في ذكرى وفاته الرابعة: آلان كريفين  Alain Krivine نصيرا للثورة الجزائرية 

شهادة بقلم آلان كريفين  

حلت يوم 12 مارس الذكرى الرابعة لوفاة الرفيق آلان كريفين، من قادة الأممية الرابعة  وفرعها الفرنسي. بالمناسبة نتيح لقراء/ت المناضل-ة التعرف على جانب أساسي من نضال الرفيق كريفين، تضامنه مع الثورة الجزائرية و انخراطه العميق في أشكال هذا التضامن بفرنسا. 

فيما يلي شهادة آلان كريفين عن دوره في مساندة الثورة الجزائرية،  من كتاب :”حمالو الأمل، شبكات مساندة جبهة التحرير الوطني إبان حرب الجزائر: الفاعلون يتحدثون” الصادر عام 2004.  جريدة المناضل-ة

تقديم : آلان وتوأمه، المولودان في العام 1941، هما الأخيران في عائلة من خمسة أبناء تنتمي إلى الطبقة البرجوازية اليهودية الفرنسية. كان الأب طبيب أسنان. كان وزوجته من اليساريين والمناهضين للعنصرية والفاشية، لكنهما لم يكونا شيوعيين، في حين كان الأبناء جميعهم مناضلين في ”الحزب“. في صغره، كان آلان عضواً في منظمة ”Vaillant“، ثم في سن الخامسة عشرة، انضم إلى اتحاد الشباب الجمهوري الفرنسي (UJRF) قبل أن يصبح طالباً شيوعياً، وأخيراً عضواً في الحزب. شارك في جميع المهام النضالية، وفي التجمعات، ولكن أيضًا في الأنشطة الترفيهية، و”الرحلات“، وعروض الأفلام السوفيتية عن الحرب، وفي كل الحياة ’العائلية‘ تقريبًا للمنظمة السياسية الكبرى في فترة ما بعد الحرب، التي كانت تقترح ”مجتمعًا آخر“.

كان آلان كريفين يرفض الظلم والفقر والعنصرية، وبدا انضمامه إلى الحزب أمراً طبيعياً تماماً. ومع ذلك، ظهرت مشكلات جسيمة مع التدخل السوفيتي في المجر والتصويت على ”صلاحيات خاصة“ لـ”تهدئة“ الجزائر. لكن آلان ظل على نفس الخط، وتم تعيينه للمشاركة في مهرجان الشباب العالمي في موسكو عام 1957. ومع ذلك، فوجئ بتناول الكافيار ثلاث مرات في اليوم ولاحظ أن السوفييت لا يذوقونه أبدًا… لكن ”بزوغ الوعي“ بدأ يظهر مع لقاء طلاب جزائريين، لم يشكلوا ”وفدًا“ حقيقيًا بسبب ضغوط الحزب الشيوعي الفرنسي. أثارت انتقادات الجزائريين للسلطات الخاصة قلق آلان. ذهب لرؤية كبار المسؤولين في موسكو، لكن مبادرته قوبلت برفض شديد (”لا نلتقي بهؤلاء الناس!“). ومع ذلك، أسفرت عن اجتماع مع الجزائريين، حيث أدان مسؤولو الحزب الشيوعي الكفاح المسلح والإرهاب. ثم شُرح لألآن أن اللقاءات التي يدعو إليها قد تسبب حظر الحزب الشيوعي في فرنسا… وفضلا عن ذلك، كان لا بد من التخلي عن جميع الوثائق والهدايا الصغيرة والشارات والأعلام وغيرها من الأشياء التي كان الجزائريون يقدمونها للفرنسيين والتي قد تكون ”مُوَرِّطة“!للشاب المناضل الواعد، كان ذلك بمثابة نقطة تحول. بعد عودته إلى فرنسا، اتخذ قرارًا بمساعدة جبهة التحرير الوطني.

شهادة كريفين : 

لمّا عدت إلى فرنسا، كنت، إن لم انفصل عن الحزب، على الأقل مصدومًا من موقفه. منذ ذلك الحين، اتخذت قرارًا بمساعدة جبهة التحرير الوطني، والتحدث عنها مع من حولي، معتبرًا أنه من اللازم «فعل شيء ما». لكنني لم أكن أعرف كيف أتواصل معهم. وهنا تدخلت ”الشؤون العائلية“: منذ فترة طويلة، كان لدي إخوة يساعدون جبهة التحرير الوطني سراً. لم يكونوا ستالينيين وكانوا يخفون عني أنشطتهم لأنني كنت”قائداً ستالينياً“ [صغيراً]. لكنهم، عندما رأوا مدى تعاستي لعجزي على فعل أي شيء من أجل الجزائر، تدخلوا وقالوا لي إننا ربما نستطيع مساعدة الجزائريين.

ثم وصلوني بمجموعة ”المقاومة الشابة“، التي بدأت من خلالها نشاطي الداعم. لكن، في إطار منظمة الشباب الشيوعي (JC)، بدأت خوض معركة من أجل الجزائريين، حيث طلبت على وجه الخصوص دعوة السيدة أودان [1] إلى نقاش مع منظمة الشباب الشيوعي. فردوا عليّ: ”أنت مجنون. لن ندعو تلك المرأة إلى اجتماع“. ثم، لإنهاء هذه الحكايات، التي تظهر بوضوح الحالة الذهنية السائدة في الحزب، وزعت الشباب الشيوعي منشوراً يدعو، بمناسبة مؤتمر طلابي، إلى حفل راقص كبير ”من أجل السلام في الجزائر“. وأضيفت العبارة التالية: * سنرقص و… كنت مندوباً في المؤتمر الوطني. وكنت لا أزال ساذجاً، فصعدت إلى المنصة لأعلن أننا لا ندرك حقيقة الوضع، وأن هناك أناساً يموتون هناك، وأننا نسمح لأنفسنا بمثل هذه الاحتفالات التي أعتبرها مقززة فيما يتعلق بحرب الجزائر. فبدأت القاعة كلها تهتف: ”بكر، بكر…“ هكذا كان تعاملي مع الستالينية من خلال القضية الاستعمارية…

فوجدت نفسي في شبكة كان يقودها، بالإضافة إلى ذلك، التروتسكيون. كان إخوتي تروتسكيين ولم يخبروني بذلك بالطبع، فبما أني ستاليني مخلص كنت أكره التروتسكيين. كان أول سؤال طرحته على أحدهم: «أوافق على الانضمام إلى شبكتك ”المقاومة الشابة“، ولكن بشرط ألا يكون فيها أي تروتسكوي! سألني عن سبب قولي ذلك، فأجبته: ”لأنهم شرطة وأنا أعلم أن هناك تروتسكيين في هذه الأمور“. أكد لي أنه لا يوجد أحد منهم وسألني عما لدي ضد تروتسكي.”لا شيء! أنا أعلم فقط أنه شرطي وفاشي! “

لذلك انضممت إلى حركة المقاومة الشابة، التي كانت تعمل بشكل أساسي على إيقاف قطارات المجندين. ثم انتقلت إلى اتحاد الطلاب الشيوعيين ، حيث كنت عضواً في القيادة، بينما كنت أعمل سراً في المقاومة الشابة.  كنا، في المظاهرات، نحاول رفع شعارات حول الاستقلال ورفع أعلام جبهة التحرير الوطني بينما كان الآخرون يهتفون ” السلام في الجزائر!”.كان هناك نشاط آخر في الجيش: هذا ما كان يهمني أكثر. لذلك تم إيقاف جميع قطارات الجنود المغادرين. كنا نخرب الإشارات، إلخ. أوقفنا عشرات القطارات بهذه الطريقة، مما أحدث ضجة كبيرة.

خلال معظم فترة الحرب، كان شعار الحزب هو ”السلام في الجزائر“ وكان التوجيه بعدم إقامة علاقات مع الجزائريين، لأن ذلك كان يشكل خطراً كبيراً على الحزب.

عندما كانت القيادة تكتشف مناضلين مساندين لجبهة التحرير الوطني، يجري طردهم. تم طرد رفيق من بيلانكور كان يساعد جبهة التحرير الوطني، وكان يُدعى «بونوا»، على الفور من الحزب. (في الواقع، كان تروتسكيًا سريًا…) كان الحزب أيضًا معارضًا للفرار من الخدمة العسكرية، وكذلك للعصيان. كان يشرح أن الشاب الشيوعي يلتحق بالجيش، ولكنه يتبع نهج لينين لإدخال الأفكار الثورية إليه. ومع ذلك، لم يكن الحزب الشيوعي الفرنسي ينظم المجندين على الإطلاق، ولم يكن جميع الشباب الشيوعيين الذين يلتحقون بالجيش يتلقون أي تعليمات. لسوء الحظ، أصبح الكثيرون عنصريين، لأنه لم يكن هناك ما يوازن الضغوط الأيديولوجية للحياة العسكرية.

لذلك عارض الحزب الشيوعي جميع المبادرات. كان معارضًا تمامًا لإيقاف القطارات والتخريب ”ضد رفاقنا في سكك الحديد“ . نمت الحركة بشكل كبير، حيث وصل عدد أعضاء ”المقاومة الشابة“ إلى 900 عضو، وهو عدد كبير بالنسبة لمنظمة سرية (من وجهة نظر معينة، كان ذلك بداية أقصى اليسار). رفض شباب شيوعيون ” كسر الخضوع“ لأنهم كانوا يخشون الزج بهم في السجن. . كان هناك أبناء لأعضاء اللجنة المركزية قاموا بأعمال شجاعة، ولكن كان الأوان قد فات. كان لدى قيادة الحزب الشيوعي عدد قليل من الشهداء، ليتمكنوا بعد ذلك من القول للجزائريين والرأي العام: ”حزبنا أيضاً كان له شهداءه“. في العامين الأخيرين من الحرب، رفض حوالي عشرين جندياً شيوعياً شاباً الذهاب إلى الجزائر. لكن عندما ننظر إلى أسمائهم، نجد أنهم في الغالب أبناء قادة، مثل ابن لياندري ليتوكارد، وأعضاء اللجنة المركزية الذين رفضوا بالفعل الذهاب إلى الجزائر ودخلوا السجن. لكن ذلك كان في النهاية. في عام 1956، كان ألبان ليشت أول من رفض الذهاب إلى الجزائر، لكن الحزب لم يدعمه [2]، وكان وحيدًا تمامًا.

كان شقيقاي يعملان مباشرة في شبكات المساعدة، على اتصال بفدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا. كانا يتوليان نقل الأموال. من وقت لآخر، كنت أساعدهما. كنت أهتم بشكل خاص بالنقل في باريس: عندما كانت السيارات المليئة بالشرطة تراقب بعض الأحياء، كان لا بد من وضع أشخاص عند التقاطعات للتأكد من عدم وجود حواجز. كان الأصدقاء يطلقون إشارات تسمح للسيارات التي تنقل نشطاء جبهة التحرير الوطني بعبور باريس دون عوائق. كنت أفعل ذلك كثيرًا.

ثم اتخذنا ”مبادرات“ حول السجون. شاركت بشكل خاص في محاولة لتحرير نساء. كان ذلك في فريسن. قامت مجموعة من الرفاق بالتحليق فوق السجن بطائرة صغيرة، وهو أمر محظور، والتقطوا صوراً. لقد أصيبوا جميعاً بالغثيان في الطائرة، التي اضطرت إلى القيام بحركات بهلوانية. أما أنا، فقد كنت في الليل بين ذراعي رفيقة ساحرة، وكنا نحدد نوبات حراسة الشرطة وقوات حفظ الأمن  CRS حول السجن، لمعرفة مساراتهم وعددهم وموعد تغيير الحراسة.

كنا قريبين جدًا من الأسوار. وكانت هناك منحدرات تسمح لنا بالاختباء.

كنا نتناوب، عدة أزواج، كل زوج يبقى في مكانه أربع ساعات أو أربع ساعات ونصف.

كنا ننقل المعلومات إلى أشخاص لديهم أسماء مستعارة، ولا أعرف هويتهم. كانوا ”في المستوى الأعلى“. كان الأمر منظماً بشكل جيد. كانت الشبكات مدرسة جيدة. شارك البعض فيها بدافع «الإنسانية»، لأنهم كانوا يشعرون بالغضب من التعذيب الذي يتعرض له الجزائريون. هذا أمر جيد وطبيعي. لكن بالنسبة للبعض الآخر، كانت الشبكات مدرسة سياسية جيدة. أصبحوا «أمميين» حقيقيين. اكتسبوا خبرة سياسية، وهو أمر مفيد دائمًا. بعد ذلك أدركنا، في المنظمات السياسية، أدرنا أن جزءًا كبيرًا من نواة « أقصى اليسار » المستقبلي كان مصدره مساعدة الثورة الجزائرية. كان ذلك أمميًا «عمليًا» وليس كلاميًا: نرى بشكل ملموس كيف أثارت ثورة التعاطف، وسيسّت الشباب، وجعلتهم مناضلين. كانت هذه حقاً مدرسة للتدريب العملي.

كان موقف القيادة والطلاب الشيوعيين من حرب الجزائر أحد أسباب المعارضة التي نشأت وانفجرت بينهم. كانت الجزائر، إلى جانب المجر، هما عنصرا الأزمة: خيانة الشعب الجزائري من قبل الحزب الشيوعي ودعمه لغزو القوات السوفيتية لهنغاريا، وهو ما اعتُبر أيضًا خيانة للشعب الهنغاري. سيلعب المناضلون «السريون» في حركة التضامن مع الجزائر، الذين كانوا أعضاء في اتحاد الطلاب الشيوعيين، دوراً مهماً في ظهور «المعارضة اليسارية» للستالينية. ستظهر هذه المعارضة في أعوام 1960-1961 وستنتهي بطرد الجميع في العام 1965. ومع ذلك، استمرت المرحلة الانتقالية خمس سنوات. قبل انتهاء الحرب في الجزائر، شكلت قضية منظمة الجيش السري (OAS) عنصراً إضافياً، بما في ذلك من حيث «الأعمال التطبيقية»، لتغذية وتجذير قسم من الشباب الشيوعي.

أسهمت كل هذه العوامل في تجذرنا، ولكن مع وجود جوانب متناقضة. فمن حيث المبدأ، فيما يتعلق بالجيش، كنت مرتبطًا إلى حد ما بالتقليد اللينيني، أي أنه كان من الضروري الانضمام إلى الجيش والقتال في صفوفه من أجل إدانة الاستعمار. كنت معجبًا بالجنود القلائل الذين انضموا إلى الجانب الآخر، بأسلحتهم وأمتعتهم. كان البطل، بالنسبة لي، أنا الذي بدأت أتخلص من تأثير ستالين، متمثلا في الملازم مايو [3]. ما فعله كان مثل «المتمردين في البحر الأسود»، مع أندريه مارتي: «نحن متضامنون مع الثورة المقابلة. ننضم إليها بأسلحتنا، ننضم إلى الآخرين». كان العدو هو الاستعمار الفرنسي. كان مايو وإيفيتون[4] أبطالاً حقاً. كان فعل التضامن أمراً بالغ الأهمية.

على صعيد الجيش، بما أننا كنا نعلم أن الحزب الشيوعي لا يفعل شيئاً، فقد أيدنا تماماً العصيان والفرار من الخدمة العسكرية. كان ذلك بمثابة استفزاز سياسي، «ايماءة» سياسية لإثارة الفرنسيين والفرنسيات. كان ذلك أفضل من عدم فعل أي شيء.

كما قلت، بما أننا لم نتمكن من تثقيف الشباب الذين ذهبوا إلى الجزائر، أصبح الكثير منهم عنصريين. نحن نعرف ما هي الحرب الاستعمارية: يُقتل الأصدقاء المقربون، ويقع الجنود الشباب في شركها تمامًا. كان من الأفضل ألا يذهبوا. على الرغم من أننا كنا لينينيين فيما يتعلق بمشاكل الجيش، كنا نؤيد العصيان: كان ذلك الطريقة الأكثر فعالية لزيادة الوعي والمشاركة، بشكل ضئيل للغاية، في تخريب الجهاز العسكري الفرنسي.

كان التعذيب أيضًا عنصرًا مهمًا في خياراتنا. كانت هناك صحف متخصصة في نشر الكتب المحظورة (مثل مسألة هنري أليغ). هذا هو الحال بالنسبة لـ “شهادات ووثائق”، التي كانت تفضح كل الفظائع التي ارتكبها الفرنسيون في الجزائر. لقد عملت كثيرًا في هذه المجلة الأخيرة. أدت إدانة التعذيب دورًا كبيرًا. على سبيل المثال، عندما صرح بول تيتجن، الأمين العام لمحافظة الجزائر العاصمة في العام 1957: ”وسيلة حكمنا هي التعذيب“؛ لم يذهب أبعد من ذلك، لكن هذا كان بالفعل أكثر من ’إنسانية‘. وهكذا أصبحنا، كما نقول اليوم،  “موضوع مساءلة” عن طبيعة الصراع الذي يخوضه الفرنسيون في الجزائر. كان لهذا معنى سياسي مهم.

ثم كانت منظمة الجيش السري (OAS) أيضًا اضطرابا كبيرا، لأنها كانت تمثل الفاشية. طوال فترة طويلة، كانت الجزائر بالنسبة للناس بعيدة، بعيدة جدًا. لذا، لم يهتموا بها، فهي تتعلق بالعرب. بدأت الغالبية العظمى من السكان تهتم بالجزائر عندما ذهب عشرات الآلاف من أبنائهم إلى هناك، ثم عادوا ليحكوا قصص حربهم. علاوة على ذلك، كان هناك الآلاف ممن لم يعودوا، أو أصيبوا بإعاقات. عندها بدأ الشعب الفرنسي يطرح الأسئلة. في بداية الحرب،  كان اليسار، باستثناء المثقفين، نائماً. لكن مع ظهور منظمة الجيش السري (OAS)، أي الفاشية، بدأ اليساريون يستيقظون، وظهرت ردود فعل مناهضة للفاشية. أصبح الأمر ”ظاهرة فرنسية“ تمامًا، مع حليقي الرؤوس، و”البلطجية“… عندها، شعر الناس بالخوف. وأخيرًا، وقعت التفجيرات، دلفين رونار [5]… أنا نفسي، انفجرت شقتي…

التجربة «المثيرة للاهتمام» الثالثة: في الوقت الذي ارتكبت فيه منظمة OAS  الجيش السري هذه التفجيرات، شعر الشباب أن ثمة شيئًا أكبر من الحرب في الجزائر نفسها، فأنشنا الجبهة الجامعية المناهضة للفاشية (FUA). نجحنا في إنشاء منظمة جماهيرية قتالية حقيقية ، جمعت آلاف الطلاب في باريس والمحافظات.وكان الحزب الشيوعي معارضاً لذلك، ونحن، الشيوعيون، كنا على رأس هذه الجبهة. أفلحنا، في مواجهة الستالينيين، في إثبات أنه يمكننا أن نكون «موحدين» وغير عصبويين ومقاتلين، لأنها منظمة قررت طرد الفاشيين من الحي اللاتيني. وكان ثمة، كل يوم، مئات الطلاب الذين يجتمعون، استجابة لدعوة الجبهة الجامعية المناهضة للفاشية ،في الحي اللاتيني، مع فرق متنقلة. بمجرد أن يتم توزيع منشورات فاشية، كنا نذهب لإعاقتها. من المعروف أن أشخاصًا مثل دوبرات[6]، المؤيد لمنظمة الجيش السري  (OAS)، والذي توفي منذ ذلك الحين، لم يتمكنوا أبدًا من دخول معهد الجغرافيا… حتى وقت قريب، كان هناك شعار على هذا المعهد: «دوبرات لن يدخل». لقد «طهرنا» الحي اللاتيني حقًا، ليس بطريقة «يساروية»، ولكن بفضل حشود الطلاب الذين قمنا بتعبئتهم. كان هناك مسيحيون، والحزب الاشتراكي الموحد، وغير منظمين، ونحن «المعارضون» الشيوعيون.

استدعتني قيادة الحزب، مع آخرين، لتطلب منا الكف، لأننا نتصرف كـ”يسارويين“. كانت هذه تجربة جيدة في ما بعد، لأننا سرعان ما منحنا أنفسنا نوعاً من «وسادة ديمقراطية» لحمايتنا: وقع 150 مثقفاً على نص، على رأسهم جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، وكان هذا النص مشابهاً تقريباً لنص الجبهة الجامعية المناهضة للامبريالية كان ذلك تأسيس جبهة عمل وتنسيق الجامعيين والمثقفين المناهضين للفاشية [7]«FACUIRA». كان لدينا إذن هذه البنية لمحاربة منظمة الجيش السري برعاية المثقفين، ومنظمة الطلاب الثانويين والجامعيين، الجبهة الجامعية المناهضة للفاشية.

كانت هذه التجربة غنية جداً. كان لدينا جهاز استخبارات خاص بنا. هكذا اكتسبنا مصداقية جيدة. نجحنا في القبض على منفذي تفجير مبنى صحيفة لوفيغارو، وهو نوع من العمليات لم يقم به رجال الشرطة قط. قمنا بمحاصرة هؤلاء الأشخاص واستجوابهم (دون ضربهم) طوال الليل في شقة، حتى اعترفوا. عثرنا معهم على قائمة تضم خمسين ضابطًا وعشرات المفاتيح. بعد ذلك، لم نعد نعرف ماذا نفعل بهؤلاء الأشخاص. سلمناهم للشرطة، مع مخططات صحيفة ”لو فيغارو“ التي كانت بحوزتهم. كان رجال الشرطة غاضبين لأن “اليسارويين ” هم من أعطوهم هؤلاء المفجرين. تم وضع هؤلاء الأشخاص، وهم ثلاثة من أعضاء منظمة الجيش السري (OAS)، في معسكر اعتقال.

في اليوم التالي، اضطرت صحيفة “لو فيغارو”، التي كانت منزعجة للغاية، إلى الحديث عن الأمر! كان ذلك حدثًا مهمًا. لكن الصحيفة قالت مرة أخرى إنهم ’ربما‘ يكونون منفذي التفجيرات في مقر “لو فيغارو”. قضى الرجال عامًا أو عامين فيمعسكر احتجاز (كان هناك عدد قليل جدًا من هذه المعسكرات للفاشيين، ولكن كان هناك الكثير منها للجزائريين).

أثارت منظمة الجيش السري استياء جزء كبير من الرأي العام، خاصة بعد الهجوم الذي استهدف شقة أندريه مالرو، ولكنه تسبب في فقدان الطفلة دلفين رينارد لعينها. كان ذلك انعطافا في حرب الجزائر. قال الناس: “الوضع هنا فوضوي. إذا كنا معرضين لخطر التعرض لاعتداءات في الشارع، فسنوقف…”

ثم كانت ثمة المظاهرة الكبيرة في 17 أكتوبر 1961، حيث أُلقي بالجزائريين في نهر السين [8]. كانت ردود فعل الرأي العام بائسة… كان هذا الحدث غير مسبوق. لكن كان ثمة عنصرية في الرأي العام، لدرجة أن الجميع كان يكتفي باعتبار القمع أمراً مخزياً. وصلت المعلومات تدريجياً. اليوم، نحن نعرف ما حدث. لكن، لم نكن آنذاك، نعرف الكثير. كان هناك كذب مستمر. لم يكن هناك، بنظر كثير من الناس، سوى ”مظاهرة ضخمة للمغاربيين الذين هاجمتهم الشرطة“. هذه الرواية المعتدلة هي ما تفاعل معه الرأي العام، حيث أدت العنصرية دورها بالكامل. لم يكن الفرنسيون هم الذين تعرضوا للهجوم، وكان الجزائريون يثيرون الخوف، بحكم تعريفهم. نحن نحب البقال العربي في الحي، الذي يفتح متجره ليلاً، ولكن عندما يجتمع العرب في الشارع، فإنهم يثيرون الخوف. لذلك كان هناك خوف من هذه الحشود من الجزائريين وشعور بالقلق، لأن الشائعات كانت تقول إن هناك الكثير من القتلى. وهذا يفسر جمود الرأي العام.

لقد رأيت المشهد المروع في غران بولفارد. عندما تم إخطاري، كان الأمر مروعًا للغاية. إنها ذكرى لن أنساها أبدًا. بالإضافة إلى ذلك، كانت السماء تمطر، مما زاد من كآبة المشهد. لم تكن هناك سيارات في غران بولفارد. تم إغلاق الطريق. كانت الساعة الحادية عشرة مساءً، وكانت المجزرة قد وقعت بالفعل. كان الشارع مغمورًا بالمياه، كئيبًا، أسودًا، بلا سيارات، بلا صوت، في صمت تام. وكانت هناك أكوام من الجزائريين، لا توجد كلمة أخرى لوصفهم، أمام أبواب المرائب، كل خمسين مترًا. لم نكن نعرف من مات. كانوا ينزفون. لم يتحركوا، لم يصرخوا، لم يقولوا شيئاً. أكوام من الجزائريين في الظلام وفرق من الشرطة، بالهراوات في أيديهم، لم يعودوا يضربون، كانوا يمرون طولاً وعرضاً. الأسوأ كان أمام مقر صحيفة لومانتيه (جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي)، في شارع  بواسونيير، الستائر مغلقة، وأمامها مجموعة من الجزائريين، جرحى، قتلى، ينزفون، وكانوا هناك، أمام الستارة المغلقة. صورة كهذه لا تُنسى.

اليوم، تمت أخيرًا إعادة اعتبار للحقيقة. لكن كان علينا الانتظار حتى نهاية القرن تقريبًا! حاولت لجان من كل الأنواع أن تفعل شيئًا. في العديد من المقابلات التي أجريت، سُئل الشيوعيون عما إذا كان صحيحًا أن ستائر مقر صحيفة لومانتيه ظلت مغلقة أمام المتظاهرين. أجابوا بأن هذا صحيح، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء آخر، وأنه كان عليهم ضمان أمن الصحيفة، إلخ. دائمًا نفس الحجج. هذا أمر فظيع.

كل هذا يمثل بداية الانفصال بين عالم العمل والحزب الشيوعي، بداية انحدار هذا الأخير. من وجهة نظر معينة، فإن تكوين «الكوادر» في عام 1968 و« أقصى اليسار الجديد»، بما في ذلك التروتسكيون والماويون وجزء من الخضر، كل ما خرج عن الأحزاب التقليدية، باختصار جزء كبير من المناضلين الذين هم اليوم في الخمسينات من العمر [9]، أصبحوا سياسيين وجذريين وثوريين ومتحررين من الستالينية من خلال دعمهم للثورة الجزائرية.

في العام 1962، كان استقلال الجزائر مصدر فرح كبير: كنا نناضل منذ سنوات من أجل هذا الهدف. لم تكن هناك مظاهرات فرح في فرنسا. كان الأمر صعبًا… لكنه كان أمرًا استثنائيًا لجميع مناضلي التضامن. كان بإمكاننا أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة، بعد أن ساهمنا، إن لم يكن بحجر، فعلى الأقل بحبة رمل في استقلال الجزائر. كانت المعركة ناجحة وكنا سعداء للغاية.

بعد ذلك، دارت نقاشات: ”ماذا سينتج عن هذا ؟“ كان البعض أكثر ثقة من الآخرين، وأكثر تفاؤلاً. لكننا كنا نقول: ”على الأقل، لقد تحقق الأمر. البلد مستقل، وهو ما ضحى الناس بحياتهم من أجله. التعذيب توقف. مهما كان النظام، فقد تحقق الهدف الأول، الجزائريون في وطنهم“.

في الختام، أود أن أقول إنه يجب أن نحاول أن نفهم أن جيلاً كاملاً يحافظ منذئذ على علاقات وثيقة بشكل خاص مع الشعب الجزائري. إذا ذهبت إلى تونس أو المغرب أو ألبانيا، فهذا ليس مثل الذهاب إلى الجزائر. هنا، هناك شيء ما يبقى. لهذا السبب نكون متطلبين للغاية إذا حدث شيء ما في الجزائر” نعتقد أنهم لا يستحقون ذلك.

المصدر : 

Jacques Charby :Les porteurs d’espoir

Les réseaux de soutien au FLN pendant la guerre d’Algérie : les acteurs parlent 

Editions LaDecouverte Paris 2004

Pages 128 a 136

هوامش

  1. زوجة المناضل الشيوعي وعالم الرياضيات موريس أودان. كان يبلغ من العمر 25 عامًا عندما اعتقله الجيش الفرنسي في 11 يونيو 1957 بسبب أنشطته الدعائية ضد الجيش الفرنسي. قُتل بعد عشرة أيام على يد المظليين الذين عذبوه، وتم التستر على وفاته باعتبارها هروبًا. ستتولى زوجته، جوزيت أودان، قيادة النضال من أجل الحقيقة، الذي ستتولاه لجنة موريس أودان “، التي أنشأها في نوفمبر 1957 في باريس مجموعة من المثقفين الفرنسيين، من بينهم المؤرخ بيير فيدال-ناكيه (انظر بيير فيدال-ناك، قضية أودان، دار نشر مينوي، باريس، 1958؛ طبعة جديدة، 1989).
  2. حُكم عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة العصيان في نوفمبر 1956. 
  3. في 4 أبريل 1956، هرب هنري مايو، وهو شاب طموح في الجيش ومسؤول في الحزب الشيوعي الجزائري، مع شاحنة محملة بالأسلحة والذخيرة وشارك في إنشاء مقاومة حمراء في أوارسينيس، تتألف من أعضاء أوروبيين وجزائريين من الحزب الشيوعي الجزائري. قُتل في 6 يونيو 1956، في نفس الوقت مع موريس لابان (عضو آخر في الحزب الشيوعي من أصل فرنسي)، على يد الجيش الفرنسي (انظر :

Serge KASTELL, Le Maquis rouge. L’aspirant Maillot et la guerre d’Algérie, 1956, L’Harmattan, Paris, 1997.(

  1.  فرناند إيفتون، مناضل من أصل جزائري في الحزب الشيوعي الجزائري، انضم إلى جبهة التحرير الوطني، أُعدم بالمقصلة في 21 فبراير 1957 لوضعه قنبلة (لم تنفجر) في مصنع الغاز في الحامة ، في الجزائر العاصمة، حيث كان يعمل 

(voir Jean-Luc EINAUDI, Pour l’exemple: l’affaire Fernand Iveton, L’Harmattan, Paris, 1986).

  1. في ليلة 7 فبراير 1962، نفذت قوات كوماندو تابعة لمنظمة الجيش السري (OAS) سلسلة من الهجمات في باريس، استهدفت إحداها منزل الكاتب الديغولي أندريه مالرو؛ نجا مالرو، لكن طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات، دلفين رونار [5]، بجروح خطيرة وفقدت عينها.
  2. كان فرانسوا دوبرات ناشطًا في اليمين المتطرف، وكان أحد مؤسسي اتحاد الطلاب الوطنيين  في ربيع العام 1960، ثم مؤسس حركة أوكسيدان في أبريل 1964، ومؤسس الحركة الفاشية الجديدة أوردر نوفو في عام 1969. شارك في تأسيس الجبهة الوطنية في عام 1972، وتوفي في 18 مارس 1978 في هجوم ظل بلا تفسير، بعد أن أصبح الرجل الثاني في الحزب.
  3.  جبهة العمل والتنسيق للأكاديميين والمثقفين من أجل تجمع مناهض للعنصرية.
  4.  في 17 أكتوبر 1961، دعت فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا الجالية الجزائرية إلى التظاهر سلمياً في وسط باريس للاحتجاج على حظر التجول التمييزي الذي فرضه عليها مؤخراً مدير شرطة باريس، موريس بابون. قمعت الشرطة هذه المظاهرة بدموية، ما أسفر عن مقتل العشرات (المئات حسب بعض المصادر). انظر على وجه الخصوص:

 Paulette Péju, Ratonnades à Paris, Maspero, Paris, 1961 (nouvelle édition : La Découverte, Paris, 2000); Jean-Luc EINAUDI, La Bataille de Paris: 17 octobre 1961, Seuil, Paris, 1991; Anne TRISTAN et alii, Le Silence du fleuve. Ce crime que nous n’avons toujours pas nommé, Au nom de la mémoire, Bezons, 1991.

  1. في عام 1995.

شارك المقالة

اقرأ أيضا