ما الحرية السياسية بالنسبة للعمال- ات؟
بقلم؛ أزنزار
في بلاد الاستبداد السياسي يكون إحراز الحرية السياسية/ الديمقراطية أمَّ المهام. لا يمكن الانعتاق من نير الاستغلال الاجتماعي دون حرية سياسية، ودون حقوق ديمقراطية. ينتج عن هذا استنتاج سياسي مفاده: إن نيلَ الحرية السياسية هي مهمة كل المتضررين من الاستبداد السياسي. و”كل” هذه لا تشمل أفرادا، بل طبقات. وهنا ينتهي الاستنتاج السياسي. فما أن تُطرَح مصالح الطبقات على كفة الميزان، حتى تتحول الحرية السياسية إلى محطِّ خلاف شديد، ليس فقط بين ممثلي الطبقات المتصارعة، بل بين هذه الطبقات ذاتها.
هل تسعى البرجوازية إلى حرية سياسية؟
تمتلك البرجوازية السلطة الاقتصادية. وهذه السلطة هي حق التملُّك وحرية التصرف في أملاكها. لكن البرجوازية لا تمتلك فقط أدوات العمل (مصانع، مزارع، مؤسسات خدمات… إلخ)، أو ما يُطلق عليها “رأسمال ميتا”. بل تمتلك أيضا، بحكم قوة الواقع، “حرية” شراء قوة العمل. هذه الأخيرة ليست أدوات صامتة، بل بشرا حياًّ، كائنات تتنفس وتأكل وتلبس وتنام وتتناسل لإعادة إنتاج الحياة.
لذلك فإن الحرية السياسية بالنسبة للبرجوازية لا تشمل حقَّ وحرية طبقة حاملي- ات قوة العمل في النضال من أجل التخلص من عبودية العمل المأجور، والتحرر من اضطرار بيع قوة عملهم- هن إلى طبقة أخرى، مخافة الموت جوعا ومرضا وتشريدا.
تقف الحرية السياسية بالنسبة للبرجوازية في الحدود التي سيتحدى فيها العمال- ات سلطة البرجوازية الاقتصادية. لذلك فإيمان البرجوازية/ الرأسماليون بالحرية السياسية وبالديمقراطية ناقص، إن لم يكن معدوما.
طيلة التاريخ السياسي للمغرب، تتالت معارضات سياسية تعبِّر عن مصالح أقسام من الرأسماليين. تمتعض تلك المعارضات البرجوازية من الاستبداد السياسي لأنه يُقفِل في وجهها فرص الولوج إلى مراكز السلطة، أو بالأحرى هوامشها. وفي نفس الوقت تعبِّر تلك المعارضات البرجوازية عن أقسام من الرأسماليين الصغار والمتوسطين مستائين من احتكار المَلكية لفرص الاغتناء الاقتصادي الكبيرة، ومن استغلال المَلكية لموقعها كحاكمٍ سياسي كي تنفرد بتلك الفرص؛ وهو ما يُطلق عليه في رطانة السياسة المغربية: “اقتصاد الريع”، “الاحتكار”، “المخزن الاقتصادي”… إلخ.
لذلك كل ما تنادي به تلك المعارضات البرجوازية هو تقاسم السلطة مع المَلكية من موقع تابع صغير، وفي نفس الوقت أن ترفع المَلكية يدها على الاقتصاد وتسمح لقوانين الرأسمالية بالاشتغال: “التنافس الشريف”، “دولة القانون والمؤسسات”… إلخ.
لكن ما تحرص عليه تلك المعارضات البرجوازية هو شيء واحد: ألا تمسَّ الحرية السياسية/ الديمقراطية قدس أقداس المجتمع؛ “المِلكية الخاصة”. هذه هي أرضية توافق مسبَق بين المَلكية (القسم الحاكم من الرأسماليين) والأقسام الأخرى من الرأسماليين. وهنا الضعف التاريخي والجيني للمعارضات البرجوازية، ليس في المغرب فقط بل في كل بلدان العالم. توافق مسبَق يمنع الوصول إلى “التوافق التاريخي” الذي تسعى تلك المعارضات إلى الوصول إليه مع الملكية، من أجل تحوُّل هذه الأخيرة إلى “مَلكية برلمانية”.
مضمون هذا التوافق السياسي المسبَق حصل ليس بين المَلكية والمعارضات البرجوازية، بل بينها وبين البرجوازية ذاتها كطبقة. ولقد عبَّر عنه نجيب أقصبي، اعتمادا على ريمي لوفو، بقول: “إن هذه ‘البرجوازية’ سوف تتأقلم مع الوضع وتجد ‘الترتيبات المؤسساتية’ القادرة على السماح لها بالاستمرار في الازدهار في ظل النظام القائم. والحقيقة أن عقودا من التجربة أظهرت أنه، من منظور هذه “النخبة”، يمكن صياغة منطق هذه “التسوية” على النحو التالي: الحد الأقصى من الامتيازات والحد الأدنى من المخاطر… أجل، متفقون أننا لن نمارس السياسة، لكننا سنمارس المال والأعمال! وكما أن كل شيء يترتب حسب المنطق التالي: إذا كانت الأشياء على ما هي عليه، فما علينا إلا الحصول على أقصى “ربح” بأقل ‘تكلفة'”. [1].
هذا ما يجعل من البرجوازي المغربي، وليس من الفلاح المغربي، خادمَ العرش. فالبرجوازي المغربي محتاج دوما إلى “العقب الحديدي” للاستبداد السياسي كي تتمكن “اليد الخفية” للسوق الرأسمالية من الاشتغال. تلك العقب الحديدية التي تحمي البرجوازي المغربي من الطبقة العاملة وتؤمِّن استمرار استغلالها واعتصار الأرباح منها. لذلك لا يمكن أن يلتقي مفهوم الطبقة العاملة عن الحرية السياسية مع مفهوم البرجوازية عنها.
ماذا تعني الحرية السياسية بالنسبة للعمال- ات؟
التتمة المنطقية للتسوية السياسية بين المَلكية (القسم الحاكم من الرأسماليين) مع الأقسام الأخرى من الرأسماليين، هي، كما كتبها نجيب أقصبي، كالتالي: “سنقوم بتوظيف ‘اليد العاملة’ اللازمة لربحية رأس المال، ولكن في كثير من الأحيان، لن ننشغل بشأن ضمان حصولها على الأجرة أو الحماية الاجتماعية التي ينص عليها القانون”. [2]. لذلك فالحرية بالنسبة للرأسمالي هي حرية استغلال الطبقة العاملة، حرية التحرر من الالتزامات القانونية (قانون الشغل، الحماية الاجتماعية… إلخ).
تبدأ الحرية بالنسبة للعمال من “حرية عضلاتهم وأعصابهم”. وهذا لن يتحقق بدون المطلب التاريخي القديم قِدم الحركة العمالية: يوم عمل من ثماني ساعات، والذي أصبح حده الأدنى أقل مع التطور التكنولوجي الضخم، الذي يسمح بتحرير وقت كبير من الكدح.
إن طبقة عاملة ترزح تحت الاستغلال، ومضطرة إلى الكدح ساعات طوال من أجل تأمين النزر اليسير من متطلبات العيش، لن تتمكن من التفكير في أمور أخرى، وضمنها الحرية السياسية. لذلك تبدأ الحرية بالنسبة للعمال- ات في تحرير وقت أكبر من يومهم من الاضطرار إلى الكدح. هذا الوقت، وذلك الجهد العضلي والعصبي الذي تستنزفه آلة الاستغلال، سيوجهه العمال- ات للتثقيف النظري والسياسي، وسيجدون من الوقت الكثير لينخرطوا في النقابات والأنشطة الحزبية.
الوجه الآخر للحرية السياسية بالنسبة للعمال- ات هو حق الإضراب. الحق الحصري الذي يجب أن يتمتع به العمال- ات دون أدنى تدخل من طرف الدولة والبرجوازية، عبر تقنينه. دون هذا الحق لا يمكن للعمال أن يمارسوا أي شكل من أشكال الحرية السياسية. وهنا أيضا يتبدى الوجه المضاد للحرية السياسية لدى البرجوازية. فهذه الأخيرة تخشى الإضراب خشيتها للموت. لذلك فإنها طالبت بتكبيل حق الإضراب ذاك، وقد تأتى لها ذلك بإصدار قانون بشأن ذلك في سبتمبر 2025.
العمال- ات محرومون- ات من الحقوق السياسية كطبقة. وفي بلد استبداد يفقد فيه التصويت في الانتخابات أي سلطة فعلية، ومعها تفقدها كل المؤسسات المنتخَبة، فإن العمال- ات “يصوِّتون بأرجلهم- ات”، عبر الإضرابات ومظاهرات الشوارع. لذلك فكل تقييد لحقي الإضراب والتظاهر هو إعدام لكل شرط للحرية السياسية التي يجب أن يتمتع بها العمال- ات.
تجميع معسكر العمل في وجه معسكر رأس المال
هذا التناقض، بين البرجوازية والدولة (الاستبداد السياسي)، من جهة وبين الطبقة العاملة وتنظيماتها (نقابات وأحزاب يسارية)، ليس محضَ تناقض أيديولوجي/ سياسي، بل يمد جذوره في أعمق المجتمع الرأسمالي. البرجوازية ليست في حاجة إلى حرية سياسية إلا في الحدود التي تضمن لها إبقاء الطبقة العاملة مغلولة في ربقة الاستغلال وحبيسة حظيرة الطاعة والامتثال. بينما الطبقة العاملة تريد الحرية السياسية من أجل تدمير ليس فقط السلطة السياسية للاستبداد (القسم الحاكم من الرأسماليين)، بل لتدمير السلطة الاقتصادية للرأسماليين كلهم؛ أي القضاء على أصل كل الشرور، وهو المِلكية الخاصة لوسائل الإنتاج والطبيعة وقوة العمل.
لهذا فإن تجميع معسكَر العمل في وجه معسكر رأس المال (البرجوازية ودولتها) هي السبيل الوحيد لنيل الحرية السياسية. يتكون معسكر العمل حاليا من الطبقة العاملة المنظَّمة وغير المنظَّمة، ومن النقابات وكل أشكال التنظيم الأخرى (تنسيقيات)، ومن أحزاب يسار جذري، وإصلاحي يعلن حرصه مبدئيا على حقوق العمال- ات. عكسُ هذا التجميع والوحدة يعني تشتت معسكر العمل، وتحوُّل بعض تنظيماته إلى ملحقات للبرجوازية ودولتها، تحت شتى الشعارات: “الحوار الاجتماعي”، “النقابة الاقتراحية”، “المقاربة التشاركية”… إلخ. وهي شعارات قوَّضت الحركة النقابية المغربية وجعلتها عاجزة عن الدفاع عن مصالح العمال- ات، وفي أسوإ الحالات نفور من النقابة ومن السياسة والتحزب بشكل عام.
=============
[1]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوليد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 255.
[2]- نفسه ص 256.
اقرأ أيضا


