27 فبراير 2011: واقعة جوهرية في حراك 20 فبراير عرضة للطمس
كلما حل يوم 20 فبراير نستعيد الحراك الجماهيري الذي انطلق هذا اليوم من العام 2011، ونستعرض تقييم النضالات ودروسها. وبدوره يقوم الاعلام البرجوازي بعرض ما تنتجه مراكز البحث والجامعات المروجة للايديولوجية السائدة من تحليلات متحذلقة بقدر ما هي سطحية، أفضل ما فيها تجميع للمعلومات والتواريخ. وما يعوز هذا “العلم” هو فهم الآلية الطبقية الفاعلة في حراك 20 فبراير كما في سواه من الظاهرات الاجتماعية و السياسية. ولهذا الاعلام البرجوازي و”العلم” الجامعي قوة لها من الشدة ما يجعلها تهيمن وتؤثر على خطاب معظم اليسار المنتسب إلى الاشتراكية.
بات عدم تحقيق حراك 20 فبراير لأهدافه، وحتى عدم تنفيذ الوعود التي كانت ردا على مطالبه، موضوع النقاش الرئيس كلما حلت ذكرى 20 فبراير. لماذا تمكنت الملكية، بتنازلات غير جوهرية ووعود جوفاء، من إبطال الحراك؟ لماذا سهل عليها هزم أكبر تحرك جماهيري شهده تاريخ المغرب بعد الاستقلال الشكلي؟ وللتوضيح ليس القصد المسيرات المنظمة تحت لواء “حركة 20 فبراير”، التي جرت بالخصوص في المدن الكبرى والمتوسطة، رافعة في المقدمة مطالب سياسية، بل مجمل الدينامية النضالية العمالية والشعبية، متنوعة الأشكال، التي هزت المغرب في 2011 و 2012.
ما يتجاهله الإعلام البرجوازي عن قصد، ولا يوليه معظم اليسار المنتسب الى الاشتراكية القدر الواجب من الاهتمام، هو مكانة الطبقة العاملة في دينامية 2011 الاجمالية. أدركت الملكية التي تقود الدولة مكمن الخطر الحقيقي، فكانت أول خطوة، بعد تأكد أن الحراك الجماهيري المنادي بالتغيير (حرية، كرامة، عدالة اجتماعية) قد انطلق بعد فشل محاولات محاربته بالقمع وبالتضليل الإعلامي، متمثلة في بعث القصر المستشار المعتصم محمد لمجالسة قيادات المنظمات النقابية، بعد 6 أيام فقط من نزول الجماهير الى الشارع، قبل خطاب 9 مارس وكل ما دبر به النظام حالة غليان شعبي أثارت لديه ما لم يعهد من خوف وفزع.
نتج عن هذه الاجتماع التاريخي تلبية غير مسبوقة لمطالب الشغيلة الخبزية والمهنية، ومن ثمة إبطال خطر انتقال المواجهة الى أماكن العمل، إلى قلب آلة الإنتاج، والنقل، والبنوك، والإدارة، أي استبعاد خطر تضافر النضال العمالي مع مظاهرات الشارع في حركة نوعية من شأنها أن تتجذر وتضع المغرب على سكة تغيير حقيقي يعصف نهائيا بالاستبداد.
لقد أسهم مجالسو مستشار الملك، كل من الميلودي مخارق ونوبير الأموي ومحمد يتيم وحميد شباط ومحمد العزوزي، بما هم ممثلون لبيروقراطيات نقابية، هي جزء من الطبقة العاملة لكنها فئة ذات مصالح وامتيازات خاصة، في صنع التاريخ بطريقتهم، أي بالمشاركة في إجهاض سيرروة نضالية حبلى بأعظم إمكانات التغيير.
البيروقراطية النقابية بطبعها، بحكم موقعها، إصلاحية، تمارس سياسة عقيمة في آخر المطاف، تفيد رأس المال، في التدبير اليومي لاستغلال الطبقة العاملة، بمنطق السلم الاجتماعي، وفي التصدي لمشروع مجتمعي بديل، يستعيض عن منطق الربح بمنطق الحاجات الاجتماعية.
لقد كان من شأن توحيد النضالات العمالية للعام 2011، ان يعزز ثقة الشغيلة في مقدراتهم الكفاحية، وييسر تلاقيهم مع سائر الكادحين الذي نهضوا في ربوع البلد، على نطاق أوسع بكثير من مظاهرات حركة 20 فبراير المدينية. وهذا ما كان سيمد النضال ضد الاستبداد والفساد من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بنفس كفيل ببلوغ الأهداف.
ليس الدور المركزي للطبقة العاملة في النضال من أجل الديمقراطية ومجتمع المساواة فكرة جامدة، مستقاة من كتب ماركسية القرن التاسع عشر، مقدسة بنحو أعمى، كما يعتقد السطحيون بفعل أن لحظات النضال الثوري الصريح الذي تخوضه الطبقة العاملة تطمسها عقود من اللامبالاة والهدوء الاجتماعي النسبي إلى حد ما، بل إنما هو نتيجة موضوعية لموقع البروليتاريا في علاقات الإنتاج الاجتماعية في كل مجتمع رأسمالي.
جزء من اليسار المغربي له هوية عمالية، استرشد بمركزية نضال الطبقة العاملة، سواء الحزب الشيوعي المغربي الذي كان برغم تشوه ستاليني مولدي (تأسس عام 1943، عام حل ستالين لأهم ما خلفه لينين، الأممية الشيوعية) حزبا للطبقة العاملة. هذا الحزب انتهى تاريخيا بعد سيرروة انحطاط إصلاحي مديدة. اليسار الجديد الذي ظهر في النصف الثاني من سنوات 1960 انتسب بجلاء لمشروع الطبقة العاملة، واضعا على كاهله مهمة بناء حزبها. كذلك قسم من اليسار الوطني الذي تجذر بعد الاستقلال تأثر بالماركسية (نظرية تحرر الطبقة العاملة الذاتي) ضمن الموجة الثورية العالمية التي حدت بالعديد من حركات التحرر الوطني إلى الاهتداء بالماركسية. ولعل عمر بنجلون ورفاقه أبرز مثال عن هذا الجنوح في حالة الحركة الاتحادية المغربية.
بيد أن نفس السياق التاريخي أثر أيضا محليا، فمع احتداد ازمة الستالينية التي هيمنة عقودا في الحركة العمالية العالمية، منتهية بانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، تراجع الانتساب الى مشروع الطبقة العاملة ضمن اليسار المغربي، ومعه الاسترشاد بالماركسية، ومعها العمل بمنطق مركزية الطبقة العاملة في النضال من أجل الديمقراطية والاشتراكية.
يظل قسم من اليسار المغربي منتسبا إلى مشروع الطبقة العاملة بدرجات متفاوتة، سواء كتنظيم، أو كأفراد متحدرين من مجموعات طلابية، او كمناضلين في القاعدة، في أحزاب تكاد تتخلى كليا عن أي انتماء الى مشروع التحرر العمالي، سواء في فيدرالية اليسار أو الحزب الاشتراكي الموحد.
التقاء هؤلاء المناضلين/ت على ممارسة قائمة على مركزية الطبقة العاملة في النضال من أجل الديمقراطية وحل المسألة الاجتماعية، وحده يفتح إمكان تحقيق تقدم في النضال، ويجنبه مصير حراك 20 فبراير، ويفتح له آفاقا أرحب.
اقرأ أيضا


