كلاوديو كاتز: «ينبغي على اليسار الأرجنتيني العمل على الوصول إلى سدة الحكم عبر تبني استراتيجية واضحة للسلطة».
بقلم كلاوديو كاتز
في هذه المقابلة، يقيّم كلاوديو كاتز الصعود الجديد للنائبة ميريام بريجمان، من «الجبهة اليسارية العمالية – الوحدة» (FIT-U)، على الساحة السياسية الأرجنتينية، ويلقي الضوء على بعض النقاشات الدائرة داخل اليسار. كما يتناول كاتز الوضع السياسي في الأرجنتين، وأزمتها الاقتصادية، وتراجع التأييد للرئيس خافيير ميلي، ضمن إطار إقليمي تتسم أحداثه بما يجري في كوبا وفنزويلا وبوليفيا.
هل يتغير المشهد السياسي في الأرجنتين؟
نعم. فقدان ميلي لمصداقيته أمر واضح جدًّا، حتى بين القطاعات التي دفعته إلى السلطة. ويشير إلى ذلك انخفاض نسبة تأييده، والتعبيرات المختلفة عن عدم الرضا عن إدارته، والحملة الانتخابية المبكرة.
الأسباب واضحة؛ فقد أدى عامان من التراجع الحاد في الاستهلاك، والتحويل غير العادل للدخل لصالح الأغنياء، إلى حالة من الاستياء الشعبي الواسع. لقد اضطربت تفاصيل الحياة اليومية بشكل كبير، إذ تحولت الرحلة اليومية إلى العمل إلى كابوس حقيقي، في ظل تدهور الخدمات وارتفاع أسعار المواصلات بمعدل يفوق نمو الأجور بـ 12 ضعفاً. أما انهيار نظام الرعاية الصحية فهو التحدي الأكثر خطورة؛ إذ دفعت الزيادات في الأسعار بنسبة 400% نحو 740 ألف شخص إلى التخلي عن الرعاية الصحية الخاصة، واللجوء إلى المستشفيات العامة المكتظة أصلاً، بينما يضطر العديد من المتقاعدين إلى الاستغناء عن أدويتهم لتوفير ثمن الطعام.
يُعد التفاوت في الدخل واقعاً مؤلماً؛ فبينما تتصاعد صادرات الوقود، ترتفع تكاليف الطاقة محلياً. وفي حين تحقق مواسم الحصاد أرقاماً قياسية، تزداد الموائد الفارغة في المنازل، ويضطر جامعو الورق المقوى «الكارتونيروس» إلى التنقيب في صناديق القمامة، بينما تعاني المقاصف المدرسية من نقص حاد في الإمدادات الغذائية.
شرع ميلي في تطبيق سياسات تقشفية قاسية أدت إلى شلل قطاع الأشغال العامة، كما تراجع عن وعوده الانتخابية الأخيرة بشأن كبح التضخم، الذي عاد ليحوم حول 3% شهرياً وفقاً لمؤشرات قياس تعتمد على سلة استهلاك أسرية عفا عليها الزمن. وتساهم الحكومة في تأجيج هذا التضخم عبر فرض زيادات في التعريفات الجمركية، في تناقض صريح مع أيديولوجيتها النقدية التي تُرجع ارتفاع الأسعار إلى زيادة المعروض النقدي، كما تسعى إلى كبح أي ارتفاع إضافي في الأسعار بشكل مصطنع عبر التلاعب بسعر الصرف.
لكن هذا لم يتسبب في انهيار نموذجه الاقتصادي…
يواجه النموذج الاقتصادي الحالي ضغوطاً متزايدة، إذ تضاءلت قدرته على الصمود؛ فقد استُبدلت 140 ألف وظيفة رسمية بـ 100 ألف فرصة عمل في الاقتصاد غير الرسمي القائم على الأعمال المؤقتة. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يستمر في ظل إغلاق 930 شركة شهرياً وانهيار الدخل المتاح للأسر، التي باتت مثقلة بديون متعذرة السداد.
وكما تكرر في مناسبات سابقة، تبخر الفائض التجاري الضخم نتيجة هروب رؤوس الأموال، ومن المستبعد أن تتوفر حزمة إنقاذ أمريكية في حال تكرار أزمة سعر الصرف التي شهدناها العام الماضي. وفي مواجهة هذه الأزمة التي تسبب فيها، لا يطرح «ميلي» سوى مزيد من إجراءات التقشف؛ فمع الانخفاض الحاد في الإيرادات الضريبية الناجم عن ركود الاقتصاد، عمد إلى فرض تخفيضات إضافية للحفاظ على وهم الفائض المالي وتجنب التخلف عن سداد الديون، مما أدى إلى خلق حلقة مفرغة من الانكماش الاقتصادي والفقر، دون أي مؤشرات على وجود مخرج في الأفق.
في ظل هذه الظروف الحرجة، تجددت موجة الغضب الشعبي ضد الفساد.
يسود غضب عارم بسبب عمليات اختلاس الأموال التي تورطت فيها عصابة «ميلي»؛ إذ بلغت وقاحة سرقاتهم حداً دفع حتى رئيس وكالة تحصيل الضرائب إلى إخفاء أصوله عن السلطات الضريبية. وتكشف سلسلة من الفضائح — بدأت من العملة المشفرة «ليبرا»، مروراً بتلقي الأمينة العامة للرئاسة «كارينا ميلي» رشوة بنسبة 3%، ووصولاً إلى الرشاوى في أكثر من 600 عقد بين الوكالة الوطنية لشؤون الإعاقة وشركة مملوكة لعائلة «كوفاليفكر»، فضلاً عن استقالة «خوسيه لويس إسبيرت» (مرشح ميلي) لتلقيه تمويلاً لحملته من تاجر مخدرات بارز — كيف استولت هذه العصابة على مقاليد الدولة لخدمة مصالحها الشخصية.
أما الفضائح المحيطة برئيس ديوان ميلي السابق، «مانويل أدورني»، فقد تجاوزت كل تصور، كاشفةً عن شبكة من الرشاوى والنهب الممنهج، حيث يحمي أفراد العصابة بعضهم البعض بأسلوب مافيوي قائم على التواطؤ. ومع ذلك، لا يزال «ميلي» يشعر بغضب أكبر لأن أحداً لم يعد يصفق لاندفاعاته وتصرفاته المهرجة، فهو لا يدرك كيفية التعامل مع الهزيمة في «الحرب الثقافية». وفي مشهد ساخر، يلقي المقربون منه باللوم على المواطنين في مصائبهم، مدعين أنهم «أوقعوا أنفسهم في ديون طائلة»، بينما يروج آخرون لأيديولوجية القسوة، مستهزئين بالمتقاعدين المعدمين.
غير أن الحشود الهائلة التي شاركت في احتفالات 24 مارس — ذكرى الانقلاب العسكري عام 1976 — وضعت حداً لهذه الروايات؛ فلم تعد محاولات الإنكار الرسمي لجرائم المجلس العسكري، أو إحياء نظريات «الشيطانين» التي تساوي بين عنف الدولة والتخريب السياسي، تلقى صدى يُذكر. وقد اضطر «ميلي» إلى تعليق خططه للعفو عن مرتكبي الإبادة الجماعية أمام المطالب الشعبية الواسعة بـ»الذاكرة والحقيقة والعدالة»، وهي قيم يفتخر بها مجتمع يرى في محاكمات قادة المجلس العسكري انتصاراً جوهرياً للبلاد.
وتكرر هذا النمط في المسيرة الجماهيرية دفاعاً عن التعليم؛ فقد وجد «ميلي» نفسه معزولاً بعد دعواته الاستفزازية لتقليص ميزانية التعليم إلى أدنى مستوياتها منذ 35 عاماً. كما أخفق أربع مرات في الالتزام بالقانون الذي يلزمه بتحويل الأموال المستحقة للجامعات، مهاجماً مؤسسات تجسد في الوجدان الشعبي المثل الأعلى للتقدم الاجتماعي. وفي محاولته تدمير رموز التأهيل والمعرفة والثقافة التي يمثلها التعليم العام، بات «ميلي» يفقد قاعدته الشعبية بوتيرة متسارعة.
رغم ذلك، لا يزال يحظى بدعم الطبقة الحاكمة التي لم تتخلَّ عنه بعد
الحقيقة أن المؤسسة السياسية تترقب انتهاء ولايته بطريقة تحفظ ماء الوجه، تمهيداً للمضي قدماً في مرحلة «ما بعد ميلي». وقد شرعت بالفعل في استكشاف بدائل محتملة، مثل «ميغيل أنخيل بيتشيتو»، النائب البيروني اليميني المتلون كالحرباء، و«ماوريسيو ماكري»، الرئيس السابق المنتمي لـ«اليمين الجديد» الذي عاد إلى المشهد السياسي، أو مقدم البرامج والقس الغامض «دانتي جيبيل»، فضلاً عن السيناتورة اليمينية المتقلبة «باتريشيا بولريتش». بل إن البعض يدرس خيارات بديلة في حال سقوط الرئيس قبل أوان رحيله؛ وفي هذا السيناريو، يخططون لاستمرار الحكومة بدعم من حكام الولايات واليمين البيروني.
في المقابل، يرفض ميلي الخضوع أو التخلي عن السلطة، مراهناً على بقائه بفضل مباركة ترامب، إذ بات يقضي في الولايات المتحدة وقتاً أطول مما يقضيه في أي مدينة أرجنتينية. وتتضمن التنازلات التي قدمها لراعيه منح براءات اختراع مختبرية مثيرة للجدل، وتقديم الدعم في النزاعات التجارية مع الصين في عدة مقاطعات. وقد استقطب ميلي مجموعة من الرأسماليين الذين يشاركونه توجهاته، والذين باتوا يتنافسون مع باولو روكا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «تيشينت» متعددة الجنسيات، وهيكتور ماغنيتو، قطب الإعلام والرئيس التنفيذي لمجموعة «كلارين»، وغيرهم من الرأسماليين المحليين، للاستحواذ على مكاسب عمليات الخصخصة، كما يتصارعون على النفوذ داخل السلطة القضائية التي أصبحت ساحةً لحسم خلافاتهم.
ولكن، كما العادة، في الأرجنتين، ستكون الكلمة الفصل في المسار السياسي، للكادحين …
بالفعل، لقد فاقت مظاهرات 24 مارس كل التوقعات؛ إذ شارك فيها ما يزيد عن مليون شخص من مختلف الأجيال، مما يُفنّد الادعاءات القائلة بتوجه الشباب نحو اليمين، وهو ما أكدته مجدداً مسيرات قطاع التعليم. كما تُبرز الاحتجاجات النقابية في مختلف المقاطعات أن حالة الركود التي تلت إصلاحات العمل الأخيرة قد انكسرت، بعد أشهر من تراجع الحراك في الشوارع. ورغم أهمية هذه التحركات الجماهيرية، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الزخم والنضالية اللازمين لهزيمة «ميلي»؛ إذ لا تلوح في الأفق حالياً بوادر لتكرار انتفاضة عام 2001 التي أطاحت بعدة رؤساء، أو تحقيق انتصار انتخابي مماثل لما حدث ضد «ماكري» في عام 2017.
هناك تحول مهم آخر يتمثل في الصعود المفاجئ لميريام بريجمان…
بالفعل، يُعد صعودها في استطلاعات الرأي مؤشراً مهماً، لا سيما مع تمتعها بصورة إيجابية قوية تعزز من فرصها الانتخابية. ويرى العديد من المحللين أن جاذبية ميريام لم تعد مقتصرة على قاعدتها التقليدية من الناخبين اليساريين والتقدميين فحسب، بل يعتقدون أن الناخبين الساخطين على النظام، ممن دعموا ميلي سابقاً، قد يوجهون غضبهم قريباً نحو اليسار. وتتشابه الأجواء الحالية إلى حد ما مع تلك التي أحاطت بالنائب اليساري لويس زامورا في الفترة المحيطة بعام 2001. لذا، تتعدد الأسباب الداعية لإطلاق حملة كبرى لدعم ترشح ميريام للرئاسة، حيث يجمع اليسار بأسره على ضرورة استثمار هذا الزخم وتعزيزه في الأشهر المقبلة.
دارت نقاشات عديدة، عُبِّر عنها عبر رسائل مفتوحة ووثائق متنوعة، حول الأهمية الاستراتيجية لهذه الحملة. ما رأيك؟
يدور نقاش حول ضرورة أن تُعدّل بريجمان خطابها لتعكس جدية طموحها في تولي الرئاسة، وذلك عبر تبني نبرة إيجابية ورسالة واثقة توضح رؤية اليسار لكيفية إدارة الحكم. يهدف هذا النهج إلى التمييز بين مفهومي الحكومة والسلطة، مع دعوة الجماهير لامتلاك كلتيهما، ويظل التحدي الأكبر متمثلاً في وضع استراتيجية عملية لتحقيق هذه الغاية.
في المقابل، يتبنى بعض المشاركين في النقاش موقفاً سلبياً، حيث يرون أن «الجبهة اليسارية العمالية – الوحدة» (FIT-U) لا ينبغي لها السعي نحو الحكم لافتقارها إلى سياسات قابلة للتطبيق. غير أن هذا التشاؤم لا يعدو كونه ترديداً لحجج اليمين التقليدية ضد اليسار، متجاهلاً التحولات الممكنة في موازين القوى.
هل هناك إعادة نظر في هذا التشاؤم؟
علينا الانتظار لنرى ما ستؤول إليه الأمور. ترى الرؤية التروتسكية التقليدية أن النضال من أجل الحكم والسلطة عمليتان متزامنتان تقعان في تتابع وثيق، وهو ما يجسده النموذج البلشفي لعام 1917؛ حيث الثورة، والمجالس، واقتحام قصر الشتاء، والشروع الفوري في تنفيذ البرنامج الاشتراكي. وتستند الدعوات إلى تعميق النضال، أملاً في انبثاق السلطة الشعبية من القاعدة، إلى تكرار هذا النموذج ذاته.
وتعيد بعض الوثائق صياغة هذه الإمكانية، مقدمةً ترشيح «ميريام» كحلقة في هذه السلسلة، وتقترح حملة إيجابية تربط بين فوزها بالرئاسة وانتفاضة ثورية، وهو ما يفسر الدعوة إلى تشكيل «لجان للنضال من أجل حكومة عمالية برئاسة بريجمان».
والاعتراض البديهي هنا هو أن هذا الرأي يفتقر إلى الواقعية، إذ لا توجد مؤشرات حالية تدعم حدوثه. ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات المنطقية قد تفضي إلى استنتاج خاطئ يتمثل في التخلي عن أي حملة رئاسية فعالة. لذا، ترفض بعض الوثائق خوض مثل هذه الحملة، وتدفع بأن التركيز يجب أن ينصب حصراً على تجنيد الأعضاء، مع التأكيد على أن الانتخابات ليست سوى منصة لنشر الأفكار الاشتراكية.
وتذهب النسخ الأكثر اعتدالاً إلى أن الوقت غير مناسب للفوز بالحكومة، نظراً لغياب الدعم الاجتماعي اللازم لتنفيذ برنامج ثوري في المناخ الراهن، ويرون أن على اليسار إعطاء الأولوية لبناء الحزب لمعالجة هذا الضعف. وأنا لا أتفق مع هذه الطروحات، إذ أعتقد أنها تساهم في تكريس التهميش السياسي لليسار.
ما هو موقفك؟
يتمثل جوهر النضال في الفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومة كخطوة أولى نحو السعي للظفر بالسلطة الحقيقية. إن النجاح في صناديق الاقتراع، المرتكز على التعبئة الشعبية والعمل القاعدي، يمنحنا القدرة على بدء معركة السيطرة على مفاصل الدولة، من اقتصاد وقضاء ومؤسسات عسكرية وإعلامية. هذه استراتيجية واضحة وفعالة، والأهم من ذلك أنها مفهومة لدى غالبية الناس؛ فهي تنأى بنا عن الجدالات النظرية حول مدى ملاءمة الظروف للمشروع الاشتراكي، وتضع هذا الهدف في سياق واقعي متطور.
نحن لا نعلم ما إذا كانت الظروف المطلوبة لتبلور النموذج الثوري التقليدي ستتحقق أم لا، لذا فإن استبعاد هذا الاحتمال تماماً يعد خطأً جسيماً، تماماً كالمراهنة عليه وحده. إن الوصول إلى الحكم والتنافس على السلطة يمثلان مرحلة مفصلية في مسار المشروع الاشتراكي. قد يجد اليسار نفسه قريباً في وضع يفرض عليه الحكم باستراتيجية واضحة للسلطة، لكن النهج الأكثر واقعية يظل رهناً بتقييم السياقات الراهنة، مع استحضار دروس التاريخ الحديث لبلدنا ومنطقتنا.
وما هو هذا النهج؟
شهدت الأرجنتين انتفاضة عام 2001، التي تمثلت في ثورة شعبية واسعة النطاق شملت الجمعيات، وخطوط الاعتصام، والمنظمات القاعدية. وقد مهدت هذه الأحداث الطريق للعملية الانتخابية التي أفضت إلى حقبة «الكيرشنريين» (حكومات يسار الوسط التي ترأسها نيستور كيرشنر بين 2003 و2007، وكريستينا فرنانديز دي كيرشنر بين 2007 و2015). ويبدو لي أن اليسار آنذاك افتقر إلى استراتيجية واضحة للتدخل في الانتخابات، وهو خطأ ينبغي ألا نكرره.
في المقابل، صعد إيفو موراليس إلى سدة الرئاسة في بوليفيا، كما انتُخب هوغو تشافيز في فنزويلا؛ وهي مسارات تتقاطع مع تجربة سلفادور أليندي في تشيلي، التي ظلت طوال القرن العشرين محوراً لنقاشات واسعة حول التقييم الفعلي لحكومات العمال. ومن وجهة نظري، فإن هذا المسار يتوافق مع الديناميات الثورية التي شهدتها روسيا، أو الصين، أو فيتنام، أو كوبا، أو يتقاطع معها أو يكملها، لكنه لا يتعارض معها بأي حال من الأحوال.
غير أن الاعتراض الجوهري يكمن في أن تلك المحاولات أخفقت في الموازنة بين المسار الانتخابي والمسار الثوري.
في رأيي، هذا الاعتراض ليس دقيقاً؛ فوفقاً لهذا المعيار المجرد، يمكن القول إن كل مسار سياسي يساري قد فشل، إذ واجهت جميعها حدوداً ونكسات وعقبات في مراحل مختلفة. فهل كان مسار ليون تروتسكي ناجحاً؟ يبدو لي أن هناك عادة جدلية سيئة تتمثل في التركيز على إخفاقات الخصم مع تجاهل أوجه القصور الذاتية؛ فلا يكفي القول بأن «البيرونية» قد فشلت دون تقديم نموذج بديل، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، يمكن اعتباره ناجحاً.
وإذا تمكنت ميريام من ترسيخ حضورها البارز على الساحة السياسية، فسيتم تجاوز هذه العيوب، لا سيما إذا وضع اليسار أهدافاً أكثر طموحاً تتناسب مع إمكاناته؛ فالأمر لا يتوقف عند انتخاب المزيد من النواب، بل يتعداه إلى الفوز في الانتخابات المحلية على مستوى الدوائر والبلديات والمقاطعات في عام 2027، ومن ثم إطلاق حملة وطنية للفوز بالحكومة والتنافس على السلطة، وهو ما يتطلب بناء تحالفات وائتلافات تتجاوز حدود اليسار التقليدي.
أما إذا نجح حزب «FIT-U» في توسيع قاعدته الانتخابية بشكل ملموس، فسيتعين عليه توضيح موقفه من جولة الإعادة المحتملة بين مرشح رئاسي من يسار الوسط وآخر من اليمين. ورغم أن هذه المسألة ليست ملحة حالياً، نظراً لأن الحملة الرئاسية لميريام تفترض وصولها إلى تلك الجولة، إلا أنه من الضروري بلورة موقف واضح تجاه ما يحدث عادةً في جولات الإعادة في أمريكا اللاتينية؛ ففي هذا السيناريو، لا يمكن التردد في الدعوة للتصويت ضد اليمين، إذ لا مفر من صقل الاستراتيجيات بما يتناسب مع السياق الإقليمي المتسم بالتحولات الدراماتيكية.
هل تشير إلى خطر هجوم إمبريالي على كوبا؟
لقد أعلن ترامب صراحةً عن نيته السيطرة على الجزيرة والتصرف فيها وفق أهوائه؛ إذ حاصرت أساطيله البحرية كوبا، كما لفقت الولايات المتحدة تهماً ضد راؤول كاسترو لتمهيد الطريق أمام عمليات اختطاف أو اغتيالات موجهة، أو حتى شن غزو عسكري. يبدو أن هذا الملياردير يسعى لتعويض إخفاقاته في إيران عبر تكثيف الحظر والحصار النفطي من خلال عمل عسكري، بينما تستعد الجزيرة للمقاومة، مما يحتم علينا تكثيف مبادراتنا التضامنية.
وعلى الرغم من وجود مسيرات مخططة، وحملات لإرسال الإمدادات، وتزايد لفتات التضامن، إلا أنه يتعين على «الاتحاد الاشتراكي الثوري» (FIT–U) إظهار التزام أكثر وضوحاً وفاعلية؛ فعلى سبيل المثال، سيكون لإرسال بريجمان في زيارة إلى كوبا -على غرار خطوة الزعيم اليساري البيروني خوان غرابويس- تأثير كبير ولفتة مهمة على الصعيد الإقليمي، لا سيما في ظل التطورات المتعلقة باختطاف نيكولاس مادورو.
كيف تقيم الأوضاع الراهنة في فنزويلا؟
إن وصف الوضع بـ«المقلق» يُعد تقليلاً من خطورته؛ فمن المعلوم أن الحكومة باتت تحت تهديد السلاح عقب اختطاف مادورو. لقد ساد افتراض بأن الرئيسة بالنيابة، ديلسي رودريغيز، كانت تكتسب الوقت وتستجمع قواها للتحضير لهجوم مضاد، وفسرنا التنازلات المقدمة لترامب على أنها ثمن باهظ لا مفر منه ضمن هذه الاستراتيجية.
ومع ذلك، وبعد مرور أشهر، تتزايد الأدلة على اتخاذ مسار مختلف؛ إذ شهدنا إعادة تنظيم مشبوهة للقيادة العسكرية، وتصريحات دبلوماسية مجمّلة بشأن الحرب ضد إيران، وإطلاق سراح متآمرين من اليمين، بالإضافة إلى اجتماعات احتفائية مع مبعوثي «الإمبراطورية».
وفي الوقت الذي يجري فيه رئيس القيادة الجنوبية للجيش الأمريكي حواراً مع ديلسي، يخيم صمت مطبق تجاه الصورة المهينة التي نشرها ترامب لفنزويلا بوصفها «الولاية الـ51». وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي عملية الإخلاء الوهمية للسفارة الأمريكية، تزامناً مع تحليق طائرات البنتاغون في سماء كاراكاس، متناسين أن الطرف الذي ينفذ هذه العمليات يحتجز رئيس فنزويلا رهينة.
علاوة على ذلك، أُقرت قوانين تخدم الشركات الأمريكية في الاستيلاء على عائدات النفط التي تُحوّل بشكل واسع إلى خزينة الولايات المتحدة، بينما يستأنف صندوق النقد الدولي عمليات التفتيش.
وتأتي الانتقادات لهذه التطورات بشكل رئيسي من قلب الحركة «التشافيزية»؛ فقد دعا لويس بريتو غارسيا إلى الشفافية بشأن اختطاف مادورو وطالب بتفسيرات لتساهل الحكومة مع ترامب، كما أكد نائب الرئيس السابق إلياس جاوا أن فنزويلا تخضع للاحتلال وأن واشنطن تخطط لإقامة محمية. وأخيراً، فإن تسليم الممول أليكس صعب للمحاكم الأمريكية أمر غير مبرر؛ فقد كان دوره محورياً في إبقاء دوائر التجارة الخارجية مفتوحة في ظل عقوبات «الإمبراطورية»، وإذا كان قد ارتكب جريمة، فمن المفترض محاكمته في كاراكاس بدلاً من احتجازه في زنزانة بالقرب من مادورو.
إن المؤشرات على حدوث تحول رجعي باتت واضحة ولا يمكن تجاهلها، مما يستدعي نقاشاً صريحاً؛ فجدوى الجدل حول وجود خيانة من عدمها أصبحت محدودة، بينما تكمن الأهمية في التوصيف السياسي الدقيق لما يحدث، ولعل النظر في تجربة ما بعد الهزيمة الانتخابية الأولى للساندينيين يمثل سابقة يمكن القياس عليها لفنزويلا اليوم.
لحسن الحظ، لدينا تطورات مشجعة في بوليفيا…
إن الانتفاضة الشعبية الراهنة تُعدّ حدثاً استثنائياً؛ فبعد مرور ستة أشهر على تولي الحكومة اليمينية السلطة، تبرز حركة احتجاجية واسعة النطاق ضد سياسات التقشف، مما يؤكد مجدداً على تجذر تقاليد النضال في منطقة «ألتبلانو».
لقد فرضت هذه الانتفاضة طوقاً حول مدينة «لاباز» عبر أساليب نضالية جذرية، كإغلاق الطرق وتنظيم المظاهرات الحاشدة. ويطالب المتظاهرون باستقالة الرئيس لإخفاقه في الوفاء بوعوده الانتخابية، مستخدمين كل ما يلزم من قوة لإجبار السلطات القمعية على الرضوخ. وتتواصل المواجهة في ظل لجوء الحكومة إلى الجيش لقمع الاحتجاجات، وإصدار مذكرات اعتقال بحق القادة، واستخدام معدات عسكرية موردة من «ميلي».
تجدر الإشارة إلى أن بوليفيا لطالما كانت في العقود الأخيرة بوصلة لدورات النضال الإقليمية؛ ففي مطلع القرن، أطلقت شرارة موجة من الانتفاضات التي امتدت إلى الإكوادور وفنزويلا والأرجنتين. كما قادت قبل بضع سنوات موجة ثانية تلتها حركات احتجاجية في الإكوادور، وشيلي، وكولومبيا، وبيرو.
واليوم، يعود البوليفيون لتصدر المشهد، وذلك على وقع مقاومة لافتة في شيلي سبقت تولي [الرئيس اليميني المتطرف] خوسيه أنطونيو كاست منصبه بأشهر قليلة. إن الانتفاضة في بوليفيا تتخطى الحدود الجغرافية، متحديةً أجندة ترامب وموجهةً ضربة قوية لأتباعه من اليمين المتطرف، لترسم بذلك مساراً تبناه اليسار الأرجنتيني واعتبره نهجاً خاصاً به.
***************************
منذ وصول الرئيس خوان دومينغو بيرون إلى السلطة عام 1946، ظلت البيرونية القوة السياسية المهيمنة في الأرجنتين. ورغم وجودها حالياً في صفوف المعارضة، فقد كانت الحزب الحاكم الأبرز منذ انتهاء الدكتاتورية العسكرية عام 1983. وتُعد البيرونية حركة سياسية واسعة النطاق تضم طيفاً متنوعاً من التيارات، بدءاً من اليمين وصولاً إلى يسار الوسط والقوى التقدمية، ومن أبرز محطاتها إدارات يسار الوسط التي قادها كل من نيستور كيرشنر (2003-2007) وكريستينا فرنانديز دي كيرشنر (2007-2015).
المصدر: https://links.org.au/claudio-katz-argentine-left-must-aim-govern-strategy-power
اقرأ أيضا

