احتجاجات جيل زيد ودستور الحكم المطلق واقتصاد يخدم الأقلية
بقلم أكوليز
المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة
بعد ستة عقود من المناورات السياسية والتعديلات الدستورية وضبط المعارضة وقمع الاحتجاجات، يعود سؤال أساس: من يحكم فعليًا في المغرب، ولصالح من تُدار الدولة؟ هذا السؤال الذي كُمِّم منذ سبعينيات القرن الماضي بفعل احتواء المعارضة التاريخية وقمع اليسار، يطفو مجددًا داخل الحراكات الاجتماعية، وإن بشكل غير مباشر.
ومع خروج جيل زِد، برزت مطالب اجتماعية وسياسية تُوجت بوثيقة 10 أكتوبر الموجهة للملك. غير أن هذا الخطاب يكشف سوء تشخيص للمشكل؛ فالأزمة بنظرهم حكومة ضعيفة أو برلمانًا بلا صلاحيات، أي بنية دستورية تستمر منذ أكثر من نصف قرن بمركز قرار واحد، وتشمل داخله حتى الخيارات الاقتصادية الكبرى من الاستثمار إلى إدارة الموارد الاستراتيجية، خارج أي محاسبة ديمقراطية.
رغم إعلان جيل زيد تشبتهم بالتوابث الدستورية، شكلت احتجاجاتهم الاجتماعية في الواقع «اعتراض غير معلن» على دستور ينتج فقرًا وبطالة وتدهورًا في الخدمات، لأنها نتائج تصميم سياسي يضمن استمرار ميزان القوة نفسه مهما تغيرت الحكومات ويُبقي التوجهات الاقتصادية الجوهرية خارج النقاش العمومي.
وحين يطلب الشباب تدخل رأس الدولة، فإنهم يشيرون – بوعي أو بدونه – إلى أن السلطة الحقيقية توجد فوق المؤسسات المنتخبة. هنا تتضح المفارقة: غضب ضد نتائج سياسات ظرفية ملموسة، عبر نصوص دستورية حددت شكل الحكم ورسمت الإطار الاقتصادي الذي تُدار به الثروة الوطنية.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي تغيير الحكومات وقواعد توزيع السلطة؟ أو تغيير قواعد السلطة نفسها بالإطاحة بطبقة البورجوازية؟ سؤال يكشف أن الاستبداد قد يكون مكتوبًا في الدستور قبل أن يُمارس في الواقع.
ومن هنا تبدأ الفكرة التالية.
كيف يعمل الاستبداد حين يكون منصوصًا عليه؟
الاستبداد المنصوص عليه أخطر أشكاله، إذ لا يحتاج إلى صدمات مفاجئة أو استخدام العنف المباشر، بل يُرسخ داخل النصوص القانونية والدستورية. في هذا السياق، يصبح القمع «شرعيًا»، والهيمنة «مؤسسية»، والطاعة «واجبًا دستوريًا». لا يبدأ الاستبداد حين يُغلق البرلمان أو يُعتقل المعارض، بل حين يُصاغ دستور يجعل البرلمان عاجزًا أصلاً، ويضع العمل السياسي داخل قواعد تحدد محتواه مسبقًا، ما يحول المؤسسات المنتخبة إلى واجهات شكلية داخل حلبة مغلقة.
في المغرب، كرست الملكية منذ دستور 1962 إطارًا يتجاوز المجتمع، يجعل السلطة مركّزة في يد الملك ويضعه فوق المؤسسات. منحت الفصول الدستورية الملك صلاحيات تنفيذية وتشريعية ودينية وعسكرية واسعة، بحيث أصبحت أي سلطة أخرى تابعة له، وجعلت مبدأ الفصل بين السلطات مجرد شعار بلا تطبيق فعلي. بهذا الشكل، أصبح الدستور وسيلة لإضفاء الشرعية على احتكار القرار، وتحويل باقي المؤسسات إلى أدوات تنفيذية تحت إشراف الملك.
يعمل هذا الاستبداد عبر أربع آليات متكاملة: أولًا، تركيز السلطات في يد واحدة، بحيث يكون الملك رأس السلطة التنفيذية والمرجع الديني وقائد الجيش ورئيس المجلس الوزاري ومالك صلاحية حل البرلمان وتعيين المسؤولين الاستراتيجيين، ما يجعل أي مؤسسة أخرى محصورة ضمن حدود لا يمكنها تجاوزها. ثانيًا، إفراغ المؤسسات من مضمونها، فالبرلمان يملك صلاحيات على الورق، لكنه مقيد بظهائر فوق-قانونية، والحكومة مسؤولة أمام الملك قبل البرلمان، ما يجعل المؤسسات تمثيلية بلا قدرة على تعديل موازين القوى. ثالثًا، تحويل المشاركة السياسية إلى طقوس، فالانتخابات والأحزاب تعمل ضمن قواعد محددة مسبقًا تمنع التداول الحقيقي على السلطة، فحتى حين تصل المعارضة إلى الحكومة، لا تصل إلى مركز القرار، وتظل الانتخابات أداة لتجديد الشرعية الشعبية دون المساس بهرم السلطة. رابعًا، تطبيع التفاوتات الاجتماعية عبر القانون، إذ في المغرب تُصاغ السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى خارج المؤسسات المنتخبة (حتى في الديمقراطية الليبرالية حيث تصاغ السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى داخل المؤسسات المنتخَبة، تحافظ على وتعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية)، بما يحافظ على مركزية الثروة في يد أقلية تستفيد من النظام، ويبقى الفقر والبطالة جزءًا من البنية السياسية والاقتصادية نفسها.
الاستبداد المقنَّن قادر على إدارة المعارضة واحتواء الاحتجاجات دون اللجوء إلى القمع المباشر، لأنه يستند إلى نصوص دستورية تمنح السلطة صلاحيات مطلقة تعلو على أي مساءلة، وتُشرعن تدخل الدولة في مختلف شؤون المجتمع باسم القانون. ولا يُلجأ إلى القمع المباشر إلا عند المساس بمصالح الأقلية المهيمنة اقتصاديًا، حيث تتحرك الأجهزة الأمنية والقضائية للدولة لحماية تلك المصالح. وبهذا الشكل، يتداخل الاستبداد السياسي مع الاستبداد الاقتصادي، بحيث يستحيل تفكيك أحدهما دون معالجة الآخر، وهو منطق لا يقتصر على النظم الاستبدادية وحدها، بل يمتد أيضًا إلى الديمقراطيات الليبرالية التي تمتلك بدورها آليات مؤسسية لاحتواء المعارضة وتنظيم الاحتجاج دون اللجوء إلى القمع المباشر.
دستور مفروض بوجه إرادة شعبية
إن فهم اللحظة السياسية الراهنة يمرّ عبر قراءة للكيفية التي صيغت بها الدساتير، وكيف استُعملت لإنتاج «ملكية مطلقة بواجهة دستورية”، كما كتب موريس بوتان، وكيف تحولت المعارضة والانتخابات والديمقراطية نفسها إلى آليات ضبط اجتماعي أكثر منها أدوات تداول السلطة.
تكشف طريقة صياغة دستور 1962 كيف جرى تثبيت نمط الحكم القائم. فقد كان تحت إشراف مباشر للقصر، متجاوزا مطالب المجلس التأسيسي، وجرت المصادقة عليه عبر استفتاء محدود منح النظام الملكي شرعية شكلية أكثر ما عبّر عن إرادة شعبية.
صيغ دستور 1962 على قاعدة سياسية صلبة قوامها احتكار المؤسسة الملكية للسلطة التأسيسية. يروي موريس بوتان: «… لكن سلطات العاهل ستكون أكبر من ذلك، نصا وواقعا، فخلف مبدأ «الملكية الدستورية» المنصوص عليه في المادة الأولى، تتخفى حقيقة ملكية مطلقة». كان الدستور آلية لضبط المجتمع من فوق. يوضح جيل بيرو الصورة أكثر في كتاب «صديقنا الملك» حين يشير إلى أن الحسن الثاني لم يكن يناقش الدستور بل يعلن نتائجه، وأن «التعددية» لم تكن تعددية سياسية، بل تعددية تحت السيطرة؛ أحزاب تتنفس داخل قفص محكم، تُترك لها حرية الصراع حول الهامش، بينما يحتفظ المركز بكل شيء. ولم يكتفِ الحسن الثاني بذلك، بل اعتمد سلسلة من الأساليب لإحكام السيطرة على الحياة السياسية: إعلان حالات الاستثناء، الاعتقالات التعسفية، قمع النقابات والحركة الطلابية، وتوظيف الدعاية الإعلامية، وكلها أدوات ضمنت بقاء السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية تحت قبضته، وجعلت أي «إصلاح» يجري داخل الحدود التي يرسمها القصر ولا يتجاوزه. أما أبراهام السرفاتي فقد علق على مرحلة ما بعد الدستور الأول بـ: منذ 1963، وبعد «التأمين النهائي لركائز النظام الجديد» ، لم يبقَ للدولة سوى مهمة واحدة: ضمان استمرارية السلطة، مهما كان الثمن.
منذ ذلك الحين، توالت دساتير 1970 و1972 و1980 و1992 و1996، في مسار يبدو كأنه «حركية دستورية»، لكنه لم يكن سوى إعادة إنتاج مركزية مطلقة في يد واحدة. كانت نسب التصويت المتشابهة في كل الاستفتاءات، كما لاحظ بوتان، علامة على نظام يقرر النتائج قبل إجراء العملية. وكانت كل خطوة «انفتاح»، مجرد تعديل في الواجهة، يُراد بها امتصاص الضغوط دون المساس بجوهر السلطة.
كان دستور 1962 أداة لترسيخ حكم مركزي: ملك يحتكر القرار الديني والعسكري والتنفيذي، وظهائر فوق كل السلطات، وبرلمان لا يصير لقوانينه وجود إلا بموافقة الملك، وحكومة مسؤولة أمام الملك قبل البرلمان، وقضاء لا يملك حق مراجعة قرارات المؤسسة الملكية… وفي ظل هذا الإطار المغلق، لم تدخل المعارضة صراع السلطة فعليًا؛ إذ جرى تطويعها وإدارتها ضمن حدود لا تهدد مركز الحكم، واعتمد الحسن الثاني لذلك ثلاث آليات رئيسية…
أولًا، سياسة «الاحتواء». كان النظام يسمح للمعارضة بالنشاط داخل مساحة محسوبة: صحافة محدودة، خطاب احتجاجي مضبوط، مشاركة انتخابية تشبه لعبة بلا نتائج. المعارضة تُستدعى إلى مؤسسات لا تستطيع تغيير بنيتها. وهكذا تحولت بعض أحزاب الحركة الوطنية إلى «ديكور شرعي» يمنح النظام صورة تعددية دون أن يهدد سلطته.
ثانيًا، سياسة «الاستنزاف». كلما ارتفعت حرارة الشارع، كان النظام يفتح نافذة صغيرة: تعديل دستوري، تناوب توافقي، هيئة إنصاف ومصالحة، ثم تُغلق النافذة بمجرد نزول التوتر. وفي كل مرة، كانت المعارضة تخسر جزءًا من قاعدتها الاجتماعية لأنها تدخل في اللعبة دون أن تغيّر شروطها.
ثالثًا، سياسة «الردع المتقطع». هنا كان للحسن الثاني دورًا أساسيًا؛ قمع انتفاضات 1965 و1981 و1984 و1990، وسمح بالمشاركة السياسية في فترات أخرى. كان يضبط إيقاع الحياة السياسية بين الضرب والمنح، بين العنف والاحتواء، بين فتح الأبواب وغلقها. وهذا ما عبر عنه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية في لقاء تلفزي عن مشاركة «الأحزاب الوطنية» في التسيير بأنها «حكومة جلالة الملك»، إنه تكتيك الدولة التي لا تسمح للمعارضة إلا بأن تكون جزءًا من هندستها.
لم تشهد الفترة بين 1999 و2025، قطيعة مع تركيز السلطة، بل استمرّ نفس المنطق الذي يجعل السؤال الجوهري- من يحكم فعليًا ولصالح من تُدار الدولة؟ – سؤالًا مؤجّلًا. لم تمس شعارات «العهد الجديد»و»الإنصاف والمصالحة» و»النموذج التنموي الجديد”، جوهر البنية التي صيغت منذ أول دستور: مركز قرار واحد فوق المؤسسات، واختيارات اقتصادية واستراتيجية تُرسم خارج أي رقابة ديمقراطية. لذلك، فإن موجات الاحتجاج من 20 فبراير إلى الريف وجرادة ثم احتجاجات جيل زِد لا تعكس اختلالات حكومية، بل حدود نظام يجعل الفقر والبطالة وتدهور الخدمات منتجات لبنية دستورية واقتصادية مُحكمة، لا لسياسات ظرفية. وقد استُخدمت انتخابات 2002، تناوب 1998–2002، دستور 2011، وحكومات ما بعده كآليات لامتصاص التوتر لا لتغيير قواعد السلطة.
الدستور يكُتبه ميزان القوى الفعلي
ترسخت في المغرب طبقة رأسماليين- يحكم نيابة عنهم قسمها الحاكم، أي الملكية والرأسمال الكبير الملتف حولها، والملكية تستغل موقعها السياسي هذا لاحتكار فرص الاغتناء الاقتصادي الكبيرة، لكنها بحمايتها للنظام البرجوازي فإنها تخدم مصالح مجموع الطبقة البرجوازية – تستفيد من الامتيازات، والصفقات الكبرى، والتحكم في الأرض، والاحتكار، وكل ذلك داخل إطار قانوني يمنع مراقبة الثروة ومحاسبة كبار الفاعلين. وبهذا يصبح الدستور نفسه حارسًا لنظام اقتصادي أي حين تُمسّ مصالح طبقة البورجوازية، عبر استعمال القانون لقمع الإضرابات والاحتجاجات، باسم «النظام العام» أو «اختلال الأمن الاقتصادي». ولقد لخص فرديناند لاسال الأمر حين قال إن الدساتير في الأنظمة غير المتوازنة تُكتب لحماية مصالح الطبقة المالكة لا حقوق الشعب.
من هذا المنظور، يصبح التغيير السياسي مرتبطًا بالبنية الاقتصادية ارتباطًا لا ينفصم. فلا معنى لديمقراطية تُبنى فوق اقتصاد مُركز في يد أقليّة، ولا معنى لمؤسسات تمثيلية تُحرم من سلطة تقرير الخيارات الاجتماعية الكبرى. أي أن معالجة الاستبداد السياسي لا تستقيم دون معالجة الاستبداد الاقتصادي الذي يغذّيه؛ فالمجتمع الذي لا يتحكم في ثرواته وموارده لا يمكنه أن يتحكم في مؤسساته.
إن أشكال الاستبداد متعددة فمنها الحكم المطلق، الذي يحكم مستندا إلى نصوص دينية وأخر يشرّع لنفسه في النصوص القانونية، فالاستبداد المنصوص عليه لا يحتاج إلى دبابات أو بيانات عسكرية ليُحكم، يكفيه نص واحد صيغ بدقة ليضع السلطة فوق كل مساءلة، ويمنح الدولة الحق في التدخل في كل شؤون المجتمع باسم «القانون». بهذا يصبح النظام قادرًا على إدارة المعارضة بدل مواجهتها، واحتواء الاحتجاجات بدل تفكيك أسبابها، والتحكم في المساحة السياسية والاقتصادية دون أن يظهر ذلك كقمع مباشر، بل كتنفيذ لما «ينص عليه القانون». هذا الاستبداد المكرس بالدستور يمكّن السلطة من بسط سيطرتها بهدوء على المجتمع، بينما يبقى القمع المباشر أداة احتياطية تُفعّل فقط حين تُمس مصالح الأقلية المسيطرة اقتصادياً.
إن وراء دستور الاستبداد القانوني هذا، يوجد استبداد فعلي مفروض بالقوة، يظهر كلما تعرضت مصالح الطبقات المالكة أو الاحتكارات الاقتصادية لأي تهديد. فآلة الدولة القمعية تتحرك حين يُمس «حق الملكية الخاصة»، وتصبح النصوص القانونية حينها غطاءً لممارسة السلطة القمعية المباشرة. إن أجهزة من قبيل، الجيش، الشرطة، المخابرات، الأجهزة القضائية، كلها تعمل حينها بشكل متناغم لضمان استمرار الهيمنة الاقتصادية، ما يوضح أن تلك السلطة الدستورية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد، بل لحماية مصالح أقلية مالية محددة. وهذا ما يؤكد أن الاستبداد السياسي لا يمكن فصله عن الاستبداد الاقتصادي، وأن أي تغيير سياسي يفتقد لتغيير القاعدة الاقتصادية سيبقى مجرد واجهة شكليّة.
الاستبداد المقنّن لا يُهزم إلا بتغيير ميزان القوى
مواجهة الاستبداد الحقيقي هي إذن مواجهة متكاملة، سياسية واقتصادية في آن واحد. تحرير السياسة دون تحرير الاقتصاد هو وهم؛ كما أن تحرير الاقتصاد دون سلطة سياسية حقيقية للشعب يبقى ناقصًا. فقط عبر استعادة الشعب لمكانه كمصدر لكل سلطة، وإعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة، يمكن بناء ديمقراطية حقيقية لا يقتصر فيها الحكم على نصوص مكتوبة أو مؤسسات شكلية، بل تتحقق فيها السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية على أرض الواقع.
أخيرا
إن إعادة بناء السيادة الشعبية على هذه الأسس تتطلب مواجهة القوة المنسقة للأجهزة القمعية والبيروقراطية المؤسساتية، التي عملت لعقود على قمع أي مطالب شعبية، وإضعاف النقابات والحركات الاجتماعية، ومنع التنظيم السياسي المستقل. لكنها أيضًا تتطلب تنظيمًا حزبيا يضم العمال ويلف حوله الكادحين للكفاح من أجل نظام اقتصادي جديد، حيث يمتلك الكادحون أدوات إنتاجهم ويقررون كيف تُدار الثروة، وبذلك تتسق السلطة السياسية مع العدالة الاجتماعية. أي تغيير حقيقي يبدأ حين يجري القضاء على القوة الاقتصادية للطبقة البورجوازية. هذا وحده يضع الشعب في مركز القرار، بعيدًا عن الأوهام الدستورية التي صاغتها الأقلية الحاكمة على مدى ستة عقود.
إن التغيير السياسي لا يمكن فصله عن البنية الاقتصادية التي تغذّيه. فالديمقراطية التي تُبنى فوق اقتصاد مركّز في يد أقلية هي ديمقراطية وهمية، ومؤسسات تمثيلية محرومة من تقرير الخيارات الاجتماعية الكبرى ليست سوى هياكل فارغة. لذلك فإن مواجهة الاستبداد المنصوص عليه تستوجب مواجهة الاستبداد الاقتصادي الذي يحميه؛ فلا سيادة شعبية دون سيطرة المجتمع على ثرواته وموارده.
وهذا ما يجعل كل حديث عن إصلاح الدستور مجرد تجميل لواجهة صيغت أصلًا لإعادة إنتاج السيطرة، لأن جوهر المسألة لا يكمن في النصوص بل في ميزان القوى الفعلي الذي يحدد، كما يقول لاسال «الدستور الحقيقي للدولة». فحين يكون هذا الميزان مختلًا لصالح أقلية تملك الثروة والسلطة، يصبح الاستبداد قادرًا على تنظيم نفسه بقوة القانون، دون حاجة إلى دبابات أو حظر صريح، مكتفيًا بنص محكم يضع السلطة فوق المساءلة ويتيح لها إدارة المعارضة واحتواء الاحتجاجات دون اللجوء إلى القمع المكشوف إلا عندما تُمس مصالح الفئات المسيطرة. ومن دون لحظة انفجار شعبية تغيّر ميزان القوى فعليًا، أي القضاء على الطبقة البورجوازية سيظل الشعب خارج موقع القرار، وسيبقى كل الفارغ عن التعديلات الدستورية دورانًا في الحلقة ذاتها التي حافظت على «ملكية مطلقة بواجهة دستورية» طوال ستة عقود.
اقرأ أيضا


