لينين والحرب: عندما تفتح الحرب أفقا ثوريا

الثورة, رأي, سياسة3 مارس، 2026

بقلم محمد السفريوي

ما إن تندلع حرب كبرى، حتى ينقسم اليسار بين من يتبنى خطاب “الدفاع عن الوطن ضد العدو الخارجي ”، ومن يحاول فهم الحرب باعتبارها نتاجا لبنية رأسمالية قائمة. هذا الانقسام ليس حديثا. فلقد عرفته الحركة الاشتراكية بحدة سنة 1914، عندما صوتت أحزاب الأممية الثانية لصالح  الحرب، واصطفّت وراء برجوازياتها الوطنية. في تلك اللحظة، انهار تصور كامل عن الأممية العمالية. مما دفع  فلاديمير لينين إلى بلورة  واحد من أكثر المواقف جذرية في تاريخ الفكر السياسي: الحرب ليست قدرا،  بل نتيجة، ويمكن تحويلها من أداة لإعادة إنتاج النظام إلى لحظة لإسقاطه.

لم يؤسس لينين لهذا  الموقف من منطلق أخلاقي رافض للحرب، بل من تحليل مادي لطبيعتها. فقد رأى أن الحرب العالمية الأولى لم تكن حرب دفاع عن الشعوب، بل حربا إمبريالية بين قوى رأسمالية تتنافس على الأسواق ومناطق النفوذ. بهذا المعنى، لم يكن العمال و حلفاؤهم الطبقيون الذين يزج بهم  في الجبهات يدافعون عن مصالحهم، بل عن مصالح طبقاتهم الحاكمة. لذلك رفض لينين بشكل قاطع فكرة “الدفاع عن وطن هؤلاء…”.

هذا الموقف عارض به معظم الأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي اختارت الاصطفاف وراء دولها. بالنسبة له، كان خطأ سياسيا. و لم يتوقف لينين عند هذا الحد، بل ذهب بعيدا إلى فضح طبيعة الحرب. ومن ثم طرح شعارا بدا صادما حتى داخل اليسار: تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية. لم يكن ذلك تعبيرا عن نزعة عدمية، بل عن فهم جدلي للأزمة. فالحرب، بما تؤدي إليه من إنهاك اقتصادي وتفكك سياسي، تُضعف الأنظمة القائمة وتفتح إمكانيات ثورية لم تكن متاحة في زمن الاستقرار. لذلك اعتبر لينين أن هزيمة روسيا القيصرية، رغم كلفتها، ستُسرع سقوط النظام وتفتح الطريق أمام الثورة.

بهذا المعنى، لم يكن هدفه إنهاء الحرب بأي ثمن، بل إنهاء النظام الذي ينتج الحروب. وعندما وصل البلاشفة إلى السلطة سنة 1917، ترجم هذا الموقف عمليا عبر الانسحاب من الحرب، وقدم تنازلات قاسية. لم يكن ذلك مهادنة، بل انسجاما مع الفكرة الأساسية: الحرب ليست قضية حدود، بل قضية سلطة.

تكمن راهنية هذا الموقف اليوم، ونحن نعيش في منطقة تعرف بها الحروب، في أنه يذكّرنا بأن الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل لحظة سياسية مكثفة تكشف طبيعة الأنظمة القائمة. ففي زمن الحرب، تتعرّى الشعارات، وتظهر الدولة في وظيفتها الأصلية: إدارة الصراع باسم الطبقات وأيديولوجيتها التي تمسك بزمام الاقتصاد. هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: مع أي طرف نقف؟ بل: ما هو النظام الذي أنتج هذه الحرب، وكيف يمكن تجاوزه؟

هذا هو الدرس الأعمق لموقف لينين. لم ير في الحرب لحظة رفع شعارات تترجم مواقفا أخلاقية، بل لحظة حقيقة. لحظة يتوقف فيها التاريخ عن السير ببطء، وتفتح فجأة إمكانية القطيعة. بين من يرى في الحرب قدَرا يجب التكيف معه، ومن يرى فيها أزمة يمكن تحويلها إلى بداية جديدة، يتحدد الموقع السياسي الحقيقي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا