في مواجهة الهجوم النيوليبرالي: طلبة جامعة ابن طفيل يدافعون عن مجانية التعليم –  مقابلة مع طالب من لجنة المعتقل

المقابلة منشورة في العدد 89 من جريدة المناضل-ة

يوم 19 يناير 2026 خاض طلبة جامعة ابن طفيل نضالا في مواجهة الهجوم النيوليبرالي على التعليم الجامعي، في معركة تجسد الصراع الطبقي حول طبيعة الجامعة العمومية. فمشروع القانون 59.24، بما يفرضه من رسوم ويكرسه من خضوع لمنطق السوق، يهدف إلى تحويل التعليم من حق اجتماعي إلى سلعة.

إن ضرب مجانية التعليم لا يستهدف الطلبة كأفراد معزولين، بل يضرب أساسا أبناء الطبقة العاملة والفئات الشعبية الذين يشكل التعليم العمومي بالنسبة لهم قناة الارتقاء الاجتماعي الوحيدة. فحين تُفرض الرسوم، وتُقلَّص المنح، ويُترك السكن الجامعي والنقل والتغذية في حالة تدهور، فإن الهدف واضح: إقصاء الفقراء تدريجيا من الولوج إلى المعرفة، وإعادة إنتاج التراتبية الطبقية عبر بوابة الجامعة.

يعبر الإضراب الذي خاضه طلبة القنيطرة تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عن مقاومة جماهيرية لسياسة تفكيك التعليم الجامعي. كما أن ما تعرض له الطلبة من قمع يوم 19 يناير 2026 يندرج ضمن استراتيجية أشمل تروم فرض “الاستقرار” الضروري لتمرير إصلاحات، عبر تجريم الفعل النقابي .

تبرز إجراءات تطويق الجامعة والاعتقالات والمجالس التأديبية أن الهجوم على الجامعة العمومية جزء من استراتيجية أوسع لتفكيك الخدمات العامة، بما يتماشى مع منطق التقشف والخصخصة، ما يجعل الدفاع عن مجانية واستقلالية التعليم جزءا من نضال الطبقة العاملة ضد الهشاشة وتقويض الحماية الاجتماعية.

تكتسي هذه المقابلة، المنجزة مع رفيق من لجنة المعتقل، أهمية خاصة لأنها تنقل صوتا طلابيا من قلب المعركة دفاعا عن الجامعة العمومية المجانية في مواجهة السياسات النيوليبرالية التي تسعى إلى مزيد من تسليع التعليم الجامعي.

تؤكد تجربة طلبة جامعة ابن طفيل أن صون هذا الحق يمر عبر التنظيم الديمقراطي المستقل، وتوحيد النضالات داخل الجامعات، وتنسيق الجهود وفتح نقاشات مشتركة بين مختلف المواقع الجامعية، بما يعزز ردا طلابيا واسعا قادر على الدفاع عن المكتسبات وانتزاع المزيد منها.

1- ما الذي دفعكم كطلبة لخوض الإضراب والمطالبة بحقوقكم في جامعة القنيطرة؟ كيف كان وضع الجامعة قبل الإضراب من حيث المشاكل التعليمية والاجتماعية التي تعانون منها؟

المعركة التي يخوضها طلبة جامعة ابن طفيل منذ بداية الموسم الجامعي تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ليست معركة ظرفية، بل جاءت في سياق وطني يتسم بتنزيل مشروع القانون التخريبي 59.24 وما يحمله من ضرب لمجانية التعليم العالي واستقلالية الجامعة، خاصة عبر فرض رسوم التسجيل بالتكوينات الأساسية(إجازة، ماستر، دكتوراه) في إطار ما يسمى “التوقيت الميسر”، وخلق ما يسمى “مجلس الأمناء”، إلى جانب الإجهاز المتواصل على المكتسبات التاريخية وتدهور الخدمات الاجتماعية: السكن الجامعي، التغذية، النقل، والمنحة.

من جهة أخرى لا يمكن فهم هذه المعركة بمعزل عن سياق أعمق يتمثل في الحظر العملي المفروض على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منذ 1981. فبعد أن تعرض أوطم لحظر قانوني بين 1973 و1978 في سياق قمع شامل لليسار والحركة الديمقراطية، واسترجع مشروعيته القانونية بفضل نضالات جسيمة، اختار النظام السياسي أسلوبا قمعيا آخر أكثر التفافا وهو الحظر العملي.

وتجلى هذا الحظر في:

– إغلاق مقرات أوطم،

– رفض الإدارات للحوار مع ممثلي الطلبة،

– زرع جهاز الأواكس من داخل الجامعة لضرب التوجه الديمقراطي،

– تلفيق التهم الجاهزة لتجريم العمل النقابي،

– الاعتقالات والمحاكمات السياسية للطلبة القاعديين منذ بروزهم النوعي سنة 1979،

– دعم التيارات الأصولية الظلامية لضرب الهوية التقدمية والكفاحية لأوطم، وهو ما أدى إلى اغتيال رفاق مثل المعطي بوملي سنة 1991 وآيت الجيد محمد بنعيسى سنة 1993،

– التشهير بالمناضلين والمس بسمعتهم عبر أدوات إدارية وإعلامية.

نحن نتحرك داخل هذه الشروط المجحفة، ومعركتنا الأخيرة جاءت لتسلط الضوء مجددا على سياسة الحظر العملي، وتدينها أمام الرأي العام.

في هذا الإطار، يشكل نضال موقع القنيطرة امتدادا لتراكم طويل حافظت عليه الحركة الطلابية، خاصة بفضل الطلبة القاعديين التقدميين الذين راكموا تجربة ديمقراطية عميقة في تأطير الجماهير وصياغة الملفات المطلبية والدفاع عنها.

2- متى بدأ الإضراب؟ وما الخطوات التي قمتم بها لتنظيمه؟ هل حاولت الإدارة التواصل معكم أو التفاوض، وكيف كانت ردودها؟

انطلقت المعركة بنقاشات قاعدية واسعة داخل الكليات والمدرجات ومواقع التواصل الاجتماعي. تمت صياغة ملف مطلبي شامل يعكس الحاجيات الآنية للجماهير الطلابية، وخيضت أشكال نضالية تدريجية: مسيرات احتجاجية، وقفات أمام رئاسة الجامعة، المطعم الجامعي، والحيين الجامعيين 1 و2. كما تم فتح عريضة مطلبية بشأن إلغاء رسوم التسجيل بالتكوينات الاساسية وقعت من طرف أزيد من 130 طالب وطالبة.

أعلن إضراب إنذاري شامل عن الدراسة يومي 25 و26 نونبر 2025 بخمس كليات ذات الاستقطاب المفتوح بسلكي الإجازة والماستر، وكانت الاستجابة جماهيرية واسعة جدا. وفي ظل غياب أي استجابة من طرف رئاسة الجامعة وباقي الجهات المعنية، تم إعلان إضراب شامل من 1 إلى 6 دجنبر، ثم تمديده من 8 إلى 13 دجنبر.

عقد حواران بين اللجنة الأوطامية للحوار على مستوى الجامعة والرئاسة يومي 08 و13 دجنبر أسفرا عن وعود جزئية، وعلى أساسها تم تعليق الإضراب بسلك الإجازة مؤقتا مع الاستمرار في الماستر، لكن بعد تنصل الرئاسة من تنفيذ مخرجات الحوار، ونهجها لسياسة الهروب إلى الأمام وإغلاق باب الحوار تم استئناف الإضراب يوم 22 دجنبر.

وفي خطوة تعكس تعنت الإدارة، أعلنت الرئاسة بشكل انفرادي توقيتا قسريا لنهاية الدروس واجتياز الامتحانات بالإجازة دون حوار أو تعويض للحصص، كما تم توظيف بعض الاساتذة والموظفين للتشهير بالمناضلين والمس بسمعتهم ومصداقيتهم وتلفيق تهم لا تمت بصلة لفعلهم النضالي السلمي في محاولة لتكسير الإضراب الجماهيري. رغم ذلك، استمر الاضراب بسلك الماستر إلى غاية 10 يناير.

دام الإضراب أكثر من شهر في الإجازة وأكثر من شهرين في الماستر داخل جامعة تضم أزيد من 120 ألف طالب وطالبة، وقد حقق نجاحا والتفافا كبيرا نظرا لعدالة المطالب وراهنيتها.

 3- ماذا حصل يوم 19 يناير 2026؟ كيف تصفون قمع الطلبة في الجامعة وما تلا ذلك من حصار واعتقالات؟ ما أثر هذا القمع على نفسيتكم وعلى نشاطكم الطلابي؟ وهل ترون أن ما حصل في القنيطرة جزء من سياق أوسع لتسليع التعليم العمومي والسياسات النيوليبرالية؟

يوم 18 يناير تم الاعلان عن شكل احتجاجي رمزي تمثل في ارتداء الشارات الحمراء خلال الامتحانات للتأكيد على استمرار المعركة ورفض كل سياسات الإقصاء وكسر الارادة الطلابية.

لكن صبيحة يوم 19 يناير تم تطويق الجامعة بطلب من رئيسها، وإغراقها بعناصر البوليس السري، قبل التدخل القمعي العنيف في حق الجماهير الطلابية واعتقال العشرات من المناضلين والطلبة. وقد استنكرت الجماهير الطلابية هذا الانتهاك السافر لحرمة الجامعة وما رافقه من قمع وتنكيل، وأعلنت رفضها له عبر مقاطعة الامتحانات المبولسة بكلية العلوم، رغم الحصار والاعتقالات وأجواء العنف والترهيب. حيث أن عددا من الطلبة تم إرغامهم، بالعنف والتهديد، على دخول المدرجات والقاعات، في مشهد يعكس حجم الانتهاك الجسيم الذي طال الفضاء الجامعي وحق الطلبة في الاحتجاج السلمي.

تمت متابعة أربعة مناضلين في حالة اعتقال وعشرة في حالة سراح (من بينهم ثلاث مناضلات). ورغم تبرئة الجميع ابتدائيا من تهمة “العنف”، صدر حكم بشهرين نافذين وغرامة مالية في تهمة “الإهانة والتهديد” دون أي دليل مادي واضح.

وفي موازاة ذلك، أقدمت إدارة الجامعة على استدعاء 17 مناضلا ومناضلة من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إلى ما يسمى بالمجالس التأديبية، فقط بسبب انخراطهم في النضال السلمي والمشروع دفاعا عن مطالب طلابية عادلة. وهو ما يكشف تكامل الأدوار بين المقاربة القمعية خارج أسوار الجامعة، والمقاربة الإدارية العقابية داخلها، في محاولة لتطويق الفعل النضالي من كل الجهات.

ما جرى يوم 19 يناير كان تتويجا لمسار من التضييق الممنهج: من الحوارات الشكلية، إلى التنصل من الالتزامات، إلى التشهير، ثم القمع المباشر والمتابعات القضائية والعقابية. إنها محاولة واضحة لفرض منطق الردع بدل منطق الحوار، وكسر دينامية طلابية آخذة في الاتساع.

غير أن التجربة أثبتت أن مثل هذه الأساليب لا تنتج سوى مزيد من الوعي والالتفاف حول المعركة، لأن الطلبة يدركون أن استهداف المناضلين اليوم هو استهداف لحقهم جميعا في التنظيم والاحتجاج داخل الجامعة.

ما يجرى هو امتداد لسياسة الحظر العملي على أوطم، فحين تعذر احتواء الحركة الطلابية وجرها إلى مسلسل المهادنة والاستسلام، تحول القمع إلى أداة مباشرة لتكسير المد النضالي، وشرطا ضروريا لتمرير مخططات تخريب الجامعة.

 4-   ما موقفكم من فرض رسوم التسجيل في الماستر والدكتوراه، ومن مشروع القانون 59.24؟ كيف ترون مستقبل الجامعة العمومية في ظل هذه السياسات؟ وما هي مطالبكم الأساسية للجامعة وحرية الطالب؟

نرفض بشكل واضح فرض رسوم التسجيل في التكوينات الأساسية، لأن ذلك يشكل ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص، ويفتح الباب أمام إقصاء أبناء الطبقات الشعبية من استكمال دراستهم العليا.

القانون 59.24 يشكل حلقة ضمن مسار يروم إعادة تشكيل الجامعة وفق منطق السوق، وضرب استقلاليتها وديمقراطيتها. فرض الرسوم، وتفكيك المكتسبات الاجتماعية، والتضييق على التنظيم الطلابي، كلها حلقات في مشروع واحد.

مطالبنا واضحة:

– جامعة عمومية مجانية وديمقراطية.

– تحسين الوضع البيداغوجي والاجتماعي.

– احترام حرية التنظيم والعمل النقابي الطلابي.

– إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإسقاط المتابعات.

فالنضال من أجل تحصين المكتسبات التاريخية للجامعة العمومية غير مفصول عن النضال من أجل رفع الحظر العملي على أوطم، وتثبيت حرية العمل النقابي والسياسي داخل الجامعة.

لا يمكن الحديث عن جامعة ديمقراطية في ظل تجريم إطارها النقابي العتيد.

5- كيف كان دعم باقي الطلبة والأساتذة والجمعيات الحقوقية والهيئات السياسية؟ كيف يمكن تطوير هذا التضامن ليصبح أكثر تأثيرًا؟ وما رسالتكم للشباب والطلاب في جامعات أخرى الذين يريدون الانخراط في هذا النضال؟ وكيف يمكن تعزيز مكتسبات الطلبة في الجامعة؟

التضامن كان واسعا محليا ووطنيا. تم تشكيل لجنة للدعم والمطالبة بإطلاق سراح معتقلي أوطم القنيطرة وكافة المعتقلين السياسيين ضمت العديد من الهيئات والقوى الديمقراطية والتقدمية وهيئة الدفاع وعائلات المعتقلين السياسيين. نُظمت وقفات احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وأمام البرلمان بالرباط، وعُقدت ندوات صحفية لتوضيح الخلفيات السياسية للاعتقالات والمتابعات، وللمطالبة بالإفراج الفوري عن المعتقلين وإسقاط كل المتابعات.

هذا الالتفاف يؤكد أن القضية ليست محلية، بل تمس حرية العمل النقابي والحق في التنظيم داخل الجامعة المغربية عموما.

معركة الحرية لازالت مستمرة، ولن تتوقف عند حكم ابتدائي جاهز أو محاكمة صورية.

التجربة التاريخية للحركة الطلابية، من المعركة الشبه وطنية لمقاطعة الامتحانات سنة 1989 إلى تجربة اللجان الانتقالية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من عقد المؤتمر الاستثنائي لأوطم، تؤكد أن الوحدة على أرضية الكسب النضالي هي الطريق.

فالنضال من أجل تحصين الجامعة العمومية والحفاظ على مكتسباتها التاريخية غير مفصول عن النضال من أجل رفع الحظر العملي على أوطم وتثبيت حرية العمل النقابي والسياسي داخل الجامعة.

اليوم، المطلوب هو الوحدة على أرضية الكسب النضالي، واستنهاض الفعل الأوطامي على أسس ديمقراطية وكفاحية. القمع، الاعتقالات السياسية، التهم الواهية، والأحكام الجاهزة لن توقف مسيرة الحركة الطلابية.

فالحرية لا تعطى، الحرية تنتزع وهذه حقيقة علمها التاريخ لكل الشعوب المناضلة.

رسالتنا للطلبة في كل المواقع الجامعية واضحة: الدفاع عن الجامعة العمومية يمر عبر الاتحاد والنضال الجماهيري الديمقراطي، والتشبث بالعمل النقابي المستقل، وبناء وحدة نضالية صلبة قادرة على مواجهة مخططات التخريب الجامعي وانتزاع المكتسبات التاريخية.

وأي محاولة لإسكات صوت الطلبة لن تؤدي إلا إلى تعميم روح المقاومة داخل الجامعات المغربية.

-رفيق بنعيسى-

شارك المقالة

اقرأ أيضا