في خضم الحرب العدوانية على الشعب الإيراني: الخضوع والتطبيع وقمع التضامن

الافتتاحية, سياسة16 مارس، 2026

بقلم؛ جريدة المناضل-ة

يبدو المغرب، للوهلة الأولى، بعيداً عن دائرة الصراع المشتعل في الشرق الأوسط، على بعد آلاف الكيلومترات من ساحات القصف والنار، حيث تتسع رقعة المواجهات وتتصاعد الحرب على إيران. غير أن هذا البعد الجغرافي لا يعني الحياد السياسي؛ فالمغرب يشكل حلقة ضمن شبكة التحالفات الإقليمية والدولية التي تقودها الولايات المتحدة، وشريكاً في منظومة الهيمنة على المنطقة.
في اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية قبل أيام، عبّر وزير الخارجية ناصر بوريطة عن موقف رسمي ينسجم مع رواية المحور الأمريكي–الإسرائيلي بشأن الحرب على إيران وامتداداتها في لبنان. فبينما كانت الضربات تتسع في المنطقة، أدان بوريطة ما وصفه بـ «السياسات الإيرانية العدوانية» التي تخلق ميليشيات تهدد الاستقرار العربي، مؤكداً تضامن المغرب مع الدول المتضررة من الرد الإيراني، ومعتبراً أن أمن الخليج «جزء لا يتجزأ من أمن المغرب». في المقابل، غاب أي ذكر للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي الذي أشعل الحرب، مع دعوة إلى «الوقف الفوري للاعتداءات الإيرانية»، كما ورد في بيان الجامعة العربية، وكأن الصراع اندلع من فراغ.
ضمن هذا السياق، لا تبدو الاتفاقات الأمنية، والاستثمارات المروَّج لها، وخطوات التطبيع مع إسرائيل مجرد خيارات سيادية عادية، بل تعبيراً عن اندماج أعمق في منظومة الهيمنة الإمبريالية. وهو منطق يقترن بإحكام السيطرة على المجال العام وقمع الأصوات الرافضة، كما يعكسه منع الوقفة التضامنية مع الشعبين الإيراني والفلسطيني في مكناس، في إشارة إلى أن التضامن مع الشعوب المقهورة يُعامل بوصفه فعلاً يستوجب المنع والقمع.
تتحدد الوظيفة الجيوسياسية للنظام المغربي في هذا السياق، بتوليه دور تأمين الممرات البحرية وطرق الطاقة، ودعم التحالفات الأمريكية دون أدنى تردد، ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وضمان استقرار منطقة شمال أفريقيا والساحل لصالح المصالح الإمبريالية الغربية. لكن أداء هذا الدور لا يمر عبر تعزيز السيادة الوطنية أو خدمة مصالح الشعب، بل عبر تَبَنٍّ كامل للاصطفافات الخارجية، المنسجمة مع المصالح الأمريكية والأوروبية والخليجية، وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بما يخدم القوى الكبرى، وليس تلبية لحاجات المغاربة أو تطلعاتهم إلى استقلال قرارهم.
إننا نشهد تكريس دور الجيش والشرطة المغربيين كأذرع لحلف شمال الأطلسي في محيط الساحل والصحراء، تحت غطاء «محاربة الإرهاب» الذي غالباً ما يُوظف لضرب حركات التحرر أو تصفية المنافسين السياسيين. كما أن الطموحات المغربية في مجال الطاقة تجعله أكثر اندماجاً في شبكات التبعية الأوروبية، حيث يتحول إلى مجرد ممر لطاقة بديلة للغاز الروسي، ما يدفعه للتوافق مع السياسات العدائية تجاه روسيا وإيران، حتى لو كانت تضر بمصالحه بعيدة المدى.
ويرتبط هذا التموضع الخارجي عضوياً ببنية النظام القائم. ليست الطبقة الحاكمة في المغرب مجرد نخبة سياسية تدير شؤون الحكم، بل شبكة مصالح اقتصادية وعسكرية متشابكة، تسعى بكل ما تملك إلى:

  • حماية امتيازاتها عبر الارتباط الوثيق بالتحالفات الدولية، فكل صفقة أسلحة أمريكية وكل استثمار خليجي يغذي هذه الامتيازات ويكرس النخبة الحاكمة كــ»بورجوازية كومبرادورية»، وظيفتها الأساسية تسهيل تغلغل رأس المال الأجنبي، حتى لو كان على حساب الصناعة المحلية أو السيادة الاقتصادية؛
  • تثبيت أركان النظام الملكي ومؤسساته عبر ضبط الحقل السياسي، وقمع أي حركة شعبية قد تعارض هذه الاصطفافات، واستخدام الدعم الخارجي (كالاعتراف الأمريكي بالسيادة على الصحراء) كورقة لتأمين مزيد من الإجماع الوطني داخليا؛
  • إدارة الصراع الطبقي والسياسي داخلياً، وتضييق مساحات التضامن مع الشعوب المقهورة، كما حدث مع حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع الشعب الإيراني اليوم، حيث يُمنع أي تعبير عن التعاطف أو التأييد.

في هذا الإطار، لا يُعَدّ التطبيع مع إسرائيل خياراً دبلوماسياً عابراً أو خطوة تكتيكية. إنه يمثل رسالة واضحة مفادها أن النظام المغربي مرتبط عضوياً بالهيمنة الأمريكية والخليجية والصهيونية، وأن أي صوت معارض لهذا الترتيب سيواجه القمع بكل وحشية. لذلك يُنظر إلى التضامن الشعبي مع إيران أو مع أي شعب يتعرض للحروب والحصار والعقوبات الظالمة، على أنه تهديد مباشر لهذا الترتيب، ويجري خنقه بقوانين الدولة وإجراءاتها القمعية المشددة.
ولا يقتصر القمع على الأفعال، بل يمتد ليشمل المشاعر والتعاطف. فبواسطة مراقبة الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، وتجريم أي تعبير عن التضامن تحت ذرائع «المساس بالعلاقات الخارجية» أو «نشر أخبار كاذبة»، تعمل الدولة على فرض هيمنة أيديولوجية، وتجعل من الولاء للخيارات الرسمية شرطاً للمواطنة.
تتطلب مواجهة هذا الوضع المركب تحركاً شعبياً واعياً، يدرك أن المعركة واحدة مهما تعددت جبهاتها. فالنضال ضد التطبيع والتبعية، والدفاع عن حرية التضامن مع الشعوب المقهورة، ليس مجرد موقف أخلاقي عابر، بل هو صراع وجودي من أجل السيادة الوطنية وحق الشعب في تقرير مصيره بعيداً عن ضغوط القوى الكبرى.
كما أن النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية داخلياً يرتبط عضوياً بمقاومة الهيمنة الإمبريالية خارجياً. فالفساد والاستبداد الداخلي هما وجهان لعملة واحدة مع التبعية والخضوع للخارج. والربط بين هذه المستويات هو السبيل الوحيد لاستعادة الإرادة المستقلة للشعب المغربي، وكسر الحلقة المفرغة التي تجعل من الدعم الخارجي غطاء للقمع الداخلي.
من هنا، تشكل التعبئة الشعبية الواسعة ضد التطبيع، الطريق الوحيد نحو بناء سيادة حقيقية.
يبقى التضامن مع الشعوب الواقعة تحت أنظمة قمعية واستهداف امبريالي، كالشعب الإيراني وشعوب المنطقة المنكوبة بالصراعات، جوهرَ النضال من أجل السيادة الحقيقية. هذا هو الطريق الوحيد لإنهاء سياسات التبعية، وبناء قدرة وطنية على رفض الهيمنة الإمبريالية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية.
لا سبيل سوى النضال وتضامن الشعوب المقهورة من أجل الوقف الفوري للهجوم الامبريالي على إيران، ودعم نضال الشعب الإيراني وحقه في الدفاع عن نفسه ضد التدخلات الإمبريالية والصهيومية، وضد نظام الملاكي القمعي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا