كانوا اتحاديين … سرديات مساعدة في فهم واقع منظمات نضال الطبقة العاملة بالمغرب
بقلم؛ م.بح
بعد ربع قرن من مؤتمر حزب الاتحاد الاشتراكي السادس، أول مؤتمر بعد انخراطه في العملية السياسية التي مهد لها الحسن الثاني ودخلت التاريخ باسم “حكومة التناوب التوافقي”، والذي أوصل سيرورة انحطاط هذا الحزب إلى ذروتها، نجد انفسنا إزاء كم كبير من الكتابات المتناولة مساره . كتب معظمها مشاركون بارزون في التجربة، وقادة من الصف الأول [*]
آخر ما صدر في هذا المضمار سيرة ذاتية لأحد قيدومي الحزب، عبد الجليل بادو، بعنوان “كنت اتحاديا” [**]. لا ريب أن في عرض قراءات فاعلين في تجربة اكبر حزب يساري في تاريخ المغرب منفعة عظيمة لشباب اليوم التواق الى مغرب مغاير، يخرج سواد المغاربة الأعظم من دياجير الاستبداد وجحيم القهر الاجتماعي وانسداد الافاق.
لا يمكن النضال من اجل التغيير الشامل و العميق الذي يحتاجه المغرب دون الإفادة من التجربة التاريخية. لا بل إن بعضا من نتائج تلك التجربة تمثل عقبات، وتقاليد سلبية، تنيخ بثقلها على واقع النضال اليوم. يتجلى هذا اكثر ما يتجلى في ما نشهد من أوجه التردي في الساحة النقابية. و الحال أن هذه الساحة النقابية بالذات هي من أكثر ما عاث فيه الاتحاديون فسادا.
من جوانب الفائدة التي تنطوي عليها كتابات الاتحاديين عن تاريخهم ثمة حقائق عديدة يكشفون عنها كانت مطموسة خلف خطاب جرى ترويجه بكثافة عن بطولات الوفاء المزعوم لقيم الديمقراطية و النضال من أجل انعتاق الشعب وظفره بحقه في حياة لائقة.
وهذا ما تمنح عنه سيرة عبد الجليل بادو الذي مارس، فضلا عن دوره في صحافة الحزب وتنظيمه، أدوارا نقابية قبل تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وبعده، معطيات عديدة، أشدها “غرابة” ما يرويه عن ماضي نوبير الأموي قبل صعوده قائدا أولا للنقابة “الاتحادية”.
طبعا ليست تفاصيل خصائص الأشخاص، التي كشف منها عبد الجليل بادو الكثير بفعل احتكاكه المديد بالعديد من كوادر الحزب، ما يتيح حكما موضوعيا على دور الحزب والنقابة في مجريات النضال بالمغرب، بل تحليل السياقات السياسية، وموقع ممارسة كل طرف منها، وفهم منطق الصراع الطبقي ذاته. لكن لخصائص الأفراد دور غير قابل للإنكار، وهنا تكمن أهمية شهادات من قبيل “منت اتحاديا” لعبد الجليل بادو.
لا ريب أن كل رواية لتجربة تاريخية ما هي إلا رؤية من زاوية نظر معينة يتفاوت فيها الذاتي وما هو ملتزم بالموضوعية، لكن كل اسهام جديد في سرد تفاصيل التجربة يتيح إمكانات إضافية للتحقق من الكيفية الفعلية التي جرت بها الوقائع، ومن ثمة السير نحو امتلاك رؤية يكون لها أكبر نصيب ممكن من الاقتراب من الحقيقة.
وبالنظر إلى كل النتائج التاريخية الجسيمة التي كانت لتدخل الاتحاديين في الساحة النقابية، بعد الاصطفاف التام لبيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل مع النظام، تحت غطاء خطاب ناقد وحتى “ثوري” في حقبة ما، تمثل سرديات الاتحاديين عن تاريخهم موردا هاما لتعميق فهم جانب كبير من مجريات تاريخ الحركة النقابية بالمغرب، ومن ثمة راهنها الماثل أمام أنظارنا.
إن السمة الغالبة، لحد الآن، في كتابات الاتحاديين، وحتى غيرهم من اليساريين المتأسفين على مآل الحزب، ومن استبد بهم الحنين إلى فترة ذهبية مزعومة من تاريخ الحزب (على غرار عبد المومني فؤاد في الحلقتين التي افردهما للحزب في برنامجه الموسوم “سياسة بلا قداسة” على اليوتوب، إنما هي سرد وقائع مع جنوح قوي الى عزو مصير الحزب البائس إلى ممارسات افراد وعيوبهم.
أين أسئلة: طبيعة الحزب الطبقية؟ قاعدته الاجتماعية وتطورها؟ استراتيجيته؟ برنامجه؟ اجاباته على إشكالات اللحظة السياسية؟ الخطوط المتصارعة داخله؟ آليات اشتغاله الداخلي؟ علاقاته بسائر قوى اليسار؟
إنها الأسئلة الجوهرية التي لا نجد لها إثارة البتة في الرائج من كتابات الاتحاديين، وسواهم، عن هذا الحزب اليساري؟
ما يحظى باهتمام مناضلي الطبقة العاملة الاشتراكيين اليوم من التجربة الاتحادية أمران:
- فهم طبيعة هذا الحزب المتحدر من حركة شعبوية متعددة الطبقات (القوات الشعبية)، هي بدورها متحدرة من يسار الحركة الوطنية البرجوازية، وحدود نزعته الديمقراطية .
- فهم تجربة يسار الحزب المنتسب إلى نضال الطبقة العاملة، والذي سارت بعض مكوناته إلى اقتراب من الماركسية منذ النصف الثاني من سنوات 1960، متناولة إشكالية بناء الحزب الثوري بطريقة خاصة بها. وبنحو أدق : لماذا انتهى يسار الحزب لما بعد 1975 (ما صار حزب الطليعة) الى ما انتهى اليها من اندثار لم يستره غير الاندماج في فيدرالية اليسار؟
وهذه و لا شك أمور بوسع مناضلين في قاعدة فيدرالية اليسار اليوم أن يسهموا في استجلائها.
يجب النهوض بهذه المهمة لتزويد جيل اليوم بدروس عقود من التضحيات في الكفاح ضد الاستبداد ومن اجل الديمقراطية و الاشتراكية.
- سرديات : عبد الواحد الراضي ، فتح الله ولعلو، محمد الصديقي، أمحمد التوزاني، إبراهيم أوشلح، مبارك بودرقة…
اقرأ أيضا

