جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
من دكا إلى كاتماندو، تبرز حركات الشباب كمرآة لأزمات الرأسمالية، لكنها تكافح لتحويل غضبها إلى تنظيم فعّال.
بقلم؛ سوشوفان دهار
ينشر موقع الشبكة العالمية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشروعة كلمة سوشوفان دهار التي ألقاها خلال ورشة العمل التي نظمتها اللجنة العالمية يوم السبت 28 مارس 2026، ضمن فعاليات المؤتمر المناهض للفاشية والداعم للسيادة الشعبية في بورتو أليغري، البرازيل، بين 26 و29 مارس. حملت الورشة عنوان: “تحركات جيل Z: أمثلة من المغرب ونيبال وبنغلاديش وكينيا”.
لم تبدأ المظاهرات في دكا في يوليو 2024 بشعارات ثورية، بل نشأت من نزاع سياسي حول حصص التشغيل. ومع ذلك، سرعان ما امتلأت الشوارع بطاقة انفجارية؛ فالطلاب تحدثوا عن العدالة لكنهم واجهوا الإقصاء، وتحدثوا عن الإصلاح لكنهم وجدوا نظامًا عاجزًا عن ضمان المستقبل. جاء الرد الرسمي سريعًا: قمع الشرطة، واعتقالات، وإغلاق الجامعات. للحظة، بدا أن المظاهرات تجاوزت مطالبها المباشرة، لكنها سرعان ما تلاشت. بقيت المظالم قائمة، واستمرت الهياكل، بينما تبخرت الطاقة.
في نيبال، خلال سبتمبر 2025، كان للغضب من الفساد وزن تاريخي أكبر. لم يقتصر الأمر على رد فعل تجاه إخفاقات الحكم فحسب، بل كان أيضًا نتيجة ثورة وعدت بتحولات حقيقية لكنها انتهت إلى طريق مسدود. بدا أن نهاية الملكية والتحول إلى نظام جمهوري سيحدثان تغييرًا جوهريًا، إلا أن هذه اللحظة لا تزال بالنسبة للعديد من الشباب معلَّقة، بل وتبدو وكأنها خيانة. فقد واجهت المؤسسات الجمهورية التي نشأت بعد الثورة صعوبات في تحقيق الاستقرار، فضلًا عن ضمان العدالة، مما أدى إلى بروز نظام سياسي يدَّعي تمثيل التحول بينما يعيد إنتاج معظم القيود نفسها.
تؤثر هذه التجربة في تعامل الشباب مع السياسة في الوقت الحاضر. فخيبة الأمل لا تقتصر على الدولة وحدها، بل تشمل فكرة التغيير بأكملها. ويتجاوز هذا الشعور مجرد انتقاد كفاءة المؤسسات، إذ يرى الشباب أن حتى الفترات العنيفة من الاضطراب يمكن احتواؤها دون أي تغيير جذري في البنى الأساسية. ويبرز الخطاب حول مكافحة الفساد حقيقة أعمق: هناك إدراك واسع بأن وعد التحول الطويل الأمد قد جرى تأجيله، وربما إلى أجل غير محدَّد.
تشهد بنغلاديش وضعًا مشابهًا، وإن جاء ضمن سياق مختلف. فالمؤسسات السياسية ما تزال قائمة، لكنها لم تعد قادرة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية اليومية. وبينما تُنظَّم الانتخابات وتتبدل الحكومات أو تستمر، تبقى الأزمات الأساسية قائمة، مثل التهميش الاقتصادي، وتضييق الفضاء السياسي، واحتكار السلطة. وبالنسبة لكثير من الشباب، لم تعد السياسة تبدو مجالًا للفرص والإمكانات، بل دائرة مغلقة.
لا يتعلق الأمر بحوادث معزولة، بل بنمط سياسي متكرر نشهده من دكا إلى كاتماندو وفي أنحاء العالم كافة: سياسة مكثفة، وفورية، ومشحونة أخلاقيًا، لكنها هشة من الناحية البنيوية. في هذا السياق، دخل جيل Z إلى المجال السياسي. وغالبًا ما يُوصف هذا الجيل بأنه «ضمير عالم ممزَّق»: واعٍ أخلاقيًا، متمكِّن رقميًا، ويحمل نزعة عالمية بطبيعته. وفي ذلك جانب من الحقيقة؛ فهذه الحركات سريعة في التقاط مظاهر الظلم وترفض التعامل معها كأمر طبيعي، كما تتجاوز حدود السياسة المؤسسية بقدر لافت من الصراحة. لكنها، في المقابل، كثيرًا ما تعجز عن بناء إطار مستدام لمطالبها وأهدافها، وهو ما يُعد ضروريًا لتحويل تأثيرها الآني إلى تغيير طويل الأمد.
حين ينهار المستقبل
في بنغلاديش، تجاوزت الاحتجاجات ضد نظام الحصص مسألة الحصص نفسها، لتعبر عن تجربة أوسع من الركود الاقتصادي المتداخل مع السلطوية السياسية. بالنسبة إلى كثير من الشباب، لم يعد التعليم يضمن الارتقاء الاجتماعي، وأصبح العمل هشًا وغير مستقر، بينما تخضع فرص الوصول إلى الفرص لرقابة صارمة. وقد كشفت الاحتجاجات، بصورة غير مباشرة، عن هذه الأزمات. ورغم أنها لم تتبنَّ دائمًا نقدًا منهجيًا للنظام، فإن هذا النقد كان حاضرًا في خلفياتها ودوافعها.
في نيبال، قام الغضب من الفساد بدور مشابه. فالمسألة لا تتعلق فقط بسوء الإدارة، بل بتآكل أعمق للثقة في مؤسسات تبدو عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار أو المساءلة. قد تختلف العبارات، لكن المشهد يبقى مألوفًا: جيل يواجه نظامًا لم يعد قادرًا على الوفاء حتى بأبسط وعوده.
لا يتعلق الأمر بظاهرة إقليمية استثنائية، بل يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الرأسمالية نفسها. فجيل Z هو أول جيل يدخل مرحلة الرشد في عالم لم تعد فيه الأزمات مؤقتة أو دورية، بل أصبحت حالة دائمة؛ إذ غدا عدم الاستقرار الاقتصادي، والأزمات البيئية، وهشاشة العمل جزءًا من الحياة اليومية. وبالنسبة لقطاع واسع من هذا الجيل، خصوصًا في بلدان الجنوب، لم يعد الاستقرار مجرد حلم مؤجل، بل صار احتمال تحقيقه يتضاءل باستمرار، في ظل البطالة المزمنة، وتداعيات التغير المناخي، وضعف الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية. وعندما ينهار المستقبل، تعود السياسة إلى الواجهة، لكن ليس بالأشكال التي اعتدناها.
حدود السياسة
تُعد اللغة الأخلاقية إحدى سمات حركات جيل Z البارزة، إذ يتحدث المتظاهرون بلغة العدالة والإنصاف والكرامة والمسؤولية. ولا يُعتبر ذلك مجرد اختيار تعبيري، بل يعكس في الوقت نفسه الإحساس بالإلحاح وغياب المؤسسات التي تحظى بالثقة. فعندما تفقد الأحزاب السياسية مصداقيتها وتضعف التنظيمات، يصبح الوضوح الأخلاقي أكثر الموارد السياسية المتاحة حضورًا. ويمنح هذا الوضوح الحركات قوة كبيرة، إذ يتيح لها التعبئة بسرعة وكشف تناقضات الأنظمة التي تقدم اللامساواة والإقصاء باعتبارهما أمرين حتميين. ومع ذلك، فبينما تنجح حركات جيل Z غالبًا في مخاطبة الضمير الأخلاقي للمجتمع، فإنها كثيرًا ما تعجز عن بلوغ المراكز الاجتماعية والاقتصادية التي تتحكم فعليًا في بنية السلطة.
يمكن للوضوح الأخلاقي أن ينزع الشرعية عن السلطة، لكنه لا يكفي وحده لإعادة تشكيل هياكلها. وهنا تتجلى حدود هذه الحركات. فقد تمكنت كل من بنغلاديش ونيبال من تعبئة أعداد كبيرة بسرعة، غير أن الحفاظ على هذا الزخم يصبح صعبًا مع تصاعد القمع أو تحول الانتباه. كما أن الهياكل التنظيمية القادرة على مواصلة النضال تبقى محدودة. ولا يعود ذلك فقط إلى إشكاليات في القيادة أو التباس أيديولوجي، بل يعكس وضعًا بنيويًا أعمق.
حياة مجزأة، سياسة مجزأة
الشباب المتظاهر في دكا أو كاتماندو يعيشون في بيئة خالية من الوظائف المستقرة التي يمكن أن تنشأ فيها أشكال تضامن طويلة الأمد. فهم يتنقلون بين الدراسة والعمل غير الرسمي والبطالة، وغالبًا ما يهاجرون. في هذه الظروف، تبدو السياسة كسلسلة من الانفجارات المؤقتة بدلًا من كونها عملية مستمرة. تعزز شبكات التواصل الاجتماعي هذا النمط من خلال تمكين المظاهرات من الانتشار السريع والتواصل عبر الحدود، لكنها في الوقت ذاته تشتت الانتباه وتقوض الاستمرارية. ونتيجة لذلك، تنشأ الحركات بسرعة، لكنها تفتقر إلى العمق التنظيمي الضروري لمواصلة تأثيرها.
تقع مسألة الطبقة الاجتماعية في قلب هذا التشرذم. يتأثر جيل Z بشكل كبير بانعدام الأمن المادي، مثل البطالة، والعمل غير المستقر، وعدم استقرار السكن. رغم ذلك، نادرًا ما تُستخدم الطبقة الاجتماعية كلغة مركزية للتنظيم. ففي بنغلاديش، تُصاغ المطالب الاقتصادية في إطار من العدالة والإنصاف، بينما في نيبال يُعبَّر غالبًا عن التفاوتات الهيكلية من خلال خطاب مناهض للفساد، يسلط الضوء على المظالم في توزيع الموارد والسلطة، والتي تصيب المجتمعات المهمشة بشكل غير متناسب.
الأمر لا ينحصر في رفض السياسة القائمة على الطبقة بقدر ما يعكس التغيرات التي طرأت على بنية الطبقة نفسها. فالصورة التقليدية للطبقة العاملة – المستقرة والمركزة والمنظمة – لا تتلاءم مع ظروف العمل المجزأة التي تحدد تجربة جيل Z. يصعِّب غياب أماكن تنظيم مشتركة تحويل التجارب المشتركة إلى هوية سياسية جماعية.
الانشقاق الخاضع للرقابة
هذه الحركات لا تتحرك بحرية كاملة، بل تخضع لرقابة مستمرة. ففي بنغلاديش، كان القمع مباشرًا من خلال التدخلات القمعية، والاعتقالات، والترهيب. أما في نيبال، فغالبًا ما يصاحبه تنازلات انتقائية تخفف الضغط المباشر دون إحداث تغييرات كبيرة. وفي الوقت نفسه، تجري عملية استيعاب أكثر خفاءً، حيث يُدخل عناصر من احتجاج الشباب ضمن قنوات مؤسساتية – منظمات غير حكومية، وكوادر سياسية، أو مناورات انتخابية – لتقييد قدرتهم على إحداث اضطراب. وينتج عن ذلك دورة متكررة مألوفة: التعبئة، والاحتواء، ثم التبديد.
هذا ليس من قبيل الصدفة، إنه يعكس نظامًا يتكيف مع الأزمة، حيث لا يسعى إلى معالجة الظروف التي تولد الاضطرابات، بل يديرها: يسمح بنشوء الاحتجاجات ثم يمنع تثبيتها، بما يدل على استراتيجية للسيطرة بدل الإصلاح الحقيقي.
ثورة دون سلطة
ماذا تكشف هذه الحركات إذن؟ إنها تظهر أن النظام القائم فقد القدرة على كسب تأييد السكان، وأن التفاوتات والهشاشة لم تعد قابلة للتجاهل في المجال الخاص. كما تشير إلى عودة السياسة في مشهد مهيأ لقمعها. لكنها تكشف أيضًا حقيقة أكثر قسوة: الثورة وحدها لا تكفي. فحركات جيل Z قادرة على إشعال لحظات سياسية وإحياء قضايا كان يُعتقد أنها حُسمت، لكن من دون هياكل تنظيمية تدعم النضال، تظل هذه الحركات عرضة للقمع، والاستمالة، والاستنزاف.
هذا ليس فشلًا خاصًا بجيل Z، بل مأزق هيكلي. المسألة لا تكمن في مدى راديكالية هذا الجيل، بل في قدرته على ابتكار أشكال سياسية جديدة تجمع بين الحياة المجزأة والقوة الجماعية – أشكال تستطيع الاستمرار بعد لحظات الانفجار ومواجهة السلطة حيث تكون فعليًا منظمة. وحتى يتحقق ذلك، يبقى الخطر قائمًا بتكرار النمط نفسه: حركات تظهر فجأة، وتشتعل بقوة، ثم تخبو دون الوصول إلى حلول. إن ظهورها مهم، لكن المشكلة أنها لم تتقن بعدُ الاستمرارية.
المصدر: https://www.cadtm.org/La-generation-Z-en-revolte-de-Dacca-a-Katmandou
ترجمة و.ع لصالح جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

