السلم المتحرك للأجور كأداة صراع طبقي

بقلم؛ أكوليز

تعيش الطبقة العاملة اليوم تحت ضغط متواصل لغلاء المعيشة، وهو ضغط دائم يعيد إنتاج التفاوت الطبقي. فكل ارتفاع في أسعار الغذاء، الكراء، النقل أو الصحة، ينعكس مباشرة على حياة العمال والعاملات، لأنهم يعيشون أساسًا من الأجر الشهري أو اليومي، دون احتياطي حقيقي أو مصادر دخل بديلة. لذلك فإن الغلاء شكل من أشكال الضغط الاجتماعي الذي يطال شروط العيش نفسها.

من هذا الواقع تبرز مباشرة أهمية مطلب ربط الأجور بالأسعار، أي السلم المتحرك للأجور، باعتباره حدًا أدنى من الحماية الطبقية. فحين ترتفع الأسعار دون أن ترتفع الأجور بنفس الوتيرة، فإن ما يحدث فعليًا هو اقتطاع من دخل الطبقة العاملة لصالح أرباح الرأسمال. يصبح التضخم وسيلة لإعادة توزيع الثروة بشكل غير مباشر، حيث يدفع العمال الثمن الكامل للأزمات الاقتصادية.

الطبقة العاملة لا تستهلك مثل أرباب العمل، رغم أن الجميع يستهلك. العمال يوجهون أجورهم نحو الضروريات: الغذاء، السكن، التنقل، العلاج، أي نحو إعادة إنتاج الحياة اليومية وقوة العمل. هذا الاستهلاك ليس خيارًا حرًا، بل ضرورة وجودية. لذلك فإن أي ارتفاع في الأسعار يمس مباشرة “الحد الأدنى للحياة”، ويحوّل المعيشة إلى صراع يومي مستمر.

في المقابل، يختلف نمط استهلاك أرباب العمل اختلافًا بنيويًا. فهم لا يوجهون الجزء الأكبر من إنفاقهم نحو الضروريات، بل نحو الكماليات، والخدمات الترفيهية، وأنماط العيش المترفة، إضافة إلى الادخار والاستثمار. أي أن استهلاكهم لا ينفصل عن منطق التراكم، حيث تتحول الأرباح إلى وسيلة لمضاعفة الثروة، وليس فقط لتلبية حاجات معيشية.

ويظهر الفرق أيضًا في جودة الاستهلاك. فطبقة الرأسماليين تستهلك سلعًا وخدمات ذات جودة مرتفعة واستقرار في الأسعار، بينما يُدفع العمال إلى استهلاك سلع أساسية تتعرض أكثر لتقلبات السوق، ما يجعلهم الأكثر تضررًا من أي ارتفاع بسيط في الأسعار. لذلك فإن التضخم لا يضرب الجميع بالطريقة نفسها، بل يثقل كاهل من يعيشون من الأجور بشكل مباشر.

هذا الاختلاف يوضح أن الاستهلاك ليس مسألة فردية، بل انعكاس مباشر للموقع الطبقي. فالعامل يستهلك ليعيش، بينما رب العمل الرأسمالي يستهلك ليُراكم. ومن هنا يصبح الغلاء سلاحًا غير مباشر ضد الطبقة العاملة، لأنه يضربها في نقطة ضعفها الأساسية: الأجر الثابت مقابل أسعار متغيرة باستمرار.

السلم المتحرك للأجور كبديل

في المنظور العمالي الطبقي، يُنظر إلى السلم المتحرك للأجور كأداة صراع في مواجهة منطق الربح الذي يضغط باستمرار على الأجور. فالأجر في النظام الرأسمالي لا يُحدَّد وفق “الاستحقاق” بل وفق ميزان قوى يميل تاريخيًا لصالح أرباب العمل، حيث تُخفض كلفة العمل إلى الحد الأدنى بينما تتوسع الأرباح.

ضمن هذا السياق، يُطرح السلم المتحرك للأجور كآلية دفاع طبقية: إذ يقوم على ربط الأجور مباشرة بارتفاع الأسعار، بحيث تزيد تلقائيًا وبالوتيرة نفسها، دون انتظار مفاوضات مطوّلة أو حوار اجتماعي يُستخدم غالبًا لتأجيل الحلول.

المفاوضات الحالية حول الأجور لا تعكس ميزان قوى متكافئ. بل غالبًا ما تنتهي بزيادات جزئية ومتأخرة، لا تغطي حتى جزءًا من الخسائر الحقيقية التي تسببها موجات الغلاء. وهكذا تتحول ألية “الحوار الاجتماعي” إلى آلية لامتصاص الغضب بدل معالجة جذور المشكلة.

من هنا، فإن مطلب السلم المتحرك للأجور يسحب ملف الأجور من منطق التفاوض الموسمي إلى منطق الحق الثابت. فهو يعني بوضوح: لا يمكن للطبقة العاملة أن تدفع ثمن الأزمات، ولا يمكن ترك معيشتها رهينة لتقلبات السوق أو توازنات أرباب العمل.

هذا المطلب لا يُطرح في فراغ، بل داخل نظام اقتصادي يقوم على خفض كلفة العمل باعتباره شرطًا أساسيًا لاستمرار وتوسيع الأرباح. لذلك يُقابل السلم المتحرك للأجور غالبًا بالتجاهل أو الرفض، أو يتم التحذير منه بحجة أنه قد يؤدي إلى ارتفاع عام في الأسعار.

لكن هذا الطرح يتجاهل أن ارتفاع الأسعار لا ينتج أساسًا عن الأجور، بل يرتبط في كثير من الحالات بسياسات التسعير وهوامش الربح والاحتكار. بمعنى آخر، الأسعار ترتفع أولًا، بينما تبقى الأجور متأخرة وغير مواكبة لهذا الارتفاع.

ومن هنا يأتي مطلب السلم المتحرك كآلية لجعل الأجور تواكب تكاليف المعيشة بشكل تلقائي، بدل أن تظل دائمًا في موقع رد الفعل المتأخر.

المغرب: بين مكسب تاريخي ومحاولة احتواء

في المغرب، كان مطلب السلم المتحرك للأجور نتيجة مرحلة نضالية قوية للطبقة العاملة بعد الاستقلال، حين كانت الحركة النقابية أكثر تنظيمًا وقدرة على فرض المطالب.

في هذا السياق، صدر ظهير في 31 أكتوبر 1959 نص على ربط الأجور بمؤشر كلفة المعيشة، كخطوة لحماية القدرة الشرائية. نظام يربط الأجور بمستوى الأسعار، بهدف الحفاظ على استقرار القدرة الشرائية للأجراء. وكان من المقرر تطبيق هذا النظام كلما تجاوز مؤشر تكلفة المعيشة في الدار البيضاء(111 سلعة) ، لمدة شهرين متتاليين، عتبة 5%. وقد استُخدم هذا النظام بالفعل مرتين: في 1 نونبر 1959 حيث تم ربط الحد الأدنى للأجور بمعدل 5%، وفي 1 يناير 1962 بمعدل 5،7% .[1]

كما شهدت الخدمات العمومية خلال ست سنوات تطورًا ملحوظًا، ارتبط بموجة المطالب التي أعقبت الاستقلال والسعي إلى تحقيق توازن بين مصالح رأس المال الأجنبي وشرائح من الطبقة الحاكمة المحلية. وكان هذا التطور ثمرة نضال الطبقة العاملة المغربية، خاصة عبر نقابة  (U.M.T.)  اكتسبت قوتها في مقاومة الاستعمار وحظيت بدعم الحركة الوطنية.

هذا المكسب لم يكن منحة من الدولة، بل نتيجة ضغط نقابي قوي، خاصة من داخل الاتحاد المغربي للشغل، الذي كان في تلك المرحلة قوة نقابية اجتماعية مؤثرة. لكن في الوقت نفسه، كان هذا الاعتراف جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى احتواء الحركة العمالية بدل تمكينها فعليًا.

فالدولة، في مرحلة ما بعد الاستقلال، كانت تسعى إلى بناء استقرار سياسي واقتصادي يحافظ على مصالح الرأسمال المحلي والأجنبي. لذلك، إلى جانب الاعتراف الجزئي بالمطالب الاجتماعية، تم اعتماد سياسات اقتصادية موازية شجعت الاستثمار ووفرت امتيازات واسعة لأرباب العمل، ما خفف عمليًا من أثر أي تحسين محدود في الأجور.

اليوم: ضعف المطلب وعودة الحاجة إليه

اليوم، يتراجع مطلب السلم المتحرك للأجور داخل الخطاب النقابي، ويُختزل في شعارات عامة لا تتحول إلى برامج نضالية أو تعبئة قاعدية. في المقابل، تستمر موجات الغلاء في الضغط على الطبقة العاملة، في الغذاء والسكن والنقل والطاقة.

يعكس هذا التراجع ضعفًا وتحولًا في طبيعة العمل النقابي نفسه، من أداة نضال كفاحية إلى جهاز تدبير تفاوضي يكتفي بإدارة النزاعات وامتصاص ويعمل كديوان لإيصال المظالم، بدل تغييرها.

لكن واقع حياة الطبقة العاملة المغربية  يعيد طرح المسألة بقوة. فالطبقة العاملة هي الفئة الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار، وهي في الوقت نفسه المحرك الأساسي للاستهلاك والإنتاج.

نحو إعادة بناء مطلب السلم المتحرك للأجور

إحياء مطلب السلم المتحرك للأجور لا يمكن أن يظل مجرد شعار، بل ينبغي أن يتحول إلى خيار نضالي منظم ينطلق من إعادة بناء التنظيم القاعدي داخل أماكن العمل، حيث تتشكل القوة الفعلية للطبقة العاملة. ويعني ذلك ربط المطالب اليومية المباشرة – من أجور وظروف عمل- بقضية غلاء المعيشة، بحيث لا تُفصل المعارك الجزئية عن الإطار العام الذي يحددها. كما يقتضي تجاوز منطق الانتظار والمفاوضات الطويلة التي غالبًا ما تُستخدم لاحتواء الغضب وتأجيل الحلول، في اتجاه فرض مطالب واضحة تستند إلى ميزان قوى يُبنى تدريجيًا عبر النضال.

وفي الوقت نفسه، يظل بناء وعي عمالي طبقي كفاحي حاسمًا، وعي يعتبر الأجر حقًا مرتبطًا مباشرة بكلفة العيش، لا مجرد ثمن للعمل يخضع لتقلبات السوق. يعبر السلم المتحرك للأجور عن صراع حول من يتحمل كلفة النظام الاقتصادي: هل تُلقى على عاتق العمال/ات الذين يعيشون من جهدهم اليومي، أم على الأقلية التي تملك وسائل الإنتاج وتراكم الأرباح؟ لذلك فهو معركة من أجل حماية القدرة الشرائية للعمال، حتى لا يتحول كل ارتفاع في الأسعار إلى استنزاف إضافي لحياتهم ومعيشتهم.

[1]  La politique de bas salaires au Maroc ébauche d’analyse- Abdelkader BERRADA

شارك المقالة

اقرأ أيضا