عن شرط إطلاق سراح المعتقلين والمشاركة في الانتخابات

مقالات24 يونيو، 2026

بقلم؛ أكوليز

ربط عمر بلا فريج المشاركة في الانتخابات بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين واحترام الحريات العامة، معتبراً أن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع وحدها.
إذا وُجد معتقلون سياسيون أو قيود على الحريات العامة، فإن المطالبة بالإفراج عنهم وتوسيع الحقوق الديمقراطية تظل مطالب مشروعة ينبغي الدفاع عنها دون تحفظ. لهذا يجب عدم تأجيل الدفاع عن حرية التعبير. غير أن المنظور الصحيح يرفض التعامل مع هذه المطالب بوصفها حلاً كافياً للأزمة السياسية أو الاجتماعية، لأن تحقيقها، رغم أهميتها، لا يغير بالضرورة طبيعة السلطة القائمة ولا ينقل القرار الفعلي إلى الجماهير. لذلك تشكل هذه المكاسب خطوات ديمقراطية ضرورية تتيح مجالاً أوسع للتنظيم والنضال الشعبي، لا باعتبارها نهاية المطاف .لأنها ببساطة لا تجيب عن السؤال المتعلق بمن يملك السلطة الفعلية ومن يحدد التوجهات الكبرى للسياسات العامة.
القضايا الديمقراطية لا تتعلق فقط بحرية التعبير أو الانتخابات، بل تتعلق أيضاً بمن يملك الثروة والسلطة داخل المجتمع. فقد تُمنح الجماهير بعض الحقوق، لكن إذا بقيت الثروة والقرار السياسي في يد البورجوازية، فإن جوهر السلطة الطبقية يظل قائماً. لذلك لا ينفصل النضال من أجل الديمقراطية عن النضال ضد هيمنة الطبقات المالكة على الدولة والاقتصاد.
فالإفراج عن المعتقلين السياسيين، أو توسيع هامش الحريات، أو الحد من القيود المفروضة على العمل السياسي والمدني، كلها خطوات إيجابية تفتح إمكانات أوسع للنقاش والتنظيم والمبادرة. لكنها لا تؤدي تلقائياً إلى انتقال مراكز القرار إلى أيدي الجماهير، ولا تضمن أن تصبح الإرادة الشعبية العامل الحاسم في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية. لذلك تُفهم هذه المكاسب باعتبارها شروطاً تساعد على تطوير الفعل الجماعي وتوسيع قدرته، لا باعتبارها نهاية الصراع أو حله النهائي.
وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من كون الوعي السياسي لا يتشكل غالباً من خلال الشروحات النظرية المجردة، بل عبر التجربة العملية. فالجماهير لا تكتشف حدود المؤسسات أو طبيعة موازين القوى لمجرد الاستماع إلى التحليلات السياسية، وإنما من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع. عندما يُطرح مطلب واضح يحظى بتأييد اجتماعي واسع في الشارع العام، ثم يواجه رفضاً، يبدأ التساؤل حول أسباب ذلك. وهنا ينتقل النقاش والوعي من مستوى المطالب الجزئية إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة السلطة نفسها، وبالجهات التي تملك القدرة على اتخاذ القرار.
من هذا المنظور، تكتسب النضالات الديمقراطية وظيفة مزدوجة. فهي، من جهة، تدافع عن حقوق ومطالب ملموسة تمس حياة الناس بشكل مباشر، ومن جهة أخرى تتيح لهم مراكمة التجارب والخبرة في طريق الإسقاط النهائي لنظام الاستغلال والاستبداد.
إذا كانت الديمقراطية تُقاس فقط بوجود انتخابات وأحزاب وبرلمانات، فإنها تبقى ديمقراطية شكلية. أما إذا كانت الإرادة الشعبية قادرة فعلاً على التأثير في القرارات الكبرى وتوجيه السياسات العامة، فإننا نكون أمام تطور النضال من أجل الديمقراطية الفعلية. ولهذا يصبح التمييز ضرورياً بين وجود آليات التمثيل السياسي من ناحية، وبين امتلاك الشعب سلطة حقيقية على القرارات التي تؤثر في حياته من ناحية أخرى.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى المؤسسات التمثيلية باعتبارها عديمة الفائدة، كما لا يُنظر إليها باعتبارها الأداة الحاسمة للتغيير. فالبرلمان، على سبيل المثال، يمكن أن يشكل فضاءً مهماً لطرح القضايا العامة وإثارة النقاش حولها وإجبار الفاعلين السياسيين على إعلان مواقفهم بصورة واضحة. كما يمكن أن يساهم في نقل بعض الملفات من نطاق محدود إلى مستوى النقاش الواسع (تحريضا ودعاية). غير أن أهميته لا تنبع من كونه قادراً على حل المشكلات أو فرض التحولات الكبرى، بل من كونه إحدى ساحات الصراع السياسي والاجتماعي.
ولهذا السبب لا يقوم الموقف النقدي من المؤسسات على المقاطعة المبدئية لها ولا المشاركة الدائمة فيها. فالانسحاب الكامل من الفضاءات التي ما تزال قطاعات واسعة من المجتمع تنظر إليها باعتبارها مشروعة ومؤثرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. إذ يترك المجال مفتوحاً أمام القوى المهيمنة لاحتكار الخطاب السياسي وتقديم نفسها بوصفها الممثل الوحيد لمصلحة الشعب. كما أنه قد يعزل القوى المعارضة عن الجمهور الذي يتابع هذه المؤسسات ويمنحها قدراً من الاهتمام والثقة. لذلك يصبح الحضور داخلها مفيداً عندما يُستخدم للدفاع عن المطالب الشعبية وكشف التناقضات القائمة، لا عندما يتحول إلى اندماج كامل في منطقها أو إلى رهان على قدرتها على التغيير.
ويستند هذا الموقف أيضاً إلى فهم أوسع للأدوار المتناقضة المؤسسات «الديمقراطية» في المجتمعات الحديثة. فهي لا تقتصر على تنظيم المنافسة السياسية، بل تساهم كذلك في منح الشرعية للنظام القائم واحتواء التوترات الاجتماعية داخل قنوات قانونية ومؤسساتية. ومن خلال الانتخابات والأحزاب والهيئات التمثيلية، يُمنح أفراد الشعب فرصاً للمشاركة والتعبير والتأثير بدرجات متفاوتة. غير أن هذه المساواة القانونية لا تعني بالضرورة وجود مساواة فعلية في القدرة على التأثير. فالفوارق الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى نفوذ البورجوازيون المالي أو الإداري أو الإعلامي، تجعل توزيع السلطة داخل المجتمع أكثر تعقيداً من مجرد توزيع الأصوات الانتخابية. ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذه الحدود لا يقود إلى استنتاج أن المؤسسات بلا قيمة أو أن المواطنين يعيشون في حالة خداع دائم. فالواقع أن في مؤسسات مثل البرلمان، يستطيع اليساريون تحقيق بعض الإصلاحات وانتزاع بعض المكاسب وفتح مجالات للنقاش والاحتجاج والعمل السياسي، من خلالها. غير أن المشكلة تظهر عندما يُختزل التغيير السياسي في حدود ما تسمح به هذه المؤسسات وحدها، أو عندما يُنظر إلى الإصلاحات الجزئية باعتبارها معالجة نهائية للتناقضات القائمة.
من هنا تأتي أهمية الربط بين العمل داخل المؤسسات والعمل خارجها. فالمشاركة البرلمانية، وفق هذا التصور، لا تُقاس بعدد المقاعد أو بحجم النفوذ داخل الأجهزة الرسمية، بل بقدرتها على خدمة نضال الشعب الاجتماعي الأوسع. وعندما تُطرح قضايا مثل الحريات العامة أو العدالة الاجتماعية أو الدفاع عن الخدمات العمومية داخل البرلمان، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في تحويلها إلى موضوع للنقاش وربطها بمبادرات وضغط نضالي ميداني في الشارع. فالمؤسسات تستطيع أن توفر منبراً، لكنها لا تستطيع أن تعوض التنظيم الجماهيري أو أن تحل محل القوة الاجتماعية القادرة على فرض المطالب.
ولهذا لا يكون الهدف من المشاركة البرلمانية إقناع الناس بأن المؤسسة قادرة على حل كل المشكلات، بل العكس تماماً: تمكينهم من اختبار حدودها بصورة عملية. فعندما تُطرح مطالب تحظى بتأييد واسع (إطلاق سراح معتقلي الريف وجيل زيد مثلا)، ثم تواجه أشكال الرفض والقمع نفسه التي تتكرر في ملفات مختلفة، تبدأ الجماهير في استخلاص استنتاجاتها من تجربتها الخاصة. وبهذه الطريقة يصبح الوعي السياسي نتيجة للممارسة والصراع، لا مجرد نتيجة الخطابات.
كما أن العلاقة مع القوى الإصلاحية داخل المؤسسات لا تُبنى على الثقة المطلقة ولا على القطيعة الكاملة. فهذه القوى يمكن أن تلعب أحياناً دوراً في تبني مطالب اجتماعية أو حقوقية محددة، خصوصاً عندما تتعرض لضغط منظم من الرأي العام والحركات الاجتماعية. والمهم هنا ليس تحويل الإصلاحيين إلى ثوريين، بل دفعهم إلى اتخاذ مواقف واضحة حول قضايا ملموسة، بما يسمح بكشف حدود برامجهم واختبار قدرتهم على ترجمة شعاراتهم إلى مواقف عملية.
وفي جميع الأحوال، لا تُقاس النتائج فقط بما إذا كانت المطالب قد تحققت أم لا. فإذا جرى انتزاع مكاسب فعلية، يكون ذلك نتيجة إيجابية تعود بالنفع المباشر على الفئات المعنية. وإذا تعثرت هذه المطالب أو تم الالتفاف عليها، فإن ذلك يكشف طبيعة العقبات القائمة ويمنح فهماً أوضح لموازين القوى الحقيقية (الدولة ملك للبورجوازيين ودولتهم). وفي الحالتين، يتحول الصراع نفسه إلى مصدر للتعلم السياسي وتطوير الوعي الجماعي.
إن الرهان الأساسي في هذا التصور لا يتعلق بالمؤسسات في حد ذاتها، بل بقدرة الطبقة العاملة والفئات الشعبية الكادحة على التنظيم المستقل وتطوير أدواتها الخاصة في الدفاع عن مصالحها. فالمشاركة في الانتخابات يمكن أن تكون مفيدة حين تُستخدم لخدمة هذا الهدف، لكنها تصبح محدودة عندما تُفصل عنه. ولذلك لا تُطرح المطالب الديمقراطية باعتبارها بديلاً عن التغيير الأعمق، بل باعتبارها جزءاً من مسار يربط بين الحقوق اليومية وبين السؤال الأوسع المتعلق بالسلطة والتمثيل والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار.
وبهذا المعنى، فإن النضال من أجل الحريات والإفراج عن المعتقلين السياسيين لا ينفصل عن نقاش أوسع حول طبيعة الديمقراطية نفسها. فالقضية لا تتعلق فقط بضمان الحق في التعبير (الحقوق الديمقراطية)، بل أيضاً بتمكين طبقات الشعب المسحوقة من التأثير الحقيقي في الخيارات التي تحدد مستقبلها. ومن هنا تتحول المعارك الديمقراطية من مطالب إصلاحية إلى لحظات تكشف حدود النظام القائم وتفتح المجال أمام التفكير في أشكال أعمق من المشاركة والرقابة الشعبية على السلطة.
القضية الأساسية تتمثل في مساعدة انتقال الجماهير من موقع المتفرج الذي يُستدعى دورياً إلى صناديق الانتخاب، إلى موقع القوة الاجتماعية المنظمة القادرة على التأثير السياسي وفرض مطالبها من خلال النضال والتنظيم الجماعي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا