ما جدوى الانتخابات؟

سياسة, مقالات28 مايو، 2026

سعيد الريشة

هذا سؤال يُطرح بشكل دوري عشية كل “موسم انتخابي”. يُطرح عادة من طرف الكتلة الكبيرة من الشعب الذي لا يلمس أي تغيير في وضعه الاقتصادي والاجتماعي مع كل تغير في واجهة المؤسسات، أي تلك المنتخَية بالضبط (جماعات ترابية وبرلمان بغرفتيه). ولكن يُطرَح أيضا من طرف قادة أحزاب سياسية، منها المشاركة في هذه الانتخابات ومنها المستنكفة عنها.

صرَّحت نبيلة منيب (النائبة عن الحزب الاشتراكي الموحَّد في مجلس النواب) متحسرة: “لماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن؟”. [1]. أما عن المستنكِفين فقد كتب حسن بناجح (عضو جماعة العدل والإحسان) تدوينة تحت عنوان: “حين تُصاغ السياسات من فوق.. فما دور الانتخابات؟” [2]. وهذا الاستنكاف، أو الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، تخترق أيضا أقساما من اليسار الجذري، بدعوى أن المؤسسات المنتخَبة لا سلطة فعلية لها، وكل مشاركة فيها إنما تعني إضفاء المصداقية عليها، وبالتالي على النظام ذاته.

إذا كانت النائبة عن الحزب الاشتراكي أعلنت “لماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن؟”، فإن هذه الشكوى إنما هي صادرة عن يأسها وقنوطها من تطبيق خط الحزب السياسي، الخط القائم على استعمال المؤسسات من أجل الإصلاح، أي الانتقال إلى الديمقراطية جرعة جرعة بلغة عبد الرحيم بوعبيد، فإن الدعوة إلى الاستنكاف عن المشاركة في الانتخابات (المقاطعة)، إنما هي صادرة عن عدم فهمٍ لما توفره اللحظة الانتخابية من فرصة لمخاطبة الشعب، كما هو أيضا عدم فهم لما تمثله المؤسسات المنتخَبة من ميدان للصراع ضد الحكم المُطلق.

سبق لمُنتخبي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في سيتينات القرن العشرين، أن استعمل تلك “المجالس باعتبارها منابرا سياسية، بحيث إنهم قد رفضوا، والحالة هذه، التعاون مع الإدارة، وذلك من أجل ضمان الحد الأدنى في السير العملي التقليدي عبر المصالح الإدارية. ويعتبر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الوحيد الذي ربط بين المشاكل الجماعية وبين المشاكل الوطنية” [3]، رغم أن هذا الحزب لم يطالب “قط بتغيير النظام، بل بإعادة توزيع السلطات” [4]. فإذا كان حزب، كان يطالب فقط بنصيبه من السلطة وليس إسقاط النظام، قد استطاع استعمال الانتخابات والمجالس المنتخَبة لمقارعة الاستبداد وضمن بذلك لنفسه إشعاعا سياسيا كبيرا في صفوف الجماهير، فماذا سيكون عليه الوضع إن كان هذا الاستعمال من طرف حزب ديمقراطي حقيقةً وحتى النهاية.

هذا الاستعمال للمجالس المنتخَبة من أجل خلق هيمنة أيديولوجية (بلغة غرامشي) في صفوف الشعب، قد أتقنته دوما قوى سياسية غير عمالية، أي برجوازية (ليبرالية كانت أو رجعية): الاتحاد الاشتراكي طيلة عقدين (من منتصف السبعينيات إلى حدود منتصف التسعينيات)، والعدالة والتنمية منذ بداية سنوات الألفين. رغم إدراك هذين الحزبين أن المؤسسات المنتخَبة لا دور فعلي لها أمام السلطة الفعلية للمَلكية، واتفاقهما مع هذه السلطة ورضاهما بلعب دور الواجهة المؤسساتية لهذه السلطة، إلا أنهما يُدركان فعلا أهمية استعمال تلك المؤسسات المنتخَبة. وهذا ليس جديدا، فالساسة البرجوازيون يتفوقون دوما في ميدان الغريزة السياسة الحادة على ما دونهم من ساسة شعبيين.

نبيلة منيب قانطة من الانتخابات والمؤسسات المنتخَبة لأنها تُحس بأن السلطة الفعلية منفلتة من هذه المؤسسات المنتخَبة، ولديها أمل في إصلاح سياسي، قد يأتي يوما، يعطي قدرا معينا من هذه السلطة لتك المؤسسات، قدرٌ معيَّن من السلطة تتنازل عنه الملكية، طوعا وليس كرها، وهذا ما يسمى في أدبيات الحزب الاشتراكي الموحد: التوافق من أجل الوصول إلى مَلكية برلمانية. يتناسى هذا الطيف السياسي من المعارضة الليبرالية/ الإصلاحية أن السلطة الفعلية لن تتنازل عن صلاحيتها إلا مجبَرة تحت وقع النضال الشعبي والعمالي، والواجب إذن استعمال تلك المؤسسات المنتخَبة من أجل حفز ذاك النضال وتنظيمه، بدل التعويل على تنازل سياسي من أعلى.

المستنكفون والداعون إلى مقاطعة الانتخابات (اليسار منهم حصرا) يتمنون يوما أن يكون في المجتمع الحالي (أي مجتمع الرأسمالية) مؤسسات تتمتع بسلطة فعلية، غير مُدركِين أن السلطة الفعلية ما دامت في يد الملوك الاجتماعيين (أي الرأسماليين، الذين يشكِّل الملك السياسي قمتهم المتوَّجة)، وأن بمقدور الرأسماليين دوما التحكم في أكثر المؤسسات ديمقراطية في المجتمع الرأسمالي، عبر شتى القيود: الرشوة وتمويل الحملات الانتخابية، التخريب الاقتصادي… إلخ. وكما قال إنجلس، ففي ظل أكثر الجمهوريات ديمقراطية لا تزال الثروة تمارس سلطتها بصورة غير مباشرة، ولكن بضمان أكبر. [5]

يتشارك الداعون إلى المشاركة في الانتخابات من أجل استعمال المؤسسات للتغيير من الداخل (المعارضة الليبرالية، أي الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار) من جهة، والمستنكفون والداعون إلى المقاطعة، يتشارك كل هؤلاء نفس الأمل في إمكانية مؤسسات منتخَبة ديمقراطية فعلا، مالكة لسلطة فعلية، في ظل المجتمع الرأسمالي… لذلك فإن هذين الخطين السياسيين (المشاركون والمستنكِفون) يشكلان وجهين لعملة واحدة.

لكن هناك خط ثالث يغفل عنه أصحاب الخطين أعلاه، وإن كان الساسة البرجوازيون (أمثال الاتحاديين سابقا، والعدالة والتنمية حاليا) أكثر إدراكا لجدواه. إنه استعمال الانتخابات والمؤسسات المنتخَبة، ليس بأمل أن يأتي تغيير من داخلها وعبرها، وإنما كأدوات لشحذ الوعي العمالي والشعبي. استعمال تلك المؤسسات كنمبر لمخاطبة جماهير الشعب العامل وحفزه على النضال، واستعمال كل حادثة سياسية وكل خطاب من أجل التبيان للشعب أن الديمقراطية الحقيقية والفعلية والناجزة، إنما ستكون ناتجة لتنظيمه ونضاله، وأن هذه الديمقراطية لن تكون ثمرة توافق مع الحكم المطلق، إنما ثمرة نضال شرس ضده إلى نهايته.

لقد تركت لنا الحركة العمالية دروسا لا غنى عنها، وتجاهُلها هو تجاهل للإمكانات العظيمة التي تتيحها اللحظات التي يفتح فيه الشعب عينيه على السياسة، وضمنها لحظة الانتخابات. ودور ساسة الطبقة العاملة، ليس إدارة الظهر لتلك اللحظة السياسية، بمبرر أن القوانين غير ديمقراطية أو أن المؤسسات المنتخَبة لا سلطة فعليه لديها، فما دام المجتمع الرأسمالي قائما، سيظل القرار السياسي الفعلي خارج المؤسسات المنتخَبة، وبالتالي سيكون قرار المقاطعة/ الاستنكاف ليس تكتيكا خاصا بلحظة سياسية بعينها، بل شعارا صالحا لعصر بأكلمه.

على ساسة الطبقة العاملة أن يتميزوا عن ساسة البرجوازية، ليس بالاستنكاف عن المشاركة في الحملات الانتخابية، وإنما بطبيعة تلك المشاركة، وهو ما عبَّر عنه لينين أفضل تعبير: “… إن المهمة الرئيسية في الحملة الانتخابية تقوم، بالنسبة للديمقراطية العمالية، بالنسبة للماركسيين، في تبيان كنه مختلف الأحزاب السياسية للشعب، في تبيان من وما يؤيد وأي مصالح فعلية، حياتية توجه هذا الحزب أو ذاك، وأي من طبقات المجتمع تتستر وراء هذه اللافتة أو تلك”. [68]

علينا الدفاع على شعار “كل السلطة للمنتخَبين”، حتى وإن كان هذا الشعار صعبَ التحقيق أو مستحيله في ظل المجتمع الرأسمالي. ففقط حينما يتأكد الشعب أن سلطته، أي الديمقراطية الفعلية، مستحيلة في ظل الاستبداد وفي ظل الرأسمالية، سيجمع قواه من أجل إسقاط هاتين القوتين اللتين تحكمان عليه بالبؤس والشقاء والطاعة.

الدفاع عن “كل السلطة للمنتَخبين” يعني الدفاع عن مؤسسات تملك سلطة فعلية، كاملة، الدفاع عن ديمقراطية لا تمنح الشعب العامل حق انتخاب من يمثله في تلك المؤسسات وحسب، بل أيضا حقه في مراقبة ممثليه ومحاسبتهم وعزلهم. هذا ما سيضمن مؤسسات منتخَبة عاملة ومنفِّذة لما تقرره. أما الحصول على برلمان يملك فقط صلاحية “طرح الأسئلة على الحكومة وانتظار تلقي الأجوبة… فإنه يساوي لا شيء، يساوي إطلاق صرخات الأسى مثل صرخى منيب في مجلس النواب: “لماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن؟”.

بالإمكان فعل يساري موحَّد للدفاع عن هذا الشعار (أي شعار “كل السلطة للمنتخَبين). فعل يساري موحَّد يجتمع فيه اليسار الإصلاحي الذي يعوِّل على تغيير من الداخل، إذ لا تغيير بمؤسسات لا يمتلك في المنتخَب أي سلطة بينما يحتكِر المعيَّن كل السلط، وأيضا اليسار المقاطع، إذ لا ضمانة لما يريده شرطا لمشاركته في الانتخابات إلا بالدفاع عن نزع السلطات الفعلية من يد المعيَّن ومن يد غير المنتخَب ووضعها فعلا وحقيقة في يد من ينتخبه الشعب العامل، ويراقبه ويحاسبه ويعزله.

==============

إحالات

[1]- نبيلة منيب (20-01-2026)، https://www.facebook.com/watch/?ref=saved&v=1375179304354372؟.

[2]- حسن بناجح (11-04-2026)، “حين تُصاغ السياسات من فوق.. فما دور الانتخابات؟”، https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0m8LmMvns8C6gdZ9GR3KvR99MZotEhDFUQ6f15fjfZs73QS6MVD2RtPWo1umUPjNml&id=61577551723198.

[3]- ريمي لوفو (2011)، “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، ترجمة محمد بن الشيخ، منشورات وجهة نظر (2)، الطبعة الأولى، ص 62- 63.

[4]- نفسه.

[5]- فلاديمير لينين، المختارات، المجلد 7،  ترجمة إلياس شاهي، دار التقدم، موسكو- الاتحاد السوفييتي، ص 179.

[6]- فلاديمير لينين، المختارات، المجلد 3،  ترجمة إلياس شاهي، دار التقدم، موسكو- الاتحاد السوفييتي، ص 54.

شارك المقالة

اقرأ أيضا