النهج والـ PSU والفيدرالية: اتفاقات مُفعِمة بالأمل

سعيد الريشة

ينجح الاستبداد دوما بقدر تشتتِ صفوف معارضيه، ويعمل على تعزيز ما يديم ذلك التشتت. إن كل التقاء “يساري” واتفاق من أجل وحدة الفعل، إنما تُثلج أنصار- ات النضال من أجل الديمقراطية في البلد، وتضع على كاهلهم- هن تعزيز ذاك الالتقاء وهذا الاتفاق.

في هذا الإطار يأتي “التحالف الانتخابي/ السياسي” بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي من جهة، والاتفاق بين الحزبين المذكورين وحزب النهج الديمقراطي العمالي من أجل “تعزيز العمل الوحدوي”، كما جاء في بلاغ الاجتماع (22 ماي 2026) الذي وُصف بـ”التاريخي”.

أرضية التقاء نضالي

يتفق جميع “اليساريين” أن الاستبداد السياسي هو عقبة في وجه النضال من أجل الديمقراطية بالبلد: “الأوضاع السياسية والاجتماعية والحقوقية الراهنة ببلادنا، وما تعرفه من هجوم متواصل ومقلق على مستوى الحقوق والحريات، وقمع مستمر و حصار وتضييق ممنهج على الأصوات المعارضة. ومن محاكمات ومتابعات تطال عددا من الفاعلين السياسيين والنشطاء الحقوقيين والاجتماعيين ومن بينهم مناضلي تنظيمات اليسار المناضل، الأمر الذي يؤكد استمرار مظاهر الاعتقال السياسي واستهداف الحق في التنظيم والتعبير والاحتجاج” [بلاغ اجتماع الأحزاب الثلاثة].

وفي نفس الوقت تشكل القضايا الاجتماعية أرضية توحيد فعلية لعمل أحزاب “اليسار”: “تنامى الهجوم على الحقوق ومكتسبات الجماهير الشعبية وعلى طاقتها الشرائية وانعكاساتها الخطيرة على الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من الشعب المغربي، في ظل تبني الحاكمين لسياسات طبقية رأسمالية تعمق مظاهر الفقر و الإقصاء والتهميش. الإجتماعي والمجالي” [بلاغ اجتماع الأحزاب الثلاثة].

ضعف “اليسار” في تشتته

لا يمكن لـ”اليسار” أن يكون جهة تحظى بثقة الشعب، جهة جديرة بأن يتوجه إليها الشعب بمظالمه، إذا كان ضعيفا. فقط التحول إلى قوة وازنة ستجعل الشعب يلتف حول هذا “اليسار”، وفي نفس الوقت تتيح له إمكان تحقيق اختراقات سياسية (نضالية وانتخابية). ولن يتحقق هذا ما دام هذا “اليسار” مشتتا تفصل بينه أسوار صين غير مبرَّرة بتطورات الحياة السياسية والنضالية بالبلد.

العدو الطبقي (الرأسمالية) وخادمه السياسي (الاستبداد) مستقوٍ يوحدته ومركزته الشديدة، بينما الصف الطبقي العمالي (والشعبي) مشتت وممزَّق الأوصال. وكل مبادرة لتوحيد الفعل النضالي (والسياسي) لمعسكر الكادحين- ات، وضمنه أحزاب “اليسار”، تشكل خطوة في اتجاه تجاوز العيب التاريخي لهذا “اليسار”، أي تشتته وعصبويته.

ليس هناك، حاليا، ما يبرر عدم وحدة فعل “اليسار”، سياسيا ونضاليا. فالخلافات التاريخية الموروثة عن قرن مضى، فضلا عن الاختلافات حول المرجعيات الفكرية، وحتى الاختلافات حول تدبير اللحظة السياسية (المشاركة في الانتخابات، الموقف من الصحراء)، كلها أمور يمكن تدبيرها بنقاش ديمقراطي داخل إطار أوسع يجمع هذا “اليسار”؛ وقد يكون هذا الإطار تحالفا أو جبهة، أو حتى التجمع في حزب يساري كبير يضمن حربة تشكيل التيارات والاتجاهات السياسية، وسيكون هذا خطوة تاريخية جبارة.

التطور السياسي بالبلد؛ أي إسقاط الاستبداد السياسي وتحقيق الحرية السياسية وإرساء حكم الشعب، هو ما سيفتح الباب أمام الخلافات الفعلية المستندة إلى وقائع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبلد. وهذه الأخيرة ستظهر مستقبلا في البرنامج العملي، عندما يجري تحقيق المهمتين أعلاه، وإن كان هذا لا ينفي وجودها على مستوى البرنامج الدعوي. وقبل ذلك، كل إعلاء لشأن خلافات مذهبية وأيديولوجية، وأيضا خلافات حول أمور لحظية سياسية (مثل المشاركة أو مقاطعة الانتخابات)، من أجل تبرير الشقاق السياسي المزمن في صفوف “اليسار”، ومحاربة أي وحدة لفعله، إنما يعبِّر عن عصبوية مقيتة، وتقديس للحلقية وللمصالح الحزبية الضيقة، وتفضيل كل ذلك على وحدة فعل ما يمكن أن يشكِّل راية “يسارية” تستقطب الاستياء الشعبي والغضب الجماهيري، وتوجيهه لما فيه مصلحة الشعب: إسقاط الاستبداد السياسي وتحقيق الحرية السياسية وإرساء حكم الشعب.

لكن هذا التثمين للاتفاقات السياسية بين أطراف “اليسار” الرئيسية بالبلد، لا تغني عن تقديم ملاحظات حول هذه الاتفاقات. ملاحظات غايتها، ليس تسفيه هذه الاتفاقات، كما تلك الصادرة عن جماعات عصبوية، ترى في طهارتها السياسية أولوية مقارنة بالتقاء ميداني “يساري”، بل غاية هذه الملاحظات دعمُ هذه الاتفاقات وتعزيزها لما فيه مصلحة الشعب.

الغائب في تحالف الاشتراكي الموحد والفيدرالية

رغم إصرار بلاغ الحزبين على أن التحالف ليس انتخابيا محضا، وأن “صناديق الاقتراع بالنسبة لنا ليست غاية في حد ذاتها فقط، بل منبر لإيصال صوت الكادحين والجماهير داخل المؤسسات، وانتزاع المبادرة السياسية”، إلا أن المطلب السياسي لهذا التحالف يشير إلى حدوده السياسية: “التأسيس لتعاقد جديد”، من بين مرتكزاته: “مدخل سياسي ودستوري: عبر إقرار إصلاحات عميقة كفيلة بتأمين الانتقال الديمقراطي الحقيقي وإرساء أسس الملكية البرلمانية”.

الغائب في هذا التحالف هو المطلب الوارد في وثائق الحزب الاشتراكي الموحد: “إن جميع سلطات التقرير والتشريع والتنفيذ يجب أن تُوضع بين أيدي المنتخَبين”. فالحديث عن “إرساء تعاقد جديد” و”المَلكية البرلمانية”، إنما تعني توافقا بين “ممثل صوت الكادحين والجماهير داخل المؤسسات”، أي المنتخَبين- ات من جهة، والسلطة غير المنتخَبة، أي “المَلكية البرلمانية”. والجميع، بما فيه الاشتراكي الموحد والفيدرالية، مدركٌ لمآلات محاولات التوفيق بين مبدأ الانتخاب ومبدأ التعيين طيلة التاريخ السياسي للبلد. وحتى دروس التاريخ تؤكد أن السلطة غير المنتخَبة لا تتنازل طواعية (أي بالتوافق) عن سلطاتها، لصالح “تعاقد جديد”.

إن “انتزاع المبادرة السياسية”، كما ورد في بلاغ الحزبين، يعني أن تكون السلطة في يد ممثلي- ات الشعب، وليس في يد سلطة غير منتخَبة. و”المبادرة السياسية” تعني في السياق المغربي “سلطة التأسيسي”، أي سلطة إقرار دستور، وهذا يعني جمعية منتخَبة ديمقراطيا من طرف الشعب تؤول لها سلطة إقرار الدستور.

إن القول بتحقيق شعار “جميع سلطات التقرير والتشريع والتنفيذ يجب أن تُوضع بين أيدي المنتخبين”، يتصادم ويتناقض واقعيا مع وجود سلطة غير منتخَبة، تمثلها المَلكية. هذا التناقض والتصادم، والإصرار على التوافق مع المَلكية من أجل “إرساء تعاقد جديد” تشكل “الملكية البرلمانية” إحدى مرتكزاته، إنما سيحول التحالف بين الاشتراكي الموحد والفيدرالية إلى مجرد تحالف انتخابي، على الرغم من كل تطمينات بلاغ الحزبين، إلى أن “التحالف ليس محض تحالف انتخابي”، وأن “الانتخابات وسيلة وليست غاية”، ما يهدد بفرط هذا التحالف في حالة عدم تحقيق نتائج مرجوة.

ومما يخلق الهواجس أكثر، موقفُ الحزبين من حزب التقدم والاشتراكية، الذي حاولا الدخول معه في تحالف سياسي/ انتخابي، انتهى بالفشل. صرح جمال العسري (الأمين العام للاشتراكي الموحد): “أن حزبه يكن ‘كل الاحترام’ لحزب التقدم والاشتراكية، معتبرا إياه طرفا أساسيا في المعركة السياسية الجارية، ومؤكدا أن التقارب بين الطرفين يظل قائما على مستوى الرؤية العامة، خاصة في ما يتعلق بإمكانية بناء تحالفات أوسع بعد الانتخابات، بما فيها سيناريوهات تشكيل الحكومة”. فأي احترام سيكِنُّه “يساري”، لحزب مَلكي ومشارك في حكومات نفذت “سياسات طبقية رأسمالية تعمق مظاهر الفقر و الإقصاء والتهميش الإجتماعي والمجالي”، كما ورد في البلاغ المشترك بين النهج والموحد والفيدرالية، وأي احترام سيكِنُّه “يساري” لحزب وقف دائما ضد النضالات العمالية والشعبية، بما فيها تلك التي طالب الموحد والفيدرالية، في بلاغ تحالفهما، بإطلاق سراح معتقليها.

وحدة “السيار” نعم، لكن التقدم والاشتراكية ليس “يسارا”، بأي معنى من معاني الكلمة. والتعبير عن “الاحترام” تجاهه، إنما يعني أن الانتخابات غاية وليست وسيلة.

هذه الملاحظات لا تعني، بأي وجه، بأننا ضد اختراق انتخابي يحققه الحزبان (الموحد والفيدرالية)، بل بالعكس، فإن مؤسسة تشريعية تضم عشرة أو عشرين، أو حتى عشرات من أمثال منيب والعسري وعبد السلام العزيز، أفضل مائة مرة، من برلمان مليء بالخدام الصريحين للاستبداد.

الناقص في اتفاق النهج والموحد والفيدرالية

أكبر خطر يهدد الحركة العمالية هو تركها السياسةَ لأحزاب يسار المُعارَضة الليبرالية وتركيزها على مطالب الخبز والزيادات في الأجور (أي المطالب الاقتصادية). يتيح هذا لأحزاب يسار المعارضة الليبرالية إمكانية استثمار النضالات الاقتصادية للطبقة العاملة (وغيرها من المطالب الشعبية) كمِرقاة من أجل تحقيق مطالبها السياسية (“تعاقد جديد”، “إصلاح دستوري”، “مَلكية برلمانية”)… وتاريخ كدش دال في هذا الجانب.

وإن البلاغ المشترك الصادر بين أحزاب النهج والموحد والفيدرالية، إنما تضم مثل هذه النقيصة التاريخية في تاريخ النضال العمالي بالبلد، وضمنه اليسار الجذري. تضمن البلاغ كل شيء: “القمع والاعتقال والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين”، “الهجوم على الحقوق ومكتسبات الجماهير الشعبية وعلى طاقتها الشرائية وانعكاساتها الخطيرة على الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من الشعب المغربي”، “الحريات العامة وعن الحقوق وعلى رأسها حق الشعب المغربي في الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية”. لكن البلاغ لم يتضمن أهم ما يميز اللحظة السياسية الراهنة؛ أي الانتخابات التشريعية المقبلة في سبتمبر 2026.

إن السكوت عن هذه النقطة لا يفسَّر فقط بتفادي ما يمكن أن يشكل عقبة في وجه الاتفاق بين الأحزاب الثلاثة، ولكنه في التنفيذ العملي، لن يعني إلا شيئا واحد: الخبز والزبدة للعمال، والسياسة للمعارضة الليبرالية، أو في السياق المغربي يسار المعارضة الليبرالية الذي يمثله الموحد والفيدرالية. فالمطالبة بـ”تعاقد جديد” و”إصلاح دستوري” و”مَلكية برلمانية”؛ إنما تعبِّر عن مطالب يسار المعارضة الليبرالية هذا، التي تسعى إلى التوافق مع المَلكية القائمة (التنفيذية) من أجل مَلكية برلمانية، تكون فيها السيادة للمَلكية، بينما يعود الحكمُ للمؤسسات المنتخَبة، وضمنها الحكومة، التي قد تتيح (حتى في ظل المَلكية التنفيذية): “إمكانية بناء تحالفات أوسع بعد الانتخابات، بما فيها سيناريوهات تشكيل الحكومة”، حسب تعبير جمال العسري.

لو تمكَّن النهج الديمقراطي العمالي من التخلي عن موقفه غير الصائب (غير الصائب ماركسيا) من الانتخابات، أي مقاطعتها، لكان بإمكانه أن يؤثر في مسار الاتفاق السياسي بينه وبني الحزبين، أي أن يؤثر بما يجعل أي اختراق انتخابي يحققه “اليسار” مفيدا للنضال الاجتماعي، بدل أن يكون مجرد وسيلة للبحث عن مكان في “سيناريوهات تشكيل الحكومة”… وآنذاك سيكون برلمان يضم عشرات من براجع ومنيب والعسري وعبد السلام العزيز، تقدما كبيرا إلى الأمام.

وحتى في حالة عدم مراجعته موقف المقاطعة، بإمكان النهج الديمقراطي العمالي أن يكون مؤثرا في اللحظة السياسية الراهنة، إذا دافع عن شعار “كل السلطة للمنتخَبين- ات”، وجعله محور اتفاقه السياسي مع الموحد والفيدرالية. فالنهج يرفع مطلب “إقامة سلطة ديمقراطية محليا، إقليميا، جهويا ووطنيا تعتمد مبدأ الانتخاب”، وهو نفس مطلب الاشتراكي الموحد “جميع سلطات التقرير والتشريع والتنفيذ يجب أن تُوضع بين أيدي المنتخبين”، وإن حملة سياسية بين الأحزاب الثلاثة، حول هذا المطلب سيكون لها تأثير سياسي كبير على الشعب، وهذا ما سيتيح فعلا “تحويل المحطة الانتخابية المقبلة إلى معركة سياسية واعية”، وسيجعل من الانتخابات “وسيلة وليس غاية في حد ذاتها”، كما جاء في بلاغ الموحد والفيدرالية.

إن تفضيل رؤية عشرة، أو حتى عشرات، من منيب والعسري والعزيز، داخل البرلمان، بدل خدام الاستبداد الوضيعين، سيجعل من دعم لوائح انتخابية بعينها يتقدَّم بها تحالف الموحد والفيدرالية، أو، وهذا هو الأمثل والأفضل، مرشحين خصوصا إلى إذا كانوا عمالا ومناضلين ميدانيين، مهمةً يمكن للنهج أن يقوم بها. وستكون فرصةً لتعزيز الالتقاء مع القواعد (الشابة بالخصوص) داخل الحزبين، وهي أكثر يسارية وإقداما من قمتهما، كما ستتيح للحزب التواصل، أثناء الحملة الانتخابية، مع أوسع الجماهير الشعبية التي يستحيل الوصول إليها إلا في لحظات الانتخابات وحملاتها… وسيكون ذلك تنفيذا لوصية لينين التي شاركها الرفيق الحبيب التيتي على صفحته في الفايسبوك: “على حزب البروليتاريا أن يتعلم دائماً كيف يمسك الليبرالي في نفس اللحظة التي يبدى فيها استعداده أن يتحرك للأمام بوصة، ويجعله يتحرك ياردة. وإذا ما كان عنيداً فسوف نتقدم إلى الأمام بدونه…”.

الأمل مثير

أملنا كبير جدا في أن تتجاوز الاتفاقات السياسية، القائمة حاليا بين النهج والموحد والفيدرالية، الدواعي الظرفية، وبالأخص السياق الانتخابي، وأن تتحول فعلا هذه الاتفاقات إلى “دينامية نضالية وحدوية واسعة”، كما ورد في بلاغ اجتماع الأحزاب الثلاثة.

لكن الأمل وحده لا يكفي، فالحاجة إلى منظور يساري جذري واعٍ بأهمية وحدة فعل اليسار، وفي نفس الوقت إكراهاته ومعيقاته، ضروري ضرورة تلك الوحدة ذاتها؛ وفي هذا المضمار، يعوَّل كثيرا على ما سيقوم به حزب النهج الديمقراطي العمالي، الذي يشكل حاليا القوة اليسارية الجذرية الوحيدة ذات القدرة على الفعل والتأثير، بحكم امتداده الجغرافي وتواجده في منظمات نضال جماهيري، مقارنة بأطراف اليسار الأخرى، التي لا تمثل حاليا سوى حلقات صغيرة جدا، لا وزن لها ولا قدرة على الفعل والتأثير.

شارك المقالة

اقرأ أيضا