تفاعل مع تعليقات حول مقال “جلبير الأشقر متحايلا؟”

بقلم؛ علي أموزاي

أثار المقال المنشور بموقع جريدة المناضل- ة، تحت عنوان “جلبير الأشقر متحايلا” [1]، بعضَ النقاش. باستثناء الرفيق عبد الغني القباج، الذي قبض على جوهر المقال، أي فكرته الرئيسية، كل التعليقات الأخرى تترك هذا الجوهر وهذه الفكرة الرئيسية، لتناقش أمورا لا علاقة بهذا بالمقال.

هل ميزان القوى، عند الأشقر، قدر تاريخي ثابت؟

كتب الرفيق إبراهيم حاتمي: “المشكل في هذا النوع من الواقعية ليس فقط أنه يبالغ في تقدير قوة العدو، بل أنه يحول ميزان القوى القائم إلى قدر تاريخي ثابت. نعم كل حركات التحرر واجهت تفوق عسكريا ساحقا ولو انتظرت الشروط المثالية لما تحررت الشعوب أصلا”.

فهل يعتقد الأشقر أن ميزان القوى القائم حاليا بين الدولة الصهيونية والمقاومة “قدر تاريخي ثابت” وبالتالي فـ”واقعيته تبالغ في تقدير قوة العدو”؟ إن النصف الثاني غير قائم قط، فالمبالغة في قوة العدو ليست هي القائمة حاليا في المنطقة، بل بالعكس: الاستخفاف.

يوجد اعتراف من طرف نصر الله ذاته بأنه استخف بقوى العدو الصهيوني، عندما وصفه سنة 2000 بـ “أوهن من بيت العنكبوت”، ليصحح هذا الوصف بعد ست سنوات، أي سنة 2006، عندما صرح قائلا: “لو كنتُ أعلم أن عملية الخطف هذه ستؤدي الى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد بالمئة، فقطعاً لما فعلنا لأسباب إنسانية وأخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية”. ولم يكرر حسن نصر الله خطأ الاستخفاف بقوة العدو الصهيوني أثناء عمليات إسناد غزة، عندما اقتصر على عملية محدودة جغرافيا، وصرح حسن نصر الله: “منذ البداية وضعنا ضوابط أو عناوين للرد … ألا يكون الهدف مدنياً، نُريد ضرب هدف إسرائيلي، ولكن لا نريد ضرب مدني، مع العلم أنه هناك شهداء مدنيّون في الضاحية الجنوبية ويحق لنا أن نستهدف المدنيين هناك، … لكن لأننا نعمل على معادلة [تتضمن] حماية المدنيين في لبنان، فمن أجل تأكيد حماية المدنيين في لبنان وتجنيبهم أي أذى قد يُلحقه العدو بهم فضّلنا أن نتجنّب المدني عند العدو…”.

أما النصف الثاني من الاعتراض (ميزان القوى الحالي قدَرٌ تاريخي)، فلا يمكن لأحد أن يستنتجه من كتابات الأشقر. لو كان الأشقر يؤمن بأن تفوق العدو الصهيوني ثابت كقدر تاريخي لما اختتم مقاله قائلا: ” إن درساً أساسياً من عقودٍ من تجربة حروب التحرير يقوم على تفادي مواجهة أمامية مع جيش محتلّ يملك من القوة ما يزيد كثيراً عمّا لدى قوات التحرير، والاستعاضة عن ذلك بما يسمّى «حرب عصابات» تضرب المحتلّ في نقاط ضعفه بلا هوادة بغية إنهاكه”. إن الإيمان بأن “ميزان القوى قدر تاريخي” لا يمكن أن يُستنتَج عنه مهام مثل “ضرب المحتل في نقاط ضعفه بلا هوادة بغية إنهاكه”. بل إن الإيمان بأن قوة العدو ثابتة كقدر تاريخي سينتج عنه دعوة إلى استسلام نهائي للعدو الصهيوني ونزع سلام المقاومة، وهو ما انتقده الأشقر بشدة: “إن سلوك الحكم اللبناني برئيسه وحكومته ليس مخزياً وحسب، والمخزي فيه بالدرجة الأولى هو قرار الانسحاب الفوري للجيش اللبناني من المناطق التي تعهد بها وفق القرار الدولي 1701 الذي جرى تجديده في خريف عام 2024. إنه سلوك ليس مخزياً وحسب في تخلّيه عن أدنى ممارسة للواجب الدستوري والأخلاقي الذي يفرض على حكم البلد وجيشه أن يذودا عن الوطن، بل تعدّى ذلك إلى استعجال إلقاء اللوم على «حزب الله» تبريراً للقرار الجبان، والتنصّل من مقاومة الاحتلال بإصدار فرمانات عديمة الجدوى (إن دلّت على شيء، فعلى بؤس الحكم اللبناني) ضد الحزب تقضي بحظر نشاطه العسكري”. [2]

ربما على المرء أن يقرأ جيدا قبل أن يصدر أحكامه، وإلا فإن هذه الأحكام ستظل أحكامَ قيمة، أحكاما أخلاقية وليست علمية. وهو نفس ما يصدق على تعليق الرفيق إبراهيم حاتيمي: “الحديث المتكرر عن الواقعية دون الحديث عن وظيفة المقاومة سياسيا وأخلاقيا وحتى رمزيا، وعن أثرها في إعادة تشكيل الوعي الشعبي والإقليمي، يجعل التحليل أقرب إلى فكرة الهزيمة مند البداية”. فلا شيء من هذا في كتابات الأشقر، وضمنه مقاله الأخير الذي استدعى كل هذا النقاش، وبدلا من إثقال النص باستشهادات، يمكن الرجوع إليها في مصادرها.

انتظار الشروط المثالية؟

النزعة الانتظارية شيء مذموم في النضال العمالي شأنه شأن حركات المقاومة. ليس هناك من شروط مثالية لانطلاق الثورات وحروب التحرير، فهذه الأخيرة قد تنطلق بشكل عفوي، ويفاجأُ بها الثوريون أكثر من الأنظمة الحاكمة.

لكن الانتظار، في حالة ميزان قوى غير ملائم، أمر مطلوب، وقد أكد عليه كبار زعماء الحركة العمالية وحركات التحرر الوطني. هكذا كتب ماو تسي تونغ: “إذا كان العدو المهاجم يفوقنا كثيرا عددا وعُدة على حد سواء كانت هناك وسيلة واحدة لتغيير نسبة القوى هي انتظار الوقت الذي يتغلغل فيه عميقا في قواعد ارتكازنا وينوء بعبء جميع الصعوبات التي تنتظره في هده المناطق”، على غرار لينين: “إن الواجب الصريح للاشتراكيين الظافرين في بلد واحد (وخاصة إذا كان متأخرا) هو الامتناع عن قبول المعركة ضد عمالقة الإمبريالية، والسعي إلى اجتناب هذه المعركة، وانتظار أن يؤدي الصراع في ما بين الإمبرياليين إلى إضعافهم أكثر أيضا، وأن يقرب أكثر أيضا الثورة في البلدان الأخرى”. فهل كان لينين وماو انتظارهم الشروط الملائمة (وليس المثالية) قد أخروا تحرر شعبيهما؟

وجهتي نظر داخل حركة حماس

ليس فقط حسن نصر الله هو من تخلى عن الاستخفاف بالعدو الصهيوني، وبالتالي تفادي الانجرار إلى حرب مدمِّرة مع عدو أقوى. فداخل حركة حماس تتعايش وجهتا نظر متناقضتين إزاء ما وقع في غزة: الرأي المعتدل الذي عبَّر عنه موسى أبو مرزوق، الذي كرر مقولة حسن نصر الله: “لو كنت أعلم”: “لو كان متوقَّعاً أن ما حصل (في غزة) سوف يحصل، لما جرت عملية السابع من أكتوبر”. [3]

 أما وجهة النظر “القصَوية”، المهيمنة داخل حركة حماس، والتي عبَّر عنها أبو زهري، الذي أكد أنه كان يتوقع أن يكون ردّ الفعل الصهيوني على «طوفان الأقصى» على ما جاء عليه، مصرحا: «بل نحن اليوم أكثر يقينا بصوابية المعركة حين نجحنا، نحن وشعبنا، أن نصمد خمسة عشر شهراً”. [4]

الأشقر يدافع عن وجهة النظر الأولى، وهي وجهة نظر موجودة داخل حركة حماس، وإن كانت أقلية. فلماذا يُنعث الأشقر حصرا باعتبار ميزان القوى قدرا ثابتا وبتبخيس المقاومة… إلخ؟

هل ندد الأشقر بطوفان الأقصى؟

كتب الرفيق حسن الصعيب هذا التعليق: “إبان معركة طوفان الأقصى، كتب جلبير الأشقر، ما يشبه التنديد بها”. فهل ندد فعلا الأشقر بـ “طوفان الأقصى”؟

هذا ما كتبه الأشقر يوم 10 أكتوبر 2023، أي ثلاثة أيام بعد عملية “طوفان الأقصى”: “لا شكّ في أن عملية «طوفان الأقصى» التي شنّها مقاتلو «حماس» صبيحة يوم السبت الماضي عملية مدهشة للغاية، وأنها خضّت الدولة الصهيونية بطريقة تضاهي الصدمة التي لحقت بهذه الدولة من جراء الهجوم الذي شنّته عليها مصر وسوريا قبل نصف قرن تحديداً، بما دشّن «حرب أكتوبر» لعام 1973” [5]. وليس في المقال ما يفيد “شبه تنديد بها”.

في مقال آخر مؤرخ بـ 5 ديسمبر 2023، عنوانه “‘طوفان الأقصى’، خطأ في الحساب”، وهو ما يمكن أن يعتمده من يعتقد أن الأشقر أطلق “ما يشبه التنديد”، ورغم ذلك فلا يوجد ما يشبه التنديد في المقال، لا من قريب ولا من بعيد. تناول المقال احتمالين لحركة حماس عندما أطلقت عملية “طوفان الأقصى”: الاحتمال الأول؛ عدم إدراك حماس لما سوف تجره العملية من كارثة وبالتالي عدم مبالاتها بالأمر، وهو ما استبعده الأشقر، مؤكدا أن الأقرب إلى الواقع هو الاحتمال الثاني؛ إسقاط الرغبات على الواقع وتوقّع المعجزات الإلهية. وهو ما أكده الأشقر بإيراد مقتطف من رسالة صوتية أدلى بها محمد الضيف، القائد العام لـ”كتائب عز الدين القسام” جناح الحركة المسلّح، صبيحة العملية: “قررنا أن نضع حداً لكل ذلك بعون الله ليفهم العدو أنه قد انتهى الوقت الذي يعربد فيه دون محاسب… مجاهدونا الأبرار، هذا يومكم لتُفهموا هذا العدو المجرم أنه قد انتهى زمنه… قاتلوا، والملائكة سيقاتلون معكم مردفين، وسيمددكم الله الملائكة مسوّمين، وسيوفي الله بوعده لكم”. لا يوجد في المقال ما يشبه التنديد، لا من قريب ولا من بعيد، بل تحليل سياسي لحساب سياسي لحركة سياسية في سياق سياسي ملموس.

هل يدعو الأشقر للتخلي عن المقاومة المسلحة؟

أكمل حسن الصعيب تعليقه كالتالي: “واقترح [الأشقر] استراتيجية معارضة جذريا للمقاومة، تتلخص في ضرورة النضال الجماهيري مع جماهير الكيان الصهيوني. هنا يكمن خطأه الاستراتيجي، ومنظوره للمقاومة، بغض النظر عن تفوق العدو العسكري والاستخباراتي”.

كل مقالات الأشقر ليس فيها ما يدل على دعوته للتخلي عن المقاومة واقتراح استراتيجية معارضة جذريا للمقاومة. كتب الأشقر في مقاله الأخير، الذي أثار كل هذا النقاش: “بادئ ذي بدء، لا بدّ هنا من التنويه بأن نقدنا ينطلق من الإقرار بشرعية مقاومة الاحتلال بكافة الطرق الضرورية”. إن استنتاج من عبارة “مقاومة الاحتلال بكافة الطرق الضرورية”، أن الأشقر يدعو للتخلي عن المقاومة المسلحة، سيكون ناتجا عن سوء فهم، أو كتابة من الذاكرة، وهو ما اعتقد أن الرفيق حسن الصعيب قام به.

أما عن “النضال الجماهيري مع جماهير الكيان الصهيوني”، فلم أجد أي شيء له علاقة بهذا الأمر في كتابات الأشقر. ربما اطلع الرفيق حسن الصعيب على مقال الأشقر المعنون بـر”مصير فلسطين في ضوء العدوان على غزة”، كتب فيه الأشقر: “فلا بدّ للنضال الفلسطيني من أن يستهدف شقّ المجتمع الإسرائيلي سياسياً بدل توحيده من جرّاء أعمال عشوائية، وذلك من خلال إخضاع أنماط المقاومة المسلّحة الضرورية لمقتضيات العمل السياسي والجماهيري”. [6]

الفكرة الموجودة في الاقتباس من بديهيات الماركسية في الحرب، وهي مقتبَسة من الجنرال الألماني كلاوزفيتز، ومن يعارضها إنما يصدق عليه قول ماو تسي تونغ: “كل ميل لدى العسكريين الذين يخوضون حرب المقاومة، إلى استضغار السياسة، بفصل الحرب عن السياسة والنظر إلى الحرب في المطلق، ميل خاطئ ينبغي تصحيحه”. [7].

إن شق صفوف العدو وتفادي كل ما يمكن أن يجعل صفوفه متراصة هي من أولى قواعد الحرب التي لا تشكل إلا استمرارا للسياسة بوسائل أخرى، وكل من يتعامى عن ذلك إنما يدفع رأسه لتتهشم بقوة تحت نيران العدو. وليس هناك من شيء يمكن الاستنتاج منه أنه الأشقر يدعو إلى التخلي عن المقاومة المسلحة، حين يصرح بضرورة إخضاع هذه الأخيرة لـ “مقتضيات العمل السياسي والجماهيري”.

هذا الحرص على إخضاع المقاومة المسلحة لمقتضيات العمل السياسي الجماهيري، وتفادي توحيد المجتمع الإسرائيلي بدل شقِّه سياسيا، هو ما كان وراء تصريح حسن نصره الله، أثناء إطلاق عملية إسناد غزة: منذ البداية وضعنا ضوابط أو عناوين للرد … ألا يكون الهدف مدنياً، نُريد ضرب هدف إسرائيلي، ولكن لا نريد ضرب مدني، مع العلم أنه هناك شهداء مدنيّون في الضاحية الجنوبية ويحق لنا أن نستهدف المدنيين هناك، … لكن لأننا نعمل على معادلة [تتضمن] حماية المدنيين في لبنان، فمن أجل تأكيد حماية المدنيين في لبنان وتجنيبهم أي أذى قد يُلحقه العدو بهم فضّلنا أن نتجنّب المدني عند العدو…”.

وقد كان حسن نصر الله حريصا على شق صفوف العدو، إلى حد أن بحثا حول أداء الإعلام الإسرائيلي خلال حرب سنة 2006 على لبنان أظهر أن الدعاية والإعلام الإسرائيليين عانيا في ما يتعلق بالحرب من قصور شديد وعدم مصداقية، لدرجة أن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي كانت ميّالة للاعتماد على تقارير “حزب الله” والثقة بصدقية بيانات أمينه العام، وأشار مُنجِز البحث إلى أنه نشأ خلال الحرب وضع نفسي غير مفهوم “فبدلاً من أن ينتظر الجمهور متحدثنا القومي ليوضح له ما يحدث كل يوم، وأن يبدو كمتحدث موثوق، فقد حدث شيء غير مسبوق، إذ بات الجمهور يرى في زعيم العدو الذي نحاربه متحدثاً موثوقاً أخذ الجمهور الإسرائيلي ينتظر ويترقب خطبه وبياناته”. [8] وفي حوارات حسن نصر الله ما يشير إلى ضرورة الإلمام بوضع العدو الداخلي شرطا لتفكيك صفوفه: “نحن نعلم كيف يفكرون وماذا يحبون وماذا يكرهون وبماذا يتأثرون وما هي الانقسامات القائمة والخلافات السياسية والخلافات الحزبية والخلافات الدينية الموجودة عندهم، وتقييم القيادات السياسية والعسكرية”. [9]

هذا تماما ما قصده الأشقر بـ ” شقّ المجتمع الإسرائيلي سياسياً بدل توحيده من جرّاء أعمال عشوائية”، ولا أظن أن الرفيق حسن الصعيب سيفكر عكس ذلك، أو سيقبل بالأمر عند صدوره عن نصر الله، ويرفضه عند صدوره عن الأشقر.

طوفان الأقصى وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

انتقاد آخر جاء من الرفيق الحبيب التيتي، الذي كتب تدوينة مطوَّلة عنونها بـ ” أي نوع من الثوار يمكنه ان يكتب مثل هذا الكلام؟”. وجاء في التدوينة: “جلبير الاشقر يضع طوفان الاقصى في خانة اعتداءات 11 سبتمبر 2011 أي انه عمل ارهابي ولا علاقة له بحرب اكتوبر 1973 والمعروفة باقتحام جدار بارليف من طرف الجنود المصريين”. وهذا هو المقطع الوحيد من تدوينة الرفيق الحبيب التيتي التي لها علاقة بالموضوع… وكلمة “أي” هي جوهر الفقرة، إذ يستنتج الرفيق التيتي من مقارنة الأشقر لطوفان الأقصى مع أحداث 11 سبتمبر 2001، أن الأشقر يصف الأولى بـ “عمل إرهابي”.

ربما الرفيق التيتي قرأ عن هذا في الاقتباس الوارد في مقال علي أموزاي دون الرجوع إلى مقال الأشقر الأصلي. وإذا كان الأمر كذلك، فالرفيق التيتي معذور.

ورد الاقتباس في أول مقال للأشقر بعد ثلاثة أيام من طوفان الأقصى. عندما قارن الأشقر هذه العملية مع هجوم القوات المصرية والسورية على الكيان الصهيوني قبل نصف قرن (أكتوبر 1973)، مؤكدا أن وجه الشبه الوحيد بين العملتين هو تاريخ انطلاقهما. بينما أوجه الفرق جوهرية، وهي: أن الجيشين المصري والسوري خاضا حربا نظامية: “اصطدمت في عام 1973 الطائرات بالطائرات والمجنزرات بالمجنزرات والقذائف بالقذائف على أنواعها”، بينما كانت قوات حماس، بتعبير الأشقر، “أضعف من قوات الدولة الصهيونية بما لا يُقاس”: “الطائرات الشراعية التي استخدمها المقاتلون الفلسطينيون في العبور فوق السياج المحيط بالقطاع مقارنةً بالطائرات النفاثة والمروحيات الثقيلة التي يحوز عليها الإسرائيليون. وحتى الصواريخ التي تطلقها «حماس» بغزارة يبقى مفعولها محدوداً جداً مقارنة بالقصف الجوّي والصاروخي الإسرائيلي الفتّاك”.

هنا فقط يلجأ الأشقر إلى أوجه الشبه بين عملية طوفان الأقصى وأحداث 11 سبتمبر؛ أي تأثيرات وتداعيات ذينك العمليتين، وليس دوافعهما السياسية، أو بالأحرى الدوافع السياسية والعملية لحركة حماس ومقترفي أحداث 11 سبتمبر، حيث كتب الأشقر: “فإذا أخذنا التفاوت العظيم بين قوى الطرفين بالحسبان كما يجب، بدل أن ننساق وراء العواطف كما يحلو للضعفاء الذين يتوقون إلى أعمال تتوخّى روعة المشهد (روعة هنا بمعنى الفزعة) تعويضاً عن ضعف الإمكانيات وتنفيساً للاحتقان، لا بدّ لنا أن ندرك أن عملية «طوفان الأقصى» سوف يصنّفها التاريخ في خانة اعتداءات «الحادي عشر من سبتمبر» التي خضّت أمريكا والعالم في عام 2001 أكثر مما في خانة «حرب أكتوبر»”.

لذلك قارن الأشقر بين التداعيات السياسية والعسكرية لعمليات 11 سبتمبر 2011 التي استغلها جورج بوش “كي يشنّ، بدعم شعبي ما كان يستطيع أن يحلم به، حملات عسكرية ما كان قادراً على شنّها لولا الاعتداءات التي نفّذها تنظيم «القاعدة» على نيويورك وواشنطن”، وبين التداعيات السياسية والعسكرية لعملية طوفان الأقصى التي “أدّت إلى إعادة توحيد صفوف مجتمع إسرائيلي كان يعاني من انشقاق عميق وأزمة سياسية خطيرة، وخوّلت بنيامين نتانياهو وزملاءه في أقصى اليمين الصهيوني جرّ صهاينة الضفة السياسية الأخرى معهم في الاستعداد لحرب أخذت تبدو عليها بصورة متزايدة ومقلقة للغاية معالم حرب الإبادة”.

هذا كل ما قال الأشقر حول الشبه بين العملتين، وأن يفهم منها المرء عكس ذلك، ويقوِّل للأشقر ما لم يقل: “طوفان الأقصى عمل إرهابي”، كما قال الرفيق التيتي، فإنني أرجح أن ذلك ناتج فقط عن عدم الاطلاع على مصدر الاقتباس من طرف الرفيق التيتي.

عودة إلى أصل النقاش

المقال الأصلي الذي أثار كل هذا النقاش، كان مركِّزا على فكرة بعينها: “هل التأكيد على قوة العدو دعوة للخنوع والاستسلام”، كما كتب الصديق وائل نصيح في تدوينته؟ كل هذا تركه المساجلون أعلاه، وانبروا يناقشون ما ليس صحيحا في كتابات الأشقر، وهو ما تؤكده تصريحات حسن نصر الله، الذي قال بُعيد تفجيرات البيجر: “ونحن نعرف أن عدونا لديه تفوق ولم نقل غير ذلك في يوم من الأيام، تفوق على المستوى التكنولوجي لأنه هنا لا يوجد فقط الإسرائيلي، الأمريكي معه والغرب معه والنيتو معه وكل القوى التي تملك أحدث تكنولوجيا وأحدث القدرات التكنولوجية في العالم هي في الجبهة المقابلة” [10].

اعتمد المقال الأول على استشهادات من كتابات لينين حول ضرورة عقد صلح منفرد مع ألمانيا الإمبريالية، وقد يدفع ذلك المرءَ للاعتقاد أن جلبير الأشقر يدافع عن سلم منفصل مع الكيان الصهيوني، وهو ما ليس صحيحا. فدفاع الأشقر عن المقاومة بكل الأشكال الضررورية واضح في كل كتاباته. الاعتماد على كتابات لينين كان للتدليل على أن الأخير يتبنى نفس وجهة النظر حول عدم إغفال والاستهانة بقوة العدو والانخراط في مغامرة حربية ضده تكون عقابيلها كارثية.

هذه العقابيل الكارثية كانت كالتالي، في حالة روسيا سنة 1918، بعد التلكؤ على توقيع الصلح مع ألمانيا ومبادرة هذه الأخيرة بالهجوم: “إن الأسبوع الواقع بين الثامن عشر والرابع والعشرين من فبراير 1918، من يوم الاستيلاء على دفينسك حتى يوم الاستيلاء على بسكوف (التي استعيدت في ما بعد)، أسبوع الهجوم الحربي الذي شنته ألمانيا الإمبريالية على جمهورية السوفييت الاشتراكية، كان درسا مرا، قاسيا، مضنيا، ولكنه ضروري، ونافع ومفيد”، وكانت النتيجة حسب لينين: “الأنباء المخزية المؤلمة عن رفض الأفواج التمسك بمراكزها، عن رفضها الدفاع حتى عن خط نارفا، عن عدم تنفيذ الأمر القائل بتدمير كل شيء أثناء التراجع، ناهيك عن الفرار والفوضى والخراقة والعجز واللامبالاة” [11]. إن مجرد المقارنة بين حصيلة هجوم الإمبريالية الألمانية على روسيا السوفييتية، مع الحصيلة الكارثية للإبادة الصهيونية في غزة، ستكون مقارنة بائسة ومخزية، رغم أن حماس لم تكن في وضع الجمهورية السوفييتية اليائس آنذاك، كما عبر عنه لينين، الذي كتب بعد ذلك الهجوم: “وإنه لمن الإجرام، من حيث الدفاع عن الوطن القبول بخوض المعركة الحربية مع عدو أقوى بما لا حد له وأحسن استعدادا بينما من الجلي أننا لا نملك أي جيش، فمن واجبنا من حيث الدفاع عن الوطن، أن نوقع على صلح قاس، جائر، وحشي، مخزٍ، ولا أكثر، لا من أجل “الاستسلام” أمام الإمبريالية، بل لكي نتعلم ونستعد بصورة جدية وفعالة لمحاربتها” [12].

لكن الأقرب إلى حالة فلسطين وكتابات الأشقر، هي الكتابات العسكرية لماو تسي تونغ، الذي أكد بدوره على نفس الدروس السياسية للينينية، وهي نفس الدروس التي دافع ويدافع عنها الأشقر. كتب ماو: “التراجع الاستراتيجي تدبير استراتيجي يجري حسب خطة ويتخذه جيش عليه أن يجابه عدوا يفوقه قوة ويرى أنه لا يستطيع قهر هجومه على الفور، بغية صيانة قواته وانتظار الفرصة السانحة لهزمه” [13]، وسطروا جيدا على عبارة “عدوا يفوقه قوة”. ليؤكد ماو على تلك الدروس في صفحة أخرى: “وجميع نظريي وممارسي الماضي العسكريين أقروا أيضا بأن ذلك مبدأ ينبغي أن يطبقه في المرحلة الأولية من العمليات العسكرية، جيش ضعيف ضد عدو قوي”.

“التراجع الاستراتيجي” كما هو عند ماو تسي تونغ، هو ما دافع عنه الأشقر في مقاله الأخيرة: “إن درساً أساسياً من عقودٍ من تجربة حروب التحرير يقوم على تفادي مواجهة أمامية مع جيش محتلّ يملك من القوة ما يزيد كثيراً عمّا لدى قوات التحرير، والاستعاضة عن ذلك بما يسمّى «حرب عصابات» تضرب المحتلّ في نقاط ضعفه بلا هوادة بغية إنهاكه”.

هذا هو جوهر النقاش، وما دون ذلك مجرد إغفال لهذا الجوهر.

==============

إحالات

[1]- علي أموزاي (16-05-2026)، “جلبير الأشقر متحايلا؟”، https://www.almounadila.info/archives/27901.

[2]- جلبير الأشقر (06-05-2026)، “لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحكم”، https://www.alquds.co.uk/لبنان-بين-طريقين-مسدودين-طريق-الحكم/.

[3]- جلبير الأشقر (25-02-2025)، “«لو كنتُ أعلم» موسى أبو مرزوق”، https://www.alquds.co.uk/لو-كنتُ-أعلم-موسى-أبو-مرزوق/.

[4]- جلبير الأشقر (20-05-2025)، “عن منطق الجناح القصوي في «حماس»”، https://www.alquds.co.uk/عن-منطق-الجناح-القصوي-في-حماس/.

[5]- جلبير الأشقر (10-10-2023)، ” «طوفان الأقصى» ينذر بأن يجرف غزة”، https://www.alquds.co.uk/طوفان-الأقصى-ينذر-بأن-يجرف-غزة/.

[6]- جلبير الأشقر (30-04-2024)،”مصير فلسطين في ضوء العدوان على غزة”، https://www.alquds.co.uk/مصير-فلسطين-في-ضوء-العدوان-على-غزة/.

[7]- ماو تسي تونغ، “كتابات عسكرية”، دار ابن سينا، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1967، ص 296.

[8]- “نصر الله أكثر مصداقية من الزعماء والمتحدثين الإسرائيليين”، 24- 10-2006، https://www.madarcenter.org/المشهد-الإسرائيلي/465-من-الارشيف/34-ارشيف-الاخبار/3984-نصر-الله-أكثر-مصداقية-من-الزعماء-والمتحدثين-الإسرائيليين.

[9]- 28 سبتمبر 2019، https://www.i24news.tv/ar/أخبار/middle-east/1569694222-حسن-نصر-الله-يتباهى-بإحاطته-بـ-خبايا-المجتمع-الإسرائيلي.

[10] كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله حول آخر التطورات )19-9-2024)، https://mediarelations-lb.org/post.php?id=19056.

[11] لينين، “المختارات، المجلد- 7، ص 188- 189.

[12]- لينين، “المختارات، المجلد- 7، ص 490.

[13]- ماو تسي تونغ، “كتابات عسكرية”، دار ابن سينا، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1967، ص 136- 137.

شارك المقالة

اقرأ أيضا