الثورة المضادة في مصر: كيف حطم السيسي حلم جمهورية جديدة
بقلم؛ حسام الحملاوي
ترجمة: و.ع
حين انتفض المصريون ضد نظام حسني مبارك عام 2011، بعد أن ظل في الحكم منذ 1981 إثر اغتيال أنور السادات، اعتقد كثيرون منا أننا نشهد نهاية دكتاتورية.
لكن بعد خمسة عشر عامًا، بات جليا أنصع من أي وقت مضى أن ما تلى لم يكن مجرد عودة إلى النظام السابق. فالثورة المضادة في مصر لم تُرجع «المباركية»، بل أفرزت نظامًا أشد قسوة، وأكثر مركزية، وأكثر اندفاعًا في القمع. لقد أرست نظاما جديدا.
إنها الحجة المركزية في كتابي الجديد، «Counterrevolution in Egypt: Sisi’s New Republic»، الذي سيصدر في 5 مايو عن دار فيرسو للنشر في لندن.
الكتاب حصيلة سنوات من البحث، كما أنه نابع من تجربة شخصية مباشرة. أكتب لا بوصفي مختصًا في قطاع الأمن المصري فحسب، بل أيضًا كشخص تعرّض للاعتقال والتعذيب والمراقبة، وأُدرج على القوائم السوداء من قبل المؤسسات ذاتها التي أسعى إلى فهمها [انظر على هذا الموقع المقابلة المنشورة في 2 فبراير 2026 ].
بنظري، لا يتعلق الأمر بمجرد تحليل لصمود نظام مستبد، بل بمحاولة لفهم كيف أُجهضت ثورة هزّت أركان النظام من جذوره، ولماذا تبدو الدولة التي نشأت عقب هزيمتها مختلفة جذريًا عما سبقها.
غالبًا ما تعزو القراءات السطحية لمسار الأحداث في مصر فشل الثورة إلى عوامل مألوفة، مثل ضعف كفاءة جماعة الإخوان المسلمين، والانتهازية الليبرالية، وتشتت اليسار، أو التدخل الخارجي.
تنطوي هذه المروية على جانب من الحقيقة، لكنها ليست الحكاية كلها. فالثورات لا تُهزم فقط بسبب أخطاء الثوريين، بل أيضًا لأن قوى الثورة المضادة تتكيف، وتعيد تنظيم نفسها، وترد.
تمثل العامل الحاسم في مصر في استمرار جهاز الإكراه ثم تماسكه: الجيش، والشرطة، وأجهزة الاستخبارات، والشبكة البيروقراطية الأمنية الواسعة التي ظلت لعقود تحمي النظام.
ظهور الدولة البوليسية
كانت هذه المؤسسات، في عهد مبارك، قوية لكنها متفرقة، ولم يكن هذا التشتت خللًا بل جزءًا من بنية النظام.
منذ العام 1952 [أسس ناصر «حركة الضباط الأحرار» التي أطاحت بالملك فاروق في عام 1952، ثم فرض نفسه على رأس النظام]، حرص القادة المصريون على تنظيم جهاز القمع بطريقة تحول دون وقوع الانقلابات. فقد كانت الأجهزة متنافسة، بصلاحيات متداخلة، تراقب بعضها بعضًا.
كان لكل من الجيش، والمخابرات العامة، والمخابرات العسكرية، ووزارة الداخلية مجاله الخاص، وشبكات عملائه المستقلة، وكذلك هواجسه وشكوكه.
لم يكن تخوف مبارك الأساسي اندلاعَ انتفاضة شعبية، بل- كحال كثير من الحكام المستبدين- كان يخشى انقلاباً من داخل النظام.
وقد كيف هذا الخوف بنية الدولة، كما يفسّر إلى حدّ كبير المكانة المحورية التي تبوأتها الشرطة في عهده. فقد احتاج النظام إلى قوة تستطيع قمع التحركات دون اعتماد مفرط على الجيش. ومع مضي الزمن، شهدت الشرطة عملية عسكرة واسعة، وكان لما عُرف بـ«الحرب على الإرهاب» في تسعينيات القرن الماضي دور حاسم في ذلك.
استُخدمت تلك الذريعة لتوسيع صلاحيات الشرطة، وتكريس التعذيب أمرا اعتياديا، والتعامل مع شرائح واسعة من المجتمع- خصوصاً الفقراء- بوصفهم جماعات مُريبة ينبغي ضبطها، لا مواطنين يستحقون الحماية.
وفي سنوات 2000 ، لم تعد الشرطة مقتصرة على قمع المعارضة السياسية، بل باتت تمارس الحكم عبر ترهيب يومي. كان أغلب المصريين يدركون معنى أن يُوقَفوا أو يُصفَعوا أو يُبتزّوا أو يُهانوا أو يُعذَّبوا.
تحولت أقسام الشرطة إلى فضاءات تعذيب، وأضحت نقاط التفتيش وسائل لفرض السيطرة الطبقية، فيما عوملت أحياء كاملة كأنها مناطق معادية. وعندما اندلعت انتفاضة يناير 2011، لم يكن عبثاً أن يستهدف المتظاهرون أقسام الشرطة ومقار أمن الدولة بالحرق.
لم تكن تلك الهجمات ثمرة غضب أعمى، بل عكست وعياً سياسياً واضحاً؛ فقد كان الناس يدركون جيداً أين يكمن القمع.
النظام القديم والظروف الجديدة
غالباً ما تطمس مشاهد ميدان التحرير الشهيرة حقيقة جوهرية: ففي 28 يناير 2011، انهار جهاز الشرطة.
وقد مثّل هذا الانهيار صدمة عميقة للنظام، ما دفع مبارك إلى الاعتماد على الجيش خيارا وحيدا.
وهنا لابد من تحطيم خرافة أخرى: الجيش لم يكن منحازاً للثورة، ولم يدخل القاهرة لإنقاذها، بل تدخّل لانقاذ الدولة.
وما حال دون لجوء الجنرالات إلى القمع الفوري لم يكن تعاطفاً مع المطالب الديمقراطية، بل حساب سياسي. فقد خشيت القيادة العسكرية أن يؤدي ارتكاب مجزرة إلى تمرد داخل صفوف الضباط الأصغر رتبة أو المجندين، الذين كان كثير منهم أقرب اجتماعياً إلى المتظاهرين من كبار القادة.
لذلك انتهج الجيش سياسة التريث، وتخلى عن مبارك حفاظاً على النظام. ثم أمسك بزمام المرحلة الانتقالية، وسعى بشكل منهجي إلى احتواء الزخم الثوري وتفكيكه وإنهاكه.
وهذه إحدى أطروحات الكتاب الأساسية: إذ ساد لسنوات ميل إلى تمجيد موقف الجيش في بدايات 2011، وكأنه كان فوق الحسابات السياسية، بينما الواقع أنه ظل فاعلاً معادياً للثورة، حتى وهو يتحرك بحذر.
لم يُدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المرحلة الانتقالية بهدف تفكيك النظام القديم، بل لإنقاذه ضمن ظروف جديدة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الأشهر التالية؛ فبرغم الحل الرسمي لجهاز أمن الدولة، استمرت كوادره ووظائفه باسم جديد.
قمع الجيش الاحتجاجات، وأحال مدنيين إلى محاكم عسكرية، ودافع عن نظام الإفلات من العقاب.
قراءة خاطئة للدولة
في غضون ذلك، آثرت جماعة الإخوان المسلمين- عقب وصولها إلى السلطة التشريعية والرئاسية [محمد مرسي، 30 يونيو 2012 – 3 يوليو 2013]- نهج التفاهم على حساب المواجهة.
وعوض الشروع في إصلاح جاد لجهاز الشرطة أو أجهزة الاستخبارات، حاولوا استمالتها إلى صفهم، لكنهم أخفقوا.
لقد أساء الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين فهم طبيعة الدولة، وتعاملوا مع الشرعية الانتخابية وكأنها تعني امتلاك السلطة الفعلية. والحقيقة أنهم ورثوا مواقع سياسية دون أن يمتلكوا أدوات القوة الحقيقية. فسعوا إلى عقد تفاهمات مع مؤسسات لم تكن مستعدة للتخلي عن استقلالها أو امتيازاتها.
وزاد الوضع سوءاً أنهم خسروا دعم قطاعات واسعة من القوى الثورية، في وقت تبنوا فيه خطاباً يميل إلى حماية النظام في مواجهة المعارضة.
وعندما اندلعت احتجاجات 30 يونيو 2013، كانت الأرضية قد مهدت بالفعل لانقلاب مضاد للثورة حاسم. فقد كان التحالف الذي أتاح انقلاب 2013 واسعاً ومتعدد الأطراف، وضم بقايا نظام مبارك، والنخب الاقتصادية، وأطرافاً من السلطة القضائية، وقطاعات من الجهاز الإداري، وشخصيات إعلامية، وليبراليين، وناصريين، وبعض مناضلي اليسار، وجماعات نسوية، وناخبين أقباطاً، جمعهم العداء لحكم الإخوان المسلمين.
اعتقد كثيرون منهم أن الجيش سيتدخل لعزل مرسي ثم ينسحب، أخطؤوا التقدير.
الجمهورية الجديدة
مثّل صعود السيسي تحولاً بنيوياً، لا مجرد تبدّل دوري داخل كتلة الحكم. فبعد العام 2011، لم يعد الهاجس المهيمن داخل الدولة هو احتمال انقلاب عسكري، بل الخوف من الشعب.
وكان الدرس الذي استخلصته أجهزة القمع من الانتفاضة واضحاً: عدم السماح للمجتمع مجدداً بامتلاك المساحة الكافية لتهديد بقاء النظام. وقد استلزم ذلك إنهاء حالة التشتت السابقة وإبدالها بمستوى أعلى من التنسيق، وبنية أكثر هرمية، وعقلية مشتركة أقرب إلى منطق الحرب.
وللمرة الأولى منذ 1952، أصبح جهاز القمع في مصر موحداً فعلياً. صحيح أن التنافس لم يختفِ تماماً، لكنه بات خاضعاً لهدف أسمى هو الحيلولة دون اندلاع ثورة جديدة.
واعتمد عبد الفتاح السيسي [الذي تولى السلطة منذ يونيو 2014] على أدوات مثل المحسوبية، وشبكات الرعاية، وعمليات التطهير، والمراقبة، والتمكين الانتقائي لإحكام السيطرة على الأجهزة الأمنية.
وفي هذا السياق، تعزز تبادل المعلومات، وتكاثرت أطر التنسيق، وأصبح قادة الأجهزة الأمنية جزءاً محورياً من منظومة الحكم، ما أفضى ليس فقط إلى تصاعد القمع، بل إلى تشكّل نمط مختلف من الدولة.
لهذا أُطلق عليها اسم «الجمهورية الجديدة»، أو «الجمهورية الثانية» بلغة النظام ذاته. ويعكس هذا المفهوم جانباً لا يزال يغيب عن إدراك كثير من المراقبين: فالنظام الذي نشأ في عهد السيسي يمثل نموذجاً مختلفاً للحكم، لم يعد فيه دور الجيش وأجهزة الأمن مقتصرا على حماية الدولة من الخارج، بل باتت تتغلغل بشكل متزايد في بنيتها الداخلية.
ويتجلى ذلك في البيروقراطية، حيث يشغل ضباط متقاعدون مواقع مدنية في مختلف المستويات. كما يظهر في الإعلام، حيث أصبحت الرقابة أشد صرامة وأكثر مباشرة مما كانت في عهد مبارك. ويبدو كذلك في التخطيط العمراني، إذ ترتبط عمليات الهدم، وتوسيع الطرق، وإنشاء المدن «الذكية»، والعاصمة الإدارية الجديدة [المعروفة أحياناً بـ«سيسي سيتي» وتقع على بعد نحو 45 كم شرق القاهرة] بمنظومات المراقبة والأمن. وكذلك في إدارة الفضاء العام، الذي لم يعد مجرد مساحة خاضعة للرقابة، بل أُعيد تصميمه لمنع أي فعل جماعي مستقل.
لا يقوم هذا النظام على عقد اجتماعي فعّال، إذ لا يقدم إعادة توزيع حقيقية للموارد، ولا حتى التسوية السلطوية المرنة التي ميّزت عهد مبارك. بل يعتمد بدرجة أكبر على القوة بدل الهيمنة، وعلى الردع بدل الإقناع.
ولهذا لم يعد العنف الجماعي في عهد السيسي ردّ فعل كما كان غالبا في عهد مبارك. إنه استباقي واستعراضي، ومسرحي في الغالب. ولم تكن مجزرة رابعة [أحداث أغسطس 2013 التي أودت بحياة أكثر من 1000 شخص، معظمهم من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة] استثناءً، بل لحظة تأسيسية رسمت معالم النظام الجديد.
ويستمر هذا النظام لأنه منظم، لا لأنه يحظى بالقبول الشعبي. فقد استوعبت مؤسساته دروس عام 2011، وأعادت تقييم مكامن الضعف، وأحكمت بنيتها، وأعادت صياغة الدولة وفق ذلك. وأي محاولة جادة لفهم مصر المعاصرة ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة.
ولفترة طويلة، جرى تفسير تاريخ مصر ما بعد 2011 عبر الأشخاص أو الانتخابات أو صراعات النخب، بينما تكمن القصة الأعمق في البنية المؤسسية: في كيفية تشكّل السلطة القسرية، وتكيّفها تحت الضغط، وتحويلها للهزيمة إلى مشروع لإعادة البناء.
هذه هي القصة التي أتناولها في كتابي Counterrevolution in Egypt: Sisi’s New Republic (مقال منشور في Middle East Eye بتاريخ 24 أبريل 2026؛)
نقله إلى العربية: و.ع. لصالح جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

