعة القدرية المحيطة بالذكاء الاصطناعي بتواطؤ مشترك في الانهيار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المحتمل الذي يهدد بمرافقة البطالة الجماعية الناجمة عن اعتماد الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ثمة بُعد آخر لدينامية العمل والتكنولوجيا يتم تجاهله أو بخس قدره في تقييمات هذه القفزات الكبيرة إلى الأمام، إنهالدور الذي يؤديه الشغيلة في تكوين هذه التقنيات الجديدة وتفعيلها.
لا يتعلق الأمر ببساطة بالاستعاضة عن العمل بالآلات، بل بإعادة تنظيم العمل من قبل رأس المال. إنه تهديد بانتزاع المهارات والمعرفة وتقنينها بواسطة تقنيات جديدة وأنظمة إنتاج مصممة للعمل بدون الشغيلة الذين جعلوها ممكنة.
تكوين الأدوات من أجل دفن فرص العمل القديمة
يمكن أن نسمي ذلك حافر قبره بنفسه، بيد أن الواقع أشد تعقيدًا. يوثق فيلم قصير جديد بعنوان Their Eyes (عيونهم) للمخرج نيكولاس غوراو عمل شغيلة أجانب يدربون سيارات ذاتية القيادة من خلال تحليل وتفسير الصور التي تعتمد عليها المركبات لتعلم كيفية القيادة على الطريق. يقول غوراو إنه يأمل أن يسلط عمله الضوء على ”جزء من واقع الانتزاع الذي تعتمد عليه العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية“. وقد نجح في ذلك.
إذا كان الشغيلة، بمعنى ما، يحفرون قبورهم بأنفسهم بإتاحة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التي ستجعلهم في نهاية المطاف، هم وشغيلة آخرين، متجاوَزين وعديمي القوة، فإنهم يفعلون ذلك مكرهين. تبحث شركات التكنولوجيا عن يد عاملة منخفضة الأجر لتدريب آلاتها، وللشغيلة الذين يقبلون بهذه الوظائف هامش مناورة أقل للقلق بشأن الآثار طويلة المدى لعملهم، مقارنةً، على سبيل المثال، بكسب الرزق والبقاء على قيد الحياة اليوم. ليسوا من يتخذ حقيقةً القرارات .
إنها دينامية مألوفة، سواء من الناحية التاريخية أو في الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي. في خريف عام 2020، استحوذت تقارير عن عمال آليين على اهتمام الجمهور عندما ظهرت آلة لتخزين البضائع على الرفوف في متجر ياباني. في الواقع، كان يتم تشغيلها عن بُعد من طرف عامل قريب بواسطة كاميرا فيديو. في ذلك الوقت، لم تكن أشكال العمل عن بُعد، بالمعني الحرفي والمجازي، جذابة فحسب، بل كانت ضرورية — مسألة حياة أو موت. بحلول صيف عام 2025، تم الترويج لروبوت جديد، Neo، من بين آخرين، على أنه مستقبل العمل المنزلي.
يمكن لروبوت الذكاء الاصطناعي طي الغسيل، وسقي النباتات، وتعبئة غسالة الأطباق، وإدارة المهام الروتينية التي وعدنا منذ عقود بأن تتكفل بها يومًا ما التكنولوجيا الآلية. ولكن كما اتضح، يتم التحكم في Neo ومعظم نظرائه من قبل البشر باستخدام الكاميرات — على الأقل في الوقت الراهن. إذن، ليست الروبوتات الآلية مجرد وهم (مرة أخرى، على الأقل في الوقت الراهن)، بل هي نافذة على منزلك، حيث يمكن لمشغليها رؤية ما ”يراه“ الروبوت. بسعر 20 ألف دولار، إنها نافذة باهظة الثمن على مساحتك الخاصة، لكن التكاليف الحقيقية أعلى بكثير من السعر المعلن.
مراقبو هال البشر
كما قال أليكس هانا وإميلي م. بندر، ”تتطلب معظم أدوات الذكاء الاصطناعي قدرًا هائلاً من العمل الخفي لكي تعمل “. يتمثل العمل في إنشاء البيانات وتحليلها وفرزها للآلات؛ وفي بعض الحالات، ويتمثل أحيانا في تشغيلها أيضًا، باستخدام البراعة والرأي الذين يعتبران طبيعيين وسهلين للبشر ولكنهما صعبين للغاية على الروبوتات.
في مرحلة ما، لا شك أن الخطة هي التخلص من العمالة البشرية وزيادة حصة الذكاء الاصطناعي والتحكم الآلي. من غير المؤكد ما إذا كان نقطة التحول ستَحُل في غضون خمس سنوات أم عشرين سنة. ما لا شك فيه هو أن رؤوس الأموال الكبيرة ارتمت في اللعبة، مع استثمار آلاف المليارات، والمبلغ لا يكف عن التزايد.
على المدى القصير، لا غنى عن العمال لتطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله. ولكن على المدى الطويل، قد يصبح عملهم ليس فقط غير مستقر، بل تنعدم الحاجة اليه كليا. نفس العمل الذي يولد قيمة هائلة للمستثمرين ومالكي الأسهم في مجال التكنولوجيا قد يترك العمال أنفسهم على الهامش. لكنهم لن يكونوا وحدهم: ملايين فرص العمل في جميع أنحاء العالم معرضة للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي.
يعتقد البعض أن فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر. ولكن حتى لو حدث ذلك، فلن يمنع أو يلغي التغييرات التكنولوجية والاقتصادية طويلة الأجل التي ستصاحب تطور الذكاء الاصطناعي. بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي موجودة لتبقى، وستدمج بشكل دائم في تدفقات وأنظمة الوظائف المكتبية واليدوية، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل فئات الوظائف وجعل أعداد كبيرة من العمال زائدين عن الحاجة. على سبيل المثال، تعتبر أعمال النسخ الصوتي معرضة بشكل خاص للخطر. من الصعب تخيل العودة إلى مجموعات النسخ — والتكاليف المرتبطة بها — عندما يمكن للخدمات الرخيصة تقديم نسخ قابلة للاستخدام بسرعة وبدقة معقولة. قد تكون السيارات ذاتية القيادة والعمال المنزليون الآليون رهانًا أكثر خطورة، لكن ذلك لن يمنع وادي السيليكون من المحاولة.
يجب أن يدير العمال المقاولات
في هذا الطور، أفضل رهان للعمال هو اختيار معاركهم بعناية فائقة والتنظيم الاستراتيجي في الصناعات الرئيسية، والاستعداد للذهاب إلى أبعد الحدود لحماية فرص العمل والعمال في تلك القطاعات على نطاق واسع —في الصناعات التحويلية وصناعة السيارات مثلا. لكن النقابات لا يمكنها أن تذهب بعيدا جدا بمفردها.
يجب ألا يكون هناك مجال للتفاوض بشأن تحكم العمال في المؤسسات وسلطة أماكن العمل والإنتاج. إن توطيد سلطة العمال داخل الصناعة نفسها، في ورش العمل والمكاتب، يمنح العمال تحكما مباشرا لا يمكن تحقيقه بالمفاوضة الجماعية أو الإضراب وحدهما.
لا يمكن تحقيق ملكية العمال وسيطرتهم على الصناعة بسهولة. تختلف النماذج، ولا توجد طريقة واحدة تناسب كل الصناعات. تختلف المصالح عبر القطاعات وحتى داخلها، وقد يكون من الصعب الحفاظ على التضامن عبر الحدود الجغرافية، الأجنبية والمحلية. لكننا في لحظة تتطلب تكاتف الجميع.
إن اعتماد تطوير الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع على العمال في الداخل والخارج يكشف عن السلطة التي تمتلكها شركات التكنولوجيا على العمال ومستقبلهم. إذا كان بإمكان الشركات استخدام العمال لجعلهم عاجزين وعفا عليهم الزمن في الوقت الفعلي، مع معرفة كاملة بالآثار الفردية والجماعية طويلة المدى لاستراتيجيتها، فبوسعها أن تنجو بكلفة زهيدة.
وإثبات العكس يتطلب أكثر من مجرد الاعتراف بالدور الحاسم الذي تؤديه العمالة في تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره. ليست التكنولوجيا مجرد قوة خارجية تؤثر على المجتمع من خارج. إنها علاقة اجتماعية، تشكلها الملكية والسيطرة وأولئك الذين تخدم مصالحهم. لا شك في أن الذكاء الاصطناعي سيحول العمل — والسؤال هو إلى أي مدى سيكون للعمال رأي في كيفية تطور إعادة التنظيم هذه. نحن بحاجة إلى ارساء ترتيبات اقتصادية وسياسية تتيح لأكبر عدد تشكيل التقنيات واستخدامها بنحو يفيد الجميع، وليس فقط لصالح المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا ومستثمريهم.
ديفيد موسكروب كاتب ومعلق سياسي. يقدم بودكاست Open to Debate وهو مؤلف كتاب Too Dumb For Democracy? Why We Make Bad Political Decisions and How We Can Make Better Ones.
المصدر:
https://jacobin.com/2026/01/ai-automation-deskilling-worker-control
اقرأ أيضا


