السياسة الخارجية بين فقيهين: الكتاني وابن كيران

سياسة11 مارس، 2026

بقلم؛ سعيد الريشة

السياسة الخارجية هي الوجه الآخر للسياسة الداخلية، وجهان لعملة واحدة. والدبلوماسية بشكل عام تتبع المصالح الطبقية التي يمثلها نظام الحكم وتنافح عنها الأحزاب السياسية. في تاريخ المغرب ما بعد الاستقلال عادة ما اعتبرت أحزاب المعارضة البرجوازية السياسةَ الخارجية أرضية للتوافق مع المَلكية، وأحيانا وسيلة لإظهار وطنيتها أكثر من الملك، كما فعل عبد الرحيم بوعبيد عندما تحفَّظ على قرار الحسن الثاني إجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء سنة 1981، واعتقل على إثره هو وأعضاء من المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحُكم عليهم بالسجن النافذ لمدة سنة.

لكن لا يَعدِم التاريخ السياسي للمغرب معارضة جذرية للسياسة الخارجية للمَلكية، تماما كما فعل المهدي بن بركة، عندما أعلن، ضد إرادة حزبه آنذاك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رفضه لحرب الرمال أكتوبر سنة 1963، وندَّد في “نداء وجَّهه من إذاعة القاهرة في 15 أكتوبر 1963، بهذه الحرب المدمرة بين إخوة أشقاء، والتي تعصف بآمال بناء المغرب الموحَّد”. نتج عن هذا الموقف حٌكم غيابي بالإعدام ضد بن بركة، من المحكمة العسكرية بالرباط في 9 نوفمبر 1963. [1].

محمد الكتاني: وضع السياسة الخارجية تحت رقابة ممثلي الأمة

إلا أن أبرز شخصية في التاريخ السياسي للبلد، والتي لها علاقة بالموضوع، هي الفقيه محمد الكتاني، الذي كان هو القائد الأيديولوجي لانتفاضة أهل فاس، المعروفة بـ “ثورة المكس”
سنة 1907، ضد السلطان عبد العزيز بعد قبوله قرارات مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906.

بعدَ خلع عبد العزيز، بويِع أخوه عبد الحفيظ بيعةً تقليدية، إلا أن محمد الكتاني رفض ذلك “بدعوى أن خلع مولاي عبد العزيز يفقد دلالاته، إذا لم تقترن بيعةُ السلطان الجديد بالشروط نفسها التي طولب بها سلفه”، وكانت تلك الشروط هي “إعلان الجهاد واسترجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية”، ورفض “اتباع إشارة الأجانب في أمور الرعية”… إلخ. وكان رأي محمد الكتاني في العلاقات الخارجية واضحا وصريحا: “إن دعت الضرورة إلى اتحاد أو تعاضد فليكن مع إخواننا المسلمين كآل عثمان وأمثالهم من بقية الممالك الإسلامية المستقلة”. لكن الرأي الأكثر جذرية، من آراء محمد الكتاني هو التالي: “إذا عُرض ما يوجب مفاوضةً مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية فلا يُبرَم أمر منها إلا بعد الصدع به للأمة”. [2]. وهي صيغة تعني في سياق ثورة شعبية آنذاك: ليس من حق السلطان أن يعقد أي معاهدة مع الأجانب إلا بموافقة الأمة.

كانت السياسة الخارجية بالنسبة لمحمد الكتاني تعبيرا عن السياسة الداخلية، فبالنسبة له كان رفض الخضوع لإملاءات الأجانب مرتبطا بالدعم الشعبي الذي نالته البيعة المشروطة لعبد الحفيظ: “أرسلتْ البلدانُ الموقعة على وثيقة الجزيرة الخضراء مذكرة لمولاي عبد الحفيظ بتاريخ 14 سبتمبر، نبهته إلى أن الأعراف الدولية تشترط للاعتراف بسلطته إعلانه رسميا وعلنا الالتزامَ بالمواثيق التي وقعها سلفه. وانعقد بالقصر السلطاني بفاس في 8 أكتوبر مجلس لتدارس المذكرة الأوروبية، فأوضح الكتاني أنه بالنظر للدعم الشعبي الذي يحظى به السلطان الجديد، فلا حاجة للحصول على التزكية الأجنبية”. [3].

وتتمة القصة محفوظة في كتُب التاريخ التي يجب انتشالها منها: تجاهل السلطان عبد الحفيظ رأي محمد الكتاني وقَبِل بمذكرة الدول الموقِّعة على معاهدة الجزيرة الخضراء: “تكوين قوة بوليس في المراسي يرأسها أوروبيون، وتأسيس بنك للدولة، ومباشرةُ الأشغال العمومية، وتفعيل مقتضيات إصلاحات تمس جوانبا عسكرية ومالية، وضمان حقوق المحميين، وهي باختصار القضايا نفسها التي كانت السبب في الانقلاب على أخيه”. [4]. واستند السلطان على دعم فرنسا وقبض على محمد الكتاني و”نُفِّذ فيه حدُّ الجلدِ، فمات تحت وقع السياط يوم 4 مايو 1909″. [5].

عبد الإله بنكيران: السياسة الخارجية صلاحية حصرية للملك

عكسَ الفقيه الثائر محمد الكتاني، للفقيه الرجعي عبد الإله بنكيران رأي مناقض تماما. ففي سياق النقاش الذي أثارته كلمة وزير الشؤون الخارجية في جلسة مجلس “السلام” الذي أسسه ترامب، وانتقى أعضاءَه، وضمنهم الدولة المغربية، أعلن بنكيران: “ما دامت القضية جاءت بتوجيهات صريحة وواضحة من جلالة الملك في الانتساب إلى هذا المجلس وكل الإجراءات التي اتخذها المغرب، نحن وقِّرنا هذا المسار، ونحن نفهم ظروفه ونتفهمها… وحزبنا، كما لا يخفى، يعتقد أن العلاقات الخارجية مبدئيا هي من صلاحيات جلالة الملك، أولا وقبل كل شيء، وهذا لا يمنع أن الأحزاب السياسية والرأي العام لهما الحق في أن يبديا رأيهما فيها، ولكن الأساس هو هذا، فموضوع السيادة منذ عهد الحسن الثاني رحمه الله، المتعلق بأربع قطاعات (وزارات الداخلية والأوقاف والشؤون الخارجية والدفاع)… نحن نفهم هذه المسائل و نستوعبها ونقدرها وعليها نبني سياستنا”. [6]

فليُسطِّر القارئ- ة على عبارة “وقَّرنا هذا المسار”. فما دام القرار صادرا عن الملك فلتذهب المبادئ إلى الجحيم. وليست هذه أول مرة يقوم فيها بنكيران بهذا الأمر. فرغم أنه صرَّح بما يلي: “إننا كحزب سياسي، ضد التطبيع، هذا قلناه سابقا، وقلناه صبيحة التوقيع”، إلا أنه سبق له أيضا وصرَّح بما يلي: “إن التطبيع مع إسرائيل تمضي فيه الدولة التي يسيرها الملك وليس حزب العدالة والتنمية… إن الأمر مرتبط بمصلحة بلادنا، والقرار اتخذه سيدنا، الذي يتصرف في إطار صلاحياته، والقرار الذي اتخذه لا يمكننا إلا أن نكون معه فيه ولن نكون ضده”. [7] إن القول ونقيضه: “نحن ضد التطبيع”، ولكن ما دام التطبيعُ “قرارَ الملك” فـ”لا يمكننا إلا أن نكون معه فيه ولن نكون ضده”.

إن السياسة الخارجية لدى بنكيران (وحزب العدالة والتنمية) هي الوجه الآخر لمواقفه في السياسة الداخلية. فكونه حزبا مَلكيا رجعيا، يجعله يتناقض مع سياسة استغلال “قضايا الأمة” لبسط هيمنة أيدولوجية على شعب عُرف عنه تضامنه مع الشعب الفلسطيني وكفاحاته. لذلك ما أن يتصادم الموقف الثاني مع الموقف الأول،حتى  يتنازل بنكيران عن “قضايا الأمة” تحت مبرر “مصلحة البلاد”، والتي تعني هنا “مصلحة المَلكية” في تحالفاتها الوطيدة مع الإمبريالية الأمريكية.

ليس فقط قرن من الزمن هو الذي يفصل الفقيه الرجعي عبد الإله بنكيران عن الفقيه الثائر محمد الكتاني، بل سياسة موجَّهة لخدمة الشعب وأخرى موجَّهة لخدمة الاستبداد… ولا بد أن لسع الأسواط التي جلدت جلد الفقيه الكتاني تخيف الفقيه بنكيران وتجعله يقبل صاغرا “القرارات التي اتخذها الملك” والتي “لا يمكنه إلا أن يكون معه فيه ولن يكون ضده”. لكن الفرق الأكثر صراحة هي أن الفقيه الكتاني كان يقف على رأس ثورة شعبية، بينما بكيران يقف دوما ضد النضالات الشعبية (حراك 20 فبراير، حراك الريف، حَراك جيل- زد) ودوما إلى جانب المَلكية التي يعتبر بنكيران حزبه “نعمة من السماء لها”.

بعد أكثر من قرن على استشهاد الفقيه محمد الكتاني لا يزال موقفه من السياسة الخارجية راهنيا. لا يمكن حصر القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدبلوماسية في يد الحاكم الفرد، بل لا بد من الدفاع عن إخضاعها لممثلي الأمة المنتخَبين الخاضعين بدورهم للرقابة والمحاسبة والعزل.

================

إحالات

[1]- موريس بوتان (2014)، “الحسن الثاني، ديغول، بن بركة، ما أعرفه عنهم”، ترجمة رشيد برهونست، دفاتر وجهة نظر عدد 29.

[2]- عبد الله العروي (2015)، “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، 1830- 1912″، تعريب محمد حاتمي ومحمد جادور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، الطبقة الأولى، ص 543- 544.

[3]- العروي، ص 548- 549.

[4]- العروي، ص 548- 549.

[5]- العروي 557.

[6]- “كلمة الأمين العام للمصباح لوزير الخارجية حول محاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة”، (26-02-2026)، https://www.youtube.com/watch?v=mwfJnAENtTw.

[7]- موقع لكم (19-02-2021)، “بنكيران: التطبيع قرار الدولة التي يسيرها الملك وليس “العدالة والتنمية”.. وحزبنا لن يغير موقفه منه”، https://lakome2.com/politique/219759/.

شارك المقالة

اقرأ أيضا