جريدة “المناضل-ة” تَسْتَجْوِبُ رَحمان النُوضة
يعيش اليسار المغربي حالة من التعدد والتنوع فريدة، نوعا من الارخبيل بلا جسور رابطة بين مكوناته. وحتى إحدى مقدمات هذه الجسور منعدمة، عنينا نقاشا فكريا وسياسيا لمجل مسائل النضال اليومي وأفقه الاستراتيجي وادواته . سعيا لتغيير هذا الوضع نحو الأفضل، نحو الممكن من تعاون ميداني، وتكتيل جبهوي، وحتى دمج بحسب درجة الالتقاء، تفتح جريدة المناضل-ة صفحاتها لمناضلين ومناضلات من مختلف مكونات اليسار لعرض ارائهم ومناقشة وجهات النظر الأخرى، تحضيرا لما هو ارقى. ضمن هذا المسعى معنا في الحوار التالي الرفيق رحمان النوضة .
فِـــهْــــرِس الاســتـــجـــواب
2 ■ هل أَثَّـرَ سِجنك على نظرياتـك ؟
4 ■ بِنية السّلطة، وتحوّلات آليّات الحكم
5 ■ التـناقضات الـمُجتمعية، وعلاقة الدولة بالطّبقات
6 ■ تحليل الوضع السياسي الرّاهن
7 ■ الخِلافات في الآراء السيّاسية التي تُثير التَناقضات
8 ■ قراءة الحركات الاحتجاجية، وإمكانية مُراكمتها
9 ■ كيـف التَـعامل مع النضالات الجماهيرية
10 ■ حَول التَشَتُّت التَنظيمي
11 ■ تـقـييم التجربة، وأسباب تـراجع اليسار
12 ■ تـفسير أزمة اليسار، والتـنظيم، والنظرية، والعلاقة بالجماهير
13 ■ نَـقد أحزاب اليسار بالـمَغرب
14 ■ سبب فشل التجذر في الجماهير، ومعيـقات بـناء قاعدة شعبية
16 ■ التّحالـفات، مثل التحالـف مع الإسلاميين، وشروط بـناء جبهة
17 ■ شروط بـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة
18 ■ هل ما زالت الماركسية صالحة ؟
19 ■ هل ما زالت نظريتـك صالحة ؟
20 ■ مسألة الـمُشاركة في الانتخابات
21 ■ رسالتـك إلى الجيل الجديد من المناضلين
مُلْحَق 1 : بعض الـمبادئ التي تـنطلـق منها
مُلْحَق 2 : حرب سّرية بين المَلكيات والجمهوريات العربية
مُلحق 3 : لائحة كتب رحمان النوضة
…….•■٭■•…….
- 1 ■ مَن هو رحمان النوضة ؟
سؤال جريدة “المناضل-ة” : مرحبا بك رحمان النوضة. هل يمكن أن تـقدّم تـعريفا مقتضبا حول شخصك ؟
- جواب: لا أحبّ الكلام عن نفسي. وأُفضِّل مُناقشة الأفكار، أو الأطروحات السياسية. ورغم أنني أُدافع عن آراء سيّاسية بِحَماس، إلى حِين أنْ أَقتـنـع عَـقْلَانِيًّا بِغَيرها، فإنّني أعتـرف مُسبقًا أنني لا أعرف كل شيء. ولا أفهم كل شيء. وقد أُخطئ في بعض أفكاري. وأحبّ الاجتهاد، والمُساهمة في البحث العِلْمِي عن «الحقائق الثورية». أنا مهندس، وكاتب، ومعتقل سياسي سابق. وحُكم عليّ بالسجن المُؤبّد، بتهمة «المسّ بأمن النظام الملكي في المغرب». وكُنـت واحدًا مِن بين عشرات الآلاف من المُعتـقلين السياسيِّين المُناضلين في المَغرب. وسُجنتُ خلال حوالي 18 عاما، تَحت حُـكم الملك المُستبد الحسن الثاني. ونشرتُ قرابة 23 كتابا في مَجالات النّظرية السيّاسية. (وَبَعدما تَبَيَّنَـتْ لي اِستحالة نشر كُتبي من طرف النّاشرين الرّأسماليِّين، قَرّرتُ نَشرها بالمَجّان، على الإنترنيت، في صِيَغ pdf، وليس على الورق). ونشرتُ عددًا هامًّا من المقالات السياسية. ومواضيع هذه الكتب والمقالات تـدور حول مُحاولة فَهم المُجتمع وَتَـغييره، وحول النضال السياسي، وحول هندسة الثّورة المُجتمعية. ومن بين عَناوين هذه الكتب : نـقد الشّعب، ونـقد أحزاب اليسار، ونـقد النُّخب، ونـقد الحركات الإسلامية، ونـقد الحركات الهُوِيّاتِيَة والأمازيغية، ونـقد الصّهيونية، ونـقد الدّولة الرّأسمالية، ونـقد الأنا والأنانية، والمُجتمعي (Le Sociétal)، وَطَبقات المُجتمع، وفنون النضال السياسي الثّوري، والعلاقة بين الدِّين والـقانون، والجنس والدِّين، الخ. ويمكن تَنزيل هذه الكتب مِن مُدوّنتي، مِن الموقع التّالي :
https://livreschauds.wordpress.com/لائحة-liste/.
- 2 ■ هل أَثَّـرَ سِجنك على نظرياتـك ؟
سؤال : إلى أي حدّ أثّرت تجربة الاختطاف، والاعتقال، والسّجن، والتّـعذيب، على تصوّراتك لوظائـف الدّولة، وعلاقاتها بالمجتمع؟
- جواب: إذا كُنـتَ تَـعني أن تَجربة الاعتـقال، والتّعذيب، والسّجن، هي التي جَعلتـني ثوريًّا جَذريًّا، أنا لَا أظنّ ذلك. لأن ثَوريّتي الجذرية سَبِـقت اعتـقالي. وجاء اِعتـقالي فيما بَعد، كَـعِقاب على ثوريتي الجذرية. والعُنصر الذي حَدّد تصوّراتي حول الدّولة، وحول النظام السياسي، هو دراستي (العَقلانية والنّـقدية) للمُجتمع. أما اعتـقالي، وتـعذيبي، وسجني، فهي نَتائج. وقد جاءت فيما بعد لِتُؤكِّد صحّة تحاليلي النّاقدة للنظام السياسي القائم.
- 3 ■ تَطوّر طبيعة الدّولة
سؤال : بعد مسار نضالي طويل، وتجربة اعتـقال قاسية، خلال سنوات الرصاص، كيـف تـقرأ تطور طبيعة الدولة في المغرب، من تلك المرحلة إلى اليوم؟
- جواب: سُؤالك حول تَطوّر طبيعة الدّولة هو سؤال صعب. ولمـعرفة تطوّر طبيعة الدولة في المغرب، نَحتاج إلى دراسات مُتخصّصة، ومُـعمّقة (في مجالات الاقتصاد السياسي، والتاريخ السياسي، الخ). وأعتـرف أن معارفي محدودة. والحل هو التـعاون والتَـكَامُل. وقد درستُ بعض الجوانـب الأساسية في موضوع تطوّر الدّولة المغربية في كتابي المُعَنْوَن بِـ «نـقد الدّولة الرأسمالية». وكثير من بين الأشخاص الذين يَتحاورون معي، يطلبون منِّي أنْ أُلخِّص لهم كُتبي في بضعة جُمل. وهذا مُستحيل. وإنْ قُلتُ لهم إقرأُوا كُتبي، يُحسّون بالحَرَج، أو يَنزعجون. ويصعب على أيّ شخص لم يـقرأ كتبي أنْ يَـفهم كلّ كلامي. وَيَستحيل على الكلام، أو السّمع، أن يُعَوِّض قراءة الكُتب. ولا تَـقدر الثّقافة الشّفوية على تَعويض الثـقافة المَكتوبة. وَلِمَعرفة التَفاصيل، يُرجى من الـقارئ المُهتم اللّجوء إلى قراءة كتبي.
- المُهمّ لديّ هو أنّ الدّولة ليست فـقط أجهزة، وإنما هي أيضا علاقات مُجتمعية. وفي الأصل، خُلِقت الدّولة لخدمة الشّعب. وليس الشّعب هو الذي خُلِقَ لِخِدمة الدّولة. والشّعب هو أَهَمّ، وأسبق من الدّولة. وَمُبرِّر وُجود الدّولة، هو خِدمة الشّعب، وإنجاز حاجيّاته. وليس هدف الدّولة هو خِدمة مصالح النُخَب المُسْتَغِلَّة، والأقلّيات المُحتكرة. فإن اِبْتَـعَدَت الدّولة عن خِدمة الشّعب، أصبح مِن حقّ الشّعب أنْ يَثُور ضدّ هذه الدّولة القائمة، وأنْ يُسقط النظام السياسي الاستبدادي الـقائم. ومن حقّ الشّعب أنْ يُعوِّض كلّ نظام سياسي مُستبد أو فاسد، بما هو أحسن منه. وَلَا يَـكفي للدّولة أنْ تضع قـوانين تُجرِّم محاولات تَـغيير النظام السياسي الـقائم لِكَي تُلغي حقّ الشّعب المَشروع في تَـغيير النظام السياسي القائم. كما لا يَـكفي وضع قـوانين تُشَرِّع الاستبداد لكي يُصبح الاستبداد مُبرّرًا وأبديًّا. ومن حقّ الشّعب أنْ يَنتـقد السّلطة السياسية، وأن يُحاسبها، وأن يثور ضدّها، وحتّى أن يَستولي عليها، وأنْ يُطَوِّرها، حتّى تَخدم حاجيّات الشّعب بشكل جَيِّد. ويحقّ للشّعب أنْ يَتَمَلَّك الدّولة، وأنْ يُـكيِّفها، حتّى تَتلاءم مع حاجيّاته الأساسية. وفي المُقابل، لا يَحقّ لِلدّولة أنْ تَتَمَلَّكَ الشّعب، وَلَا أنْ تُـكَـيِّـفَـه لخدمة اِمْتِيّازاتها أو دَوَامِهَا.
- وَبِـقَدْرِ مَا تَكُون «الدّولة»، في «مُجتمع» مُعَيَّن، ضَخْمَة، وَقَوِيَّة، وَسائدة، وَمُكلِّفة، بِـقَدْر مَا تَكُون التَنَاقُضَات الطَبَـقِـيَة حَادّة في هذا «المُجتمع»، أو مُسْتَـعْصِيَة، أو صِدَامِيَّة، أو غَيٍر قَابِلَة لِلتَوْفِيق فيما بَيْنَهَا. والتّاريخ يَشهد أنه، غالبًا ما يُصبح الإصلاح السياسي، بواسطة الإقناع الفِـكري السِلْمِي، غير كاف، أو غير مُمكن.
- وُلِد وَكَبُر النظام السياسي الـقائم في المغرب، في إطار الخُضوع، وَالتَبعية، والعَمَالَة، لِلْاِستـعمار الـفرنسي، والخُضوع للإمبرياليّات الغَربية، ولإسرائيل. وما زال كذلك. ومُجمل مُلوك المغرب، ومُجمل حُكّام أو أُطُر دولته، تَربّوا في مدارس اِستـعمارية، وَبِـعقليات اِستـعمارية، وَبِمُعتـقدات استعمارية. وهؤلاء الحُكّام يُفكِّرون، ويتصرّفون، كَـعُمَلَاء لِلاستعمار، وَلِلإمبرياليّات، ولإسرائيل، وهم لَا يَـعُون ذلك. وهذا النظام السياسي هو غير وَطني. ويستحيل عليه أن يَكون وطنيًّا. وحتّى في قضية الصّحراء الغربية، فإنّ هذا النظام السياسي لا يُؤمن بها كَـ «قضيّة وَطنية»، مطروحة للتّحرير، بواسطة الكفاح الثّوري، ضد الاستـعمار، وضدّ الإمبرياليّات. وإنما يستـغلّ النظام السياسي قضية الصحراء كَوَسِيلة لِلْإِيحاء بِوَهم «الإجماع الوطني» حوله، وَلِتَبرير الوَعْد الكَاذب بِـ «المُسَلْسَل الدِّيمُوقراطي»، ولِتَبرير «إِلْتِـفَاف كلّ طَبقات المُجتمع» حوله، وذلك بهدف ضمان دَوام هذا النظام السيّاسي الاستبدادي، والذي هو عَميل للاستـعمار، وَلِلْإمبريالية، وللصّهيونية. وظلّ هذا النظام السياسي، وما زال، يَبيع الوطن، وَيَبيع الشّعب، وَيبيع ثَرواته، إلى الـقـوى الاستـعمارية، والإمبريالية، والإسرائيلية، مقابل ضَمان دَوَامِه، واستمرار امْتِيّازاته.
- وفي كتابي المُعنون بِـ «نـقد الدولة الرأسمالية»، أوضحتُ وُجود تَرابط عُضوي بين أربعة عناصر. وهي : أَوَّلًا، أَنْوَاع أَنْماط الإنـتاج الـقائمة في هذا المُجتمع؛ وثانيًّا، الطَبَـقَات المُجتمعية الـموجودة في هذا المُجْتَمَع؛ وَثَالثًا، مَوَازِين القِوَى المَوْجُود فيما بَيْن طَبَـقَات هذا المُجتمع. وَرَابعًا، نَوعية وَحَجم العَلاقات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والإعلامية، والثقافية، الموجودة بين هذا المُجتمع المَعني، والدُّول السّائدة في العَالَم. وهذه العَناصر الأربعة، هي مِن بَيْن العَنَاصِر الْأَسَاسِيَة المُحَدِّدَة لِنَوْعِيَة «الدّولة» الـقائمة، وَلِنَوعية «النِظَام السِيَاسِي» الـقَائِم في المُجتمع المَعني. وَتَتطوّر الدّولة، وكذلك النظام السياسي، في ارتباط بِتَطوّر العلاقات مع هذه العناصر الأربعة.
- وَيَتَوَهَّم كثيرون من بين السيّاسيِّين الإصلاحيّن، أنّه بإمكانهم إصلاح «النظام السياسي»، عبر نـقاشات إصلاحية في البَرلمان. بينما يَستحيل إِصْلَاح، أو تَغيير، «الدّولة» الـقائمة، أو تَغيير «النظام السياسي الـقائم»، دُون إحداث تَـغييرات ثَورية، وَجَذرية، في تلك العناصر الأربعة المذكورة سابقًا، والتي هي مُتـرابطة عُضْوِيًّا فيما بينها.
- وَالْأَسَاس المَادِّي المُحَدِّد، سَوَاءً لِـنَوعية «الدّولة»، أم لِـنَوْعِيَة «النِظَام السياسي»، هُوَ نَوْعِيَّة مَنْظُومَة المِلْكِيَة الخَاصَّة (لِوَسائل الإنـتاج المُجتمعية)، وَنَوعيّة علاقات السيّادة والخُضوع الطَّبـقية، وَنَوْعِيَّة عَلَاقَات الْاِسْتِـغْلَال الطَبَـقِـي، القَائِمَة في المُجتمع المَـعْـنِـي. ويستحيل إصلاح العلاقات المُجتمعية، بدون تَـغيير نَوعيّة منظومة المِلْكِيَة الخاصّة الـقائمة في المُجتمع المعني.
- 4 ■ بِنية السّلطة، وتحوّلات آليّات الحكم
سؤال : كيـف تُـقـيّم المرحلة السياسية الحالية: هل نحن أمام استمرارية لنـفس البـنية السّلطوية، أم أمام تحولات في آليات الحكم، وإعادة إنـتاج الشرعية؟
جَواب : ● حول طبيعة الدّولة، وبـنية السّلطة السياسية، وتَحوّلات آليّات الحُكم، سأقـول لك السِرّ الذي يُوضّح هذه القضايا. مِن بين المَشاكل المُهمّة في «الرّأسمالية»، وفي «الدّولة الرّأسمالية»، هو أنها تُعاهدنا بشيء، وَتُمارس عكسه. حيث تَـقـول لنا الرأسمالية أوّلًا، أنّها تَلتـزم بِـ «الـفَصل بين السّلطة الاقتصادية، والسّلطة السيّاسية». لكن في الواقع، تُمارس التَداخُل بين السُّلطتين، والتَوَاطُؤ، والتَمازُج بينهما. وَيجمع الرّأسماليّون بين السّيطرة على السُّلطات الاقتصادية، والاستحواذ على السُّلطات السيّاسية. فَيُصبحون، في نـفس الوقت، مُسْتَبِدِّين سِيّاسيًّا، وَمُسْتَـغِلِّين اِقتصاديًّا. وتـقـول لنا الرّأسمالية ثانيًّا : أنّها تَلتـزم بِتَنظيم «سُوق حُرّة، وَنَزيهة، وَمُتوازنة»، وَتَدَّعِي أنّها تَتَـعَهّد بِتَنظيم «مُنافسة حُرّة، وَصَادقة، وَمُتساوية». لكن في الوقاع، تَـفرض الرّأسمالية «سُوقًا غير مُتوازنة». بَل تَسْتَوْجب الرّأسمالية «مُنافسة مَغشوشة». وأساس هذه المُنافسة هو الرّشوة، والارتشاء، والرِّيع، والغِشّ، والتَحَايُل، والـفَساد، والاحتـكارات، والمَجموعات المَافْيَاوِيَة، الخ، بهدف مُراكمة الرّأسمال، وتـكوين الاحتـكارات، وتـعميـق الاستـغلال الرّأسمالي. وَتُؤدِّي «التَـفَاهُمات السِرِّيَة» فيما بين الـفَاعلين الاقتصاديِّين، والـفاعلين السيّاسيِّين، إلى فَرض اِحتـكارات غير مَرْئِيَة، في المجالات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والثّـقافية، والدِّينية، الخ. وَيَنـتهي هؤلاء الرّأسماليّون بالسّيطرة على كلّ شيء، وَنَهب كلّ شيء، واحتـكار كلّ شيء. هذا هو السِرّ الذي يُـفسّر مَشاكل الرّأسمالية. وما التَحوّلات في آليّات الحُكم سوى تَـكَيُّـف، أو تَـفاعل، غَير مُنتهي، مع التطوّرات التي تحدث في مَيدان الصراع الطبقـي، الدّاخلي والعالمي، وفيما بين تلك العناصر الأربعة المذكورة سابقًا.
- مع تَـزايد حِرص النظام السياسي (الـقائم في المغرب) على ضمان دَوَامِه، ومع تصاعد خوف هذا النظام من ثورة الشّعب، أقدم هذا النظام (بين سنوات 1990 و 2024) على إحداث تـغييرات بِنيوية، وكيـفية، في الدّولة. وأبرزها ما يلي :
- يعتبر (سِرِّيًا) النظام السياسي الـقائم في المغرب أنّ عَدُوَّه الأكثر خُطورةً، هو الشّعب (وليس التَخلّف المُجتمعي، أو الاستعمار، أو إسرائيل، أو الإمبرياليات الغربية). وقد تَزايد خَوف النظام السياسي مِن سُخط الشّعب المُتصاعد، ومن احتمالات اِنتـفاضة الجماهير. وَأَعَدّ النظام السياسي جُيوشًا قَمعية ضَخمة، وَمُتـنوِّعة، وَمُجهّزة. وأحدثَ النظام السياسي تَضَخُّمًا في هذه الأجهزة البُوليسية، والـقمعية، والمخابراتية، والعسكرية. وأنـفـق على تطوير تجهيزاتها، وأساليبها. وَيُمارس النظام السياسي إرهاب الدّولة. ويَـعمل على تَـعميم المُراقبة الرّقمية.
- وبدلًا من أنْ تَكون الدّولة مُسخّرة لِخِدمة الشعب، تتحوّل الدّولة إلى وحش يُعادي الشّعب، وَيَقهره، ويَسْتَـغِلُّه، وَيَنهبه. وَتَـعمل الدّولة الـقائمة كأنّها حزب سياسي سِرِّي [أنظر كتابي «نـقد الدّولة الرّأسمالية»]. وتُوجد مَجموعات مُتنوِّعة ذات مصالح اِقتصادية ضخمة. وَتَتصرّف كأنها مجموعات مَافْيَوِيَة. وَتَختـرق هذه المَجموعات العديد من أجهزة الدّولة، وهيئات المُجتمع. وَيَتـرابط شُيوع الاستبداد السياسي، مع اِنتشار الفَساد الاقتصادي، والأخلاقي. وتصبح ثروات الوطن معرّضة لِنَهب أكبر، وأسهل، من طرف مجموعات مَافْيَاوِيَة مَحلِّية، ومن طرف القِوَى الإمبريالية الغَربية.
- تَختـرق المُخابرات المغربية مُجمل الأحزاب، والنـقابات، والجمعيات، والهيئات السياسية. وَتُراقب المُخابرات المغربية مُجمل المُعارضين السياسيِّين، وَتُرهبهم، وتَـقمعهم، وَتُدَجِّنُهم. لكن المُخابرات المغربية لا تُراقب، وَلَا تَـقدر على التَحَـكُّم في، الـقِوَى السِرِّيَة الأجنبية، التي تَعمل داخل المغرب، والتي تخدم مثلًا مصالح إسرائيل، أو الدُوّل الإمبريالية الغربية.
- وتُوجد في المغرب مَـكاتب، أو وكالات (بعضها علني، وبعضها سرّي، أو شبه سِرّي)، وتخدم مصالح إسرائيل، أو فرنسا، أو أمريكا، أو إمبرياليّات غَربية أخرى.
- يُـعمّـق النظام السياسي التَبَـعِيَةَ للإمبرياليات الغربية، ولأمريكا، ولإسرائيل. ويعتبر هذه التَبـعية ثمنًا مقبولًا لِشراء «حِمايته»، مِن طرف الإمبرياليّات الغَربية وإسرائيل (ولو كانـت هذه الحماية وَهمية).
- تحوّل النظام السياسي إلى عَميل لِلـقـوى الأجنـبيّة المُعادية لِلوطن. وَأَكَّدَ «التَطبيعُ» مع إسرائيل، أنّ هذا النظام السياسي، يُفضِّل صيّانة مصالحه الأنانية على حِراسة «الاستـقلال الوطني». ويُـفضّل حِراسة مَصالحه الخاصّة على الدِّفاع عن «السِيّادة الوطنية». ويستحيل على هذا النظام السياسي، وليد الاستـعمار، أن يَـكون وطنيًّا، أو خادمًا طَوعيًّا للشّعب.
- وقد حَوّل النظام السيّاسي المغربَ إلى مُستـعمرة بِدُون مُستـعمرين مَرْئِيِّين، وغيّر المَغربَ إلى شبه مَحمية، تَحميها الإمبرياليات الغَربية، وإسرائيل. (مع العلم أنّ أمريكا، وإسرائيل، أصبحتا هما نَـفسيهما، يَحتاجان إلى مَن يَحميهما من الانهيّار التاريخي المَحتوم).
- وأبرز الهيئات التي تُوجِّه عمليًّا دَولة المغرب، وسيّاساتها الاقتصادية، هي أوّلًا المُؤسّـسات العالمية التي تُهيمن عليها الإمبرياليّات الغَربية، مثل “صُندوق النّـقد الدُّولي” (FMI)، و “البـنك الدُّولي” (BM)، الخ. وهي ثانيًّا الدِّيوان الملكي (حُكومة الظِّل). وهي ثالثًا نَـقابة “الاتّحاد العام لِمُقاولي المغرب” (Confédération Générale des Entrepreneurs du Maroc)، وَنَـقابة “الاتِّحاد المِهني للبُنوك المغربية” (Groupement Professionnel des Banques du Maroc). وهاتان النـقابتان هما نـقابات المُسْتَـغِلِّين الكبار في المغرب. وتحرص الدّولة الرّأسمالية، في نـفس الوقت، على تَقـويّة نـقابات المُسْتَـغِلِّين الكبار، وإضعاف نـقابات الكادحين المُسْتَـغَلِّين.
- بِمُوجب تَصوّر بِدَائِي لِـ «الْلِّيبِيرَالِيَة» الرَّأْسَمَالِيَة، تَـعمل دولة المَغرب على «تَنْـقِيل أَدْوَار الدّولة إلى الرّأسماليِّين الخَوَاص». لكن هؤلاء الرّأسماليِّين الخَوَاص ظَلُّوا عاجزين على الـقِيّام بأدوار الدّولة. وَتَخَلّت الدّولة في المغرب عن خِدمة مصالح الشّعب، مثلًا في مجالات التَعليم، والعلاج الطِبِّي، وتوفير الشّغل، والسّكن، والعَدل المُجتمعي، وسلامة البِيئَة، الخ. وَتُريد الدّولة في المَغرب تَـفْوِيت المَزيد مِن المُقاولات العُمومية إلى الرّأسماليِّين الخُصوصيِّين. وأصبح الأطبّاء الخُصوصيّون، وَمُلَّاك المدارس الخُصوصية، والمُنَعِّشُون العَقَارِيّون، مِن بين كِبَار نَاهِبِي الشّعب. وخلال عُـقـود مُتوالية، تَبيع هذه الدّولة الـقائمة في المَغرب مُجمل المُقاولات العُمومية، أو شبه العُمومية، إلى رَأْسَمَالِيِّين خَوَاصّ، وَبِأثمان مُخـفّضة. وتلك المُقاولات العُمومية المُخَصْخَصَة، هي المُقاولات التي أسّـستها الحُكومة الوطنية الوحيدة في تاريخ المغرب الحديث، وهي حُكومة المُناضل الوطني عبد الله إبراهيم، بين سنتي 1958 و 1960. وقد أسرع الملك المُستبد الحسن الثّاني (وسيّده الاستعمار) إلى إلغاء هذه الحكومة، وذلك بالضّبط لأنها كانـت وطنية.
- يَعمل النظام السياسي (الـقائم في المغرب) على تَوسيع قواعد الطبقات المُسْتَـغِلَّة. وَيُغدق عليها بـ «الرِّيع»، وبالامتيّازات، ويُعطيها تسهيلات لِلاِغتـناء السّريع، وغير المشروع. ويُشجِّع النظام السياسي الرأسماليةَ المُفتـرسةَ، ويُضحِّي بالـقـوانين، وبالكادحين. ويَمنح الأفضلية للرّأسماليِّين الكبار الاحتـكاريِّين، المُرتبطين بالإمبرياليات الغَربية، وبإسرائيل. وَتُهيمن الرَّسَامِيل الإمبريالية على أهم الـقطاعات في اقتصاد المغرب.
- وَتَنَاقُض المَلَكِيَة في المَغرب هو أنّها، مِن جهة أولى، تُريد تَوسيع قاعدة الطّبقات الرّأسمالية المُسْتَـغِلَّة لِكَي تَستـند عليها، ومن جهة ثانية، تَخْشَى المَلَكِيَة تَنَامِيَ هذه الطّبقات المُسْتَـغِلَّة، وتَخاف مِن تَحوّلها إلى قِوَى مُنافسة لِسُلَطِ المَلَكِيَة.
- 5 ■ التـناقضات الـمُجتمعية، وعلاقة الدولة بالطّبقات
سؤال : ما هي أبرز التـناقضات الاجتماعية والاقتصادية اليوم، وكيـف تتجلى العلاقة بين الدّولة والطّبقات، خاصّة في ظلّ الهشاشة، واتِّساع الاقتصاد غير المُهيكل؟
جواب : قضايا «التـناقضات المُجتمعية»، و «علاقات الدّولة بالطّبقات»، تـناولتها في عدّة كتب. الكتاب الأول هو «تَحديد طبقات المُجتمع». والثّاني هو «نَـقد الدّولة الرّأسمالية». والثّالث هو كتاب «المُجتمعي» باللّغة الـفرنسية (Le Sociétal). ويمكن تـنزيل هذه الكتب بالمجّان من مُدوّنتي. والمُهم في ذلك، حتى لو كان بشكل مُختصر، أو مُجزّء، أو مبسّط، هو ضرورة نَـقد الأوهام السيّاسية الشّائعة، التي تَتوهّم أنه بإمكان الدّولة الرأسمالية أن تَـكون «مُحَايِدَة»، أو «عَادِلَة»، أو «دِيموقراطية». ولا تُوجد في العالم ولو دولة رأسمالية واحدة، يُمكن أنْ يُجمع عُلماء المُجتمع على أنها «مُحايدة»، أو «عَادلة»، أو «دِيموقراطية». وهنا، لا أعرض آراء ذاتية أو أَيْدِيُّولُوجِيَّة، وإنما أتـكلّم عن ظواهر مُجتمعية، وعن قَوانين موضوعية تَتحكّم في تَطور المُجتمعات. وكل اِعتـقاد بإمكانية أن تَكون الدّولة الرّأسمالية «مُحايدة»، أو «دِيموقراطية»، أو أَنْ «تَخدم مصالح الشّعب»، أو أنْ «تَصون حُقـوق المُواطنين العُمَّال، والـفلّاحين الصغار، والمُسْتَـغَـلِّين، والعاطلين، والمُهمّشين»، هو إمّا تَضليل مُتَـعَمَّد، وإمّا ناتج عن جَهل سيّاسي مُدقع. و «الدّولة الرّأسمالية» هي دَولة الرّأسمال (وليست دَولة الكَادحين المُسْتَـغَلِّين، أو المُهمّشين). وَتَتطوّر حَتْمًا الدّولة الرّأسمالية لكي تصبح مُجنّدة لخدمة الرّأسماليِّين الدّاخليِّين والخَارجيِّين، وليس لخدمة الكادحين المُسْتَـغَلِّين. وتتطوّر الدّولة الرّأسمالية، فَيَحدث تَمازج بين المسؤولين الكبار والمُتوسِّطين في أجهزة الدّولة الرّأسمالية، مع الـفاعلين الاقتصاديِّين الرّأسماليِّين المُسْتَغِلِّين الكبار والمتوسّطين. وتحدث ظاهرة الجَمع بين الثروات الاقتصادية، والسُّلطات السياسية. وكلّ مَن يَدّعي إمكانية المُزاوجة بين «المِلْكِيَة الخَاصّة»، و«الرّأسمالية»، و«الاستـغلال الرّأسمالي»، من جهة أُولى، ومن جهة ثانية «الحُرّيات السياسية»، و«العَدل المُجتمعي»، و «الدِّيموقراطية»، إنما هو مُخادع، أو جاهل. ودور الدّولة الرّأسمالية هو بالضّبط تـنظيم الاستـغلال الرّأسمالي، وَنَزع مِلْكِيَّات الثروات، وفائض الـقِيمة، مِن المُواطنين المُسْتَـغَلِّين المَسُودِين، وتمريرها إلى المُسْتَـغِلِّين الكبار. وَدَور الدّولة هو أيضًا ضَمان اِستمرار الاستـغلال الرّأسمالي، وَتـكثيـفه، وَفَرض خُضوع المَأجورين، والمُسْتَـغَلِّين، والمُهمّشين. وحتّى الانـتخابات العامّة، والبرلمان، والحكومة، والـقانون، والـقضاء، في الدّولة الرّأسمالية، لَا يُمكن أن تَكون سوى مُجنّدة لِخِدمة مصالح الرّأسماليِّين وخُدَّامِهم. لكن الأزمات الاقتصادية، أو المُجتمعية، لَا تُحدث ثَوْرَة مُجتمعية بشكل حَتمي، أو آلي.
- 6 ■ تحليل الوضع السياسي الرّاهن
سؤال : في أعمالك التي تـربط بين «المجتمعي» و«السياسي» و«الأخلاقي»، كيـف يمكن توظيـف هذا المَنهج لتحليل الوضع الراهن في المغرب؟
جواب : • أنـت تُحَيِّرُنِي بِسُؤالك هذا حول «الوضع السياسي الرّاهن». وبهذا النّوع من الأسئلة الضّخمة، أنـت تـدعوني إلى الكلام، دفعة واحدة، عن كل شيء. وَلَا أقدر على تـقديم أجوبة قصيرة. وموضوع تَحليل «الوضع السياسي الرّاهن في المغرب» يحتاج إلى كتابة كتاب ضخم. وهو موضوع مهم. حيث يَستحيل اِكتساب الوُضوح حول المَهام النضالية إذا لم نَـكتسب الوُضوح في مجال تحليل «الوضع السياسي الرّاهن». وأكتـفـي بالإشارة إلى بعض النُقَط الجزئية. وَأُقسّم المشاكل المُجتمعية إلى أجزاء صغيرة قابلة للتَّشْرِيح. وَأحيانًا، أقتصرُ على تـناول بعض الـقضايا الجزئية، وأتـرك الكثير من الـقضايا الأخرى إلى مناسبات أخرى. وقد أمِيل إلى أن أكون إِنْتِـقَائِيًّا، أو نَاقِصًِا في عرضي. وَسَأُجِيبـك على شكل عَناوين كبيرة، أو نـقط جزئية. وفي استجواب قصير، لا تَطلب منِّي تَـفصيل هذه النّـقط، أو تـعليلها كلّها.
6.1 • عَناوين الوضع السياسي الحالي في المغرب، هي الظّواهر المُجتمعية التّالية : 1) يَحدث تَطوّر الدّولة في ظل هيمنة الإمبرياليات الغَربية على المُجتمع، داخل رأسمالية ناشئة، وتَابِعَة، وشبه اِستـعمارية (néo-colonial)، في بَلد يُوجد في «العالم الثّالث». 2) المِيزات الرئيسية هي : تَـقـويّة نِظام المَلَكِيّة المُستبدة؛ واحتـكار كل السُّلَط بين أيدي مَركز سيّاسي غامض، نـفتـرض أنّه هو الملك (لكن قد يكون هذا الافتـراض ناقصًا، أو خاطئًا. لأن السّلطة السيّاسية لا توجد دائمًا حيث نَعتقد أنها مَوجودة.)؛ وَمُحاولة ضمان دَوَامِ المَلَكِيّة المُستبدّة بكل الوسائل المُتاحة، وَلَوْ كانـت هذه الوسائل غير قانونية، أو غير نَزيهة، أو غير عَادلة. 3) تصفيّة الـقادة الثّوريِّين. 4) سَحق المُعارضين السيّاسيّين. 5) ضَرب الـقِوى السياسية الثّورية بواسطة الأجهزة الـقمعية، وأيضًا بواسطة الـقـوى السياسية المُحافظة (مثل الحركات الإسلامية الأصولية، والحركات الهَوِيَّاتِيَة، أو الأمازيغية، أو أحزاب خُدَّام النظام السياسي القائم، الخ). 6) وَضع قَـوانين تُحوّل المَلَكِيَة المُستبدّة إلى نظام سياسي مُقْـفَل (verrouillé)، لِكَي يَستحيل تَغييره مِن داخل مُؤسّـساته. 7) الشَّرَاسَة في قَمع الاحتجاجات والنضالات الجماهيرية. 8) تَـقـويّة أجهزة الدّولة الـقمعية والمُخابراتية. 9) تَجْمَع عائلات الطّبقات السّائدة بين الثََّرْوَات الاقتصادية والسُّلطات السياسية. 10) تَعميـق الرّأسمالية التَبعية. (ملاحظة : لَا يَعرف المُواطنون العاديّون ما هي «الرّأسماليةَ»، وَلَا يُمـكنهم أنْ يَرونها بأعينهم، لكنهم يُحِسُّون، من خلال خَوْصَصَة التَّعليم والصِحَّة، أنّ «الرّأسمالية» هي نَهْب وَقِـح، واستـغلال شَرِس). 11) تَحسين خِدمة الرّساميل الإمبريالية وأرباحها. 12) إرشاء النُّخَب وَتَدجينها. 13) تَسهيل عمليّات الاغتـناء الشّخصي غير المَشروع. 14) مُجمل مُوَظَّفِي الدّولة، من قمّتها إلى أسفلها، لا يَهتمّون بالشّعب، ولا بالوَطن، وَلَا بالـقَانون، ولا بالعَدل المُجتمعي، وإنّما يَهتمّون فـقط بالإغتـناء الشّخصي، وَبِالتَرَقِّي المِهَني، وبالزِّيادة في مداخيلهم المادية. 15) انـتشار ظَواهر استـغلال النُـفوذ السياسي (Abuse of political power) بهدف الاغتـناء الشّخصي السّريع، وغير القانوني. 16) انـتشار ظَواهر تَضارب المَصالح (conflict of interest)، بهدف تَسهيل تَحقـيق مكاسب شخصية غير مشروعة. 17) تَنامي ظَواهر «الجَمع بين السُّلطة والثَّروة». حيث يَتهافت مُوظّفون في الدّولة (كبارًا ومتوسِّطين)، وَمُقَاوِلُون (كبارًا ومتوسِّطين)، على الجَمع بين تَمَلُّك الثَّروات المادِّية، وتَملّك السُّلُطات السياسية. 18) تَوْزيع الرِّيع على أنصار المَلَكِيَة المُستبدّة. 19) اقتسام الأراضي الزراعية المستـرجعة من المُستـعمرين الـفرنسيِّين؛ وَتَوسيع عمليّات انـتـزاع مِلْكِيّات الأراضي من الـفلاحين الـفـقراء. 20) تَسهيل المُضاربات العَقارية. 21) تَدمير التـنظيمات الجماهيرية. 22) تحطيم الوعي السياسي. 23) مَنـع الأنشطة الثّـقافية التَنْوِيرِيَة، وَتَجهيل الشّعب. 24) تشجيع الانـتهازية والفَرْدَانِيَة. 25) تَـعميم النّهب، وتَـكثيف الاستـغلال الرأسمالي، وَتَسهيل التَرَاكُم البِدَائِي لِلرَّأْسَمَال. 26) تَوطيد الاحتماء (الوهمي) بأمريكا وإسرائيل. 27) التَّلْوِيح المُخادع بِقَضِيّة الصّحراء الغربية، لِتَأْجِيج النّزعة «الوطنية» الضَيِّقَة، وَلِتَبرير الْاِلْتِفَاف حول النظام السياسي الاستبدادي القائم. 28) المُشاركة في التَحالـف السِرِّي الذي يَجمع بين المَلَكِيّات العربية وأمريكا وإسرائيل؛ وَهدف هذا التحالـف السِرِّي هو المُشاركة في مُحاربة الجمهوريّات العربية؛ وَتَـعميم الـفَوْضَى، وَنَشْر الخَراب (في العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، والصّومال، والسّودان، الخ)؛ وَتَضليل الشّعوب العَربية، وَتـركيعها، وتسهيل نَهبها، الخ. 29) بعبارة مُلخّصة، النظام السيّاسي المَلَكِيّ المُستبدّ، مَهوُوس بشيء واحد فـقط. وَلَا يَهتمّ سوى بشيء واحد، هو ضَمان دَوامه. وَيُسَخِّر النظام السيّاسي الـقائم كلّ شيء لإنجاح هذا الدّوام. لكن إصراره على مُحاولة ضَمان دَوامه، بواسطة عَمَالَتِه لإسرائيل، أو لأمريكا، أو لـفرنسا، أو للإمبريالية، يُسَرِّع سَيرورة زَواله. ولماذا ؟ ببساطة، لأنّه إذا كَرِه الشّعب المَلَكِية، فَلَن تَقدر على حمايتها، لا إسرائيل، ولا أمريكا، ولا فرنسا، ولا الإمبريالية، ولا الاستعمار. ولأن هذا النّوع من النظام السياسي لَا يُلائم مَصالح الشّعب. وكل نظام سيّاسي لَا يُلائم مصالح الشّعب، ومهما تَـفَنَّن في قَمع الشّعب، ومهما اِسْتَـقْوَى بالإمبرياليات، أو بإسرائيل، سيكون مآله الحتمي هو الزّوال، إِنْ آجلًا أم عاجلًا. ولو أنّ هذه «الحَتْمِيَة» ليست مِيكَانِيكية. وإنما هي مَشروطة بِشُروط مُجتمعية. وسيبـقى السّؤال هو : هَل تَستـعدّ قِوَى اليسار لِلمُساهمة في تَهْيِيء هذا الزّوال؟
6.2 ● يَعتبر النظام السياسي الـقائم في المغرب، أنّ عدوّه الأخطر، هو شعب المغرب، وليس إسرائيل، وليس الـقـوى الاستـعمارية، أو الإمبريالية. وَتُعزِّز دولة المغرب الأجهزة البوليسية، والقمعية، والمخابراتية، والعسكرية، فـقط لِمُواجهة تَمَرّد الشّعب المُحتمل، أو اِنـتـفاضاته، أو ثَوراته، وليس لِصَدّ عُدوان مُحتمل من طرف إسرائيل، أو أمريكا، أو فرنسا، أو غيرها من الإمبرياليات العالمية.
6.3 ● إذا كان المُواطنون يَتهرّبون من المُشاركة في أيّ نضال سياسي، فإن سبب هذا التهرّب، ليس هو نُكرانهم لوجود مَظَالِم مُجتمعية تَسْتَوجِب الاحتجاج أو التَّنْدِيد، وإنما السّبب هو رُعب هؤلاء المُواطنين مِن هذه الدّولة البُولِيسِيَة، وَقَمعها، وَبَطشها، وإرهابها.
6.4 ● لِضمان أمنه وَدَوامه، يُمارس النظام السياسي الـقائم «تَجْهِيل» المُواطنين، وَ «تَضليلهم». لأن هذا النظام السياسي يعتـقد أنّ المُواطنين الجاهلين، يَسْهُل تَضليلهم، وإخضاعهم. ويَـعْمَل النظام السياسي على تَـشجيع الـفَرْدَانِيَة، والأنانية، والانـتهازية، والغِش، والـفساد، والارتـزاق، والخيّانة، والعَمالة لـقـوى أجنـبية، الخ. ويظنّ هذا النظام السياسي أنّ تَـعليم الشّعب، أو تَثـقـيـفه، يَدفعه نحو المُعارضه السياسية، أو العِصيان السياسي.
6.5 • هذا النظام السياسي مُفْلِس في جميع الميادين (التـعليم، الصحّة، توفير الشّغل، السّكن، النّـقل الجماعي، تـنمية الإنـتاج الوطني، العَدل المُجتمعي، الاستـقلال الوطني، الحرّيات السياسية، صيّانة البيئة، الخ). ونلاحظ أنّ هذا النظام السياسي الـقائم، لَا يَكون فَـعَّالًا سوى في مَيْدَانَيْن إثنين. الأوّل هو قَمع الشّعب، وَتَرهيبه، والتَبَـعِيَة لإسرائيل، والتَّبَـعِيَة للإمبرياليّات الغربية. والمَيدان الثّاني هو تَسهيل تَنمية المَصالح الاقتصادية الأنانية لعدد من العائلات الرّأسمالية المُسْتَـغِلَّة الكَبيرة.
6.6 • وفي مَجال المَنهجية، أُضيـف أنّ : كل مُناضل لا يَربط باستمرار، بين الأبعاد المُجتمعية، والسياسية، والاقتصادية، والصراعات الإقليمية والعالمية، والطُموحات الشّعبية التَحَرُّرية، والنضال السياسي الثّوري الطَّمُوح، يُصبح مِثل المُواطنين العَادِيِّين. أي بدون رؤية شُمولية وثاقبة. أو بدون رُوح ثورية، أو بدون فَعالية سيّاسية، أو مُجتمعيّة.
6.7 • على خلاف كثير من الخطابات السيّاسية المُضَلِّلَة، حول واقع المَغرب، والتي تَزعم تَحقـيـق «التَـقدّم» في المَغرب، أو «تَنميّته»، فإنّ مُجتمعنا غارق في حالة اِنْحِطاط. والأمر المُحزن، هو أنه يَصعب على شعب يُوجد في حالة انحطاط، أن يُدرك حقيقة وضعه هذا. وَشَعبـنا مُسْتَـعْمَر. وَيَـعيش في نَوع جديد مِن الاستعمار. وميزة هذا النّوع الجديد من الاستعمار، هو أنّ المُسْتَـعْمَرِين لا يمكنهم أنْ يَرَوْا المُسْتَـعْمِرِين بِالعين المُجرّدة. ومُعظم الشّعب، ومُجمل الـقِوَى السياسية، وحتّى أحزاب اليَسار، ونحن أيضًا، كلّنا مُتخلِّفون، بالمُقارنة مع ما يَجب أن يَـكون. ونحن لا نُدرك ذلك. [ وَلَوْ لم تَـكُن الشُّعوب العَربية، بما فيها شَعب المَغرب، في حالة اِنحطاط مُجتمعي، لما تَجَرّأ الكِيّان المُستعمر إسرائيل، والإمبرياليّات الغَربية، على غَزو، وَنَهب، هذه الشُّعوب العَربية]. وَيَتجلّى هذا التَخَلُّف المُجتمعي، مثلًا في اِنْتِشار مظاهر الرُّعْب مِن القَمع، والْاِسْتِسْلام للإستبداد، والخُضوع، وَالانتظارية، والجَهل، والغُموض، والحِيرة، وَالـفَرْدَانِيَة، والأنانية، والانـتهازية، والغِشّ، والرّشوة، والـفساد، وَغِيّاب الوعي السياسي، أو هَزالته، أو الارتـزاق (mercenariat)، أو حتى العَمَالَة لِلنظام السياسي الاستبدادي القائم، أو لإسرائيل، أو لأمريكا، أو للإمبرياليّات الغربية. وَمَأساتـنا، هي أنّنا لَا نُوجد كَشعب وَاع، وَمُوَحّد، وَحُرّ، وُمُستقل، وَمُكافح، وَمُستـعد للتّضحية. وإنما نُوجد كَقَطِيع مِن الأفراد الأنانيِّين، والانتهازيِّين، والمُشَتَّتِين، والعاجزين.
6.8 ● مُجمل الأحزاب السياسية الحالية، والنـقابات، والجمعيّات، بما فيها «أحزاب اليسار»، لَا تَـعِـي أنّها في حالة تَلْيِين، وَتَطْوِيع، وَإِخْضَاع، وَتَدْجِين، وَتَدْوِيخ، وَتَرْكِيع، وَاسْتِيعَاب، أو احتواء، أو إِرْشَاء. وَيَظهر تَدْجِين «أحزاب اليسار» في كون بعضها غَدَى يُعادي «الثّورة المُجتمعية»، وَيَـكره «الاشتراكية»، وَيَـقبل «الرّأسمالية»، وَيَرضى بِـ «التَبَـعية للإمبرياليّات الغَربية»، وَيُؤمن بِإمكانية «إصلاح النظام السياسي الاستبدادي الـقائم من داخل مُؤسّـساته وقوانينه». بينما هذه المُؤسّـسات هي في الحَقيقة «مُـقْـفَـلة» (verrouillés). وَيَستحيل إصلاحها. وَبِـعِنَاد مُزمن، تَـرفض مُجمل الأحزاب المُساهمة في خَوض النضال الجماهيري الثّوري المُشترك.
6.9 ● الأغنيّاء يَتباهون بِثَرواتهم، وَسِيّاراتهم، وَفِيلّاتهم (villas)، وَأَسْفارهم، ومُشتـرياتهم، وَمُمْتَلَكَاتهم، الخ. والـفُـقراء يُـعانون في صَمت. ويَتـعذّبون من نـتائج الرّأسمالية المُفْتَرِسَة، ومن الانحطاط المُجتمعي، ومن الاستبداد السيّاسي. ويظنّ أحيانًا بعض الفقراء أنّ الإلـه هو الذي أراد لِحَياتهم أن تـكون على شكل سِلسلة مُتواصلة من المُعانات. بينما الإلـه بريئ من هذه التُّهمة. ويـقـول فُقراء آخرون : «دَعْهُم يَنْهَبُونَنَا، فإنّ اللّه سَيُحاسبهم، وَسَيَنْتَـقِم منهم». لكن الـإلـه لَا يَتَدَخَّل في شُؤون البَشَر، لَا بشكل إيجابي، ولا بشكل بسلبي. وانـتشار هذا التَصوّر الـقَدَري، أو المَـكْتُوب، أو المَحْتُوم، لتاريخ البَشَر، يَفضح شُيُوع الجَهل.
6.10 ● لَا يَـثِـق المُواطنون الأفراد في الجَماعة، وَلَا في الشّعب. وإنّما يُعطون الأولوية لِلفرد على حساب الشّعب. ولا يُؤمنون بأي عَمل جماعي. وَيُراهنون كلّيًا على الـفَرْدَانِيَة، والأنانية.
6.11 ● نسبة كبيرة من المُواطنين يظنّون أنّه بإمكانهم أن يُعالجوا كل مشاكل حياتهم، ليس بالعُلوم، وَلَا بالإنـتاج، ولا بالـقانون (العادل)، ولَا بالأخلاق، وَلَا بالعَدْل، وَلَا بالنضال الجماعي الثّوري، ولا بالتّـعاون السَّخِي، ولا بالتّضامن المُجتمعي، وإنّما بِواسطة الـفَرْدَانِيَة، والأنانية، والانـتهازية، والغِشّ، والحِيَل الشّخصية، والرّأسمالية المُـفتـرسة. وهذا النّوع مِن السُّلوك يُعبِّر عن مَدَى اِنْتِشار «الْاِسْتِلَاب» (بِمَـعنى فُقدان ما هو جَوهري في الإنسان).
6.12 ● الأشخاص المستعدّون للتّضحية، أو للاستشهاد، من أجل تحقيق الدِّيموقراطية، أو تَحرّر الشعب، أو اِستـرجاع اِستقلال الوطن، إما أنهم غير موجودين، وإمّا أنّهم نادرون جدًّا.
6.12 ● نلاحظ أنّ الاتجاه المُتصاعد لدى مُواطني مُجتمعنا، هو الامتناع عن النضال، وَكُره التَضامن، ورفض التَّضحية، والإعراض عن الوطن، والاستخفاف بالشّعب، والاستهتار بالمُجتمع، وَبِالعَدل، وبالـقانون (العادل)، وبالأخلاق، والاهتمام بشيء واحد فـقط، هو جَمع المَال، وجمع الثَّرَوَات، والاستمتاع الأناني بالحياة، والاغتـناء الشّخصي السّريع، والْـلَّامَحْدُود، ولو كان غير مشروع.
6.13 ● مُجمل الأوطان العَربية (أي النَّاطقة بالعربية)، ومُجمل الشعوب العربية، هي شِبه مُستـعمرة، أو في حالة تَبَـعِيَّة وَخُضوع للإمبرياليات الغَربية، أو لإسرائيل. وَلو أنّ كِيّان إسرائيل هو نَـفسه مشروع اِستـعماري شرس، واستيطاني، وإمبريالي، ويمارس الـقَتل الجماعي، والتَّهجير الجماعي، والإبادة الجماعية.
6.14 ● كلّ المَلَكِيّات والإمارات العربية هي عَميلة للإمبرياليات الغَربية، ولإسرائيل [أنظر كتابي : “حرب سرّية بين المَلَكِيّات والجُمهوريّات العَربية]. وهذه الظّواهر المُجتمعية (المذكورة سَابقًا)، تَنْـتُج عن الرّأسمالية، وعن التَبَعيّة للإمبريالية، وعن اِسْتِعْمار مِن نَوع جديد، وعن الْاِسْتِلَاب، والأنانية، والاستسلام للاستبداد. وَتُساهم هذه الظّواهر في تَـفَاقم اِنحطاط المُجتمع. وَتُنذر بأخطار مُجتمعية قد تَغدو جَسيمة. وقد أحدث «تَحالـف الإمبرياليات الغَربية، وإسرائيل، والمَلَكِيَّات العربية»، خَرابًا هائلًا في بُلدان : العراق، وليبيا، وسوريا، والصومال، والسودان، واليمن، ولبنان، وغَزَّة، وإيران. وَيُمكن لهذا الخَراب أن يَنـتشر، بِذَرائِع أخرى، إلى بقـيّة بُلدان شمال إفريقيا. وقد تُؤدِّي الأزمة إلى الثّورة. لكن هذه السَّبَبِيَّة ليست آلِيَّة (أيْ غير مِيكَانِيكِيَّة).
6.15 • في المَغرب، تُـعاني مُجمل فئات الشّعب مِن اِستبداد النظام السياسي القائم، ومن الـقمع السياسي، ومن إرهاب الدّولة. وَتُعاني من نَزع المِلْكِيَة، ومن الاسْتِـغْلَال الرّأسمالي الشّرس، والتَـفْـقِير، والتَجهيل، والتَضليل، والتَهميش، الخ. ولا تَـفهم كثير مِن فئات الشّعب أسباب مشاكلها. ولا تُدرك كثير من فئات الشّعب الـآليّات الخَفِيَة التي تَشتـغل بها الرّأسمالية. ولا تَجرؤ كثير من فِئات الشّعب على خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، دِفاعًا عن حقّها في اختيّار نَوعية النظام السياسي الذي يَخدم مصالحها. وَلَا تَجرؤ بعض فئات الشّعب على الاعتـراض على شرعية السلطة السياسية الـقائمة. وتَتَمَيَّز هذه السّلطة السياسية بِمُعاداة الشّعب، وبالاستبداد، والـفساد، والعَمَالة لإسرائيل، والعَمَالة للاستعمار، والتَبَـعِيَّة للإمبرياليّات الغَربية، الخ. وكثير من الأحزاب السياسية، تَتَهَافَتُ على قضايا ثانوية، وَلَا تَجرؤ على طرح مسألة السّلطة السياسية، أو على الانخراط في «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، بهدف فَرض حقـوق الشّعب الأساسية. وَلَا تَجرؤ على الكفاح والتَّضْحِيّة بهدف أنْ يَحْكُم الشّعب نَـفسه بِنَفسه، بِواسطة مَجالس الكادحين الثّوريِّين، المُنَظَّمِين في مواقع الإنـتاج والإقامة.
- بصدد نـقاش «الوضع الرّاهن»، أُأَكِّد أنّ مَصيرنا في المَغرب مُرتبط عُضويًّا بكل ما يجري في ما يُسمّى بِـ «الشّرق الأوسط». كما أن مصير شعوبـنا في المَشْرِق مُرتبط بِمَصير شُعوبـنا في المَغرب. وَيَستحيل الإفلات من هذا الارتباط العُضوي. بل على العَـكس من ذلك، يجب أن نَستـفيد من هذا الارتباط بهدف الدّفع بالسَّيْرُورة الثّورية إلى الأمام، سواء في المَغرب، أم في المَشرق. وطموحنا هو التَحرّر مِن التََـفْـرِقَة (التي أحدثها الاستعمار)، وَتَوحيد مُجمل شُعوب العالم العربي، في نَوع من الـفِيديرالية الثّورية. وَيَستحيل أن نستـكمل تَحرّر شُعوبـنا، بدون تَوحيد كلّ هذه الدُّويلات العربية الصّغيرة أو الضّعيفة، في نَوع مِن الفِيدِيرالية الشّاملة والثّورية. [أنْظُر كتابي “حرب سرِّية بين المَلَكِيّات والجُمهوريات العربية”، وأُنظر المُلحق الخاص بِـها في آخر هذا الاستجواب].
7 ■ الخِلافات في الآراء السيّاسية التي تُثير التَناقضات
سُؤال : ما هي بعض أُطروحاتـك السياسية التي تضعك في حالة خِلَاف، أو تَناقض، أو صراع، مع بعض قِوَى اليَسار ؟
جواب : مِن بين هذه الأطروحات النظرية، أو النـقدية، المُثيرة لِلتَّناقضات، نجد ما يلي :
- هل نـقبل النظام السياسي الـقائم، ونـقبل العمل من داخل مؤسّـساته، ومن داخل قـوانينه، أم أننا نَرفضه، ونـعمل على إسقاطه ؟ أليس من حقّ الشّعب أنْ يُـغيِّر النظام السياسي الـقائم حتي يُصبح (هذا النظام) مُجنّدًا لخدمة حاجيّات الشّعب ؟ هل يُعقل أنْ تَلجأ الطبقات السّائدة، إلى إقامة نظام سيّاسي يَخدم فـقط مصالحها الأنانية الخُصوصية، وَيُضَحِّي بِمَصالح الشّعب، ثم تَستـغل هذه الطّبقات السّائدة سَيطرتها على السّلطة السياسية لوضع قـوانين تَمنـع، وَتُجرِّم، كل رَغبة في، أو مُحاولة لِـ، تَـغيير هذا النظام السياسي القائم ؟ سُلُوك هذه الطّبقات السّائدة هو قِمّة الأنانية، والانتهازية. وهو سُلوك غير شَرعي، بَل مُناف للعَدل المُجتمعي. ومن حقّ الشّعب أن يُدافع عن حُقـوقه الأساسية، ضدّ أجهزة الدّولة المُستبدّة. وهذه الـقـوانين (التي وضعها النظام السياسي، والتي تُجَرِّم كل طُموح لِتَـغييره) هي قَوانين غير شرعية، بل ظالمة، وَمُستبدّة، وَبَاطِلة، وَتَتـنافى مع العِـقْد (social contract) غَير المَـكتوب، المَوجود بين الشّعب، والدَولة التي تَحكمه. ويتميّز هذا النظام السياسي (الـقائم في المَغرب) بِمُعاداة الشّعب، وَبِالاستبداد، والـفَساد، والعَمالة لإسرائيل، والتَبـعية للإمبرياليّات الغَربية، وللاستعمار. والمَطْلَب الذي يُطالب بِتَحويل هذا النظام السياسي إلى «مَلَكِيَة بَرلمانية» (يَسود فيها المَلِك وَلَا يَحكم، ويُوجد فيها فَصل السّلط، ودَولة الـقَانون، والدِّيموقراطية، وحقـوق الإنسان، الخ)، هو وَهْم مُضَلِّل. حيث يَستحيل أنْ يَقبل هذا النّوع مِن النظام السياسي القائم التـنازل عن امتيّازاته المُطلقة. وَمطلب «المَلكية البَرلمانية» يُحرِّف الشّعبَ عن الهدف الوحيد المُجدي، وهو إِحْقَاق حقّ الشّعب في إسقاط هذا النظام السياسي الاستبدادي، وتـعويضه بِجُمهورية شعبية ثورية، مَبـنية على أساس مجالس الكادحين الثّوريِّين.
- يَستحيل إصلاح النظام السياسي المَلَكِي الـقائم في المَغرب، من داخل مُؤسّـساته. وكل نشاط سياسي علني، أو قانوني، أو مؤسّـساتي، تَـقـوم به الأحزاب السياسية، يَعجز كلّيًا على تَـقليص الاستبداد، أو الـفساد. وَيَـفْشَل في الخَلاص مِن العَمَالة لإسرائيل، ومن التَبَـعِيَة لِلإمبرياليّات الغَربية، ومن الاستعمار.
- عَجْز النضالات الإصلاحية على تحقـيـق طُموحات الشّعب، يُؤَكِّد اِستحالة إصلاح النظام السياسي الـقائم. والنضالات الوحيدة المُفيدة، هي التي تَطرح مسألة السّلطة السياسية، وتَطمح إلى تـغيير نوعية النظام السياسي، وتـعويضه بِنظام بَديل، مبـني على أساس مجالس الكادحين الثّوريِّين، المُتواجدين في كل أماكن الإنـتاج، والإقامة، والعيش المُشترك.
- الكلام عن مُحاولات تحقـيـق إصلاحات «دِيمُوقراطية»، أو إنجاز «التَنْمِيَة الاقتصادية»، أو الحديث عن مُحاولات اِنـتـزاع «حُرِّيات سياسية»، أو «حُقـوق الإنسان»، في إطار هذا النظام السياسي المَلَكِي المُستبد، هو وَهْم، وَتَضْلِيل، ومَضيعة لِلوقت، وَلِلطّاقات. لأن هذا النظام السياسي يتـناقض مع كل تلك الطُموحات.
- إذا اعتبرنا أن مَعنى «الديموقراطية» هو «الحُرِّيات السياسية»، و«حُقـوق الإنسان»، والعَدْل المُجتمعي، وَ«تحرّر الإنسان»، يُمكن أن نُؤَكِّد استحالة تحقـيـق هذه «الدِّيموقراطية»، إذا لم نَـقُم بإلغاء الرأسمالية، وإلغاء المِلْكِيَة الخاصّة لوسائل الإنـتاج المُجتمعية. والتاريخ يَشهد أنّ الدِّيموقراطية تَبتـدئ عندما يَستـعيد الشّعب المُسلّح استـقلاله الوطني، وبعدما تَتحكّم مجالس الكادحين الثّوريِّين، في الـقرار السياسي، وفي سيرورة الإنـتاج المُجتمعي.
- مُعظم أحداث الصِّراع الطَّبقـي (الجاري في المَغرب) تَدلّ على أنّ الوعي السياسي لدى مُجمل فِئَات الشّعب، مُنـعدم، أو نادر، أو هزيل، أو ناقص، أو مَغلوط. وَلَا تَـكفي التَّوْعِيَة الـفِـكرية وحدها لِإِيـقاظ الشّعوب. بَل المُحتمل هو أنّ الضّربات المُخَرِّبَة والمُؤلمة التي تُوَجِّهُهَا الصّهيونية، وأمريكا، والإمبرياليّات الغَربية، إلى الشُّعوب الناطقة بالعربية، سَتُسَاهم، هي أيضًا، في إِيـقاظ هذه الشّعوب، وَفي إخراجها من سُباتها المُجتمعي العميق.
- 8 ■ قراءة الحركات الاحتجاجية، وإمكانية مُراكمتها
سؤال : كيـف تـقرأ أشكال الاحتجاج الاجتماعي الرّاهنة ؟ وهل تحمل إمكانيات لتـراكم سياسي نوعي، أم أنها تبقى محصورة ومجزأة ؟
جواب : • حركات «النضال الجماهيري المُشترك» نادرة [مثل حركة 20 فبراير، وحراك الرِّيـف، وزاكورة، وفيجيج، الخ]. لكنها تُـقْمَـع، وَتَتجدّد، مِن فتـرة لأخرى. وَتُوجد إمكانيّات مَوضوعية لِتَنشيط هذه النضالات، وتوسيعها، وَتَشْبِيكها، وَمَنْهَجَتِهَا. المسألة هي مسألة عَقليّات ومَناهج. ولا يُمكننا أن نَـفْلِتَ مِن مِيزات مُجتمعنا. وما لا يُوجد بَعْدُ، هو الـقـيادات السياسية الثّورية الـقادرة على تَـقـوية، وإدامة، وإنجاح، هذه النضالات. ولا أعتـقد أن الـقمع، أو إرهاب الدّولة، هو السّبب الوحيد الـقادر على تـفسير ضُعف، أو نَدرة، حركات «النضالات الجماهيرية المُشتركة». أمّا أحزاب اليسار، فـقد أبانـت، خلال الثلاثين سنة الماضية (من 1990 إلى 2025)، على أنها لا تـقدر على هذه المُهمّة، بل لا تهتمّ بها، ولا تـرغب في الـقـيّام بها. ولماذا ؟ الموضوع شاسع. ولن يكفي هذا الاستجواب لاستكشاف جميع جوانب هذه المسألة. وأفضِّل إحالة الـقارئ إلى كتابي «نَـقد أحزاب اليسار». وَيُؤسفني أن أقـول : لا يوجد أمل في قـيّادات أحزال اليسار الحالية، لكي تَـقـوم بِتَنشيط، وَتَشْبِيك، وَتوسيع، وَتجذير، حركات «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وقد يـقـول قائل : «وأنـت، ماذا تـفعل»؟ فأجيب : «طيِّب، أنا أيضًا، مُتخلّف بالمُقارنة مع ما يجب أن يكون، مثلي مثل أحزاب اليسار. وقد يكون الـفرق بيننا هو أنني أَعِـي تَخلّفي، وأعتـرف بِقُصوري». وقد شرحتُ في كتابي (الذي يحمل عنوان) «نَـقد الأنا والأنانية»، أن مُعضلة «الأنا» الكبري، هي أن هذا «الأنا» يظنّ دائمًا أنّه على صواب، وعلى حق، ويَدَّعِي أنه يرى الواقع، ويـفهمه، كما هو حقيقةً. ويعجز «الأنا» على أنْ يَـفتـرض، ولو خلال بُرهة، أنه على خطأ، أو أنّه يحمل أوهامًا. والمناضل الثوري هو الذي يُدرك أنّه يُمكننا أن نناضل بِطُرق مختلفة، وبفعالية أكبر، إذا تجرأنا على التفكير بطرق جديدة، وإذا تَجرّأنا على النضال بطرق تَـكون أكثر إبداعًا، وأكثر ثوريةً. وميزة المُفكِّر الثوري، هي أنّه لَا تَحبسه مُستحيلات، بَل يُدرك أنّه لو تـنظّم المُجتمع بشكل مُخالـف، لكان بِمُستطاعه أن يُنـتج مَنـتوجات أكثر، وخدمات أهم، ومُنجزات أحسن، ومُكْتَسَبَات أَفْيَد.
- 9 ■ كيـف التَـعامل مع النضالات الجماهيرية
سؤال : في كتاباتـك حول “النضال الجماهيري السلمي”، ما مدى راهنية هذه الاستـراتيجية اليوم؟
جواب : • لم أُرَكِّز على «النضال الجماهيري السّلمي»، وإنما رَكّزتُ على «النضالات الجَماهيرية المُشتركة». أي أنّ مسألة «السِّلْم» أو «العُنـف والعُنـف المُضاد»، تبـقـى مطروحة على الشّعب، وعلى التّاريخ.
- من بين أهمّ أساليب النضال الجماهيري المُشتـرك، نَجد : أ) المظاهرات الجماهيرية، التي قد تَـكون اِحْتِجَاجِيَة، أو مَطلبية. وَيُرجى مِن المُناضلين المُنظِّمين لهذه الأنشطة، أنْ يَحرصوا على تَهْيِيئ تَنظيم هذه المُظاهرات بِدِقّة عالية، وَبِاحْتِرَافِيَة ناضجة، مِن طرف ثَورِيِّين مُحتـرفين، ومن طرف عدّة لجان تِـقنية مُتخصِّصة، لكي تَكون هذه المُظاهرات نَاجحة، وَحَاشدة، وَدَوْرِيَة، وَمُتـكرّرة، حتّى تَحقـيـق أهدافها؛ ب) الإضراب المَحدود في مَكان الإنتاج (والذي أصبح عمليًّا مَمنوعًا، بِمُوجب قـوانين جديدة غير شرعية)؛ والإضراب العام، على الصّعيد الوطني، والـلّامحدود، والمصحوب بالتَظاهر اليومي، وبالعصيان المَدني، إلى حين تحقـيـق الانتصار، وكلّ الأهداف.
- تَاكتيك «النضالات الجَماهيرية المُشتركة» هو السّبيل الوحيد لإيـقاظ الشّعب، وَتَـعبئته، وَتَوعيّته، وَتَنظيمه، وإيصاله إلى الانتصار.
- أحد الانحرافات السياسية التي تتـكرّر، هي مثلًا أن حركة نضالية جماهيرية تَنطلـق، وتـرفع شعارات، أو مطالب، ثم تحدث اعتـقالات سيّاسية في صُفوف مُناضلي هذه الحركة، ثم تَنـتـقل هذه الحركة مِن مطالبها السياسية الأصلية، إلى الاقتصار على المُطالبة بإطلاق سراح المُعتـقلين. وإذا حدث إطلاق سراح كُلِّي أو جُزئي، تَخمد هذه الحركة، أو تتوقّـف. وهذا شكل مَخفي من التراجع. والمطلوب هو تَـعَلُّم الصُمُود، والاستمرار في النضالات الجماهيرية المُشتركة، دون أيّ تَوَقُّف، ومهما كان عدد المُعتقلين، ومهما كانـت التضحيّات، إلى أنْ يَتحقّق الانـتصار الشّامل.
- 10 ■ حَول التَشَتُّت التَنظيمي
سؤال : كيـف يمكن تجاوز التشتّت التَّـنظيمي؟
جواب : • لَا تَشغلوا بَالكم بِـمُشكل «التَشَتّت التَنظيمي». هذا مُشكل مَغلوط. ولا يُمكن أنْ يُوجد أيّ «تـعدّد تنظيمي» إِلَّا إذا كانـت لَه أُسُـسُه المُجتمعية، والطَّبقـية، والتاريخية، والسياسية، والـفكرية، والثقافية، الخ. وَحُلم «تَجْمِيع» كل المُناضلين في حزب واحد، أو في جبهة واحدة، جُرِّبَ مِرارًا، لكنه يَبـقـى رغبة مُستحيلة الإنجاز. ولماذا ؟ لأنّ هؤلاء المُناضلين يَتَـفَاوَتُون في طُموحاتهم، وَفي وَعْيِهم السياسي، وفي اِستـعداداتهم الشّخصية، وفي قُدراتهم النضالية، وفي تَجاربهم السياسية الشَّخْصِيَة، وفي مواقعهم الطبقـية، الخ. بالإضافة إلى أنّ هذا «التَجميع التَنظيمي» هو غير ضروري. ولماذا ؟ لأن المُهم ليس هو «الوحدة في تَنظيم واحد مُوَحّد»، وإنما المهم هو المُساهمة الفعلية في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الجارية في الميدان. فإذا وُجِدَت هذه المُساهمة الـفعلية في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، يُصبح كل شيء مُمكنًا، بما فيه تَنظيم هذه الجماهير (المُشاركة في النضالات) في أنواع من التـنظيمات التي تُلائم أوضاعها. وإذا لم تُوجد هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، يُصبح كل شيء مُستحيلًا، بما فيه أُمْنِيَة تَوحيد المُناضلين في تـنظيم واحد مُوحّد. ومثلًا أثناء «حركة 20 فبراير» (بين سنتي 2011 و 2013)، التي زعزعت النظام السياسي الـقائم، لم نكن نحتاج إلى توحيد كل المُناضلين في حزب، أو جبهة، أو نقابة. وإنما كنا نحتاج إلى مُشاركة أكبر عدد مُمكن من المُواطنين الأحرار في هذه الحركة الجماهيرية، والتي هي شكل من بين أشكال «النضالات الجماهيرية المُشتركة». ❊
- 11 ■ تـقـييم التجربة، وأسباب تـراجع اليسار
سؤال : عايشت لحظة بروز «اليسار الجديد» في المغرب. كيـف تُـقـيّم تلك التجربة، من حيث الرِّهَانَات، والنـتائج ؟ وما هي العوامل التي قادت اليسار إلى تـراجعه، أو تشتّته (القمع، الاختيارات الذاتية، التحولات الموضوعية) ؟
جواب : • كَيـف نُحلّل، وكيـف نَفهم، «الأزمة» السياسية التي تَـعيش فيها قِوَى اليَسار (بالمغرب) ؟ لِكي نَـفَهْم مَشاكل اليسار (في المغرب، أو غيره)، يجب أنْ نَبحث : ما هو مُلخّص تاريخ ما جرى لِقِوى اليَسار بين سنتي 1970 و 2000 ؟ ما هو الجَوْهَر، وليس التَـفَاصِيل، في هذه الأحداث ؟
أوّلًا، كانـت اِنطلاقة قـوى اليسار، والحركات الماركسية اللِّينينية الثّورية، جِرِّيئة، ومُهمّة. لكنها لم تَـكن بَعْدُ كافية على مُستوى النّضج السياسي، والـفعالية السياسية، والتَجَذُّر في الجماهير. ثمّ حدث تَسَلْسُل الاعتـقالات (بِالتِّـقْنِيّات التي عَلَّمَتها وَكَالة المخابرات الأمريكية CIA إلى “الـفرقة الوطنية للشرطة القضائية”). فَـتَمّ اِسْتِئْصَال تَنظيمات الحركات الماركسية اللينينية، خلال بضعة شُهور (من نُونـبر 1974 إلى قُرابة نهاية 1975). وَبشكل مُتواز، تَمّ إِجْتِثَات اليسار الثّوري في “حزب الاتحاد الوطني للـقـوّات الشّعبية”. وَتَعرّض المُعتـقلون لِـ صَدَمَات «الاختطاف»، و«التّـعذيب»، في «المُعتـقلات السِرِّيَة». وأَتَت مُفاجأة هؤلاء المُناضلين مِن كَونهم، قبل اعتـقالهم، كانوا يَجهلون هذه الأساليب الـقمعية. (وذلك رَغم أنّ كُرّاس «كَيْف نَتَجاوز القَمع»، الذي سبق أن نشره النوضة كَمُلْحَق لِنَشرة “إلى الأمام”، نَبّه إلى كثير من الأخطار). ثمّ أُدِين هؤلاء المُعتـقلين السياسيِّين بأحكام سِجنية طويلة الأمد، تَتـراوح بين 20 سنة من السِّجن، والسِّجن المُؤَبّد (لِتَثْبِيت إرهاب الدّولة). ثمّ عاش المُناضلون المُعتـقلون داخل السُّجون صِراعات مُشَخْصَنَة، وَبَيْنِيَة، وَذَاتِيَة، وَمُؤلمة، وَمُؤسفة.
وَثَانِيًّا، تَبَيّن أن الخُطوط السياسية التي جاءت بها تـنظيمات الحركات الماركسية اللِّينينية، كانـت خُطوة إيجابية على طريق نَـقد، أو تَجاوز، الأحزاب الإصلاحية. لكننا أَدْرَكْنَا، فيما بعد (وليس في حينها)، أنّ هذه الخُطوط السياسية كانـت بِدَائِيَّة، أو غير مُكتملة، أو غير ناضجة بما فيه الكفاية. وكان الحلّ (في سنوات 1980، ثمّ في 1990)، ليس هو التَرَاجُع الكُلِّي عنها، وإنما تَـقْيِيمها، وَتَـقـويمها، وتَثويرها. وهذا لم يَحدث.
وَثَالِثًا، حدث اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي، رَائد «الاشتراكية» آنذاك، في قرابة سنة 1990. وكان هذا الانهيّار بِمَثابة ضَربة مِطْرَقَة على رُؤُوس المُناضلين. وَرَوَّجَت وسائل الإعلام الإمبريالية الغَربية (التي تُهَيْمِن إعلاميًّا على العالم)، أُطروحة تَقول أنّ «اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي هو حُجّة على أن الطُموح إلى الاشتراكية هو وَهْم مُستحيل الإنجاز». وأنّ «الحلّ الوحيد هو الْلِّيبِيرَالِيَة» (أي الرّأسمالية). فَأُصِيبت قِوَى اليَسار ومناضلوها بِـصَدمة «الضّربة القاضية» (KO). وَساهم اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي في ظَاهرة تَخَلّى مُعظم قُدماء مناضلي الحركات الماركسية اللّينينية (وكذلك يسار حزب «الاتحاد الوطني للـقـوّات الشّعبية») عن «الثّورية»، وعن «الاشتـراكية»، وعن «الماركسية». وهكذا حدث اِنْحِرَاف، بِإِجْمَاعِ شِبْه تَام، نحو اليَمِين. وانـتـقلت الخُطوط السياسية القديمة من ثَالُوث «الثّورية» و«الاشتـراكية» و«الماركسية»، ومن «التَحالـف بين العُمّال والـفَلّاحين»، ومن «الكفاح المسلح»، إلى التـركيز، أو الاقتصار على، النضال من أجل «حقـوق الإنسان»، و«الدِّيموقراطية»، و«الْلِّيبِيرَالية»، و«الجمعيّات المَدنية»، و«المُشاركة في الانـتخابات» العُمومية، والخَطابة في البَرلمان، و «مُحاولة دَمَقْرَطة النظام السياسي الـقائم من داخل مُؤسّـساته»، والـقَناعة بِـ «سَقْف المَلَكِيَة البَرلمانية»، و الاختباء داخل «حركة مناهضة العَوْلَمَة» (alter-globalist movement)، وَتَـقليد «الحَركات البِيئِيَة» المَوجودة في أوروبّا، والـقَبُول بِـ «الرّأسمالية» كَنَمط إنـتاج أبدي، وغير قابل لِلتّجاوز. أضف إلى هذا المَزيج المُخَدِّر بِضْعَ جُرعات من “الذّاتية”، وَتَضخّم “الأنا”، و “الانتهازية”، و “الزّعاميّة”، الخ. وما زالت قِوَى «اليسار» تَعيش اليوم في هذه الوضعيّة. وَلَمْ تَـعِ بَعْدُ هذه القِوَى أنّ اليَسار الـقديم مَات مع مَوت ظُروف نَشأته التاريخية. وأنّ قِوَى «اليسار» الحالية، لَم تَتحوّل بَعُد إلى «يَسار ثَوري حقيقيّ». والمطلوب حاليًّا هو إحياء يسار ثوري من نوع جديد. يَسار يكون أكثر نُضْجًا على مُستويات الوُضُوح السياسي، والوَعْي السياسي، والجُرْأَة على التََـفْكِير، والجُرأة على النضال، والإبداع، وَالثّوريّة، وَالجَذريّة، والتَّضحية، والكفاح، والـفعاليّة السياسية. وَلَا بُدّ من الـقَطِيعة الجذرية مع أوهام «العَلنية»، و«الدِّيموقراطي اللّيبيرالية»، و «الإصلاحية»، و «الانتظارية». وبدون هذه الـقَطيعة، سنكون في حالة تَراجع سيّاسي.
وفي سنوات 1990، اِنْطلـقت، وَتَـكاثرت، وَتَنَوَّعَت، وَتَتَابَـعَت، مُحاولات «تَجْمِيع» مُناضلي اليَسار الـقُدَامَى، بهدف «جَمعهم» في «حزب يَساري مُوَحّد»، أو في «جبهة يَسارية مُوحّدة». وَتَوَالَت هذه المُحاولات خلال أكثر مِن ثلاثين سنة. وكانـت هذه المُحاولات خاطئة في مَناهجها. وكان مآلها الحَتمي هو الفَشل. ولماذا ؟ لِعِدّة اِعتبارات، وأبرزها ما يلي : أَوّلًا، لأنها كانـت تُركِّز على قضايا تـنظيمية (التَنْسِيـق، والتَّجميع، وتـكوين الهيئات، وانـتخاب أعضاء الإطارات المسؤولة، الخ)، وَكانـت تُهمل المَضامين والبرامج السياسية. وثانيًّا، لأنها حاولت «تَجميع» أفراد وجماعات، دُون وضع شُروط لِلمُشاركة، أو شُروط لِلعُضوية، الخ. وثالثًا، لأنها كانـت تَنْشَغِل بالتَوازنات، واقتسام الحِصَص، وتوزيع مَقاعد المسؤولين، فيما بين الجماعات، والتِيَارَات، والزعامات، والشخصيّات، وذلك على حساب المبادئ الثورية. وَرابعًا، لأنها أهملت تَمحيص، ونقاش، وتحليل، وَتَـقْوِيم، الخُطوط السياسية التي كانـت تَحملها تلك الجماعات، والتيّارات، والشخصيّات، المُرشّحة لِلعُضوية في «التجميع». وخامسًا، لأن مُحاولات «التجميع» كانـت تَـفْتَرِض أنّه يُمكن «تَجميع» أيّ شخص، وأيّة جماعة، وأيّ تِيّار، يَرغب في أنْ يَـكون «داخل صُفوف اليَسار» المَزعوم، ولو كانـت «يساريته» نَاقصة، أو مَغلوطة، أو مُخادعة، أو مُزيّفة. وَسَادِسًا، لأن مُحاولات «التجميع»، كانـت على أساس يَفتـرض أنّه، بعد اِنهيّار الاتحاد السوفياتي، أصبحت «الاشتـراكية»، و«الماركسية»، و«الثّورية»، كُلّها مُتجاوزة، أو مُلغاة. وَسَابِـعًا، لأن مُحاولات «التجميع» كانـت تَرغب في الـقـيّام بِعَمل سياسي «دِيمُوقراطي»، لكن بدون «ثَوْرِيَة» نِضالية. وَأثناء محاولات «التَّجميع»، اِنْـكَشَفَت على السّطح ظَواهر «الذّاتية»، و«تَضخّم الذّات»، و «الزَّعَامِيّة»، ومناورات «الحَلَقِيَة» المُسْتَتِرَة، والتَسابق نحو فَوائد البِيروقراطية التنظيمية، الخ. وكان مَحْتُومًا أنْ تَـفْشَل هذه الرّغبات السياسية. ثم اِنْحَازَ كثير من «المُناضلين» المَزعومين نحو اليَمِين (أي نحو تَـقْلِيد «الاشتـراكية الدِّيموقراطية» “la social démocratie”، المَوجودة في بُلدان أوروبّا). وبعض «أحزاب اليسار»، مثل “حزب الاشتـراكي المُوحّد“، و “حزب فِيدِيرالية اليسار“، الخ، إِنْحَازُوا نحو اليمين السياسي، حيث آمَنُوا بِـ «الْلِّيبِيرَالِية» الرّأسمالية، وَبِـ «الدِّيموقراطية الْلِّيبِيرالية»، وَبِوَهم «المَلَكِيَة البَرلمانية»، وَبِـ «إمكانيّة إصلاح النظام السياسي الـقائم من داخل مُؤسّـساته»، بِواسطة المشاركة في اِنـتخاباته العامّة. وفي سنة 2026، ما زال تَطوّر «قِوَى اليَسار» مُتَـعَثِّرًا عند هذه النّـقطة. ❊
- ومِن بين المشاكل لدى “حزب النّهج الديموقراطي“، أنه ظلّ يُعلن خطّا سياسيًّا (نظريًّا) جذريا لإرضاء مُناضليه، ويُمارس خطّا سيّاسيّا (عمليًّا) مَحدودًا، بِهَدف تَلَافِي مَنـعه. وكان “حزب النّهج” مُكَبَّلًا بشروط العمل في العَلَنِية. وكان يُركِّز على العمل في “الجمعية المغربية لحقـوق الإنسان”، وفي النـقابات (الإتِّحاد المَغربي لِلشُّغل، والكُنـفيدرالية الدِّيموقراطية لِلشُّغل). وكان “حزب النّهج” يُضَيِّع كثيرا من الطّاقات في مشاكل الـفُروع، والحُصول على «وُصُولات الإيداع الـقانوني»، وتـنظيم المُؤتمرات، الخ. وكانـت أحزاب “اليسار” الأخرى تُقاطعه، أو تَتجاهله. وظلّ يُعاني من ضُغوطات كثيرة، وصُعوبات معقّدة، وَمُضنية. ولم يَجتهد “حزب النّهج” بما فيه الكفاية مِن أجل التَوفّر على «ثَوريِّين مُحتـرفين»، وعلى مدارس لِتَـكوين الأطر الثّورية المُتخصِّصة. وبَقِيّت قـواعده مُتواضعة، أو محدودة، أو مُختـرقة من طرف المُخابرات. ولم يَقدر على تَـفعيل العديد من المهام الثورية، مثل تَوضيح مسألة السّلطة السياسية، أو الاستـعداد لَهَا. ولم يكن يُمارس (بشكل عَلني وَمَـكتوب) الجِدَال والنَّـقد السياسيّين، تُجاه الأطروحات السياسية (البُرجوازية الصّغيرة) الشّائعة في السّاحة السياسية. وآمن “حزب النّهج” بإمكانية تَعاونه مع حزب “جماعة العدل والإحسان” الإسلامية. لكنه فشل في هذه المُحاولة.
- وكانـت قـيّادة “حزب النّهج” تـقـول أنّ «حزب النّهج هو اِمتـداد لِمُنظّمة إلى الأمام». وكان هذا الـقَول يهدف إلى مُحاولة اِستـثمار رصيد “منظّمة إلى الأمام” لِمَصلحة “حزب النّهج”. لكن الحقـيـقة هي أنّ الخَطّ السياسي لِـ “حزب النّهج”، يَختلـف عن الخَطّ السياسي لِـ “مُنظّمة إلى الأمام”. بل تُوجد قطيعة بينهما.
- بَقـيّت حَصيلة تجارب قِوَى اليسار (من 1956 إلى اليوم في 2026) مُتواضعة. ولم يَتحقّق الطُموح إلى الثّورة المُجتمعية بعد. وهذا يعني أن شعب المَغرب ما زال في بداية الطريـق نحو التَحَرُّر. وهذا الوضع يَدلّ على ضرورة الاستمرار في الكفاح بِقِـوَى أكبر (وليس التَهاون، أو المُساومة، أو التـراجع إلى الخلف). ومن بين أهمِّ أسباب ضُعف الحصيلة التاريخية لـقـوى اليسار، أذكر ما يلي :
– لا يُمكن لأيّ شعب أن يُنـتج أحزاب ثورية، وأنْ يَنجح في إنجاز ثورة مُجتمعية، إذا لم تَتوفّر شُروط مُجتمعية مُحدّدة في هذا الشّعب. وكل شيء في المُجتمع هو مَشْرُوط بِشُروط دقيقة. بينما شعب المَغرب، في المرحلة التَاريخية الرّاهنة، هو في حالة اِنحطاط مُجتمعي. ومن بين مظاهر هذا الانحطاط، نجد مثلًا : تَشابك أنماط إنـتاج مُختلفة، أو مُعَوَّقَة؛ وطبقة المُسْتَـغِلِّين الكبار السّائدة في المُجتمع هي هَجينة، أو مُتخلِّفة؛ ومظاهر الأُمّية؛ والجَهل؛ والتَّضليل السياسي؛ وقَهر المُواطنين وَإِذْلَالِهم؛ والرُّعب مِن إرهاب الدّولة وقمعها؛ والخَوف مِن السيّاسة والسِيّاسيِّين؛ وَغِيّاب الاجتهاد السياسي؛ وَالنُـفُور مِن بَدْل المَجهودات النضالية؛ وَتَـفْتِيت الشّعب إلى أفراد أَنَانِيِّين وَمُتَنَافِرِين؛ وَاِسْتِلَاب المُواطنين؛ وَغِيّاب أو هزالة الوعي السياسي؛ والدُّوخَة السياسية؛ واِلاستسلام السياسي؛ وقَمع أو تَجفيـف النـقاشات السياسية النّاقدة؛ والتَسابق نحو جمع المَال والمُمتلكات؛ والتـراجع عن المبادئ والأخلاق؛ وشُيُوع الـفَرْدَانِيَة؛ والأنانية؛ والنِّـفاق؛ والتَركيز على الشُؤُون الشّخصية؛ والْإِعْرَاض عن الـقَضايا الجماعية؛ والانـتهازية؛ والغِشّ؛ وَنَدْرَة التَضَامن؛ وَارْتِبَاط التَّهْمِيش، وانـتشار الـفَقر، مع الاستـعداد لِلْاِرْتِزَاق، وَحتّى لِلخيّانة؛ وغيّاب الاستـعداد للتّضحية من أجل الجماعة أو الشّعب؛ الخ).
– الـقِـوى المُعادية للشّعب (أي طبقة المُسْتَـغِلِّين الكبار، والنظام السياسي، والاستـعمار، والإمبرياليات الغربية، وإسرائيل) ضخمة، وقـويّة، ومُتعاونة، وشرسة، وَمُتَمَرِّسَة. وهؤلاء الأعداء يعملون بِحِسٍّ اِستباقي، وَبِعَقلانية، وَبِـفَـعالية. ولديهم المَوارد المادّية لِتَجنيد العُملاء، وَلِتَنـفيذ سيّاساتهم المُفترسة. بينما الـقِوَى المُعارضة خَائـفة، أو مُتهاونة، أو ضَعيفة، أو مُسْتَلَبَة، أو مُتـذبذبة، أو مُتـراجعة، أو مُستسلمة.
– معظم الـقـيّادات السياسية ظلّت دون المُستوى المطلوب، بالإضافة إلى ضُعف الوعي السياسي، وغِيّاب أو هزالة النظرية الثّورية، وغيّاب أو ندرة المُحتـرفين الثوريِّين، وغيّاب أو ندرة المُثـقّـفـين العُضوِيِّين الثّوريِّين، وضعف المُساهمة في حركات النضالات الجماهيرية المُشتـركة، الخ. ❊
- 12 ■ تـفسير أزمة اليسار، والتـنظيم، والنظرية، والعلاقة بالجماهير
سؤال : في ضوء كتاباتـك النقدية، كيـف تـفسّر أزمة اليسار اليوم: هل هي أزمة تنظيم، أم نظرية، أم استراتيجية، أم علاقة بالجماهير؟
جواب : لَا تَنـبع «أزمة» أحزاب اليسار في المغرب عن مشاكل «تَنظيمية»، أو «نَظرية»، أو «اِستراتيجية»، وإنما تَنـتج عن طبيعتها الطَّبـقية. ونسبة هامّة مِن بين مُـكوِّنات أحزاب اليسار تَنـتمي إلى طبقة ما يُسمّى عادةً بِـ «البُرجوازية الصّغيرة». وأنا شخصيًّا أَتَلَافَى اِستـعمال هذا المُصطلح. وفي كتابي المُعنون بِـ “طَبقات المُجتمع”، أوضحتُ ما يُوجد في مَفْهُوم «البُورجوازية الصّغيرة» مِن غُمُوض، أو نَواقص، أو تَصوّرات خاطئة. وأستـعمل مَفاهيم طَبقـية أخرى، مثل «طَبقة المُسْتَـغِلِّين» (الكبار، والمتوسِّطين، والصِّغار)، و «طَبقة المُسْتَـغَلِّين»، و «طَبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون». وَلكي لَا أُرْبِكَكَ بمفاهيمي الجديدة، سأستـعمل مَفهوم «البُورجوازية الصّغيرة» الكَلَاسِيكِي المَعروف. وجزء هام مِن «البُورجزية الصّغيرة» هم أشخاص «لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون»، والأقلِّية الباقـية هم «مُسْتَـغِلُّون صِغَار». وكثير مِن المُـفكِّرين الماركسيِّين درسوا خَصائص طَبقة «البُورجوازية الصّغيرة»، عبر الثورات التّاريخية المُختلفة. وَيُجمع هؤلاء المُـفكِّرين على أنها طبقة مُـعَـقَّدة، وَمُلْتَبِسَة. وَتَـغلب عليها صِفَات «التَذَبْذُب»، أو «التَرَدُّد»، أو «الغُمُوض»، أو «التَناقض»، أو «عَدم الاستقرار»، وحتّى «الانتهازية». فَتَصْطَفّ تَارةً «البُورجوازية الصّغيرة» إلى جانـب الطَّبقات المُسْتَـغِلَّة السّائدة، وتارةً أخرى إلى جانـب الشّعب، أي إلى جانـب «طَبقة المُسْتَـغَلِّين»، و «طَبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون». فَتـكون طبقة «البرجوازية الصّغيرة» ثَورية خلال بعض الـفَتـرات التاريخية القصيرة، وتـكون مُحافظة، أو مُتخاذلة، أو مُرتبكة، أو اِنتهازية، خلال كثير من الـفتـرات الأخرى. ومن الشّائع أنّ جزءًا هامًّا من طبقة «البُورجوازية الصّغيرة» يُدافع عن المصالح الشّخصية الـفَرْدَانِية الأنانية، ويُحارب الـقـوى الثّورية الجذرية، ويُـعادي كذلك الأطروحات السياسية الثّورية، أو الاشتـراكية، أو الشيوعية. وَتَخشى «البُورجوازية الصّغيرة» الـقمع السياسي، وَتَبتـعد عن الحركات النضالية الجماهيرية الثورية، وَتحطات كثيرا من المُناضلين المُنـبثـقـين من الشّعب. وغالبًا ما تَكون الأحزاب أو الـقِوَى السياسية المُنْبَثِـقَة مِن «البُورجوازية الصّغيرة» مُتَـعَدِّدة، وَمُتَنَوِّعة، وَمُتَـفَاوِتَة، وَمُتَنَافِسَة. ولا تَـقدر طبقة «البُورجوازية الصّغيرة» على قـيّادة الثّورة المُجتمعية، أو إنجاحها. لكن تاريخ العديد مِن الثّورات عبر العالم يُبَيِّن اِستحالة إنجاح الثّورة المُجتمعية بدون خَوض النضال السياسي داخل «البُورجوازية الصّغيرة»، أو بدون كَسْبِ غَالِبِيَّتِهَا إلى جانـب مُعسكر العُمّأل والـفَلّاحين الصِغَار، أي إلى جانـب «طَبـقة المُسْتَـغَلِّين». الشيء الذي يُشْتَرَطُ فيه خَوض صراع سيّاسي، وفكري، وثـقافي، ومُتَوَاصِل، داخل صُفوف هذه «البرجوازية الصّغيرة». وتحتاج الـقِوَى الثّورية إلى موارد مادِّية ضخمة. وأفراد «البُرجوازية الصّغيرة» المُتـنوِّرين هم الـقادرين على تَوفير هذه المَوارد المادِّية إلى الـقِوَى الثّورية.
- 13 ■ نَـقد أحزاب اليسار بالـمَغرب
سُؤال : لماذا تَنْتَـقِد أحزاب اليسار بالمغرب ؟ وما هي أهمّ الأفكار، أو السُلُوكِيّات، التي تَنـتـقدها في أحزاب اليسار ؟
جَواب : • أنا أحتـرم، وَأُقَدِّر، كل الـقِوَى السياسية التي تُناضل، بهدف خدمة الشّعب، سواء كانـت هذه الـقِوَى تَقدّمية، أم يَسارية، أم اشتـراكية، الخ. لكن هذا «الاحترام» لَا يُبرّر إلغاء حقّ النّـقد. ومنـع «النّـقد»، هو بِمَثابة «مَنـع حُرِّية التَّـعبير».
- خَصَّصْتُ كتابي المُعنوَن بِـ “نَـقد أحزاب اليسار” لِاسْتِـكْشَاف، وشرح، ونَـقد، نـقط الضُّعف المَوجودة في أحزاب اليسار بالمَغرب. وهي كثيرة. وَقد فَصَّلتها في الكتاب. وَمُمارسة النّـقد السياسي المُتبادل هي ضرورة حيويّة. حيث يَستحيل إنجاز التَـقدّم المُجتمعي بدون مُمارسة هذا النّـقد السياسي الثّوري المُتبادل. ولو أنّ النّـقد لا يَدخل ضِمن عادات حضاراتنا العَربية أو الإسلامية. ورغم أنّ الجِهات المُنْتَـقَدَة تَرُدّ عادةً على النّـقد السياسي بِالمُخاصمة، أو التَّشهير، أو العَداء. وقـيّادات أحزاب اليسار الحالية، وكذلك أُطُرُهَا، ونحن أيضًا، كلّنا حاليًّا دُون المُستوى المَطلوب. وَحتّى قـيّادات «أحزاب اليسار» تُريد مَنـعنا من نَـقدها. لكن كيـف يَجوز نـقد النظام السياسي القائم، وَلَا يَجوز نَـقد أحزاب اليسار ؟ كيـف يُمكن لِشَعبـنا أنِ يَصْحُوَ مِن تَخلّفه إذا لم نُمارس جميعًا «النّـقد السياسي المُتبادل»، و«المُراقبة المُتبادلة»، و«المُحاسبة المُتبادلة» ؟ وأقـول بصراحة : قِيّادات أحزاب اليسار الحالية، ليست مُستـعدّة لِلتّضحية. وليست في المُستوى النضالي المطلوب. وَتَنـفر مِن «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وحتّى غالبية جماهير الشّعب غير مُرضية. ويحقّ نَـقدها [أُنظر كتابي “نَـقد الشّعب”]. ولماذا ؟ لأن مُعظم المُواطنين غارقين في الرِّضَى عن النَّـفس، والجهل، والـفردانية، والأنانية، والانتهازية، والخوف من إرهاب الدولة، والْاِسْتِلَاب بِجَمع المَال، الخ. وأعتـرف أننا كلّنا مُتخلِّفون. ولا نَـعِـي بَعْدُ درجة الانحطاط الذي غَرِقت فيه شُعوبـنا العربية، أو المُسلمة. ونحن جزء من هذه الشعوب العربية المُتخلِّفة. وحتّى إذا اِستمرّت الـقـيّادات السياسية الحالية لأحزاب اليسار، في مُمارسة نَـفس المَناهج السياسية القديمة، خلال عُقـود إضافية، فَمِن المُستبعد أن تـقدر على إنـتاج الوُضوح (بدلًا مِن إنتاج الغُموض)، وَتَحرير الطّاقات (بدلًا مِن تَـكبيلها)، والجُرأة على المُبادرة (بدلًا مِن البقاء في الانـتظارية، أو اليأس)، وَنَشر الأفكار الخَلّاقة (بدلًا من نَشر الأطروحات المُضَلِّلَة)، والجُرأة على المُقاومة والنضال (بدلًا مِن التَراجعات الـلّا مُنتهية). وَلَا نَـقْنَـع بِأقلّ مِن خَلـق بَشَر، أو إنسان، ثوري، مِن نَوع جديد. وَمَن لَا يُعجبه هذا النّـقد السياسي، يَجب عليه أنْ يَرُدَّ عليه بما هو أَفْيَد منه، إِنْ قَدِرَ على ذلك.
- من هي «الأحزاب اليسارية»، أو «الثّورية» ؟ كلّ حزب لا يُدرك اِستحالة إصلاح النظام السياسي الاستبدادي الـقائم (في المغرب)، من داخل مؤسّـساته، أو لَا يَـعِـي أن المُشاركة في البرلمان، أو في الجماعات المحلية، هي مَضيعة للطّاقات، أو لَا يَـفهم اِستحالة تحقـيـق «الدّيموقراطية»، أو «المَلَكِيَة البَرْلَمانية»، في إطار هذا النظام السياسي الاستبدادي الحالي، هو بالضّرورة حزب مُحافظ، أو يَمِينِـي. وَلَا يُعقل التَـعْوِيل عليه.
- بعض أحزاب اليسار الحالية، تُحِبّ حَمْل أسماء تَصف نَـفسها بِكَونها «دِيمُوقراطية»، أو «اِشتراكية». وفي نـفس الوقت، تَـقبل هذه الأحزابُ «الرّأسماليةَ»، وَتُعادي «الاشتـراكيةَ»، وَتـكره الـفكرَ الماركسيَّ، أو تُحاربه، وَتَنْـفُر من المُشاركة في النضالات الجماهيرية الثّورية. وهذه اِنـتهازية مَكشوفة. ❊
- وَلِؤُلَائك الأشخاص المَسْؤُولين الحِزبيِّين الذين يَتَلَافَوْن إشراك الحزب في النضال، خوفًا مِن تَعرّضه للقمع، وَلِؤُلَائك الذين يُضحّون بكلّ شيء للحفاظ على الحزب، يجب أنْ نُذَكِّرهم أنّ الحزب الثّوري، ليس هدفًا في حدّ ذَاته. وإنّما هو وسيلة لِخَوض النضال الجماهيري الثّوري، ولإنجاح الثّورة المُجتمعية، التي تُـغَيِّر كل مُكوِّنات المُجتمع. وهدف كل حزب، أو نـقابة، أو جمعية، أو غيرها، هو المُساهمة في تَهيئ وإنجاز الثّورة المُجتمعية التَحَرُّرِيَة. وكل هيئة، أو جمعية، أو نـقابة، أو حزب، لا يُساهم في تَهْيِئ وإنجاز الثّورة المُجتمعية التَحرّرية، يصبح وجوده مُجرّد عَبث غير مُفيد.
- تُوجد فُروقات كبيرة بين الخُطوط السياسية النظرية التي تُعلنها أحزاب اليسار الحالية بالمَغرب، وخُطوطها السياسية الفِـعْلِيَة التي تُمَارسها على أرض الواقع. والواجب هو أن نَحكم على كلّ حزب، ليس على أساس الخَط السياسي النَظَرِي الذي يُـعلنه (الأقـوال)، وإنّما على أساس الخط السياسي الـفِـعْلِي الذي يُمارسه في المَيْدان (الأفعال). ❊
- تَضخّم الأجهزة الـقمعية، وَتَشدد الـقَمع السياسي، يَفرضان تَجاوز العمل بأسلوب «الحزب الواحد المَركزي». حيث إذا تـعرّضت قـيادات هذا «الحزب الواحد المَركزي» للاعتـقال، أصبح هذا الحزب مَشلولًا، أو مُعَوَّقًا، أو عاجزاً عن المقاومة، أو عن البقاء على قيد الحياة. لذا يَتوجّب تَـفضيل العمل بأسلوب تـقسيم الحزب إلى تـنظيمات، أو أنوية، تَـكون مُتـعدّدة، وشبه مُستـقلّة، وشبه سرّية، أو سرّية بالكَامِل.
- يَـفرض تَصاعد الـقَمع السيّاسي ضرورة إقامة رَبط مَرِن، وذَكِي، بين الأعمال السياسية العَلنية، والأعمال السياسية السِرِّيَة.
- على خلاف بعض المُناضلين، أو بعض الجماعات، الذين يَتَلَافَوْن المُساهمة في «النضالات الجَماهيرية المُشتـركة»، إلى أنْ يَزول خطر التَـعرّض لِـ «الـقمع السياسي»، يجب أنْ نُـعلّم كلّ هؤلاء المناضلين، من جديد، فُنون النضال تحت نِيران العَدو، وَفُنون تَجاوز الـقَمع، وفنون الصُّمُود، والاستـعداد للتّضحية، الـفردية والجماعية. ولماذا ؟ لأنه يَستحيل وُجود «نضالات جماهيرية مُشتـركة»، ويستحيل بُلوغ أيّ تَحرّر مُجتمعي، بدون وُجود قَمع سياسي، أو بدون حُدوث اِعتـقالات سياسية، أو بدون بَذل تَضحيّات جَسيمة.
- يجب العَمل على الإرتـقاء بِمُستويات أحزاب اليسار إلى الدَّرَجَات الثّورية الطّليعبة التي نَتمنّاها. لكن مِن الواجب أن نَتَذَكَّر، في نـفس الوقت، أنّه إذا كان الشّعب في حالة تَخلّف (بِمَعنى شُيُوع الجهل، والفردانية، والأنانية، والاِستلاب، وغيّاب الوعي السياسي، والخوف من إرهاب الدولة، وغيّاب الاستـعداد للتّضحية، الخ)، فإن هذه الأحزاب لن تستطيع تَعبئة جماهير الشعب، أو تَوعيّتها، أو تَنظيمها، أو التَجَذُّر فيها. وفي هذه الحالة، يجب البدء بالعَمل على تحويل الشعب مِن «كائن في ذاته» (in itself)، إلى «كائن لِذَاتِه» (for itself). وذلك من خلال التَحسيس، والتَّوْعِيَة، والتَمرين عبر نضالات جماهيرية بسيطة. ولو أننا نُدرك أنّ نـتائج هذه النضالات الأوّلية ستـكون مُتواضعة، أو هزيلة، أو حتّى فاشلة.
- يُمكن أنْ نَـقْبل خوض «النضالات الجماهيرية المشتـركة»، ضدّ النظام السياسي القائم، مع أشخاص وجماعات وأحزاب مُعتـدلة، أو تـقدّمية، أو إصلاحية، أو غير ثوريّة، في إطار نوع مِن «الحركة الشّعبية»، أو «الجبهة الوطنية». لكننا نَرفض تَواجد هذا الصِّنـف مِن الأشخاص والهيئات السياسية داخل حزب ثوري، أو اشتـراكي، أو شيوعي.
- تُوجد أحزاب سياسية «إدارية»، أو «مَخزنية»، أو «مُحافظة»، أو «يَمِينِيَة» (بما فيها “حزب التـقدّم والاشتـراكية”، و “حزب الاتحاد الاشتراكي”). وهي تُساهم في «الْلُّعبة السياسية» الرّسمية، وَتُشارك في قَهر شعب المَغرب، وفي نهبه. لأنها تَتـكوّن مِن مَجموعات مِن الأشخاص الطُفَيْلِيِّين، أو الانتهازيِّين. ولا تُفيد هذه الأحزاب الشّعبَ بأيّ شكل مِن الأشكال. بل تُساهم في تَضليل الشّعب، وفي قَمعه، وقهره. وتتظاهر هذه الأحزاب بكونها «أحزاب سياسية»، بينما هي مجموعات اِنـتهازية، ومُخادعة. وَتُمارس «الْاِرْتِـزَاق»، مِن خلال المُشاركة في لُعبة سيّاسية شَكليّة، وَمُضلِّلة. وتـعيش مِن الـقُرب مِن السّلطة السياسية، ومن خِدمتها، ومن المُكافآت، ومن «الرِّيع السياسي»، وَمِن اِستـغلال النُفوذ، ومن تضارب المصالح، ومن الـفساد، والغِش. ولا يَهمّها سوى الاغتـناء الشّخصي السّريع وغير المشروع.
- بعض مناضلي أحزاب اليسار، مُصابون بأمراض الذّاتية، أو الأنانية، أو الزّعامثة، أو الانـتهازية الخفية. وقد لا يَجدون حَرَجًا في أنْ «يَرْتَزِقُوا» هم أيضًا من الاقتـراب من السّلطة السياسية، أو مِن المُشاركة في خِدمتها.
- «الحِزب السيّاسي» هو من بين أهمّ وسائل خَوْض الصّراع الطبقـي. ولا يَـكفي أن يَـكون هذا الحزب هو «حزب الطبقة العاملة» لكي يَـكون ثوريّا، وناجحًا. وحتّى إذا كَانت أغلبية أعضاء الحزب عُمَّالًا، لَا يَضمن هذا المُعطى شيئًا. والتجربة المُعاشة، في واقع مُجتمعي مُحدّد، هي التي تُبَيِّن كيـف يجب أن يَـكون الحزب، وكيـف يجب أن يَعمل. وَلَا يَـكون تَدبير الحزب، حسب تصوّر نظري مُسبق، وجامد، وإنما حسب تَطوّر الأوضاع القائمة في المُجتمع. وبعض التجارب (الـقديمة والحديثة) تُوضِّح ضرورة أن يَـكون الحزب ثَوْرِيًّا، وجماهيريّا، وَذِي فُروع مُتـعدِّدة وَمُتـنوِّعة. منها مثلًا فَرْع لِلتَّـكوين السياسي والبحوث العِلْمِيَة. وَفَرع لِتَتَبُّع أنشطة الـقِوَى السياسية الأخرى، والتَّنسيـق معها. وَفَرع عَلَنِي (أو شبه علني)، وفرع (أو فُروع) سِرِّيَة. وفرع خاص بالمَوارد المالية. وَفَرع يُمارس اليَقظة تُجاه المُخابرات العَدُوَّة، وَيُنـفِّذ الإجراءات الأوّلية الضرورية لِمُكافحة التَجسّـس المُعادي، أو مُحاولات الاختراق. وَفَرع مسلّح بالأدوات والتـقنيات الضرورية. وفرع دِبلوماسي مُتخصِّص في الإِتِصَالات العالمية، إلخ. ولماذا ؟ لأن نَجاح الحزب في إنجاز طُموحاته، يَتَطلّب أن يَتحوّل هذا الحزب إلى مشروع دَولة داخل الدّولة الـقائمة، في انـتظار أن يُصبح هو الدّولة المُدَبِّرة لِلْمُجتمع.
- 14 ■ سبب فشل التجذر في الجماهير، ومعيـقات بـناء قاعدة شعبية
سؤال : لماذا فشل اليسار الراديكالي في تحقـيق امتـداد جماهيري واسع، رغم تـفاقم الأزمات الاجتماعية ؟ وما هي معيـقات بـناء قاعدة شعبية ومؤثّرة ؟
جواب : • فَشل قِوَى اليسار الثورية في تحقـيـق التَجَذُّر في صُفوف الطبقة العاملة، وفي عُموم الجماهير الكادحة المُسْتَـغَلَّة، له أسباب مُتـعدِّدة وَمُعـقّدة. وإذا كانـت بعض الأسباب داخلية لـقـوى اليسار، فإن بعضها الآخر خارجية. ومن بين عناوين هذه الأسباب، أذكر ما يلي : (أ) نَوْعِيَّة أعضاء قـيّادات قـوى اليسار. (ب) نوعيّة الأعضاء في قَواعد قـوى اليسار. (ت) نَوعيّة الخُطوط السياسية المُنـفّذة على أرض الواقع (وليس الخُطوط السياسية المُعلنة نظريًّا). (ث) غيّاب الثّوريِّين المُحترفين. (ج) قلّة العُلماء، والتِـقْنِيِّين، والمُبدعين، في أوساط قـوى اليسار. (ح) ضُعف الإبداع في مَجال تَطوير أساليب الدِّعاية، وأساليب العمل السياسي، وأساليب التـنظيم، وأشكال التـنظيم، وأساليب النضال السياسي، وأساليب الاستـقطاب، الخ. (خ) ضُعف الوعي السياسي المَحمول من طرف مناضلي قـوى اليسار. (د) مَحدودية الاستـعدادات النضالية لدى أعضاء قـوى اليسار، وضُعف التَهَيُّؤ لِلتّضحية. (ذ) عدم تَوفّر قـوى اليسار على وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة والمُؤَثِّرة، مثل التلـفزة، والإذاعة، ومواقع الإنـتـرنيت، والـفيديوهات، والتسجيلات الصّوتية، الخ. (ر) أوضاع الطبقة العاملة، وعُموم الكادحين المُسْتَـغَلِّين، المادية، أو الـفكرية، أو النَّـفسية، تَجعلهم يَنْـغَلِقُون على أنفسهم، وَيَحْذَرُون من السياسة، ومن السياسيِّين، أو تَجعلهم يَتهرّبون مِن الإتّصال بهم، أو تَجعلهم يَخشون عَواقب النضال، أو تَجعلهم يَحطاتُون مِن الـقمع السياسي، أو مِن إرهاب الدّولة، الخ. (ز) بعض الأحداث الدّاخلية (مثل الاعتـقالات)، أو العالمية (مثل اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي، أو تصاعد هجمات الـقِوَى اليَمِينية في مُعظم أقاليم العالم، أو إنحرافات بعض رُوَّاد الاشتـراكية مثل رُوسيا والصِّين، الخ)، لَا تُشجّع على المُشاركة في النضالات، أو التـنظيمات، الخ. (س) الـفرق الشّاسع بين تَكوين المناضلين الثّوريِّين، وتـكوني المُواطنين الكادحين المُسْتَـغَلِّين العَادِيِّين. (ش) ظاهرة النَّـقْص في قَابِلِيَّة الكادحين المُسْتَـغَلِّين للإتِّصال السياسي، أو للتَّـفَاعُل السياسي، أو للمُشاركة في «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، وهذا المُعطى المُجتمعي هو تاريخي، وقد يَنًمُو أو يَضْعُف، وذلك حسب تطوّر الظُروف (الوطنية والعالمية) التي تُمَيِّز كل مرحلة تاريخية. (ص) الأزمات الاقتصادية، أو السياسية، أو الثـقافية، أو اِشْتِدَاد الاستـغلال الرّأسمالي، لَا تُحْدِثُ بشكل حَتْمِي، أو آلي، ثَورات مُجتمعية. وإذا لم تَتوفّر شُروط الثّورة المُجتمعية، فإنها لا تَحدث، حتّى ولو كانـت هذه الأزمة المَعنية ضَخمة، أو تَحُثّ على الانفجار. الخ.
- 15 ■ آفاق التـغيير في المغرب
سؤال : في ضوء كل ما سبق، كيـف تـرى آفاق التـغيير في المغرب ؟
جواب : • حُظوظ أو آفاق تـغيير المُجتمع في المَغرب موجودة. وَتَتَابُع الحركات الجماهيرية الاحتجاجية، أو المطلبية، رغم إرهاب الدولة، يُؤكِّد ذلك. وما دامت الرّأسمالية قائمة، ستبـقى طبقات المُجتمع موجودة، ومُتـناقضة، ومُتصارعة. ومادام وُجود تَناقض بين الطّابع المُجتمعي للإنـتاج، والطّابع الخُصُوصي لِمِلكية وسائل الانـتاج، فإن الثورة المُجتمعية سَتـظل في جدول الأعمال. والمنطق يَقـول : إنّ إنجاح الثّورة المُجتمعية، مَشروط بأن يكون برنامج هذه الثّورة يَخدم مَصالح تَحالـف طبقي سيّاسي، يَشمل عدّة طَبقات، أو فئات طبقـيّة من الشّعب. وهي : العُمّال المأجورين المُسْتَـغَلِّين، والـفلاحين الصغار والمُتوسطين، والتُجّار الصِغار والمتوسّطين، والمُعَطَّلِين، والمُهَمَّشِين، والشّباب، والمُثـقّفين المُتـنوِّرين، والتِـقْنِيِّين، والحِرَفيِّين، وطبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَـلُّون، وطبقة المُسْتَـغِلِّين الصغار، [أنظر كتابي : “طَبقات المُجتمع”]. لكنّني لَا أعلم كل شيء، حيث أنّ الحَذر النَّـقْدِي يُذكِّرنا أنّ المَنطق النظري قد يَـكون شيئًا مُـقنعًا، لكن التاريخ الفِـعلي يُمكن أن يَكون شيئًا مُخالفًا.
- كانـت اِستـراتيجية تَنظيم “إلى الأمام” (في سنوات 1970) تَتـكلّم عن «العُنـف الثّوري المُنظّم»، و«الكفاح المُسلّح»، و«حرب التَحرير الشّعبية»، و«الـقَواعد الحَمراء المُتحرِّكة»، الخ. وكان ذلك اِقْتِدَاءً بِثَورات نَاجحة كانت جارية آنذاك، مثل ثورات الصِّين، وَفِتْنَام، الخ. وبعدما طَوَّرَت الإمبرياليات، وكذلك الأنظمة السياسية المُستبدّة، أَدوات فَعّالة لِسَحق مثل هذه الأساليب الثّورية، أصبح ضروريًّا تصوّر اِستراتيجيات مُخالفة. وبعد الثّورة في إيران في سنة 1979، تَوضّحت إمكانية نَمُوذج اِستـراتيجية أخرى. وهي استـراتيجية الاضراب العام، وَالْـلَّامَحًدُود، وعلى الصّعيد الوطني، والمصحوب بالعصيان المدني، وَبِمُظاهرات شعبية يَوميّة، وَحَاشدة، وَمِلْيُونِيَة، إلى أنْ يَرحل الحُكّام، وأن يَسقط النظام السياسي القائم.
16 ■ التّحالـفات، مثل التحالـف مع الإسلاميين، وشروط بـناء جبهة
سؤال : كيـف تُـقـيّم مسألة التحالـفات ؟ وكيـف تَرى التَحالفات بين أحزاب اليسار ؟ وما شروط التَحالـف بين اليَساريين والإسلاميين؟ وهل يمكن بـناء جبهة نضالية واسعة، وما هي شروطها، وحدودها ؟
جواب : • «التَحالف» هو نَوع مِن «الجَبهة». كما أنّ «الجبهة» هي نَوع من «التَحالف».
- سبق لي أن طَرحتُ نَظرية دقـيـقة حول «التحالفات» بين القِوَى السيّاسية، في الـفصل 6، من كتابي “نَـقد الحركات الإسلامية”. وأوضحتُ أنّ شَرط إقامة وإنجاح «تَحالق» بين قُوّتين سيّاسيّتين، هو أن تَـكون لكلّ واحدة منهما أهداف اِستـراتيجية مُتشابهة، وأن لَا تَـكون لهما أهداف اِستـراتيجية مُتناقضة.
- يَجب أنْ يَكون مُبرّر وُجود «التحالـفات» بين الـقِوَى السياسية، وهدفها، هو خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، من أجل خِدمة مصالح الشّعب، وَتَثْوِير المُجتمع. فَإِنْ لم يكن هدف «التحالفات» السياسية هو خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، تُصبح هذه «التحالفات» مَضْيَـعَة لِلوقت، وَلِلطّاقات. ويكون مآلها هو الفشل.
- “الحزب الاشتـراكي الموحّد”، وكذلك “حزب فيديرالية اليسار”، يَحْصُران أنشطتهما السياسية في المشاركة في الانـتخابات العامّة. وَيَـقبلان البَـقاء في إطار الرّأسمالية. وَيَحْرُصَان على تَسْقِـيـف نضالات الجماهير بِسَقف «المَلكية البَرلمانية». ويُعَادِيَّان المناضلين الذين يطرحون شعار «إسقاط النظام». ويُريدان «إصلاح»، أو «دَمَقْرَطَة» النظام السياسي الـقائم، من داخل مُؤسّـساته [مثلما ظلّ يَـفعل حزب “الاتحاد الاشتـراكي للـقـوّات الشّعبية”، الذي تَحوّل إلى حزب مُسَخَّر لخدمة النظام السياسي الاستبدادي القائم]. وهذا هو سبب تَهَرُّب حزبي “الاشتـراكي الموحّد”، و”فيديرالية اليسار”، من المُساهمة في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وهو كذلك العُنصر الذي يُفسِّر نُـفُور هذين الحزبين من خَوْض أيّ «نضال جماهيري مُشترك» مع الـقـوى الثّورية. وهذا موقف مُحافظ، وَيَميني، ومُضرّ بمصالح الشّعب. والطموح الأقصى لحزبي “الاشتـراكي المُوحّد”، و”فيديرالية اليسار”، هو تَـقليد تجربة “حزب الاتحاد الاشتراكي”، أو إِعَادة إِنْتَاج تجربة “الحزب الاشتراكي” المَوجود في فرنسا. وهي كلها تجارب فاشلة. وما دام هذان الحزبان على هذه الاختيارات الاستـراتيجية، سيكون من الصّعب، بَل من المُستحيل، التَـعْوِيل عليهما، أو «التحالف» معهما.
- في مَجال «العَمل المُشتـرك»، أو «النضال الجماهيري المُشترك»، فيما بين الـقِوَى السياسية التَـقَدُّمِيَة، أو اليسارية، لَدَيّ عِدّة «لَاءَات» مَبدئية. وهي التّألية :
1- لَا لِلمُشاركة في تَجميع قِـوى اليسار على أساس الإيمان بإمكانية إصلاح النظام السياسي الـقائم من داخل مؤسّـساته وقوانينه.
2- لَا لِلمُشاركة في تَجميع قِـوى اليسار على أساس المُطالبة بِوَهْم «المَلَكِيّة البَرلمانية».
3- لَا لِلعمل المُشتـرك المَبـني على أساس تَسْقِـيـف النضالات الجماهيرية المشتـركة بِـ «سَقف المَلكية البَرلمانية».
4- لا لِلمُشاركة في تَجميع قِوى اليَسار على أساس الإيمان بوَهْم «تحقـيـق الدِّيموقراطية» الْلِّيبيرَالِيَة في إطار النظام السياسي الاستبدادي الحالي.
5- لَا لِلمُساهمة في تَجميع قِوى اليسار على أساس الـقَبُول بِالرَّأْسَمَالِيَة.
6- لَا لِلعمل المشتـرك مع الحركات الإسلامية التي تَرفض الالتـزام العَلني بِـ «حرّية العقـيدة»، وَ «حرّية العِبادة»، و «حرّية عدم العبادة»، و «فصل الدِّين عن السيّاسة».
7- لَا لِلعمل المُشتـرك مع الحركات الهُويّاتية الأمازيغية التي تُكِنُّ العداء لليسار، أو للعَرب، أو لِفَلسطين، أو للعُروبة، أو التي تَستـقـوي بالـقِـوَى الإمبريالية، أو الصهيونية، أو تَتـعاون مع إحداها.
8- لَا لِتَضْيِيع الطّاقات في مُحاولة «تَوحيد» مختلـف الأحزاب، أو التـنظيمات، أو التِيَّارات، أو الشخصيّات، «اليَسارية»، أو «التَـقدّمية»، في «حزب واحد مُوحد»، أو في «جبهة واحدة مُوحّدة». وَنَـعَم لِلمُساهمة، كُلٌّ حسب قُدُرَاتِه، في «النضالات الجَماهيرية المُشتـركة»، الجارية في المَيدان، أي على أرض الواقع.
- أتمنّى أنْ تُشارك كل الـقِوَى السياسية في إنجاز الثّورة المُجتمعية. لكن تاريخ الثورات يُبيِّن أن هذه الأمنية لا تتحقّق. لذا يجب أن نـتـذكّر أنّ «التحالفات» السياسية لا تُطرح سوى مع المناضلين الثّوريِّين. وَلَا يُفيد «التحالف» مع العناصر المُحافظة، أو اليَمِينِيَة، أو العَمِيلة للنظام السياسي الـقائم، أو العَمِيلة للـقـوى الإمبريالية. وأنصار وَمُنَـفِّذِي الثّورة المُجتمعية، هم المُناضلون الثّوريِّون (بما فيهم المُتحزِّبون وغير المُتحزِّبين). وجزء مِن المُناضلين الموجودين في الميدان، قد يَتحوّلون، في ظُروف خاصّة، إلى «أعداء»، أو «خُصوم»، لهذه «الثورة المُجتمعية». وقد يَحدث ذلك مثلًا حينما يَتَحَوَّلُون إلى «مُعرقلين للثّورة»، أو إلى اِنـتهازيِّين، أو مُضَلِّلِين للشّعب، أو مُنحرفين (سيّاسيًّا). حيث يُمكن أنْ يُساهموا بأفكارهم، أو بأفعالهم، في إيـقاف هذه الثّورة، أو تَحريـفها عن دِينَامِيَّتِها الثّورية. وفي هذه الحالة، يَسقط كل «تَحالف» سابق معهم، إلى حين أن يُصبحوا من جديد مُساهمين في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة».
- عندما تُطرح مُهمّة «التَـعاون»، أو «التَحالف»، مع شخص، أو جماعة، أو حركة، أو حزب، لا يهمنا كلام هذا الـفاعل السياسي، أو مظاهره، أو اِنـتماءه الأصلي، وإنما تَهمّنا أفكاره، ومشاريعه، وأفعاله في الميدان.
- تُوجد حركات سيّاسية إسلامية، تستـغلّ تَعلّق جماهير الشّعب بالدِّين. وَتُحاول تَـغيير الدِّين إلى بَرنامج سياسي. وَيُمكن لكل حركة إسلامية أن تَتحوّل إلى شيء يُشبه مِيلِيشْيَا “دَاعِشْ” (الدّولة الإسلامية في العراق والشّام). وكان دائمًا مِن السّهل على الإمبرياليّات، وعلى إسرائيل، أنْ تَتـحكّم في التـنظيمات الإسلامية. وتظن هذه الحركات الإسلامية أنّه بإمكانها أنْ تُعالج كل مشاكل المُجتمع عبر فرض «أَسْلَمَة الدّولة»، وَ «أَسْلَمَة المُجتمع»، وعبر الزيادة في طُقوس العبادات. وهذا وَهم ظلّ يَفشل منذ آلاف السِّنِين، وفي كلّ أنحاء العالم. وَيَستحيل تَحقـيـق أيّ نَوع مِن الدِّيمُوقراطية، بدون الفَصل بين الدِّين والسياسة، أو بدون ضمان حرّية الإيمان، وحُرِّية عدم الإيمان، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة.
- يجب على أحزاب اليسار أنْ لَا تَتـعاون مع الحركات الإسلامية، إلّا بِشُروط. وأهمّ هذه الشّروط، هو أن تَلْتَزِم هذه الحركات الإسلامية عَلَنِيًّا بِـمبادئ : الـفَصل بين الدِّين والسيّاسة، والـفصل بين الدِّين والدّولة، وحرّية الإيمان، وحُرِّية عدم الإيمان، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة.
- وتُوجد في المَغرب حركات هُوِيّاتِيَة أمازيغية، تظنّ أنّ التـناقض الأساسي في المُجتمع هو التـناقض بين العَرب والأمازيغ، وبين «العُروبة» وَ «تَامَزْغَا». وتظنّ هذه الحركات الهُوِيَّاتِيَة أنّه بإمكانها أن تُعالج كلّ مشاكل المُجتمع عبر الـقضاء على كلّ ما يَظهر «عَرَبِيًّا»، وتـعويضه بما يَظهر «أَمَازِيغِيًّا» خَالصًا. وتُريد بعض الحركات الأمازيغية تأسيس حركاتها السياسية على أساس خَلـق التَّفْرِقَة، والعَداوة، بين «الأمازيغ» و «العرب». وتـريد أن تـكون الطّائـفة الأمازيغية هي المُهيمنة في المُجتمع. وتَريد بعض الحركات الأمازيغية تَـقليد تجربة بعض الحركات الهُوِيّاتية الكُردية الانـفصالية في العراق، التي تَسْتَقْوِي بِـ، وَتَتَحالـف مع، إسرائيل، والإمبرياليّات الغَربية، وَتُعادي العَرب، وفلسطين، واليَسار، والعُروبة. وَتَسقط كلّ الحركات الهُوِيَّاتِيَة في فَخِّ سياسة «فَرِّق تَسُد» الاستعمارية. وقد وصلت هذه الحركات الهُوِيّاتية الكُردية إلى طريـق مسدود. وتَحَوَّل جُلّها إلى حركات اِنـتهازية، عميلة لإسرائيل، وللإمبرياليات الغربية. وأنا أعتـرف باللّغة، وبالثّقافة، الأمازغيتَيْن. لكنني أرفض مَنَاهِجَ الحركات الأمازيغية، المَبـنية على أساس التَمَيُّز الهُوِيّاتي، وعلى أساس الصراع التَناحري بين الطوائـف، أو الـقـوميّات، أو الأعراق، أو الإثنيّات. وتُريد الحركات الأمازيغية تـعويض الصِّراع الطّبقـي، بالصِّراع بين الـقَومِيّات، أو الهُوِيَّات. ولا تُدرك الحَركات الهُويّاتية أن معظم شعوب العالم، كانـت وما زَالت، تَتـكوّن مِن مجموعات، وطوائـف، وهَوِيّات، وَقَوميّات، وإِثْنِيّات، مختلفة. وعلى عكس هذه الحركات الهُوِيّاتِيَة الأمازيغية التي تُريد تَقسيم الأوطان المُقسّمة، نحن على يَـقـين أنه يَستحيل على شُعوبنا التَحَرُّر، أو الخُروج من التخلّف، إذا لم نُوحِّد مُجمل شعوب شمال إفريـقـيا في دولة فِيدِيرالية مُوحّدة، على غِرَار الـفِيديراليّات الكبرى في العالم، مثل روسيا، والصِّين، وأمريكا، والاتحاد الأوروبي، والهند، والبرازيل، الخ.
- وَفي إطار العَمل الجَبهوي، يَكون المَطلوب مِن مُختلـف الـقـوى السياسية، والنـقابية، والجَمْعَوِيَة، هو المُشاركة الفِـعلية في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، ليس كَهَيْئَات حِزْبِية، أو سيّاسية، وإنما كَمُواطنين أفرادًا وأحرارًا. ولماذا ؟ (أ) لأن العمل كهيئات سيّاسية هو أسلوب بطيء جدّا، وغير عَملي، وغير مُجدي. (ب) لأنّه يَتطلّب دائمًا الاِنـتظار خلال وقت طويل حتّى تَتشاور الإطارات الـقـيادية في كلّ هَيئة مُشاركة، وحتّى تَتَّخذ هذه القيّادات قَراراتها المسؤولة. وأحيانًا، لَا تَجتمع، وَلَا تُقرِّر شيئًا، فَلَا تَقدر على الـقِيّام بأيّة مُبادرة. (ت) لأن العَمل كَهَيئات سيّاسية، يُؤدِّي حتمًا إلى الـعَمل بِأُسلوب «الحِصَص» (quotas)، وَتَوْزِيع كَراسي المَسؤوليات في الإطارات الـقـيادية، فيما بين الهَيئات العُضوة. والمَنهج الأحسن، والبَدِيل، هو العَمل بِالمُرونة، والمُساهمة في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة» الجارية كَمُواطنين أفراد، وأحرار (مثلما كُنّا نَـفعل في «حركة 20 فبراير»، بين سنوات 2011 و 2013). [شَرحتُ هذه الأطروحة في كتابي “كيـف نسقط الاستبداد”].
- 17 ■ شروط بـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة
سؤال : كيـف نُـعيد بِـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة ؟ وما هي الشروط الضرورية لإعادة بـناء يسار راديكالي مؤثر ؟
جواب : • الشّروط الضرورية لإعادة بـناء قِوَى يَسارية، ثورية، وجذرية، وفَـعّالة، هي معروفة منذ زمان. ومن بين ما يُمكن قـوله عَلَنِيًّا : إعطاء «الأسبقـية لِلعَقْل». وإعلاء الجماعة على الـفَرد. ومُناصرة العَدل المُجتمعي، ومُناهضة الظّّلم. وَتجاوز النَزَعَات الـقَبَلِيَة، أو الإقليمية، أو الْإِنْـفِصَالية، أو الطّائـفية، أو الدِّينِيَة، أو الـقَوْمِية، أو الْإِثْنِيَة، أو الهُوِيَّاتِيَة. والتَشَبُّت بِـ «تَحرير مُجمل البَشَرِية». و«الجُرأة على التّـفكير، والجرأة على النضال، والجرأة على الانـتصار». وبـناء الـقُدرة على «الصُّمود» في كل الظروف الـقاسية. وَتَـغليب «مَناهج المُقاومة» على مَناهج الاستسلام. والمُساهمة الـفَـعّالة في «النضالات الجماهيرية المُشتركة». و«الاستـعداد للتّضحية». و«التحرّر من الأوهام السياسية». والـقَطيعة مع «الإصلاحية»، ومع «المِثَالية». والارتباط العَمَلِي بالجماهير الشّعبية الكادحة. والرّبط بين أساليب النضال العلنية والسِرِّية. ودراسة واسْتِيعاب مُجمل «التُراث الـفكري الثّوري» لكل البشرية. ونـبذ «العَصَبِيّات» الحَلـقـية، أو الهُوِيّاتية. والعمل بالمبادئ الثورية، مثل «مُمارسة النّـقد المُتبادل، والمُراقبة المُتبادلة، والمُحاسبة المُتبادلة». ومُمارسة «التَـقْيِيم، والتَـقْوِيم، وَالتَّـثْوِير». والتَحَلِّي بالتَوَاضُع. وَمُحاربة اِنحرافات : «الزّعَامِيَة، والـفَردانية، والأنانية، والنَّرْجِسِيَة، والانـتهازية، والْاِسْتِلَاب»، الخ.
- في العُمق، أنتَ تَسأل هنا عن قضية «التَنظيم»، أو «الحزب». وهذه مسألة تحتاج إلى عدّة دراسات مُتنوِّعة ومُتكاملة. وتوجد فيها نظريات مُتنوّعة. ولا يُعقل إعطاء وصفة سحرية تَصلح لكل الأوضاع. بل كلّ وضعية مُجتمعية لها مشاكلها وحلولها. وأكتـفي ببعض الإشارات الجزئية والمُختارة. (أ) مُبرِّر وجود الحزب الثّوري، هو وُجود طُموح لِفَهم، وَتَـقْوِيم، وَتَـغيير، وَتَثْوِير المُجتمع. وهذا المُجتمع يَنحرف بسهولة. وَتَـقْوِيم المُجتمع يحتاج إلى حزب شعبي ضخم، وقـوي، وعَقلاني، وعادل، وثوري. ويستحيل على أيّ شخص لَا يَطمح إلى تَغيير المُجتمع أن يَنخرط في، أو أنْ يلتـزم بِـ، حزب سيّاسي. (ب) يُمكن لكل طَبقة مُجتمعية، ولكلّ فئة طَبقـية، أنْ يَكون لها حزب سياسي خاص بها، أو حتّى عدّة أحزاب سياسيةـ تُمثِّلها. (ت) إذا فهمنا أن المُواطنين مُتَـفَاوِتِين في أوضاعهم المُجتمعية، وفي وعيهم السياسي، وفي قُدراتهم النضالية، الخ، آنئذ سَنُدرك ضرورة إيجاد أنواع مُتـعدِّدة، وَمُتَـفاوتة، من التـنظيمات السياسية. وإذا كان المُناضلون الثّوريّون الطّليعيّون، يَتَحَلَّوْن بالمُرونة، وَيُتْـقِنُون فَنُون الرّبط، أو التَنسيـق، أو التَـكامل، بين مُختلـف هذه التـنظيمات المُتـفاوتة، في ميدان «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، آنئذ سَيُدرك هؤلاء المُناضلين الثّوريِّين أن هذا التَـعَدّد، أو التـنوّع، في التـنظيمات السياسية، ليس سَلبيًّا، ولا مُعيـقًا. وإنما هو أسلوب مَفهوم، وَمَوضوعي، ومطلوب، وإيجابي. ويجب التَـكَيُّـف معه. (ث) عَملية بـناء الحزب الثوري تختلـف جذريًّا عن عملية جَمع أصوات بهدف الـفَوز في انـتخابات عامّة (تَخُصّ مثلًا البرلمان، أو الجماعات المحلِّية). والمُهم في الحِزب الثوري هو الكَيْـفُ، وليس الكَمّ. وما يَهم أكثر، ليس هو كِبَرُ عَدد المُنخرطين في تـنظيم سياسي مُحدّد. وإنما المهم (في الحزب) هو : كيـف يُفكِّر أعضاء هذا التـنظيم، وما هي طُموحاتهم، وكيـف يَـعملون، وكيـف يَتشاورون، وكيـف يَنضبطون، وكيـف يُناضلون، وما هي فعاليّتهم، وكيـف يَتـعاملون مع مُختلـف «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الموجودة في الميدان. (ج) الحزب، أو التـنظيم، هو نُخبة، أو طليعة الشّعب، وَيُفتـرض فيها أنها مُتقدّمة. فَلَا يجوز مَنح العُضْوِيَة لأيّ مُرشّح كان، إِلَّا إذا توفّرت فيه شروط دَقِيـقَة وَمَفْحُوصَة. بل حياة الحزب، ومصيره المُستـقبلي، يَتَوَقَّـفَان على نَوْعِيَة شُروط العُضوية. كما يَتَوَقَّفَان على ضرورة التَأَكُّد مِن تَوَفُّر شُروط دَقـيـقة في كل مُرشّح لِلعُضوية في هذا الحزب. وحتى بعد الانخراط في الحزب، يجب الاستمرار في مُراقبة تَوفّر شُروط العُضوية المطلوبة في كل عضو قديم. بالإضافة إلى ضرورة تَنـقـيّة الحزب، من فتـرة لأخرى، من الأشخاص الذين اِنْحَرفوا عن شُروط العُضوية. وَلَا يَجوز أنْ تَبـقى العُضوية مُكتسبة وَمضمونة على مدى الحياة. (ح) يجب الانـتباه إلى رَصْد الأشخاص الذين يُريدون الانخراط في التـنظيمات الثورية، لكنهم لا يهتمّون سوى بإثبات ذَواتهم، أو بِتَحْسِين مَواقعهم الشّخصية في المُجتمع. ويجب الحرص على إبعاد هؤلاء الأشخاص عن مَواقع الـفيّادة، أو المسؤولية، إلى حين أن يَنضجوا. (خ) الانخراط في حزب مُحدّد، هو وَعْي ذُو بُعد مُجتمعي. وهو تَبَنِّـي لخط سيّاسي مُعيّن، أو اِعْتِنَاق لِبَرنامج أو مَشروع مُجتمعي. وهو أيضًا إِلتـزام، وانضباط، وثـقة مُتَبَادَلة في الجماعة، وَمُحاسبة مُتبادلة، واستـعداد للتّضحية. فلا يُمكنك أن تَبْـنِيَّ أيّ حزب إذا لم تُحارب، في نـفس الوقت، سُلُوكِيَّات الـفَرْدَانِيَة، والأنانية، والانـتهازية، والمِثَالِيَة، والْاِسْتِلَاب، الموجودة في المُجتمع. (د) يُفتـرض في قـيّادة الحزب أن تَكون ثورية. لكن الثورية ليست صفة ثابتة، وإنما مُتَـغَيِّرة. فَلَا بُدّ إذن مِن أن تَـكون الـقـيّادة هي أيضًا مُتَـغَيِّرة، عبر المُؤتمرات، أو الدَّوْرِيَة، أو الانـتخابات، أو الإقالات، أو المُحاسبات. وإذا اِستـقرّت الـقـيادة طويلًا، أِنْحَرَفَت بسهولة. (ذ) من المُتَوَقَّع أن تَحدث في الواقع، تَناقضات خَفِيَة، وَمُنافسات مُسْتَتِرَة، وصراعات مُعقّدة، فيما بين هذه التـنظيمات المُتنوِّعة، وفيما بين زعمائها، وأطرها (كَوادرها)، وأنصارها، ومجموعاتها، وأعضائها، الخ. فَيَـغدو من واجب كل المُناضلين الثّوريِّين نَـقد كل الأفكار، وكل السُلُوكِيّات، التي تَـعُوق دِينَامِيَّة «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»؛ وَفي نـفس الوقت، يجب تَشجيع وَدَعْم كل الأفكار والممارسات التي تُـقَوِّي دِينامية هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وذلك بغض النظر عن الانـتماء التـنظيمي لحامل هذه الأفكار أو السُلوكيّات. (ر) الحزب هو مَشروع سُلطة سياسية مُستقبلية. فلا يَجوز لـقـيّادة الحزب أن تَتصرف مثل قـيّادة السلطة السياسية الحالية المُستبدّة. ولا يحقّ لها أن تَستـعمل مَناهج الانـتهازية، أو الكذب، أو النّـفاق، أو التّضليل، أو الظّلم، أو المُناورات المُخادعة، الخ. … فهل الـقِوَى المَحسوبة على «اليَسار» تُحارب فِعْلًا الـفَرْدَانِيَة، والأَنَانِيَة، والْاِنْتِهَازِيَة، والمِثَالِيَة، والْاِسْتِلَاب؟ جوابي : لَا. وفي مثل هذه البيئة الفاسدة، لا يُمكن أن تَتـقـوَّى الأحزاب المناضلة. والمُرَبِّي يَحتاج هو نـفسه إلى إعادة التَّربية. ولَا يَرفض المُواطنون الدِقَّة، والصَّرَامَة، والجَذْرِيَة، لكنّهم إذا رأوا أنها عَـقْلَانِيَة، وعَادِلَة، وَمُفيدة، قَبِلُوها.
- كيـف نَنطلـق في عَملنا الحزبي، أو في نضالنا السياسي الثّوري؟
أوّلًا، يجب على كل مُناضل، وعلى كل حزب يساري، أنْ يَختار مَن يُريد أنْ نَكون ؟ هل يُريد أن يَكون طَلِعِيًِّا في مُجتمعه، وثوريِّا، وَفَعّالا، ومُستـعدِّا للنضال، وللتّضحية ؟ أم هل يَـبحث عن الحُلول السّهلة، والخالية من المَخاطر، ومن القمع، وحتّى من المَجهودات المُضنية ؟
ثانيا، يجب علينا أنْ نُوضح مُنطلـقاتـنا، واختيّاراتـنا الأساسية. هل نُؤمن بإمكانية إصلاح النظام السياسي الـقائم، من داخل مؤسّـساته، أم أننا نطمح إلى إسقاطه، واستبداله بـنظام ثوري بديل ؟ هل نـقبل بقاء الرأسمالية، أم أننا نطمح إلى إسقاط الرأسمالية، وتـعويضها باشتـراكية إنسانية وثورية ؟ هل نـقبل بِحُدود عمل سياسي إصلاحي وقانوني، أم أننا نَطمح للمُساهمة في تَهيِّئ ثورة مُجتمعية شعبية، شاملة، وجذرية ؟
ثالثًا، يجب أن نكون مَنطقِيِّين، وعقلانيِّين في أفكارنا، وحازمين في مُمارستنا. فَلَا نـقبل الغُموض، ولا التـذبذب، ولا التَسَاكُن مع الأشخاص الانتهازيِّين، ولا نرضى بأقل من الانـتصار الشّامل. *
رابعًا، إِنْ كنّا نـعتبر أنّ الظُّروف المُجتمعية الـلّازمة لِتَنـفيذ هذه الواجبات المذكورة سابقًا لم تَنضج بعد، فبجب العَمل على تَهييئ شُروط إنجازها.
- كثيرون من بين المُناضلين (في المغرب) ظَلّوا مَهْوُوسين بِـمُحاولة «تَجميع»، أو «تَوحيد كلّ اليَساريِّين في حزب واحد كبير». وهذا النّوع مِن «التّوحيد» في «حزب واحد» مُستحيل الإنجاز. ولماذا ؟ لأنّ الأشخاص، والمجموعات، والتِيَّارَات، والأحزاب، يَختلـفون كلّهم في مُستويات وَعْيِهم السياسي، وفي دَرجات اِستـعداداتهم لِلنضال، أو لِلتّضحيّة. ولأن كل حزب، وكل قُوّة سيّاسية، لها أساسها الطَبـقـي الذي يُمَيِّزها عن باقـي الـقِوَى السياسية الأخرى. والمَطلوب، ليس هو تَوحيد كل الأشخاص، والجَماعات، والأحزاب، الذين نَظُنُّهم تـقدّميِّين، أو يَساريِّين، أو ثَوريِّين، في إطار «حزب واحد»، أو في «جبهة مُوحّدة». وإنّما المطلوب، هو أنْ يَلتـزم كل هؤلاء الأشخاص، أو المَجموعات، أو التِيَّارات، أو الـقـوى السياسية التـقدّمية، بِـ المُساهمة الفِـعلية، كلٌّ حَسب مُستطاعه، في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الجارية على أرض المَيدان.
- وكلّ أولائك الأشخاص، والجماعات، الذين ظلّوا، خلال سنوات، أو عُقـود، يُناقشون «التَجميع»، أو «التَّوحيد»، وفي نـفس الوقت، يَرفضون المُساهمة في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الجارية على أرض الواقع، لَا يُرجى منهم خَير، ولا يُـعقل التَّـعْوِيل عليهم.
- لا يُمكن أنْ تُوجد حركة نضالية جماهيرية ثورية إلّا إذا اِستـندت على عِدّة أَرْجُل، وخاصّةً منها الأَرْجُل الأربعة التّالية :
- وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يهتمّون بِتَعميـق النظرية الثّورية، أو فُنُون الثّورة المُجتمعية، وَعِلْم المُجتمع، وَيُشيِّدون الوضوح السياسي، ويُراكمون المَعارف السياسية والثورية؛ ويدرسون التجارب الثورية السّابقة للاستـفادة منها، وَلِتَلَافي تـكرار أخطائها؛
- وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يَكتسبون خِبَرات مُتـقدِّمة في مجال التنظيم، وَيُمارسون التَّـعبئة وسط الجماهير، والتَّوعية، والاستـقطابات، وَيُنظِّمون المناضلين الجدد (الذي يبرزون وسط الشّعب) في أَصناف مُتَـفَاوِتَة مِن التـنظيمات المُلائمة.
- وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يُثْـقنون التِـقْنِيّات التي يَستوجبها تَنفيذ مُختلـف أنواع المَهام النضالية العَمَلِيَة. وهذه التـقنيّات التَـفصيلة، لا يعرفها سوى المُناضلون القُدامي، وَالمُجَرَّبُون، والمُتمرِّسون. وبدون إِتْـقَان هذه التِـقنيّات النضالية، لا يُمكن النجاح في تَنـفيذ المهام النضالية المَعنية.
- وُجود جيوش من المناضلين الـقاعديِّين، المُبتـدئين، والمُتوسِّطين، والقدامى، الذين يَسهرون على تَنـفيذ مهام «النضال الجماهيري المُشتـرك»، في الميدان، وعلى أرض الواقع.
- 18 ■ هل ما زالت الماركسية صالحة ؟
سؤال : في سياق التحوّلات العالمية (أزمات الرأسمالية، تـراجع الحركة العمالية، ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، كيـف تُـقـيّم راهنية الماركسية ؟ وما هي الدروس التي يمكن أن يستخلصها اليسار المغربي ؟
جواب : • درستُ مسألة «هل ما زالت الماركسية صالحة» في كتابي الذي يحمل العُنوان : «لماذا اِنهار الاتحاد السّوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة»؟ وأوضحتُ أن الأطروحات الأساسية في الماركسية، والتي تُحاربها وسائل الإعلام الإمبريالية، هي عَقلانية، وثابتة. وأنّ اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي نَتَج عن الانحراف عن المبادئ الثّورية، ولم يَنـتج عن نظريّات الماركسية كَنَظريّات. وَبَيّنـتُ في هذا الكتاب أنّ رفض الماركسية يؤدّي حتميًّا إلى الـقَبُول بِـ «الرّأسمالية» كَنَمَط إِنْـتَاج مُجتمعي «طَبِيعِي»، أو «أبدي». وفي مرحلتها التاريخية الأولى، كانت الرأسمالية إجمالًا مُفيدة، بِالمُقارنة مع مراحل الإقطاعية، والعُبودية. لكن بعد مرحلة الإمبريالية، والتي هي أعلى مَرحلة في تَطوّر الرّأسمالية، أصبحت هذه الرأسمالية مُدَمِّرة لِلمُجتمع، وللعالم. وقد تَوَضَّح اليوم، أكثر مِمّا كان في الماضي، أنّ الرأسمالية غير عادلة، وتُحوّل المُجتمع إلى جَحيم، وتـقـود إلى حُروب لا مُنـتهية، وتُحطِّم البيئة، وَتُحَوِّل مُعظم مُواطني الشّعب إلى فُقراء، وَتُراكم معظم الثّروات بين أيدي أقلِّية قَليلة. ثمّ تتحوّل الرّأسمالية إلى «اِنـتحار جماعي» لمُجمل البشرية. والبديل التاريخي للرّأسمالية هو الاشتـراكية، ثمّ الشيوعية. وأثناء تَشييد الاشتـراكية، سَتَتـعايش أنشطة اقتصادية اشتـراكية، مع أنشطة اقتصادية رأسمالية، لكن تحت حكم سُلطة اِشتراكية. وما زال عدد مُتـزايد من عُلماء الاقتصاد السياسي في العالم، يُشيدون بِتحاليل وأطروحات الماركسية حول الرأسمالية.
وقُوّة البَشرية تأتي مِن مُراكمتها للمَعارف. ولا يُمكن أن تُوجد حركة ثورية، إذا لم تَستـرشد بِنَظرية ثورية. والنظرية الماركسية هي حلـقة أساسية في التُرَاث الـفِكْرِي للبَشرية.
- 19 ■ هل ما زالت نظريتـك صالحة ؟
سؤال : هل ما زالت تلك الأدوات النظرية (التي طوّرتها في كتبك) صالحة، أم أنها تحتاج إلى مراجعة وتحيين؟
جواب : نحن البَشر هكذا. نَحتاج باستمرار إلى تَرَاكُم المَـعارف مِن جيل لآخر. وبدون تَراكم في مَعارفنا، وفي عُلومنا، لا يُمكن أنْ نُنْتِج شيئًا بِنَجاح وَفَـعَالية. وكل التُرَاث الـفكري البَشَري ما زال مُفِيدًا، وَضَروريًّا، وصالحًا. سواء بالقُدْوَة الحَسنة، أم بالقُدْوَة السَيِّئَة. ونحن نَستـفيد حتّى مِن دراسة النَظريّأت الناقصة، أو الخاطئة، لدى أَسْلَافِنَا. لكن بشرط أن نَتـعامل مع هذا التُراث الفكري بِمَنهج حَذِر، وَنَـقدي، وَمُبدع. وكلّ العُلوم، أو النظريّات، تحتاج كلّها إلى مُراجعة متواصلة. لكن، كثيرون من الأشخاص يظنّون أنّ «الأفكار الـقديمة هي بالضرورة مُتجاوزة، أو خاطئة». وهذا تـفكير غير عقلاني. لأن مِقْيَاس صحّة الأفكار، ليس هو عُمرها، وإنما هو مدى تلاؤمها مع الواقع، ومع الـقـوانين التي تتحكّم في تطوّر الكون. ويمكن لـفكرة قديمة بآلاف السنين أنْ تـكون سديدة، كما يُمكن لـفكرة حديثة أن تـكون خاطئة. وَمِقـياس الحقـيـقة، هو المُمارسة النّاجحة في الواقع، وليس الكلام السّائد. وقبل اعتـقالي، كُنـتُ ماركسيا ثوريا. وبعد اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي في قرابة سنة 1990، قرّرتُ أنْ أنسى الماركسية، وأن أدرس قـوانين تطوّر المُجتمعات، بدون أيّة مَرجعية ماركسية. وَخلال سنوات مُتوالية، كَرَّسْتُ حياتي لِدراسة المُجتمع. وَفي النهاية، أَعدتُ اِكتشاف صحة الأفكار الكُبرى في النظرية الماركسية. وما هي الماركسية ؟ هي نـقد المُجتمع الطَّبـقـي الرّأسمالي. وأفكار الماركسية، ليست اختـراعات شخص عبقري واحد، وإنما هي عُصَارَة مُجمل التُراث الـفكري البشري في عهد كارل ماركس. ولا تتـكوّن الماركسية فـقط من أطروحات كارل ماركس، وإنما تَشمل أيضًا اجتهادات مُفكّرين ماركسيين ثوريِّين كثيرين، ظَهروا في مُجمل بُلدان العالم. وكل شخص يجهل الماركسية، أو يرفضها، يَستحيل عليه فَهم المُجتمع البشري. فبالأحرى أنْ يـقدر على مُعالجة مشاكل هذا المُجتمع. وفي عالمنا الحالي، لَا يُوجد بَديل آخر لِلماركسية سِوَى الرّأسمالية. وباللّغة المُنَمَّـقَة، يُسمّون الرّأسمالية «الْلِّيبِيرَالِيَة». والنظرية الماركسية هي المُنطلق. وَإِنْ كانـت الماركسية ناقصة، يجب إغناءها. وفي كتابي «لماذا اِنهار الاتحاد السّوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة؟»، حاولت دراسة أسباب اِنهيّار الاتحاد السوفياتي. وَمَا اِنْهَارَ في الاتحاد السوفياتي، ليس هو الاشتـراكية، وإنما هو رأسمالية الدّولة، والانحراف عن الرّوح الثورية للاشتـراكية، والسُّقُـوط في بيروقراطية رأسمالية الدّولة. وهل اِهتمّت أحزاب اليسار بهذا الكتاب ؟ جوابي : لَا. وهل عندهم تَـفسير بَديل (مكتوب ومنشور) لانهيّار الاتحاد السّوفياتي ؟ جوابي : لَا.
- 20 ■ مسألة الـمُشاركة في الانتخابات
سؤال : نحن مقبلون على لحظة سياسية، تشكّل الانـتخابات العامّة، وتجديد الواجهة المؤسسية للدولة، عنوانها الرئيسي. كيـف تُـقـيِّم تـكتيك اليسار (مُشاركة أم مُقاطعة) لهذه اللحظة السياسية؟ وهل هناك إمكان لاستـعمال مغاير لتلك المؤسسات؟
جواب : • تاريخ مُجمل الصراعات السياسية التي جَرت في المغرب، منذ الاستـقلال الشّكلي في سنة 1956 إلى الآن، يُؤكّد استحالة إصلاح النظام السياسي المَلَكِي الـقائم في المغرب، مِن داخل مؤسّـساته.
- مِن المَقبول أنْ تُشارك بعض قـوى اليسار في الانـتخابات العامّة، لكن بشرط أن تَـكون الطّاقات الحزبية المُخصّصة لهذه المُشاركة جُزئية، أو ثانوية. وأن تـكون الطّاقات الحزبية المُخصّصة للنضال الثوري (العَلني والسِرِّي)، هي الجُزء الأكبر، والأساسي. ويجب أنْ يَكون هدف المشاركة في الانـتخابات هو فقط كَشْف فَضائح النظام السياسي الـقائم، وَليس الاعتـقاد بإمكانية إصلاحه من داخل مؤسّـساته. والنظام السياسي يعرف هذا «التـكتيك»، ويمنـع حُدوثه بكلّ الطّرق.
- النظام السياسي في المغرب استبدادي، إلى درجة أنّه لم يَسمح أبدًا بأن تَكون الانـتخابات «حُرّة وَنَزيهة». بَل كانـت الانتخابات مغشوشة. والبرلمانيّون هم غير أحرار في تَصويتهم. وأفراد الحكومة مَمنوعين من تَقرير سياسات الحكومة. أمّا السياسات الاقتصادية الاستراتيجية، فَتَـفرضها مُؤسّـسات إمبريالية على الدّولة. والإعلام مُسَخَّر لِتَجهيل الشعب وَتضليله. والتَّـعليم مُستـعمل لِإضعاف الشّعب وإخضاعه. فَلَا أمل في الانـتخابات العامّة.
- تـزعم بعض أحزاب «اليسار»، أنّ البرنامج الأحسن، هو توحيد أكبر عدد ممكن من بين قِـوَى «اليسار»، على أساس برنامج انـتخابي، يُركّز على : «إنـقاص الضريبة على الدّخل، والزيادة في الأجور، وربط الأجور بالتضخّم، وتوفير تـعليم عمومي جيّد ومجاني، وتوفير العلاجات الطبية، وتوفير الشّغل للشباب، والماء، والسّـكن، الخ». وهذا البرنامج هو إمّا وهم، وإمّا تضليل، وإمّا نِـفاق. لأن النظام السياسي الـقائم، ولأن الرأسمالية القائمة، لَمْ وَلَنْ يَسْمَحَا أبدًا لأيّ فاعل سيّاسي بِتَمرير مثل هذه الإصلاحات. ولم يسبق أبدًا أن سَمِحَا بِتَمريرها. ولا يسمح هذا النظام السياسي الـقائم، ولا الرأسمالية القائمة، سوى بسيّاسة واحدة. وهي : تَعميـق الرأسمالية المُتوحِّشة، وَتوسيع التطبيع والعَمالة لإسرائيل، وتـرسيخ التَبعية للإمبرياليات الغربية.
- لماذا المُشاركة في اِنـتخابات البرلمان، والجماعات المحلِّية، هي مُجرّد عَبَث، وَمضيعة للطّاقات؟ لأن النظام السياسي الـقائم في المَغرب، ظلّ يَتَـفَـنَّـن في وَضع تَرسانة مِن الـقَوانين، التي تَمنـع إِتِّخَاذ أيّ قَرار، أو إحداث أيّ تَـغيير، في الاختيّارات السِيّاسية الاستـراتيجية، التي فَرضها هذا النظام السياسي. والانـتخابات العُمومية، وكذلك البرلمان، والجماعات المحلِّية، وما شابهها من مُؤسّـسات، هي كلّها شَكلية. والمُشاركة فيها هي مضيعة لِلوقت. وكل مؤسـسات الدّولة مُقْـفَلة (locked, verrouillés)، بواسطة قـوانين وُضِعَت خِصِّيصًا، وَقَبْلِيًّا، بهدف مَنـع إحداث أيّ تَـغْيِير سيّاسي، أو إصلاحي، أو دِيمُوقراطي. ولذلك، يَستحيل النَّجاح في مُحاولة تَغيير سِيّاسات الدّولة، أو سِيّاسات النظام السياسي الـقائم، من داخل مؤسّـساته، أو مِن داخل قـوانينه الاستبدادية. والـقـوى السيّاسية التي تـزعم عكس ذلك، تُضَلِّل الشّعب، وَتُبعده عن النضال الوحيد المُجدي. وهو البدء بإسقاط نظام الاستبداد، والـفساد، وإسقاط إرهاب الدّولة، وإلغاء العَمالة لإسرائيل، وإنهاء التَبَـعِيَة للإمبرياليات الغَربية.
21 ■ رسالتـك إلى الجيل الجديد من المناضلين
سؤال : ما هي الرسالة التي تـريد توجيهها إلى الجيل الجديد من المناضلين؟
جواب : رسالتي إلى المناضلين، وإلى الشّباب، هي الكتب والمقالات التي نشرتها.
…….•■٭■•…….
مُـــلْـــحَـــات
- مُلْحَق 1 : بعض الـمبادئ التي تنطلـق منها
سُؤال : بعد اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي في سنة 1990، وبعدما طرح كثيرون من الأشخاص والجماعات أنّ النظرية الماركسية أصبحت مُتَجَاوزة، وبعدما عَمَّت الـفَوضى، أو الغُموض، في ميدان النظريّات السياسية، ما هي المبادئ النظرية أو السياسية التي تـنطلـق أنـت منها، أو تَستـرشد بها في تَـفكيرك ؟
جواب : • لِكَي نَـكون مَنْهَجِيِّين (في أفكارنا، وفي أفعالنا)، نَنطلـق من «المُجتمع المُشتـرك»، ومن «الشّعب المُشتـرك»، ومن «الحياة المُجتمعية المُشتركة».
- مِن بين ميزات «المُجتمع»، أنه يَستحيل فَهْم أيّ مُشكل مُجتمعي جُزئي، إذا لم نَـفهم مُجمل مشاكل المُجتمع. كما أنّه يَستحيل أن نَنجح في مُعالجة أيّ مُشكل مُجتمعي جُزئي، إذا لم نَـعمل، في نـفس الوقت، بِهَدف مُعالجة كل مشاكل المُجتمع.
- تَمَتُّـع الشّعب بِحُقـوقه، وحُرِّياته السياسية، مَشْرُوط بِتَمتّـع كل مُواطن (عُضو في هذا الشّعب)، بِنَـفس الحُقـوق، وبـنـفس الحرّيات السياسية. مع المُساواة فيما بين المُواطنين أمام القانون.
- كل شعب لا يُدرك أنّ تَمَتُّـعَـه بالحُقـوق والحُرِّيات السياسية، مَشروط بِتَمَتُّـع كل شُعوب العالم بِنَـفـس الحُقـوق والحُرّيات السياسية، سيكون مصيره هو الاضطراب، ثمّ الانحطاط.
- مِن مِيزات «المُجتمع»، وُجود تَرَابُط عُضوي، وَجَدلي، بين عدّة عَناصر، مثل «الوَعي السياسي»، و«المَعرفة السياسية»، و«النـقاش السياسي الجماعي»، و«التَنظيم السياسي»، و«النضال الجماهيري المُشتـرك»، و«التَحرّر السياسي الجماعي المُشتـرك»، و«التـعليم العُمومي العِلْمِي»، و«الإنـتاج الجماعي المُشترك والمُتـقدّم»، الخ.
- إذا كانـت «الأفكار السياسية» سَليمة، وَمُتلائمة مع أوضاع المُجتمع، فإنها تَتحوّل بسهولة إلى قُوّة مُجتمعية مُنـتجة لِلتَّـغيير السيّاسي، وَلِلتَّحرّر المُجتمعي، وَلِلتّاريخ.
- «الشّعب» هو مجموعة بشرية تُناقش السياسة بشكل جماعي، وَبِحُرِّيَة، وباستمرار. ومعنى ذلك، هو أنّ شَرط وُجود الشّعب كَـكَائن «لِذَاتِه» (for himself) هو مُمارسته لِلنِّقاش السياسي الجَماعي بشكل مُتواصل. والمِيزة الأساسية في «الشّعب»، هي أنّ المُواطنين (الذين يُكوِّنون هذا الشّعب) يُناقشون السياسة جماعيًّا، وبشكل مُتواصل. وَنِقاش السياسة، يَعني التشاور الجماعي، والصِراع السياسي الجماعي، حول الحاجيّات الجماعية، وحول طُرُف تَلبيّتها، وحول المشاكل المُجتمعية المشتركة. وَيُـفْتَرَضُ في «النـقاش السياسي» أنّه يَحتوي على «بَحث جماعي عن الحَقائق الثّورية»، وعلى «صِراع طبقي» غَير مُباشر. وإذا تَوَقَّـف مُوَاطِنُو «الشّعب» عن مُناقشة السياسة جماعيا، يَفـقد هذا الشّعب المَـعني صِفة «الشّعب»، ويغدو كأنه كائن مُجتمعي في حالة تِيهٍ، أو ضَياع، أو غَيْبُوبَة، أو مَوت. و«النـقاش السياسي الجماعي» هو السّبيل لإعادة إحياء «الشّعب»، أو لِتَـعبئته، أو لِتَنظيمه، أو لِتَثويره، أو لِتَحرّره. وحينما يَتَهَرَّب «المُواطنون» مِن خَوض «النـقاش السياسي الجماعي»، فهذا التَهرّب قد يَـعني أنهم غَدَوْا فَرْدَانِيِّين، أو أنانيِّين. أو مُتخلِّفين، أو مُسْتَلَبِين (alienated)، أو خَائـفين من الـقَمع السياسي، أو مَرعوبين من إرهاب الدّولة القائمة، الخ. وما معنى «النـقاش السياسي» ؟ إنّه بـناء جماعي لِلْوَعْي السياسي الثّوري؛ وهو أيضًا البحث الجماعي عن الحقائق الثورية، وعن أحسن السُّبُل الثّورية لِتَدبير الشُّؤُون المُجتمعية المُشتركة. والنـقاش السياسي هو المدخل لِمُعالجة التـناقضات البَيْنِيَة، والمُجتمعية. والنـقاش السياسي هو أيضًا مُحاولة لـفهم الأوضاع المُجتمعية المُشتركة، وَلِتَشخيص المشاكل المُشتركة، ولتحليل تـناقضاتها، وذلك بهدف بَلْوَرَة جماعية للحلول التَحَرُّرِية المُمكنة.
- بعدما تَتـعمّق جماهير الشّعب في «النـقاشات السياسية الجماعية»، وبعدما نَصل إلى «وعي سيّاسي جماعي» مُتـقدِّم، يُصبح الالتـزام بِـ «التـنظيم السياسي الثّوري» مَفهومًا، ومقبولًا. وبعدما يتـقـوّى هذا «التـنظيم»، مِن خلال التَـفاعل الثّوري مع المُمارسات النضالية، يَـغدو مُمـكنًا تَنـفيذ المَهام النضالية، والبرامج السياسية الطَمُوحة، والاستـراتيجيّات التَحرّرية. وسرّ النّجاح (في الأعمال المُجتمعية) هو التَواضع، والتَشاور، والتَـعاون، والإنـتاج، والتَشَارُك، والتَـكامل، والتَضامن.
- العُنصر الحاسم في السياسة، هو «الوعي السياسي». وإذا لم يكن «وعينا السياسي» سَليمًا، وَمُتـقدِّمًا، أصبحنا مثل مَجموعة مِن «العَبِيد» الخاضعين، أو مثل أُلْعُوبَات تَتَلَاعب بها قِوَى مُعَادِيَّة. ولكي يكون «الوعي السياسي» سَليمًا، يجب أن يَـكون عِلْمِيًّا، وَعَـقْلَانِيًّا، وشاملًا، وَمُعمّقًا، وَمُحيّنًا، وَمُتطوِّرًا، وثوريًّا، وَتَحَرُّرِيًّا. وكل شخص، أو جماعة، أو هيئة مُجتمعية، تَـفْتَـقِد إلى «الوعي السياسي»، تُصبحه مثل شيء جامد، وَخَاضع للاستغلال.
- لَا يَحدث تَـقدّم الشّعوب بشكل تِلْقَائِي، أو اِعْتِبَاطِي. وإنّما يُنجز بشكل مَدروس، وَعَـقلاني، وَمُخطّط، بواسطة التَضَامُن المُجتمعي الثّوري، وكذلك بواسطة الصِراع السياسي الثّوري (بين الـقِوَى التَـقَدُّمية والـقِوَى المُحافظة). كما أنّ تطوّر الشّعوب من مُستوى حَياة بِدَائِيَة، أو حَيَاة الـقَطيع، إلى مُستوى حَياة مُجتمع إنساني وَاعٍ، وَمُعَقْلَن، وَمُنَظّم، وعادل، لَا يَحدث بِشكل تِلـقائي، وإنما يَحتاج إلى بَذل مَجهودات مُتَابِرَة، وَعَـقلانية، وَمدروسة، وَمُنسّـقة. وَيحتاج كذلك إلى التَشاور الجماعي، وَاتِخاذ القرارات بشكل جماعي، وبموافقة الأغلبية. كما يَحتاج إلى الدِفَاع عن تَنـفيذ هذه الـقرارات الجماعية، وَضَمان اِستمرارية تَـفْـعِيلها، إلى أن تُحقّـق نَجاحها. وَلَو أنّ إِنْجَاحها يَتَطَلّب تَحْيِينَها، وَتَقْوِيمَها، أَثناء إنجازها، وذلك في تَـفاعُل مع عَملِيَة التـقدّم في تَحقيقها.
- مُلْحَق 2: حرب سّرية بين المَلكيات والجمهوريات العربية
سُؤال : تحدّثـتَ عن وُجود «حَرب سِرِّيَة بين المَلَكِيّات والجُمهوريّات العَربية». ما هي أهمّ المُعطيات حول هذه الـقضية ؟
جواب : • توجد حرب سِرِّية، وشَرسة، وطويلة الأمد، بين المَلَكِيّات والجُمهوريات العربية. وكل الحُروب، والتَدَخُّلات الخارجية، التي خَرّبت جُمهوريّات العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، ولبـنان، والصومال، والسودان، وإيران، كان مُسَبِّبُها، وَمُنَـفِّذها، هو حِلْف سِرِّي ضِمْنِي بين إسرائيل، وأمريكا، والإمبرياليات الغَربية، والمَلَكِيّات والإمارات العربية.
- الحِلْف السِرِّي الـقائم بين المَلَكِيّات العربية، والمُعادي للجُمهوريات العربية، يَـقُوم منذ عشرات السِّنِين، بِأَدْوَار سَلبية، وَتَخريبية، تُهَدِّم مَصير مُجمل الشعوب العربية (سواء كانـت في نظام ملكي، أم جمهوري).
- مُجمل المَلَكِيّات العربية هي كيّانات سيّاسية مَرَضِيَة، وَمُسْتَلَبَة (alienated). ومنذ اللّحظة التي تَـعتبر فيها المَلَكِيّات العربية أنّ أعْدَاءَها هم الشُّعوب العَربية، تُصبح مُجمل المَفَاهِيم والأفكار عندها مَقْلُوبَة على رأسها. فَتَـعْتبر الأصدقاء أعداءً، وَتَتـعامل مع الأعداء كَأصدقاء. وَتَنظر إلى العَمَالَة للإمبرياليات الغَربية (أو حتّى لإسرائيل) كَسُلُوك سليم، بَل ضَروري.
- كل المَلَكِيات والإمارات العربية هي عَمِيلَة لأمريكا وإسرائيل. وكلّ المَلَكِيّات والإمارات العربية لَا تَتمتّع بِـ «استـقلال كامل»، ولا بِـ «سِيّادة وَطنية» كاملة.
- مِن الخطأ أنْ نَـعتبر الدُّول العربية النّـفطية في الخليج (مثل الإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت)، دُوّلًا عادية. فَلَا هي دُوّل عادية، ولا شُعوبها هي شُعوب عادية، ولا اِقتصاداتها هي اِقتصادات عادية. بل هي كيّانات مُصطنـعة، وهشّة، وَوَظِيـفَتها هي حِرَاسَة آبار النَّـفط والغَاز، لكي تَنْهَبَ الإمبرياليّات الغَربية النّـفْط والغَاز بِسُهولة، وَبِكُلـفة زهيدة. وقد خَلـق الاستـعمار، والإمبرياليات الغَربية، هذه الكِيّانات العربية، لغَرض نَهب النّفط والغاز بِتَـكلـفة ضئيلة، وبهدف مَنـع الشّعوب العَربية من التَحرّر مِن اِنحطاطها. ويستحيل على دُوّل الخليج العَربية أن يكون لديها سُلوك دُوّل عادية، أو تَصَرُّف شُعوب عادية.
- في مُعظم المَلَكِيّات والإمارات العربية، تُوجد قَـواعد عسكرية أمريكية، أو شبكات مُخابرات تَابعة لأمريكا، أو لإسرائيل، أو لدُوّل إمبريالية غَربية. وحيثما وُجِدَت قِوَى أمريكية، تُوجد أيضًا قِوَى إسرائيلية. وهذه الـقـواعد العسكرية، أو الشَّبكات المُخابراتية، لم تُـقَم لحماية هذه المَلَكِيّات أو الإمارات العربية، وإنما لحماية مصالح إسرائيل، وأمريكا، والإمبرياليات الغَربية. ٭
- كل المَلكيّات والإمارات العربية ليست مُستـقلّة، بَل فاقدة للسيّادة الوطنية، وعاجزة على مُمارستها. وهي خاضعة لأمريكا، وللإمبرياليّات الغَربية. ومن خلال الخُضوع للإمبرياليّات الغَربية، يأتي الخُضوع أيضًا إلى إسرائيل.
- كل الدول العربية التي راهنـت على حماية أمريكا وإسرائيل، أو التي راهنـت على التبـعية للإمبرياليات الغَربية، بقـيت هشّة، ومتخلِّفة. بينما إيران التي راهنـت على استـقلالها الوطني، وعلى تَوفير تَعليم عِلمِي جيِّد ومجاني لعموم أبـناء شعبها، أصبحت قـوية، وقادرة على مقاومة أكبر دولة إمبريالية في العالم، وذلك رغم الحصار، والعُقـوبات الاقتصادية، التي تَفرضها أمريكا على إيران منذ سنة 1979 إلى اليوم.
- تحت غطاء «التَّطبيع»، تَحَوَّل النظام السياسي المَلَكِي في المَغربَ إلى مُستـعمرة إسرائيلية، وإلى مستـعمرة خاصّة بالإمبرياليّة الأمريكية، إضافةً إلى التَبَـعية إلى فرنسا.
…….•■٭■•…….
- مُلحق 3 : لائحة كتب رحمان النوضة
1- Le Sociétal, publié en 2012, 519 pages, Version 8, pdf.
2- Le Politique, publié en 2010, 470 pages, Version 9, pdf.
3- L’éthique politique, publé en 2011, 340 pages, Version 14, pdf.
4- Impossible de sortir du sous-développement par le capitalisme, publié en 2020, 192 pages, Version 24,pdf.
5 – رحمان النوضة، حرب سرية بين المَلَكِيّات والجمهوريات العربية، نُشر في 2025، الصفحات 282، الصيغة 18، pdf.
6- نـقد الدّولة الرأسمالية، نُشر في 2022، الصفحات 175، الصيغة 20. pdf.
7- نَـقْد الشّعب (حوار حول مُعِيـقَات إصلاح المُجتمع)، نُشر في 2012، الصفحات 400، الصيغة 57، [هو كتاب النوضة الوحيد المَنْشُور على الورق. وكلّ كتبه الأخرى مَنشورة فـقط في صِيَغ رَقْمِيَة pdf، على الْإِنْتِرْنِيت].
8 – نَـقْد أحزاب اليسار بالمغرب، نُشر في 2012، الصفحات 324، الصيغة 63، pdf.
9– لماذا انهار الاتحاد السوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة؟، نُشر في 2015، الصفحات 222، الصيغة 22، pdf.
10– نَـقد الحركات الإسلامية، نُشر في 2019، الصفحات 310، الصيغة 13، pdf.
11– نـقد الحركات الهُويّاتية والأمازيغية، نُشر في 2019، الصفحات 127، الصيغة 16. pdf
12- طَبقات المُجتمع، مخطوطة سنة 1983، الصفحات 350، الصيغة صيغة 1983، pdf.
13– نَـقْد النظام السياسي بالمغرب، نُشر في 2011، الصفحات 410، الصيغة 57، pdf.
14– نـقد الصّهيونية، نُشر في 2017، الصفحات 226، الصيغة 21، pdf.
15– نَـقد النُخَب، نُشر في 2015، الصفحات 95، الصيغة 12، pdf.
16– أيّة علاقة بين الدِّين والـقانون، نُشر في 2015، الصفحات 186، الصيغة 24، pdf.
17– الجنس والدِّين (من الإرشاد إلى الـفضيحة)، نُشر في 2016، الصفحات 180، الصيغة 17، pdf.
18– كَيـف نُسقط الاستبداد (في فنون النضال الجماهيري السّلمي المُشتـرك)، نُشر في 2013، الصفحات 240، الصيغة 7، pdf.
19– مشروع الرّبط الـقَار بين المغرب واسبانيا، (دراسة جيو استـراتيجية)، مَخطوطة سنة 1988، الصفحات 204، صيغة 1988. pdf.
20– كَيْف؟ (في فنون النضال السياسي الثوري)، مَخطوطة سنة 1982، الصفحات 208، صيغة 1982، pdf.
21– كُرَّاس: كيـف نـتجاوز الـقمع، (ضَاعَ أثناء الاعتـقالات بين سنـتي 1974 و 1976)، صيغة سنة 1973.
22- وفاة أم اغتيّال المناضل سيّون أسيدون، نُشر في 2026، الصفحات 150، الصيغة 12، pdf.
ونشر رحمان النوضة مقالات ودراسات متـنوّعة على جرائد ومجلات مغربية، وعلى الإنترنيت.
ويمكن تنزيل هذه الكُتُب بالمَجَّان، من مُدَوَّنَة الكاتب التَالِيَة :
https://livreschauds.wordpress.com/لائحة-liste/
http://LivresChauds.Wordpress.Com
…….•■٭■•…….
اقرأ أيضا

