بين إرث 20 فبراير وتضييق اليوم: المدافعات عن حقوق الإنسان في قلب المعركة
سارة سوجار
مرت خمسة عشر سنة على ذكرى 20 فبراير، تلك اللحظة التي شكلت محطة بارزة في تاريخ الاحتجاج السلمي بالمغرب، أو ما يمكن اعتباره الربيع في صيغته المغربية. ففي ذلك السياق، خرج المغاربة، نساء ورجالا، إلى الشارع للتعبير عن رفضهم للاستبداد والفساد، وللاحتجاج على مظاهر اللامساواة الاجتماعية والسياسية التي تطبع الواقع المغربي. وقد تميزت تلك اللحظة بكونها لحظة جماعية نادرة توحدت فيها أصوات مختلفة حول مطالب واضحة رفعتها حركة 20 فبراير، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة.
غير أن هذه الحركة، بما حملته من روح مقاومة ودينامية نضالية، لم تكن حدثا معزولا أو وليد لحظة عابرة. فقد جاءت امتدادا لمسار طويل من النضال الذي خاضته الحركة الديمقراطية والحقوقية في المغرب على مدى عقود، دفاعا عن الديمقراطية ترسيخا لقيم حقوق الإنسان. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى حركة 20 فبراير باعتبارها تتويجا لتراكمات سياسية وحقوقية سابقة، أكثر منها قطيعة مع ما قبلها.
لكن دينامية الاحتجاج التي عبرت عنها حركة 20 فبراير لم تنته بانتهاء إطارها التنظيمي. فخلال الخمسة عشر عاما الماضية استمرت الاحتجاجات الشعبية في الظهور بأشكال متعددة، مدفوعة في جزء كبير منها باستمرار الأسباب نفسها التي أطلقت ذلك الحراك، رغم بعض الإجراءات والإصلاحات التي قامت بها الدولة، والتي ظل كثير منها في حدود التعديلات الشكلية أو ما يمكن وصفه بـ“الرتوشات”.
ومن اللافت أن شعارات ومطالب حركة 20 فبراير ظلت حاضرة في مختلف أشكال الاحتجاج التي عرفها المغرب بعد تلك المرحلة. فقد استمرت نفس المفردات السياسية والحقوقية في التردد في الشوارع والساحات والقرى، سواء تعلق الأمر بالمطالبة بالكرامة أو بالعدالة الاجتماعية أو بمحاربة الفساد. وهو ما يعكس أن الحركة، حتى بعد انتهاء بنيتها التنظيمية، ظلت حاضرة كمرجعية رمزية في المخيال الاحتجاجي للمغاربة.
إن استحضار حركة 20 فبراير بوصفها امتدادا لما قبلها واستمرارا لما بعدها يهدف في جوهره إلى التأكيد على أن المجتمع المغربي يمتلك تقاليد راسخة في الاحتجاج السلمي. فقد عبر المغاربة مرارا عن رفضهم لمختلف أشكال الظلم والاستبداد، وتمسكوا في الوقت ذاته بقيم حقوق الإنسان وبالمطالبة المستمرة بالحرية والكرامة والعدالة.
وخلال السنوات الماضية، لم تنقطع موجة الاحتجاج، بل اتخذت أشكالا متعددة تعكس تنوع القضايا المطروحة وتعدد الفاعلين الاجتماعيين. فقد شهد المغرب احتجاجات محلية وجهوية ووطنية، شاركت فيها فئات اجتماعية مختلفة، وخرج فيها نساء ورجال من مختلف الأعمار. وبين لحظات المد النضالي وفترات الجزر، ظلت دينامية الاحتجاج حاضرة ولم تنقطع بشكل كامل.
وقد تميزت بعض هذه المحطات الاحتجاجية بقدرة كبيرة على التعبير الرمزي وعلى استقطاب الاهتمام المجتمعي والسياسي، بل ونجحت في التأثير في النقاش العمومي وفي بعض القرارات السياسية. ومن بين أبرز هذه المحطات يمكن استحضار حراك الريف، وحراك جرادة، والاحتجاجات التي رافقت العفو عن دانيال كالفان، إضافة إلى حراك فكيك، وكذلك التعبئة الواسعة للتضامن مع القضية الفلسطينية. وقد شكلت هذه التحركات لحظات قوية في مسار الاحتجاج بالمغرب، ليس فقط بسبب حجمها، بل أيضا بسبب ما حملته من مطالب اجتماعية وسياسية واضحة.
ورغم اختلاف السياقات والملفات التي فجرت هذه الاحتجاجات، فإنها التقت جميعا حول منطق واحد: المطالبة بالحقوق والحريات عبر التعبير الاحتجاجي السلمي. غير أن الدولة، في المقابل، اختارت في الغالب مقاربة واحدة في التعاطي مع هذه الدينامية المجتمعية، تقوم أساسا على منطق الأمننة.
فمنذ سنة 2011 إلى اليوم، برز حضور متزايد للمقاربة الأمنية في تدبير القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات، سواء تعلق الأمر باحتجاجات اجتماعية كبرى أو بتحركات محدودة النطاق. ويتجلى ذلك في تصاعد الدور الأمني وفي تغليب منطق الضبط الأمني على حساب المعالجة السياسية والحقوقية، وهو ما يظهر من خلال اللجوء المتكرر إلى الاعتقالات، ومنع بعض الأشكال الاحتجاجية، والتضييق على النشطاء والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.
ونتيجة لذلك، لا يزال عدد من النشطاء يقبعون في السجون على خلفية قضايا مرتبطة بالاحتجاج أو التعبير عن الرأي. ويشمل ذلك معتقلي الحركة الطلابية، ومعتقلي التضامن مع القضية الفلسطينية، إضافة إلى معتقلي حراك الريف الذين صدرت في حق بعضهم أحكام قاسية وصلت إلى عشرين سنة سجنا ولا يزالون يقضونها إلى اليوم.
كما طالت المتابعات والاعتقالات عددا من النساء بسبب التعبير عن آرائهن أو مشاركتهن في الاحتجاج، من بينهن سعيدة العلمي، ونزهة مجدي، وابتسام لشكر، إضافة إلى المتابعة الأخيرة للناشطة زينب خروبي، فضلا عن عدد من المناضلات، خاصة داخل الحركة الطلابية.
وقد أثارت هذه الملفات نقاشا واسعا على المستوى الحقوقي، حيث تناولتها منظمات مغربية ودولية، كما صدرت بشأن بعضها تقارير وقرارات أممية أشارت إلى حالات اعتقال تعسفي وإلى اختلالات مرتبطة بشروط المحاكمة العادلة.
ومن بين آخر المحطات التي أعادت طرح هذه الأسئلة بقوة ما رافق حراك “جيل زيد”، حيث سجل عدد كبير من الاعتقالات. وتشير حتى المعطيات الرسمية إلى أرقام مرتفعة بلغت الآلاف، وشملت هذه الاعتقالات أيضا شابات في مقتبل العمر، مع تسجيل حالات عنف وتحرش وممارسات أخرى رافقت بعض التدخلات.
غير أن الأمر لا يتعلق بالاعتقالات وحدها. فخلال السنوات الأخيرة برزت أيضا أشكال متعددة من منع الاحتجاج أو التضييق عليه، سواء عبر الحظر المباشر لبعض الأشكال الاحتجاجية، أو من خلال التضييق الإداري، أو عبر التدخلات الأمنية في الفضاء العام.
كما طال التضييق عددا من المنظمات الحقوقية، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب جمعيات أخرى تنشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، حيث تواجه صعوبات في الحصول على وصولات الإيداع القانونية، أو في تنظيم أنشطتها داخل القاعات العمومية، أو في تجديد هياكلها التنظيمية، فضلا عن أشكال أخرى من العراقيل الإدارية.
يعكس هذا المسار نوعا من إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس منطق الضبط أكثر مما يعكس توجها نحو تعميق الإصلاح الديمقراطي. فبدل أن تتحول لحظة 20 فبراير إلى مدخل لتوسيع المجال السياسي وتعزيز المشاركة الديمقراطية، برزت نزعة متزايدة نحو تقليص هوامش الفعل المدني والسياسي المستقل، وهو ما أفضى إلى نوع من الانكماش في الفضاء العمومي وإلى توتر مستمر بين حيوية المجتمع وحدود الانفتاح السياسي.
لذلك، فإن الدرس الأبرز بعد خمسة عشر عاماً من حركة 20 فبراير يتمثل في أن المطالب التي رفعتها الحركة لم تفقد راهنيتها، بل إن استمرار الاحتجاجات الاجتماعية يؤكد أن أسئلة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة ما تزال مطروحة بإلحاح. كما أن مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في المغرب يظل رهينا ،بمدى القدرة على الانتقال من منطق الأمننة وضبط الفضاء المدني إلى منطق الإصلاح السياسي الحقيقي، القائم على توسيع الحريات، وتعزيز استقلالية المجتمع المدني، وفتح المجال العام أمام المشاركة والنقاش الديمقراطي.
بمناسبة الثامن من مارس، اليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء ، تعود إلى الواجهة قضية ظلت تؤرقني لسنوات: التضييق المتزايد على المدافعات عن حقوق الإنسان. صحيح أن المقاربة الأمنية في التعاطي مع القضايا الحقوقية في المغرب تطال الرجال والنساء على حد سواء، غير أن وضع المدافعات عن حقوق الإنسان يظل أقل حضورا في النقاش العمومي، كما أن الخصوصيات التي تميز تجربتهن لا تحظى بما يكفي من الاعتراف، رغم ما تؤكده المرجعيات الدولية والمواثيق الأممية بشأن ضرورة الانتباه إلى الأبعاد الجندرية في مجال حماية المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.
خلال السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات مقلقة في هذا الصدد. فقد ارتفع عدد الاعتقالات في صفوف النساء، وتزايدت أشكال التضييق التي تستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان، سواء عبر المتابعات القضائية أو من خلال حملات التشهير والإهانة والعنف اللفظي والنفسي والرقمي. وفي هذا السياق، أنجزت “مجموعة شابات من أجل الديمقراطية” ثلاثة تقارير حول هذه الظاهرة، كان آخرها تقريرا تناول الاعتقالات والمتابعات القضائية التي طالت نساء وشابات ناشطات في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.
وعادة ما يشكل الثامن من مارس مناسبة لتسليط الضوء على أشكال العنف التي تتعرض لها النساء والمطالبة بوضع حد لها. غير أن هناك نوعا من العنف يظل أقل ظهورا و مرئية في النقاش العام، رغم حضوره الواضح، وهو العنف الذي يستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان بسبب نشاطهن ومواقفهن. فهذا العنف لا يقتصر على المجال العام، بل يمتد إلى الحياة الشخصية والعائلية والمهنية للمدافعات، ليصبح وسيلة ضغط دائمة ترمي إلى إضعاف حضورهن وإرباك مساراتهن النضالية.
ورغم خطورة هذه الممارسات، فإنها لا تصنف دائما ضمن العنف الموجه ضد النساء. والحال أن جزءا كبيرا منها يقوم على منطق واضح: معاقبة النساء اللواتي يخترن كسر الحدود التقليدية للفضاء الخاص والانخراط في الفضاء العام بجرأة، من خلال التعبير عن مواقف سياسية أو حقوقية وانتقاد السياسات العمومية. وفي كثير من الأحيان، لا تخلو هذه الهجمات من خطاب يهدف، بشكل مباشر أو ضمني، إلى دفع المدافعات عن حقوق الإنسان إلى الانسحاب من المجال العام وإعادتهن إلى ما يُقدَّم باعتباره “مكانهن الطبيعي”.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن شكلا من العنف المزدوج. فمن جهة، هناك العنف الذي يطال المدافعين عن حقوق الإنسان عموما في سياق التراجعات الحقوقية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. ومن جهة أخرى، هناك عنف خاص يرتبط بكونهن نساء يشاركن بجرأة في النقاش العمومي ويعبرن عن مواقف نقدية تجاه السياسات العامة وطريقة تدبير الشأن العام.
وتبرز هذه الدينامية بوضوح من خلال عدد من التجارب المعروفة. فمواقف المناضلة سعيدة العلمي في نقد السياسات العمومية، ومواقف ابتسام لشكر في الدفاع عن الحريات الفردية، ونضالات نزهة مجدي إلى جانب شغيلة التعليم و شابات الحركة الطلابية و مناضلات الحركة الحقوقية و الديناميات الاحتجاجية ، كلها تعكس حضورا نسائيا واضحا في النقاش العمومي وفي الفعل الحقوقي. كما يبرز نموذج شابات جيل “زيد”، اللواتي واجهن قمع الشرطة خلال الاحتجاجات بشجاعة، وأظهرن جرأة لافتة خلال المحاكمات والجلسات في فضح ما تعرضن له من عنف وتضييق. وإلى جانب ذلك، برز حضورهن القوي في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال التعبير الصريح عن آرائهن ومواقفهن، ويمكن هنا ذكر زينب خروبي على سبيل المثال لا الحصر، إذ إن هناك العديد من الشابات اللواتي يتحلين بالجرأة نفسها.
غير أن هذا الحضور النسائي في الفضاء العام ليس ظاهرة جديدة. فالنساء المغربيات كن حاضرات منذ عقود في مختلف المعارك الحقوقية والسياسية. غير أن التحولات التي شهدها المجال العام منذ سنة 2011، خصوصا مع اتساع فضاءات التعبير التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي، أسهمت في إبراز هذا الحضور بشكل أوضح وأوسع. وقد كانت النساء الشابات في طليعة الفاعلين داخل حركة 20 فبراير في عدد من المدن، وتقاسمن مع الشباب الذكور مختلف أشكال القمع التي رافقت ذلك الحراك.
ومنذ ذلك الحين، استمرت الشابات في دفع ثمن انخراطهن في الدفاع عن الحقوق والحريات. فقد تعرضن للقمع والاعتقال خلال حراك الريف، كما حدث أيضا في جرادة وفكيك. وهكذا ظل حضور النساء وازنًا في مختلف الاحتجاجات الاجتماعية، وقد أدين ثمن هذا الالتزام من حريتهن ومن استقرار حياتهن الشخصية.
في هذا السياق، يطرح الثامن من مارس نفسه مناسبة ليس فقط للاحتفاء بمكتسبات النساء، بل أيضا لتجديد المطالبة بحماية المدافعات عن حقوق الإنسان وضمان حقهن في العمل بحرية وأمان. وأول خطوة في هذا الاتجاه هي الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين والمعتقلات على خلفية قضايا مرتبطة بالحقوق والحريات، ووضع حد للمقاربات الأمنية في التعاطي مع القضايا الحقوقية. فحقوق الإنسان لا يمكن أن تُدار بمنطق أمني، بل عبر توسيع مجال الحريات، وضمان استقلالية المجتمع المدني، وفتح الفضاء العام أمام التعبير الحر والمسؤول.
كما أن الاعتراف بدور المدافعات عن حقوق الإنسان ينبغي أن يتحول إلى التزام واضح على المستويات القانونية والمؤسساتية والسياسية، بما يضمن حمايتهن من حملات التشهير والتضييق، ويضع حدا لمختلف أشكال العنف التي تستهدفهن، ولا سيما العنف الرقمي الذي أصبح أحد أبرز أدوات الاستهداف في السنوات الأخيرة.
وأخيرا، لا بد من الإقرار بأن العنف الموجه ضد المدافعات عن حقوق الإنسان هو عنف تقاطعي تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية، كما تتقاطع فيه البطريركية مع السلطوية والفساد. إنه عنف مركب ومضاعف، ولا يمكن مواجهته إلا من خلال توسيع الوعي المجتمعي بهذه الظاهرة وتعزيز التضامن مع المدافعات عن حقوق الإنسان والدفاع عن حقهن الكامل في المشاركة في الشأن العام دون خوف أو تضييق.
اقرأ أيضا


