الأراضي السلالية في المغرب: صراع بين الفلاحين، والدولة، والأعيان في زمن الرأسمال العقاري

مقال منشور في العدد 66 من أسبوعية جريدة المناضل-ة

بقلم؛ سليم نعمان

تُعدّ الأراضي السلالية في المغرب أحد أكثر الملفات الاجتماعية والاقتصادية تعقيداً وحساسية، إذ تقع في تقاطع بين التاريخ الاجتماعي العريق ومصالح الدولة وطموحات الرأسمال الحديث ودور الأعيان المحليين في إدارة المجتمع القروي. هذه الأراضي، التي شكلت لعقود طويلة أساس حياة القرى والواحات، لم تعد مجرد ملكية جماعية تقليدية، بل تحولت تدريجياً إلى أداة للتراكم العقاري والربح الاقتصادي، في حين ظل ملايين الفلاحين يشهدون تهميشاً مستمراً وفقداناً لحقوقهم التاريخية، ما جعلها محوراً للصراع الاجتماعي.[1]

الأرض ملك للجماعة قبل الحماية الفرنسية

قبل بداية القرن العشرين، كانت الأراضي السلالية تُدار وفق الأعراف الجماعية، حيث يشارك الجميع في الانتفاع بها وفق انتمائهم للجماعة. لم تكن الأرض سلعة، بل حقاً جماعياً يؤمِّن الكفافَ والحياة الاقتصادية للسكان.

مع فرض الحماية الفرنسية سنة 1912 بعد توقيع معاهدة فاس، بدأت الدولة الاستعمارية في إعادة هيكلة الملكية، ووضعت وصاية على الأراضي الجماعية، لتصبح الأرض أداة قابلة للتسليع ضمن الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهي عملية يمكن وصفها بـ التراكم البدْئي للرأسمال.

شهد المغرب قبل فرض الحماية الفرنسية بنية عقارية مركّبة، غير أنّ الطابع الغالب في جزء واسع من المجال القروي كان يتمثّل في حضور قوي لأشكال الملكية الجماعية للأرض. فقد نظّمت القبائل، عبر أعرافها المحلية، طرق استغلال الأراضي وتوزيعها بين الأسر، حيث اعتبرت الأرض ملكاً للجماعة لا للفرد. ومنحت الجماعة حق الانتفاع للعائلات وفق قواعد تضبطها الأعراف القبلية، وغالباً ما أعادت توزيع بعض الأراضي دورياً تبعاً لتحولات البنية العائلية أو الحاجات الاقتصادية. وقيّدت هذه الأعراف إمكان بيع الأرض خارج الجماعة، الأمر الذي حافظ على الطابع المشترك للملكية وضمن استمرار ارتباط الأرض بالبنية الاجتماعية للقبيلة.

ولم يقتصر النظام العقاري التقليدي على هذا الشكل وحده، بل ضمّ أنماطاً أخرى من الملكية. فقد وجدت أراضٍ تابعة لسلطة الدولة التقليدية أو ما عُرف بالمخزن، وكانت السلطة المركزية تمنح بعضها لقواد محليين أو لشخصيات نافذة مقابل خدمات سياسية أو عسكرية. كما انتشرت أراضي الأحباس التي وُقفت لفائدة المؤسسات الدينية والتعليمية، حيث خُصّصت عائداتها لتسيير المساجد والمدارس والزوايا، ومنع بيعها أو توريثها. وإلى جانب ذلك، وُجدت ملكيات فردية خاصة، خصوصاً في المناطق الحضرية والواحات الزراعية المستقرة، حيث سمحت طبيعة النشاط الزراعي المكثف واستقرار السكان بتطور أشكال أكثر وضوحاً للملكية الخاصة.

غير أنّ هذا التوازن التاريخي بين أشكال الملكية المختلفة تعرّض لتحول عميق مع فرض الحماية الفرنسية إثر معاهدة فاس[2]. فقد شرعت الإدارة الاستعمارية في إعادة تنظيم المجال العقاري بما يخدم متطلبات التوسع الرأسمالي الزراعي. وأدخلت نظام التحفيظ العقاري الحديث الذي يقوم على تسجيل الملكية الفردية للأرض، وهو نظام بدا في ظاهره تقنياً وقانونياً، لكنه أدّى عملياً إلى تفكيك الكثير من أشكال الملكية الجماعية التقليدية. كما فتحت السلطات الاستعمارية الباب أمام نزع مساحات واسعة من الأراضي وتحويلها إلى ملكيات خاصة موجهة للاستغلال الزراعي الرأسمالي، خصوصاً لفائدة المستوطنين الأوروبيين.

ومن منظور تحليلي أوسع، يمكن فهم هذا التحول ضمن عملية إدماج المغرب تدريجياً في النظام الرأسمالي العالمي. فقد احتاجت الرأسمالية الاستعمارية إلى تحويل الأرض من مورد اجتماعي جماعي إلى سلعة قابلة للتملك الفردي والتداول في السوق. ولذلك عملت الإدارة الاستعمارية على تفكيك البنيات القبلية التي كانت تنظّم علاقة الجماعة بالأرض، وفرضت بدلاً منها نظاماً قانونياً حديثاً يرسّخ الملكية الخاصة ويُسهّل انتقال الأراضي إلى الرأسمال الزراعي.

وأدّى هذا التحول إلى نشوء بنية زراعية مزدوجة: من جهة، ظهرت ضيعات رأسمالية واسعة موجّهة نحو الإنتاج التجاري والتصدير، ومن جهة أخرى، استمرّ وجود الفلاحين الصغار الذين حُصروا في أراضٍ محدودة أو هامشية. وقد كرّس هذا التشكيل الزراعي الجديد تبعية الاقتصاد المغربي للتقسيم الدولي للعمل، حيث خُصّصت مساحات واسعة لإنتاج محاصيل مطلوبة في السوق الأوروبية، بينما تقلّصت قدرة الفلاحة التقليدية على ضمان الاكتفاء المحلي[3].

وهكذا لم يقتصر التحول الذي عرفه النظام العقاري في المغرب خلال فترة الحماية على تغيير قانوني في شكل الملكية، بل شكّل جزءاً من عملية تاريخية أعمق أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للريف المغربي. فقد أدّى تفكيك الملكية الجماعية وتوسيع الملكية الخاصة إلى إعادة توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع، وأسهم في إدماج المغرب في اقتصاد عالمي غير متكافئ، ظلّت آثاره البنيوية ممتدة حتى المرحلة المعاصرة.

الدولة والوصاية: تحويل الأرض إلى أداة للاستثمار

بعد الاستقلال سنة 1956، لم تُلغَ وصاية الدولة على الأراضي السلالية، بل استمرت، مع تعديل محدود. أصبحت الدولة قادرة على تفويت الأراضي أو تأجيرها، وإدماجها في مشاريع إسكانية وفلاحية وصناعية[4].

مع التوسع الحضري منذ التسعينيات، أصبحت الأراضي السلالية الواقعة على أطراف المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة هدفاً مباشراً للمضاربة العقارية، حيث ترتفع قيمة الأرض بشكل هائل بمجرد تحويلها إلى أرض حضرية، ما يوفر أرباحاً ضخمة للرأسمال والدولة، بينما يجد الفلاحون أنفسهم خارج منزوعي الأرض.

تكشف التحولات المعاصرة في السياسات الفلاحية بالمغرب بوضوح استمرار المسار التاريخي الذي جعل من الأرض أداة مركزية في سياسات الاستثمار والتراكم. فقد تبنّت الدولة منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين استراتيجية زراعية واسعة عُرفت باسم مخطط المغرب الأخضر[5] Plan Maroc Vert، قبل أن تعلن لاحقاً عن مرحلة جديدة تحت عنوان الجيل الأخضر [6]Génération Green 2020–2030.  وقد قدّمت السلطات هاتين المبادرتين باعتبارهما إطاراً لتحديث الفلاحة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للقطاع الزراعي في الأسواق الدولية.

غير أنّ قراءة أعمق لهذه السياسات تكشف أنها امتداد منطقي للتحولات التي بدأت منذ فترة الحماية، حين جرى تحويل الأرض تدريجياً من قاعدة اجتماعية لتنظيم الجماعات القروية إلى أصل اقتصادي موجّه للاستثمار. ففي إطار ما سُمّي بالمغرب الأخضر، عملت الدولة على تشجيع الاستثمار الخاص في الفلاحة عبر حوافز مالية وقانونية، ودعمت إقامة مشاريع زراعية كبرى تعتمد تقنيات حديثة وتستهدف أساساً سلاسل الإنتاج ذات القيمة التجارية المرتفعة. وقد ترافق ذلك مع إعادة توجيه جزء مهم من الأراضي نحو الإنتاج التصديري، خصوصاً في الزراعات المسقية والمنتجات الموجهة للأسواق الأوروبية.

وفي هذا السياق، لعبت الدولة دور الوسيط والمؤطر لعملية إعادة توزيع الموارد العقارية. فهي التي تسهّل ولوج المستثمرين إلى الأراضي، سواء عبر الكراء طويل الأمد، أو عبر برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو من خلال إعادة تأهيل بعض الأراضي التي كانت خاضعة سابقاً لأنماط جماعية أو تقليدية من الاستغلال. وبهذا المعنى، لم تعد الأرض مجرد مورد فلاحي، بل تحوّلت إلى عنصر محوري في سياسات الاستثمار والتنمية الترابية.

وتستمر هذه الدينامية مع إطلاق استراتيجية الجيل الأخضر، التي تعلن رسمياً عن الانتقال من مرحلة التركيز على الإنتاج إلى مرحلة توسيع قاعدة الفاعلين الاقتصاديين داخل القطاع. غير أنّ هذا التحول يظلّ محكوماً بالإطار العام نفسه الذي يجعل من الأرض مورداً اقتصادياً قابلاً للتعبئة في مشاريع استثمارية واسعة، ويضعها ضمن منطق سلاسل القيمة الزراعية المرتبطة بالأسواق العالمية.

ومن منظور بنيوي أوسع، يمكن القول إن هذه السياسات تعكس موقع المغرب داخل التقسيم الدولي للعمل الزراعي. إذ يجري توجيه جزء مهم من الإنتاج الفلاحي نحو التصدير والأسواق الخارجية، بينما تُعاد هيكلة المجال القروي وفق متطلبات التنافسية الاقتصادية. وفي هذا السياق، تواصل الدولة أداء دور محوري في تنظيم العلاقة بين الأرض ورأس المال، عبر الأطر القانونية والمؤسساتية التي تجعل المجال الزراعي قابلاً للاستثمار والتوسع الرأسمالي.

وهكذا تظهر السياسات الفلاحية المعاصرة، من المغرب الأخضر إلى الجيل الأخضر[7]، بوصفها حلقة جديدة في مسار تاريخي طويل أعاد تشكيل العلاقة بين المجتمع والأرض. فقد انتقلت الأرض تدريجياً من فضاء اجتماعي مشترك إلى مورد اقتصادي استراتيجي، وأصبحت السياسات العمومية تتعامل معها باعتبارها ركيزة أساسية في مشاريع التنمية والاستثمار، وهو ما يعكس استمرار التحول البنيوي الذي بدأ منذ إعادة تنظيم النظام العقاري في مطلع القرن العشرين.

الأعيان: الطبقة المحلية القوية

أفرزت التحولات التي شهدها النظام العقاري والسياسات الفلاحية في المغرب فاعلاً اجتماعياً وسياسياً أساسياً يتمثل في فئة الأعيان. فقد تشكّلت هذه الفئة عبر تداخل السلطة الاقتصادية بالنفوذ السياسي المحلي، حيث يجمع الأعيان بين امتلاك الموارد المالية والقدرة على الوصول إلى دوائر القرار الإداري والسياسي. ويمنحهم هذا موقعاً وسيطاً داخل المجال القروي، فيقدّمون أنفسهم بوصفهم ممثلين للمجتمع المحلي أو “أصحاب الحل والعقد”، بينما يمارسون في الواقع دوراً محورياً في توجيه التحولات التي تمس الأرض والموارد.

يستمد الأعيان قوتهم من شبكة معقدة من العلاقات التي تربطهم بالإدارة الترابية، وبالسلطات المنتخبة، وبالفاعلين الاقتصاديين[8]. ويتيح لهم هذا الموقع الوسيط التأثير في القرارات المرتبطة بتدبير الأراضي الجماعية، سواء من خلال المشاركة في المجالس المحلية أو عبر علاقتهم المباشرة بأجهزة الدولة المكلفة بتدبير هذه الأراضي. وهكذا يتحول النفوذ الاجتماعي إلى رأسمال سياسي يسمح لهم بالتحكم في جزء مهم من مسارات اتخاذ القرار داخل المجال القروي.

غير أنّ هذه القوة لا تتجلى فقط في القدرة على الوساطة بين الدولة والسكان، بل تظهر أيضاً في كيفية إدارة التوازنات داخل المجتمع المحلي. فكثيراً ما يعمل الأعيان على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل القرى وفق منطق يحافظ على موقعهم المهيمن. ولتحقيق ذلك، يوظفون الانقسامات القائمة بين السكان، سواء كانت قبلية أو اجتماعية أو مرتبطة بمستويات متفاوتة من النفوذ الاقتصادي. ويؤدي هذا الاستخدام البراغماتي للاختلافات المحلية إلى تفتيت القدرة الجماعية على الدفاع عن المصالح المشتركة، ويُبقي المجتمع القروي في حالة توازن هش يسهل التحكم فيه.

وفي سياق التحولات العقارية الحديثة، يكتسب هذا الدور بعداً إضافياً. إذ يساهم الأعيان، بحكم موقعهم، في تسهيل إدماج الأراضي الجماعية في السوق العقارية. فهم يعملون كوسطاء بين المستثمرين والسلطات الإدارية والسكان المحليين، ويوفرون الغطاء الاجتماعي والسياسي لعمليات تحويل الأرض إلى مشاريع استثمارية. وغالباً ما يتم ذلك عبر آليات قانونية أو تعاقدية تبدو في ظاهرها تنموية، لكنها تنتهي في كثير من الحالات إلى نقل جزء من الموارد العقارية الجماعية إلى دائرة الاستثمار الخاص.

بهذا المعنى، يؤدي الأعيان دوراً مزدوجاً داخل هذه الدينامية. فمن جهة، يشكّلون شركاء غير معلنين للدولة وللرأسمال في تنفيذ السياسات التي تستهدف تعبئة الأراضي لأغراض الاستثمار والتنمية الزراعية. ومن جهة أخرى، يساهمون في إعادة إنتاج موازين القوى داخل المجتمع القروي بطريقة تعمّق التفاوتات الاجتماعية وتضعف إمكان تشكّل فعل جماعي قادر على الدفاع عن الحقوق الجماعية للفلاحين والسكان التقليديين.

وتكشف هذه الوضعية عن طبيعة التحالفات الاجتماعية التي ترافق التحولات الاقتصادية في المجال القروي. فعملية إدماج الأرض في اقتصاد السوق لا تتم فقط عبر القوانين والسياسات العمومية، بل تمر أيضاً عبر وسطاء محليين يمتلكون القدرة على التأثير في المجتمع وتوجيه مواقفه. وفي هذا الإطار، يصبح الأعيان أحد الأعمدة الاجتماعية التي تستند إليها عملية إعادة تشكيل المجال القروي، حيث يربطون بين السلطة السياسية ورأس المال من جهة، والبنية الاجتماعية المحلية من جهة أخرى، وهو ما يجعلهم فاعلين حاسمين في مسار تحويل الأرض من مورد جماعي إلى موضوع للاستثمار والتراكم.

الجنوب الشرقي: بؤرة الاحتجاجات

الأزمة ليست محصورة بالجنوب الشرقي. في الشمال، خصوصاً في شفشاون ووزان والحسيمة، تتمحور النزاعات حول الأراضي الجبلية والمراعي المحدودة، حيث يحاول السكان المحليون حماية مواردهم من التوسع العمراني والاستثمار. أما في الوسط، مثل القرى المحيطة بالرباط وسلا والقنيطرة، فتتصاعد النزاعات بسبب الطلب المتزايد على الأراضي القريبة من المدن، مما يجعلها هدفاً مباشراً للمضاربة العقارية.

توضح هذه الأمثلة أن أزمة الأراضي السلالية قضية وطنية، رغم اختلاف الخصوصيات المحلية لكل منطقة.

تتجلّى التوترات المرتبطة بالأراضي السلالية بوضوح خاص في مناطق الجنوب الشرقي للمغرب، حيث تتداخل هشاشة الموارد الطبيعية مع الفقر البنيوي والتهميش التاريخي. ففي أقاليم، مثل الراشيدية وزاكورة وتنغير وورززات، تكتسب الأرض معنى يتجاوز كونها مجرد أصل اقتصادي أو موضوعاً للاستثمار، إذ ترتبط مباشرة بسبل العيش وبإعادة إنتاج المجتمع المحلي في بيئة قاسية تتسم بندرة المياه وتكرار فترات الجفاف. وفي هذا السياق، تصبح أي محاولة لإعادة توزيع الأراضي أو تفويتها لمشاريع استثمارية خارجية مسألة حساسة تمسّ توازنات اجتماعية دقيقة.

وقد شهدت هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة موجات من الاحتجاجات الاجتماعية التي اتخذت أشكالاً متعددة، من اعتصامات جماعية إلى وقفات احتجاجية أمام مقرات الجماعات المحلية والسلطات الإدارية. وتركّزت المطالب أساساً على تمليك الأراضي لذوي الحقوق من أبناء الجماعات السلالية، ووقف تفويتها للمستثمرين أو المشاريع الكبرى دون ضمانات واضحة للسكان المحليين. كما طالبت الحركات الاحتجاجية بإصلاح نظام تدبير الأراضي السلالية، خاصة في ما يتعلق بدور نواب الجماعات السلالية والحد من النفوذ الواسع الذي يمارسه بعض الأعيان في توجيه القرارات المتعلقة بالأرض.

غير أنّ هذه التوترات لا تقتصر على الجنوب الشرقي، بل تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد، وإن كانت تتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للخصائص الجغرافية والاقتصادية لكل مجال. ففي شمال المغرب، ولا سيما في أقاليم مثل شفشاون ووزان والحسيمة، تتمحور النزاعات حول الأراضي الجبلية والمراعي المحدودة التي تشكّل مورداً أساسياً لاقتصاد محلي يعتمد على الفلاحة الصغيرة وتربية الماشية. ويحاول السكان في هذه المناطق الحفاظ على ما تبقى من مواردهم الطبيعية في مواجهة ضغوط التوسع العمراني أو المشاريع الاستثمارية التي قد تغيّر طبيعة المجال الجبلي وتوازناته البيئية والاجتماعية.

أما في الوسط الغربي من البلاد، خصوصاً في المناطق القروية المحيطة بالمدن الكبرى مثل الرباط وسلا والقنيطرة، فتتخذ النزاعات حول الأراضي طابعاً مختلفاً. فالقرب من المراكز الحضرية الكبرى يرفع القيمة العقارية للأرض بشكل كبير، ما يجعلها هدفاً مباشراً للمضاربة العقارية وللمشاريع العمرانية. وفي هذا السياق، تتزايد الضغوط على الأراضي السلالية أو الزراعية لتحويلها إلى مناطق للتوسع الحضري أو للاستثمار العقاري، وهو ما يخلق توترات بين السكان المحليين الذين يرون في الأرض رصيداً اجتماعياً وتاريخياً، وبين الفاعلين الاقتصاديين الذين ينظرون إليها باعتبارها فرصة استثمارية.

تكشف هذه الأمثلة، مع اختلاف سياقاتها الجغرافية، عن طبيعة أزمة أوسع تتجاوز حدود منطقة بعينها. فالقضية المرتبطة بالأراضي السلالية لم تعد مجرد مسألة محلية تخص بعض القبائل أو القرى، بل أصبحت مسألة وطنية تعكس التوتر القائم بين منطقين مختلفين في التعامل مع الأرض: منطق اجتماعي تاريخي يرى فيها أساسا للحياة الجماعية، هو نفسه تغزوه العلاقات الرأسمالية التي تحدث تمايزا داخله بين الفلاحين أنفسهم، ويصير الأعيان بهذا عنصر تفكيك هذا المنطق والجماعة، ومنطق رأسمالي يسعى إلى إدماجها في دائرة الاستثمار والسوق. وبين هذين المنطقين تتشكل اليوم معظم النزاعات العقارية في المجال القروي المغربي، مع اختلاف أشكالها وحدتها تبعاً للخصوصيات المحلية لكل منطقة.

الأراضي السلالية والرأسمال العقاري

تكشف التحولات التي عرفتها الأراضي السلالية منذ تسعينيات القرن العشرين عن انتقال نوعي في وظيفة الأرض داخل الاقتصاد المغربي. فبعد أن ظلّت هذه الأراضي لعقود طويلة مرتبطة أساساً بالاستغلال الفلاحي الجماعي أو بموارد العيش المحلية، بدأت تتحول تدريجياً إلى رصيد استراتيجي داخل ديناميات التوسع العمراني والاستثمار العقاري. وقد تزامن هذا التحول مع تسارع النمو الحضري وارتفاع الطلب على الأراضي القريبة من المدن والمناطق الساحلية، الأمر الذي جعل الأراضي السلالية هدفاً مباشراً لمشاريع السكن والسياحة والصناعة.

في هذا السياق، لعبت الدولة دوراً محورياً في إعادة توجيه هذه الأراضي نحو الاستثمار العقاري. فقد أتاحت الأطر القانونية والتنظيمية إمكانية تعبئة مساحات واسعة من الأراضي الجماعية عبر الكراء طويل الأمد أو التفويت لفائدة مشاريع استثمارية، كما شجّعت الشراكات بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص لتطوير مناطق حضرية جديدة ومشاريع سياحية أو صناعية. وبهذا المعنى، لم تعد الأراضي السلالية مجرد فضاء للاستغلال الفلاحي التقليدي، بل أصبحت جزءاً من مخزون عقاري ضخم يمكن تعبئته لتغذية التوسع الحضري ومشاريع التنمية العقارية.

وقد استفادت من هذه الدينامية شركات التطوير العقاري الكبرى، مثل مجموعة الضحى Addoha Group ومجموعة تحالفات التطوير العقاريAlliances Développement Immobilier ومجموعة العمرانGroupe Al Omrane، التي شاركت في  بناء مشاريع سكنية واسعة النطاق ومدن جديدة ومناطق عمرانية حديثة (مدن جديدة مثل تامسنا وتمنصورت، وفضاءات تخبوية في الرباط والدار البيضاء ومراكش …). ومع اتساع هذا النشاط، تحولت السوق العقارية إلى أحد أهم مجالات تراكم الثروة داخل الاقتصاد المغربي، حيث ارتبطت قيمة الأرض بشكل متزايد بديناميات المضاربة والطلب الحضري المتزايد.

ومن منظور نظري أوسع، يمكن فهم هذا المسار في ضوء مفهوم التراكم عبر نزع الملكية الذي طوّره الجغرافي والاقتصادي السياسي David Harvey. يشير هذا المفهوم إلى الكيفية التي تواصل بها الرأسمالية توسيع مجالات تراكمها عبر تحويل الموارد المشتركة أو الجماعية إلى ملكيات قابلة للتداول في السوق. وفي حالة الأراضي السلالية بالمغرب، يظهر هذا المسار بوضوح حين تتحول الأرض التي كانت تشكّل قاعدة اجتماعية لإعادة إنتاج الجماعات القروية إلى أصل اقتصادي يخضع لمنطق الاستثمار والمضاربة.

في خضم هذا التحول، يتراجع موقع الفلاحين التقليديين وذوي الحقوق داخل منظومة اتخاذ القرار. فغالباً ما يجد السكان المحليون أنفسهم خارج مسار التفاوض الفعلي حول مصير الأراضي التي كانوا يستغلونها تاريخياً، بينما تستفيد أطراف أخرى من إعادة تقييمها داخل السوق العقارية. وتتمثل هذه الأطراف أساساً في الدولة التي تؤطر العملية قانونياً ومؤسساتياً، وفي الشركات العقارية التي تستثمر في تطوير المشاريع، إضافة إلى بعض الأعيان المحليين الذين يؤدون دور الوسيط بين المجتمع المحلي ومراكز القرار الاقتصادي والإداري.

وهكذا يصبح الارتفاع السريع في القيمة السوقية للأرض عاملاً يعيد توزيع الثروة والسلطة داخل المجال القروي والحضري معاً. فبينما تتحول الأراضي السلالية إلى مصدر مهم لتراكم الرأسمال العقاري، تتعمق في المقابل التوترات الاجتماعية المرتبطة بملكية الأرض وطرق تدبيرها. ويعكس هذا التناقض طبيعة التحولات التي يشهدها الاقتصاد المغربي، حيث تتقاطع سياسات التنمية العمرانية مع ديناميات السوق العقارية، في سياق أوسع يتسم بإعادة تشكيل العلاقة التاريخية بين المجتمع والأرض.

النتائج الاجتماعية والتحولات الميدانية

أدّى إدماج الأراضي الجماعية في مشاريع استثمارية كبرى، سواء في المجال العقاري أو الفلاحي، إلى تحولات اجتماعية عميقة داخل المجال القروي المغربي. فقد نتج عن تحويل مساحات واسعة من الأراضي السلالية إلى مشاريع إنتاجية أو عمرانية فقدان عدد كبير من الأسر القروية لجزء مهم من موارد عيشها التقليدية. إذ كانت هذه الأراضي تمثّل بالنسبة إلى كثير من الجماعات المحلية أساساً للاستغلال الزراعي والرعوي، ومصدراً للاستقرار الاجتماعي داخل القرى. وعندما انتقلت هذه الأراضي إلى مشاريع استثمارية أو إلى سوق العقار، وجد العديد من الفلاحين أنفسهم خارج منظومة الإنتاج التي كانت تضمن لهم قدراً من الاكتفاء الذاتي.

وقد ساهم هذا التحول في توسيع دائرة العمالة القروية، حيث انتقل عدد من الفلاحين الصغار من موقع المنتج المستقل نسبياً إلى موقع العامل الزراعي المأجور داخل الضيعات الكبرى أو المشاريع الزراعية الحديثة. وبهذا المعنى، لم يقتصر التغيير على ملكية الأرض فحسب، بل مسّ أيضاً طبيعة العلاقة بين السكان المحليين ووسائل الإنتاج. فالفلاح الذي كان يعتمد على الأرض بوصفها مورد عيش مباشر أصبح يعتمد بشكل متزايد على سوق العمل الزراعي أو على الهجرة نحو المدن القريبة بحثاً عن فرص بديلة.

كما انعكست هذه التحولات على أنماط الإنتاج الفلاحي نفسها. إذ أدى تراجع المساحات التي يستغلها الفلاحون الصغار إلى إضعاف أشكال الإنتاج الزراعي الموجهة أساساً للاستهلاك المحلي، مقابل توسع الزراعات التجارية المرتبطة بسلاسل السوق الوطنية والدولية. ومع هذا التحول، تراجعت قدرة العديد من الأسر القروية على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وأصبحت أكثر ارتباطاً بتقلبات السوق وأسعار المواد الغذائية.

وقد ترافق هذا الوضع مع تصاعد التوترات الاجتماعية والاحتجاجات المحلية في عدد من المناطق التي تشهد ضغطاً متزايداً على الأراضي السلالية. ففي مناطق الجنوب الشرقي، مثل الراشدية وزاكورة وتنغير، ارتبطت الاحتجاجات بمطالب تمليك الأرض لذوي الحقوق ووقف تفويتها لمشاريع استثمارية خارجية. كما ظهرت توترات مشابهة في بعض المناطق الجبلية في الشمال، مثل شفشاون والحسيمة، حيث يسعى السكان إلى حماية الموارد المحدودة التي يعتمد عليها اقتصادهم المحلي.

وفي خضم هذه التحولات، يساهم النفوذ المتزايد للأعيان المحليين في تعقيد المشهد الاجتماعي. فبفضل موقعهم الوسيط بين الإدارة والسكان، يتمكن هؤلاء الفاعلون من التأثير في مسارات اتخاذ القرار المتعلقة بالأرض، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع المحلي. إذ تتشكل تحالفات محلية متباينة المصالح، بعضها يدعم المشاريع الاستثمارية أملاً في الاستفادة منها، بينما يعارضها جزء آخر من السكان دفاعاً عن حقهم في الأرض ومواردها.

وهكذا تتشكل بيئة اجتماعية تتسم بتوترات مستمرة بين ثلاثة أطراف رئيسية: الدولة التي تسعى إلى تعبئة الأرض لخدمة سياسات التنمية والاستثمار، والرأسمال الذي ينظر إلى الأرض باعتبارها مورداً اقتصادياً قابلاً للتوظيف والربح، وفقراء الفلاحين الذين يرون فيها أساساً لوجودهم الاجتماعي ووسيلة لاستمرار أنماط حياتهم التقليدية. وفي هذا السياق، تتحول الأراضي السلالية إلى أحد المحاور الأساسية للصراع الاجتماعي في المغرب المعاصر، لأنها تقع في قلب التوازنات بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومطالب العدالة الاجتماعية داخل المجال القروي.

الأرض بين التنمية والعدالة الاجتماعية

تكشف قضية الأراضي السلالية عن تداخل معقد بين التوسع الحضري والرأسمال العقاري، الذي يحقق أرباحاً هائلة من تحويل الأرض الجماعية إلى عقارات، وبين العدالة الاجتماعية، التي تهدف إلى حماية حقوق الفلاحين. كما يظهر الدور المركزي للأعيان المحليين، الذين يستثمرون الانقسامات الاجتماعية لتقوية مواقعهم، إلى جانب الدور الحاسم للدولة في توجيه الأراضي نحو مشاريع الربح.

الأراضي السلالية اليوم ليست مجرد أصل اقتصادي، بل محور صراع مركزي بين التنمية الاقتصادية، حماية الحقوق الاجتماعية، والحفاظ على النسيج القروي التقليدي، مما يجعل هذا الملف قضية وطنية عامة، تؤثر على جميع مناطق المغرب رغم اختلاف الخصوصيات المحلية.

تختزل قضية الأراضي السلالية في المغرب توتراً بنيوياً بين منطقين متعارضين في إدارة الأرض: منطق التنمية الاقتصادية القائم على تعبئة المجال العقاري وتوجيهه نحو الاستثمار، ومنطق العدالة الاجتماعية الذي يهدف إلى حماية حقوق الجماعات المحلية والفلاحين المرتبطين تاريخياً بهذه الأراضي. ففي العقود الأخيرة، ومع تسارع التوسع الحضري وارتفاع قيمة العقار، أصبحت الأراضي الجماعية جزءاً أساسياً من ديناميات الاقتصاد الحضري والعقاري، حيث يجري تحويل مساحات واسعة منها إلى مشاريع سكنية أو سياحية أو صناعية. وقد أدّى هذا المسار إلى تحقيق أرباح كبيرة داخل السوق العقارية، التي تحوّلت تدريجياً إلى أحد أبرز مجالات تراكم الثروة في الاقتصاد المغربي.

غير أنّ هذا التحول لا يقتصر على بعد اقتصادي فحسب، بل يطرح أيضاً أسئلة عميقة تتعلق بتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. فحين تتحول الأرض الجماعية إلى أصل قابل للتداول في السوق، تتغير طبيعة العلاقة بين السكان المحليين ووسائل عيشهم. إذ يجد الفلاحون وذوو الحقوق أنفسهم أمام واقع جديد تصبح فيه الأرض موضوع قرارات اقتصادية وإدارية تتجاوز في كثير من الأحيان نطاق الجماعة المحلية. وفي هذا السياق، تتصاعد المطالب الاجتماعية التي تدعو إلى ضمان حقوق السكان الأصليين في الأرض، وإلى تحقيق توازن بين متطلبات الاستثمار والتنمية من جهة، وحماية الموارد الاجتماعية للجماعات القروية من جهة أخرى.

وتبرز داخل هذه الدينامية أدوار متعددة للفاعلين الاجتماعيين والمؤسساتيين. فالدولة تؤدي دوراً حاسماً في توجيه مصير الأراضي السلالية عبر الأطر القانونية والمؤسساتية التي تنظّم تدبيرها، كما تسهم سياساتها التنموية في تحديد طبيعة المشاريع التي تُوجَّه إليها هذه الأراضي. ومن جهة أخرى، يبرز الرأسمال العقاري بوصفه فاعلاً اقتصادياً رئيسياً يسعى إلى توظيف الأرض داخل مشاريع مربحة مرتبطة بالتوسع العمراني والسياحي. وفي الوقت نفسه، يلعب بعض الأعيان المحليين دور الوسيط بين هذه القوى الاقتصادية والسياسية وبين المجتمع القروي، مستفيدين من مواقعهم الاجتماعية ومن شبكات نفوذهم لتوجيه مسارات اتخاذ القرار.

غير أنّ هذا الموقع الوسيط لا يخلو من آثار اجتماعية معقدة، إذ كثيراً ما يساهم توظيف الانقسامات القبلية أو الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية في تعزيز نفوذ هذه الفئة وإضعاف القدرة الجماعية للسكان على الدفاع عن مصالحهم المشتركة. وهكذا تتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية داخل المجال القروي، حيث تتقاطع مشاريع الاستثمار مع شبكات النفوذ المحلية ومع مطالب السكان المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والحق في الأرض.

في ضوء هذه المعطيات، لم تعد الأراضي السلالية مجرد مورد اقتصادي أو مسألة تقنية تتعلق بتدبير الملكية العقارية، بل أصبحت محوراً لصراع اجتماعي وسياسي واسع يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي. فهي تقع في قلب التوازن بين ثلاث قضايا كبرى: الحاجة إلى التنمية الاقتصادية وتعبئة الموارد العقارية، وضرورة حماية الحقوق الاجتماعية للفلاحين وذوي الحقوق، والحفاظ على النسيج الاجتماعي للمجال القروي الذي تشكّل عبر قرون طويلة من العلاقة الجماعية مع الأرض.

ولهذا السبب تحديداً، اكتسب ملف الأراضي السلالية طابعاً وطنياً يتجاوز حدود المناطق التي تنشأ فيها النزاعات المباشرة. فسواء في الجنوب الشرقي أو في المناطق الجبلية الشمالية أو في الأحزمة القروية المحيطة بالمدن الكبرى، تظل الأرض الجماعية نقطة التقاء بين تحولات الاقتصاد الوطني وبين مطالب العدالة الاجتماعية. ومن هنا تبرز أهمية هذا الملف بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم التوازنات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب المعاصر، حيث يتحدد من خلاله مستقبل العلاقة بين التنمية الاقتصادية والحقوق الاجتماعية داخل المجال القروي.

الحاجة الملحّة لإصلاح زراعي جذري

في المحصلة، تكشف مسألة الأراضي السلالية عن عقدة تاريخية تشكّلت عبر تداخل مسارات سياسية واقتصادية طويلة. فمنذ تفكيك البنيات العقارية التقليدية خلال المرحلة الاستعمارية، ثم استمرار كثير من آلياتها في مرحلة ما بعد الاستقلال، ظلّ السؤال المركزي المتعلق بملكية الأرض ووظيفتها الاجتماعية معلقاً دون حسم جذري. وقد أدّى هذا الوضع إلى تراكم اختلالات بنيوية داخل المجال القروي، حيث تواصلت عملية تحويل الأرض إلى موضوع للاستثمار والتوسع العمراني، بينما بقيت حقوق الجماعات المحلية والفلاحين الصغار عرضة للتهميش أو التقييد.

وترتبط هذه العقدة التاريخية أيضاً بغياب إصلاح زراعي شامل يعيد تنظيم علاقة المجتمع بالأرض على أسس أكثر عدلاً[9]. فالنضالات الاجتماعية التي شهدها المغرب في فترات مختلفة لم تتمكن من فرض مشروع إصلاح زراعي جذري يضع الأرض مباشرة في يد من يعيشون منها ويعتمدون عليها في إعادة إنتاج حياتهم اليومية. ونتيجة لذلك، استمرت البنيات العقارية في العمل ضمن توازنات تجمع بين تدخل الدولة ومصالح الرأسمال العقاري وشبكات النفوذ المحلية، وهو ما أبقى المجال القروي في حالة توتر دائم بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومطالب العدالة الاجتماعية.

إن إعادة طرح قضية الأراضي السلالية اليوم تعيد في العمق فتح النقاش حول وظيفة الأرض نفسها داخل المجتمع. فهل ينبغي أن تُعامل الأرض أساساً بوصفها مورداً اقتصادياً قابلاً للاستثمار والتبادل في السوق، أم ينبغي أن تُدار بوصفها قاعدة مادية للحياة الاجتماعية والاقتصادية للجماعات التي تعيش عليها؟ إن هذا السؤال لا يتعلق فقط بتوزيع الملكية، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة النموذج التنموي الذي يُراد بناؤه في المجال القروي.

ومن هذا المنظور، يبرز مطلب الإصلاح الزراعي بوصفه محاولة لإعادة التوازن بين هذه الأبعاد المختلفة. فإعطاء الأولوية لحقوق السكان المحليين في الأرض، وتمكينهم من تدبير مواردهم بصورة مباشرة، يمكن أن يفتح المجال أمام نماذج إنتاج أكثر استدامة وعدالة. كما يمكن أن يساهم في حماية البيئة المحلية والموارد الطبيعية التي تشكّل أساس الحياة في العديد من المناطق القروية الهشة.

وهكذا، لا تبدو أزمة الأراضي السلالية مجرد مسألة قانونية أو إدارية، بل تعكس في جوهرها صراعاً أعمق حول طبيعة العلاقة بين الأرض والمجتمع والدولة. ولذلك فإن أي حل مستقبلي لهذا الملف يظل مرتبطاً بقدرة فقراء الفلاحين والحركات الاجتماعية على بلورة تصور يضع الأرض في خدمة الحاجات الاجتماعية للسكان، ويحافظ في الوقت نفسه على التوازنات البيئية التي يقوم عليها استمرار الحياة في المجال القروي المغربي.

[1]              – أراضي الجماعات السلالية بين التنظيم القانوني والإكراهات العملية

[2]              الحماية المقررة للأراضي السلالية بين النص التشريعي والعمل والقضائي تحت إشراف الدكتورة دنيا مباركة (كلية العلوم القانونية… وجدة 2012-2013 ]

[3]                جلال زين العابدين. نماذج من الإصلاح القروي في المغرب على عهد الحماية الفرنسية

[4]              الأجهزة المكلفة بحماية الأراضي السلالية على ضوء القوانين الجديدة – هشام خضري – منشورات موقع الباحث القانوني

[5]              Abhatoo : مخطط المغرب الأخضر: الحصيلة والآثار 2008ـ2018

[6]              الاستراتيجية الجديدة للقطاع الفلاحي الجيل الأخضر 2020ـ2030.pdf

[7]              تقرير: السياسات الفلاحية في المغرب تهمش الزراعات الأساسية لصالح زراعات مربحة ومستنزفة للماء – صوت المغرب

[8]              https://www.droitp.com/2016/10/elections_16.html . https://shortlink.uk/1mBrP . https://shortlink.uk/1rNNI

[9]              https://www.anfasse.org/gliffing/likelihead/5187_21179.xhtml . https://www.maghress.com/alittihad/1251536 . مغربة الأراضي الزراعية: الدواعي والنتائج ـ كريم العرجاوي – أنفاس نت

شارك المقالة

اقرأ أيضا