تداعيات التحول الرقمي على عمال مراكز الاتصال بالمغرب في ظل مخطط “Future Forward” لشركة تيليبرفورمانس
بقلم- فاطنة أفيد
يشهد قطاع مراكز الاتصال العالمي تحولات عميقة بفعل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما بدأ ينعكس بشكل مباشر على أوضاع الشغيلة. وفي هذا السياق، أعلنت شركة تيليبرفورمانس، إحدى أكبر الفاعلين في هذا المجال، عن نيتها إلغاء حوالي 3300 منصب شغل خلال السنة الجارية، خاصة في أوروبا وشمال إفريقيا، وهو ما يضع المغرب ضمن دائرة التأثر المباشر بهذه الإجراءات.
إن هذا القرار يندرج ضمن استراتيجية شاملة تحمل اسم “Future Forward”، والتي تهدف إلى إعادة هيكلة نموذج العمل داخل الشركة لمواكبة التحول الرقمي. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من وعود بتطوير الخدمات، يثير مخاوف جدية لدى الطبقة العاملة، خصوصاً في ظل اعتماد متزايد على الأتمتة والوكلاء الافتراضيين، مما يقلص الحاجة إلى الموارد البشرية التي كانت تشكل العمود الفقري لهذا القطاع.
من منظور نقابي، فإن هذه التطورات تطرح عدة إشكالات أساسية. أولها، هشاشة مناصب الشغل في قطاع يُشغل آلاف الشباب المغربي، خاصة حاملي الشهادات. وثانيها، غياب ضمانات واضحة لحماية العمال من التسريحات الجماعية، في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول التكنولوجي دون مواكبة اجتماعية كافية.
كما أن توجه الشركة نحو إدماج الذكاء الاصطناعي عبر منصات متقدمة، وتوسيع أنشطتها في مجالات ذات قيمة مضافة عالية، قد يؤدي إلى خلق فجوة بين مهارات العمال الحالية ومتطلبات السوق المستقبلية. وهو ما يفرض ضرورة الاستثمار في التكوين وإعادة التأهيل المهني، بدل الاقتصار على تقليص التكاليف عبر تقليص اليد العاملة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الحكومة المغربية كفاعل أساسي في حماية الاستقرار الاجتماعي. إذ يتعين عليها اتخاذ إجراءات استباقية، من بينها:
* تعزيز آليات الحماية الاجتماعية لفائدة العمال المهددين بفقدان وظائفهم؛
* إطلاق برامج وطنية لإعادة التكوين في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛
* فرض التزامات على الشركات متعددة الجنسيات لاحترام الحقوق الشغلية وتفادي التسريحات التعسفية؛
* تشجيع الاستثمار في قطاعات بديلة قادرة على خلق فرص شغل مستدامة.
كما أن الحوار الاجتماعي بين النقابات، والحكومة، وأرباب العمل، يظل أداة محورية لضمان انتقال عادل نحو الاقتصاد الرقمي، يوازن بين متطلبات التطور التكنولوجي وحقوق العمال.
ختاماً، فإن ما يحدث اليوم داخل شركة تيليبرفورمانس ليس حالة معزولة، بل هو مؤشر على تحول بنيوي سيطال مختلف القطاعات. وعليه، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تدبير هذا التحول بشكل يضمن الكرامة المهنية والاستقرار الاجتماعي للطبقة العاملة، بدل أن يتحول إلى مصدر جديد للهشاشة والبطالة.
اقرأ أيضا

