إصلاح التقاعد في المغرب: العجز نتيجة… لا سبب
بقلم، حمودي
كلما عاد ملف التقاعد إلى الواجهة، يُعاد إنتاج نفس السردية: عجز مالي، ضغط ديمغرافي، و”إصلاحات تقنية” لا مفر منها. ما يُقدَّم كحقيقة حسابية يخفي سؤالًا أبسط وأكثر إزعاجًا: من ينتج هذا العجز، ومن يُطلب منه دفع ثمنه؟
اختزال الأزمة في معادلة عددية—متقاعدون أكثر ومساهمون أقل—يبقى توصيفًا سطحيًا. تمويل التقاعد انعكاس مباشر لبنية الاقتصاد وأنماط توزيع القيمة داخله. وعندما تكون هذه البنية نفسها مولِّدة للهشاشة، فإن «العجز» يصبح نتيجة منطقية، لا حادثًا طارئًا.
اقتصاد يقوم على كتلة واسعة من العمل غير المهيكل—تناهز 40% إلى 45% من التشغيل—يعني إقصاء ملايين العمال من أي مساهمة منتظمة. وحتى داخل القطاع المهيكل، تستمر فجوات التصريح بالأجور ومستوياتها، في ظل نموذج تنافسي قائم على كبح الكلفة الاجتماعية للأجور. النتيجة بنيوية: قاعدة اشتراكات ضعيفة، ونظام يُطلب منه تحقيق توازن داخلي داخل اقتصاد لا يوفر شروط هذا التوازن.
لكن قبل الحديث عن «الإصلاح»، يجب تفكيك ما يُراد إصلاحه. ليست أنظمة التقاعد في المغرب كتلة واحدة، بل فسيفساء من الصناديق (القطاع الخاص، والوظيفة العمومية، وشبه العمومي) تختلف في قواعدها ومخاطرها. بعضها يقوم أساسًا على منطق إعادة التوزيع بين الأجيال (répartition)، حيث تُموَّل المعاشات الحالية من اشتراكات العاملين اليوم، بينما تنزلق مكونات أخرى تدريجيًا نحو منطق الرسملة، حيث يُعاد ربط الحقوق بعوائد الاستثمار. ليس هذا التحول محايدًا: كلما تقدم منطق الرسملة، تراجع الطابع التضامني للنظام، وازداد تعرض الحقوق الاجتماعية لتقلبات السوق.
لا يوزع العبء، داخل هذه البنية، بشكل أفقي. توجد تفاوتات حادة في سقوف المعاشات وأنماط احتسابها، خاصة في بعض الأنظمة العمومية وشبه العمومية، حيث تستفيد فئات عليا من شروط أكثر سخاء واستقرارًا. ويخفي تجاهل هذه الهرمية حقيقة أساسية: لا ينتج «العجز» فقط من ضعف الموارد، بل أيضًا من كيفية توزيع الحقوق داخل النظام نفسه.
ورغم ذلك، تتجه الإجراءات، حين يُطرح «الإصلاح»، في اتجاه واحد: رفع سن التقاعد، وزيادة نسب الاقتطاع، وتعديل صيغ احتساب المعاشات نحو التخفيض. بالتالي فما يُقدَّم كضرورة تقنية هو في الواقع اختيار سياسي واضح: الحفاظ على التوازنات المالية عبر نقل الكلفة إلى الأجراء. يُطلب من العامل أن يشتغل أكثر ويدفع أكثر، في سياق يتميز أصلًا بأجور منخفضة ومسارات مهنية متقطعة.
يتجاهل هذا المسار بدائل تمس جوهر المشكلة: إنتاج القيمة وتوزيعها. وإدماج جزء فعلي من القطاع غير المهيكل يمكن أن يوسع قاعدة المساهمين بصورة كبيرو، لكنه يتطلب سياسات إدماج حقيقية، لا مجرد إجراءات شكلية. كما يعزز رفع الأجور والتصريح الكامل بها الموارد على نحو مباشر، لكنهما يتعارضان مع نموذج تنافسي قائم على الضغط على كلفة العمل. لذلك تبقى هذه الخيارات هامشية في النقاش، لأنها تطرح سؤال تقاسم القيمة، لا توازن الحسابات.
في الخلفية، تلعب السياسة الضريبية دورًا هاما. فالإعفاءات والتحفيزات الممنوحة لقطاعات واسعة تقلص موارد الدولة، وتحدّ من قدرتها على دعم أنظمة التقاعد. هكذا يُعاد إنتاج مفارقة: دولة تتخلى عن جزء من مواردها باسم تشجيع الاستثمار، ثم تُطالب الأنظمة الاجتماعية بتحقيق توازنها الذاتي داخل نفس الشروط. هكذا يصبح «عجز الصناديق» امتدادًا لـ »عجز مالي عمومي مُنظَّم».
في المقابل، تُدبَّر احتياطيات بمليارات الدراهم عبر قنوات استثمار عمومية دون نقاش عمومي مكافئ لحجمها. لا يتعلق الأمر بمجرد مستوى المردودية، بل معاييرها: هل تُدار هذه الأموال بمنطق تعظيم العائد المالي قصير/متوسط الأمد، أم بمنطق تأمين الحقوق الاجتماعية على المدى الطويل؟ غياب الشفافية الكافية حول الحكامة، ومعايير القياس، وتضارب المصالح، يحول هذا المجال إلى «صندوق أسود» داخل نظام يُفترض أنه اجتماعي.
تظل مساهمة الدولة المباشرة محدودة نسبيًا. لا ينبغي أن تترك أنظمة التقاعد لتوازناتها الداخلية فقط، بل يلزم أن تُدعَم بتحويلات عمومية منتظمة. في الحالة المغربية، يُعاد تعريف دور الدولة من ضامن إلى «منظّم»، أي جهة تضع القواعد وتطلب من النظام أن يمول نفسه بنفسه. هذا التحول ليس تقنيًا، بل يعكس تصورًا لدور الدولة في إعادة التوزيع.
ولا يمكن فصل ذلك عن بنية سوق الشغل. بطالة مرتفعة، خاصة لدى الشباب، تعني دخولًا متأخرًا إلى سوق العمل وفترات مساهمة أقصر. وتعني هشاشة التشغيل مسارات مهنية متقطعة، حيث يتحول كل انقطاع عن العمل إلى انقطاع عن التراكم التقاعدي. ويفاقم غياب تعويض فعال عن البطالة هذا المسار، ويحوّل الخلل من ظرفي إلى بنيوي داخل النظام.
هناك أيضًا بعد مغيَّب يتعلق بالهجرة. فملايين المغاربة في الخارج يساهمون في الاقتصاد عبر التحويلات، لكن ارتباطهم بأنظمة التقاعد الوطنية ضعيف أو غير منظم بما يكفي. هذا يعني فقدان قاعدة مساهمين محتملة، كان يمكن أن تعزز استدامة النظام إذا أُدمجت ضمن آليات مرنة وعابرة للحدود.
لا يتوزع الاختلال اجتماعيًا فقط، بل جندريًا أيضًا. تراكم النساء حقوقًا تقاعدية أدنى، بحكم تمثيلهن الأضعف في التشغيل المهيكل، وانقطاعات المسار المهني المرتبطة بأعمال الرعاية غير المؤدى عنها. إن نظاما لا يأخذ هذه الفوارق في الحسبان يعيد إنتاجها عند التقاعد، ويحوّل اللامساواة في سوق الشغل إلى لا مساواة دائمة في الدخل.
في هذا السياق، لا يأتي «الإصلاح» من فراغ. هناك اقتصاد سياسي يحدد اتجاهه: ضغط لتحقيق توازنات مالية، وتوصيات مؤسسات دولية تدفع نحو ضبط الكلفة الاجتماعية، وتفضيل ضمني للحلول التي لا تمس توزيع الثروة أو الامتيازات داخل قمة الهرم. والنتيجة حزمة إجراءات تعيد ضبط النظام دون تغيير شروط إنتاج أزمته.
ورغم ذلك، يمكن تصور مسارات بديلة. توسيع قاعدة المساهمين عبر إدماج تدريجي وفعلي لجزء من القطاع غير المهيكل، حتى بنسبة محدودة سنويًا، يمكن أن يرفع الموارد بشكل تراكمي. وتحسين التصريح بالأجور ورفعها يضيف موارد مباشرة دون زيادة نسب الاقتطاع. ومساهمة عمومية منتظمة—حتى بمستويات محدودة كنسبة من الناتج—يمكن أن تمتص جزءًا من الاختلالات الدورية. ويخفف تحسين حكامة الاستثمارات ومواءمتها مع أفق طويل الأمد من تقلبات التمويل. ويفتح إدماج المهاجرين ضمن آليات اشتراك مرنة قناة إضافية للموارد. ويحد أخذ الفوارق الجندرية بعين الاعتبار في احتساب الحقوق من إعادة إنتاج اللامساواة.
إنها ليست حلولًا تقنية منفصلة، بل عناصر في إعادة تعريف وظيفة النظام نفسه: هل هو آلية حسابية مغلقة، أم أداة لإعادة التوزيع؟
ويفتح ورَش تعميم الحماية الاجتماعية بدوره أفقًا مختلفًا. فتوسيع التغطية، ورقمنة المسارات، وتوحيد بعض المكونات يمكن أن يعيد تشكيل القاعدة المؤسسية لأنظمة التقاعد. لكن بدون ربط هذا الورش بإصلاح أعمق لسوق الشغل، والأجور، وللسياسة الضريبية، سيظل أثره محدودًا على استدامة التقاعد.
إن ما يُسمى «عجزًا» ليس خللًا تقنيًا داخل صناديق معزولة، بل انعكاس مباشر لاقتصاد ينتج قاعدة مساهمين ضعيفة، وأجورًا منخفضة، وتغطية مجزأة، وتوزيعًا غير متكافئ للحقوق. وهكذا يتيح التركيز على الأعراض تمرير إصلاحات تعيد توزيع الكلفة دون المساس بالأسباب.
السؤال الحقيقي ليس كيف نوازن الأرقام داخل نفس الشروط، بل كيف نعيد للصناديق طابعا التوزيعي التضامني. بدون ذلك، كل إصلاح سيبقى إما تأجيلًا للأزمة، أو نقلًا لها نحو الحلقة الأضعف: الأجراء.
إذ حين يكون جزء كبير من قوة العمل خارج أي علاقة شغل مهيكلة، فأنت لا تتعامل مع «نقص مساهمين» بل مع اقتصاد يُنتج غياب المساهمين. حين تُبنى التنافسية على أجور منخفضة وتصريح ناقص، فأنت لا تواجه «ضعف الموارد» بل سياسة واعية لتقليص قاعدة الاشتراكات. وحين تكون المسارات المهنية متقطعة بفعل البطالة والهشاشة، فأنت لست أمام خلل ظرفي بل أمام نمط إنتاج يُفكك الاستمرارية التي يقوم عليها التقاعد.
داخل هذه الشروط، أي محاولة لـ “موازنة الأرقام” تعني شيئًا واحدًا: تعديل المعادلة من جهة واحدة، أي الأجراء. فرفع سن التقاعد يعوّض سنوات عمل ضائعة لم تُخلق أصلًا. أما زيادة الاقتطاعات فتحاول تعويض أجور منخفضة بدل رفعها. وخفض المعاشات دفع نحو تردي اجتماعي أعمق.
بعبارة أدق: الصندوق لا يختلّ لأنه مُدار بشكل سيء فقط، بل لأنه يغذّى من اقتصاد يُنتج مساهمات ضعيفة بشكل منتظم. لذلك، إصلاحه من الداخل دون المساس بمصدر هذه المساهمات يشبه محاولة تثبيت السقف دون تقوية الأعمدة.
أي “إصلاح” يبدأ بتحميل الأجراء كلفة الأزمة هو إصلاح مضاد، مهما غُلّف بلغة التوازنات والاستدامة. رفع سن التقاعد، زيادة الاقتطاعات، وتقليص المعاشات ليست حلولًا، بل آليات لنقل العجز نحو الحلقة الأضعف. النقطة الأولى إذن ليست تقنية بل سياسية: رفض هذا المسار باعتباره خيارًا طبقيًا، لا ضرورة محاسبية.
انطلاقًا من ذلك، الإصلاح الفعلي ينطلق من قلب المعادلة بدل أطرافها. توسيع قاعدة المساهمين لا يتم عبر الإكراه الفردي، بل عبر إدماج فعلي للعمل غير المهيكل داخل علاقات شغل مصرح بها، مع آليات رقابة وعقوبات حقيقية على عدم التصريح. في الوقت نفسه، رفع الكتلة الأجرية ليس مطلبًا اجتماعيًا فقط، بل شرط تمويلي مباشر لأنظمة التقاعد: أجور أعلى ومصرح بها تعني اشتراكات أعلى دون رفع النسب.
بالتوازي، يجب إعادة توزيع الجهد داخل النظام نفسه. وضع سقوف فعلية للمعاشات المرتفعة، مراجعة الامتيازات غير المتكافئة، وربط الحقوق بشكل أكثر عدالة بالمساهمة الفعلية، يحرر موارد داخلية ويعيد الطابع التضامني. هذا ليس إجراءً تقنيًا، بل تصحيح لانحراف هرمي داخل النظام.
دور الدولة يجب أن يُعاد تعريفه بوضوح: ممول مباشر للنظام، لا حكمًا محايدًا بين “توازنات” مجردة. تمويل عمومي منتظم، ممول جزئيًا عبر مراجعة الإعفاءات الضريبية غير المنتجة، يضع جزءًا من الكلفة حيث تُنتَج القيمة، لا حيث يُعاد توزيعها فقط.
على مستوى سوق الشغل، إدخال تعويض فعّال عن البطالة يحافظ على استمرارية الحقوق، بدل تحويل كل انقطاع إلى خسارة نهائية. كما أن احتساب فترات الرعاية والعمل غير المؤدى، خاصة بالنسبة للنساء، يمنع تحويل اللامساواة المهنية إلى لا مساواة تقاعدية دائمة.
فيما يخص الاستثمارات، إخضاع تدبير احتياطيات الصناديق لمعايير شفافة وربطها بأفق اجتماعي طويل المدى—لا فقط بعائد مالي—يقلص من هشاشة التمويل ويعيد توجيه هذه الموارد نحو دعم الاستقرار بدل تعظيم الربحية المجردة.
وأخيرًا، إدماج العمال المهاجرين ضمن آليات اشتراك مرنة وقابلة للنقل يوسّع القاعدة التمويلية، بدل ترك مساهماتهم خارج النظام.
هذه ليست حزمة إصلاحات منفصلة، بل إعادة بناء لمنطق النظام: من آلية تضبط عجزًا مُنتَجًا خارجها، إلى أداة تعيد توزيع الثروة داخل اقتصاد غير متكافئ. بدون هذا التحول، سيبقى كل “إصلاح” مجرد إدارة للأزمة، أو نقلٍ لها نحو الأجراء.
اقرأ أيضا

