مذكرة التفاهم من أربع عشرة نقطة بين النظام الإسلامي والولايات المتحدة

بلا حدود5 يوليو، 2026

بقلم؛ سيبر هوشانغ
·

مساومة توافقية، في سياق مطبوع بمأزق النزعة العسكرية وإرهاب الدولة.

أُبرِمت «مذكرة تفاهم من أربعة عشر بنداً بين النظام الإسلامي والولايات المتحدة» على أنقاض المدن الإيرانية، وعلى جثث الضحايا، وعلى حياة الناس المدمرة، وعلى مجتمع عاش لأسابيع تحت تهديد الحرب. فقد شكلت أعمال القصف، والعقوبات، والدعاية القومية والإسلاموية، والهستيريا العسكرية، وحالة الحصار الأمني، خلفية لهذا الاتفاق المزعوم. ولا يشكل هذا النص عملاً من أعمال النصر للجمهورية الإسلامية، ولا انتصاراً للولايات المتحدة وإسرائيل. كما لا يمكن تفسيره على أنه استسلام من جانب الجمهورية الإسلامية، ولا ضماناً لدوامها. إنه في المقام الأول تعبير عن المأزق الذي وقعت فيه جميع الأطراف الفاعلة في هذه المواجهة العسكرية.
ومع ذلك، لا يؤدي مأزق حرب رجعية حتما إلى عواقب تقدمية. بل يمكن، على العكس، أن تنتج عنه آثار رجعية جديدة.
ومن بين هذه الآثار التعزيز النسبي لموقف الجمهورية الإسلامية الإقليمي. فقد بات بوسع هذه الأخيرة أن تسعى إلى تقديم بقائها السياسي كشكل من المقاومة الظافرة، على الرغم من الدمار الهائل والخسائر البشرية والكلفة الاجتماعية الباهظة التي فرضتها هذه المواجهة على السكان.
لم تنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة. من جانبها، وجدت الجمهورية الإسلامية، التي كانت حتى الأمس تعلن مبدأ «لا حرب ولا مفاوضات»، نفسها في النهاية في مواجهة كل من الحرب والمفاوضات. كما أنها لم تنجح في حماية مرشدها الأعلى ولا العديد من قادتها الرئيسيين ومسؤوليها العسكريين.
أما الولايات المتحدة، فلم تكن قادرة على فرض النظام الإقليمي الذي كانت تنوي تشكيله.
وبالتالي، لا يكرس الاتفاق الناتج عن ذلك انتصار أي من الأطراف المتنازعة. بل يعبر قبل كل شيء حدود الاستراتيجيات التي اتبعتها كل من الأطراف الفاعلة وفشلها. بيد أن حالة التوازن الهش هذه، الناجمة عن مواجهة مدمرة، قد تمهد طريق إعادات تشكيل سياسية وجيوسياسية جديدة، قد يعزز بعضها، بنحو مفارق، مكانة الجمهورية الإسلامية النسبية على الساحة الإقليمية.
ولم يستطع المجتمع، كما كان متوقعًا منذ البداية، فرض نفسه قوةً حاسمة على الساحة السياسية والعسكرية. وقد سُحق تحت وطأة الحرب والقمع والدعاية وحالة الطوارئ، فتم تهميشه ليصبح مجرد متفرج قسري في صراع لم يكن بادئه ولا المستفيد منه.
لم تكن هذه الحرب حرب الشعب الإيراني. كما لم تكن حرب شعوب لبنان أو اليمن أو فلسطين. و لم تكن حرب الشعب الإسرائيلي. فقد كانت قبل كل شيء مواجهة بين قطبين رجعيين، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصالحه الاستراتيجية وطموحاته في القوة ومشاريعه السياسية، على حساب حياة سكان المنطقة وأمنهم ومستقبلهم ،هم الذين وقعوا رهائن لمنطق حرب غريبة عنهم.
ولم تكن الحكومات ولا الأجهزة العسكرية هي ضحايا هذه المواجهة، بل كانت الشعوب في المقام الأول، التي أُجبرت على دفع الثمن من خلال الدمار، والتشريد القسري، وانعدام الأمن، والفقر، وفقدان آلاف الأرواح وملايين الوظائف.
كان جليا، منذ الأيام الأولى، أن هكذا حربًا ستؤدي، أيا تكن نتيجتها، وبغض النظر عن الطرف الغالب، إلى عرقلة نضالات الشعوب الجارية بدرجات متفاوتة. فلم يكن أمامها سوى إضعاف مقدرات التنظيم الاجتماعي، وإعاقة حركات الإضراب، وتعقيد بناء نقابات مستقلة، وتقويض الجهود الرامية إلى إرساء بديل تحرري. وفي سياق هيمنة منطق الحرب، والعسكرة وحالة الطوارئ، كانت الحركات الشعبية محكومة حتماً بالتراجع، في حين تم تهميش المطالب بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
باتت الحرب متوقفة الآن. ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين وقف الأعمال العدائية هذا وحل الأزمات العميقة التي تقاسيها المنطقة ومجتمعاتها. فالقضايا الإقليمية الرئيسة — وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتوزيع ميزان القوى بين مختلف أقطاب القوة والنفوذ، فضلاً عن طبيعة النظام الإسلامي — لا تزال قائمة وتواصل تشكيل الديناميات السياسية الجارية.
وبالمثل، لم يتغير بتاتا جوهر العلاقة بين المجتمعات والسلطات القائمة جوهرها. فالتناقضات الاجتماعية والسياسية لا تزال قائمة، شأنها شأن التطلعات إلى تغيير النظام ومطالب قسم من السكان. وبهذا المعنى، لا يعني توقف القتال انهاء لدورة التوترات، بل يعيد ببساطة تشكيل كيفياتها، تاركاً مفتوحة جميع المسائل الأساسية التي لا تزال على جدول الأعمال.
الواقع خلف النقاط الأربعة عشر
لا يمكن تأويل مذكرة التفاهم المكونة من أربعة عشر بنداً بواسطة موشور الخطابات الرسمية للمتحدثين باسم الدولة أو وسائل الإعلام المرتبطة بها وحده. فهي لا تكرس نصر تاما لأي من الأطراف المتنازعة. ولم تنجح أي منها في فرض إرادتها بالكامل على الطرف الآخر.
لو كانت إسرائيل قادرة على تركيع النظام الإسلامي، وتدمير مقدراته النووية والصاروخية، وتهيئة الظروف لتغيير النظام وإحداث اضطراب عميق في المجتمع، لما كانت لهكذا اتفاق، منطقياً، أية ضرورة. وبالمثل، لو كانت الجمهورية الإسلامية قادرة على صد إسرائيل بشكل دائم، وتعزيز مكانتها الإقليمية وطموحاتها السياسية بشكل حاسم، وفرض توازن جديد للقوى، لما اضطرت إلى قبول مثل هذا المساومة.
وبالتالي، فإن وجود هذا الاتفاق بحد ذاته شاهد على حدود كل استراتيجية وعجز كل طرف عن تحقيق أهدافه القصوية.
واليوم، يبدو أن السلطة الإيرانية نفسها مستعدة، بقبولها هذا البروتوكول، لتخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تثقل كاهلها، من أجل زيادة هامش مناورتها وتعزيز مقدراتها على البقاء. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا التراجع هزيمة للجمهورية الإسلامية.
صحيح أن النظام تعرض لضربات كبيرة، وظهرت هشاشة جهازه الأمني بوضوح متزايد. ومع ذلك، لا تعني هذه الانتكاسات انهيارًا استراتيجيًا ولا فقدانًا دائمًا للسيطرة، بل هي إعادة تشكيل قسرية لمواقعه في ظل توازن قوى أصبح أكثر تقلبًا.
لقد تعرضت بعض مكونات هيكل قيادته، وكذلك مقدراته العسكرية، لأضرار جسيمة. ومع ذلك، تمكن النظام في الآن ذاته من تجنب هزيمة استراتيجية.
فقد نجح بوجه خاص في إحباط مشروع «تغيير النظام» والحفاظ على مكانته فاعلاً لا غنى عنه في المفاوضات. وتسلط هذه الدينامية المزدوجة الضوء على أحد النتائج الرجعية التي أحدثتها الحرب نفسها، من حيث أنها قد تسهم، على الرغم من الدمار والضعف اللذين تسببهما، في إعادة تشكيل بعض التوازنات لصالحه.
على الصعيد الإقليمي، يبدو أن الجمهورية الإسلامية أصبحت، على الرغم مما تعرضت له من ضربات، في موقف تفاوضي أقوى نسبيًا. وستضطر دول الخليج، في مواجهة التوسع الجغرافي للصراع ومقدرات النظام الإسلامي على التدخل، إلى تبني موقف أكثر حذراً تجاهه من الآن فصاعدًا.
من هذا المنظور، منحت الحرب الجمهورية الإسلامية، ولو بشكل مؤقت، موقعاً أكثر ملاءمة في توازن القوى الإقليمي وكذلك في علاقاتها مع دول الخليج. وهذا مثال جديد على الآثار المتناقضة، بل والرجعية، التي يمكن أن تنتج عن حرب من هذا النوع، من خلال إعادة تشكيل علاقات القوة دون حل التناقضات الأساسية.
ومع ذلك، لا يمكن أن يخفي هذا التحسن النسبي في الموقف الإقليمي المشكلات الحقيقية والأساسية التي لا يزال النظام يواجهها على الصعيد الداخلي. فالجمهورية الإسلامية لا تزال تعاني من أزمات هيكلية مستمرة: أزمة شرعية، وأزمة خلافة، وأزمة اقتصادية، وأزمة حوكمة، وأزمة علاقتها بالشباب والنساء، فضلاً عن أزمة يومية تتعلق بالبقاء السياسي.
وهذه التناقضات الداخلية، التي لم تحلها بأي وجه كان إعادات التشكيل الخارجية، لا تزال تلقي بثقلها على استقرار النظام وعلى مقدرته على الحفاظ على توازنه الداخلي.
نحو هندسة جديدة لتعايش إيران والولايات المتحدة؟
غالبًا ما تُحلَّل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة عبر موشور البرنامج النووي ورفع العقوبات. ومع ذلك، وفقًا لقراءة استراتيجية أكثر، يتجاوز الرهان هذه الأبعاد الفنية إلى حد كبير. فالأمر لا يقتصر على التوصل إلى اتفاق محدود فحسب، بل يتعدى ذلك إلى استكشاف إمكانية إقامة شكل جديد من التعايش الأمني في الشرق الأوسط، قادر على استبدال عدة عقود من العداء، وإعادة تحديد أسس العلاقات بين البلدين.
تعيد هذه الدينامية إلى الأذهان، في بعض النواحي، التقارب الصيني-الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي. اختارت واشنطن آنذاك الاستفادة من الانقسام بين بكين وموسكو لإعادة التوازن إلى ميزان القوى في الحرب الباردة، محولةً بذلك خصمًا أيديولوجيًا سابقًا إلى شريك تكتيكي. وقد أصبح هذا التغيير في التوجهات ممكنًا بفضل اعتبارات جيوسياسية كبرى، لا سيما ضرورة احتواء الاتحاد السوفيتي.
واليوم، يمكن التساؤل عما إذا كان بوسع الولايات المتحدة تطبيق منطق مماثل تجاه إيران، في سياق أصبحت فيه الصين منافسَ واشنطن الاستراتيجي الرئيس. ومن هذا المنظور، سيتيح « اضفاءاستقرار» على الشرق الأوسط، وتخفيف التوترات مع طهران، لواشنطن إعادة توجيه مواردها نحو التنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بيد أن الظروف الحالية مغايرة جذرياً للحالة الصينية. فإيران تقيم علاقات منظمة مع الصين وروسيا. ويستند موقعها الإقليمي إلى شبكة من التحالفات والجهات المسلحة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدتها الأمنية. علاوة على ذلك، لا تقتصر المطالب الأمريكية على الملف النووي، بل تشمل البنية الأمنية الإيرانية برمتها، ولا سيما المقدرات الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي.
وفي هذا السياق، لا يمكن التوصل إلى اتفاق دائم دون إرساء إطار أوسع من الضمانات وآليات التعايش. وإلا فإن أي اتفاق محدود قد لا يكون سوى وقفة مؤقتة في مواجهة طويلة الأمد، بدلاً من أن يكون نقطة تحول استراتيجي حقيقية يمكن أن تطلقها مثل هكذا عملية.
موقفنا من مذكرة التفاهم: لا أوهام ولا معارضة
نحن لا نؤيد هذا الاتفاق ولا نعارضه. لسنا مستشارين لا للنظام الإسلامي، ولا للولايات المتحدة، ولا لإسرائيل. ولا ننوي صياغة توصيات سياسية لأي من الأطراف المتورطة في هذا الصراع.
أفقنا ليس نجاح الدبلوماسية أو فشلها في حد ذاتها. فرهاننا يكمن في مكان آخر: إنه رهان الحرية والعدالة الاجتماعية وتحرر الإنسان.
و مع ذلك، لا يعني هذا الموقف لامبالاة تجاه الديناميات الجارية، ولا الحياد المجرد إزاء العواقب الملموسة لهذا الاتفاق.
طالبنا، منذ اليوم الأول، بالوقف الفوري لهذه الحرب. فقد كانت مواجهة بين كتلتين رجعيتين على حد سواء، كانتا قد اتخذتا سكان المنطقة رهائن.
كما عارضنا باستمرار العقوبات الاقتصادية، لأنها لا تشكل أداة للحرية ولا وسيلة لتحرير الشعوب. بل تعمل، على العكس، سلاح دمار اجتماعي: فهي ترفع أسعار الأدوية والخبز والسلع الأساسية، وتقلل من قيمة الأجور، وتفاقم فقر الطبقات الشعبية.
تتيح هذه العقوبات في الآن ذاته للحكومات الاستبدادية ذريعة ملائمة لإلقاء اللوم على «عدو خارجي» في أسباب البؤس، ولتعزيز آليات الرقابة والقمع الداخلية. وهكذا، عوض أن تؤدي تلقائيًا إلى إضعاف الأنظمة القائمة، غالبًا ما تسهم في تشديد الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها السكان.
لقد طالبنا، منذ البداية، بوقف هذه الحرب الفوري، وكذلك بالغاء العقوبات. ونحن نخوض نضالاً من أجل تحقيق أي تحسن، مهما كان ضئيلاً، في ظروف المجتمع المادية والسياسية، ومن أجل قلب أسس النظام السائد الاقتصادية والسياسية.
ومع ذلك، لا تشوب هذا التوجه أي أوهام بشأن طبيعة الاتفاق المعني.
وإذا ما أدى هذا الاتفاق إلى تخفيف، ولو جزئي، لضغط الحرب والعقوبات على المجتمع، وفتح مجال للتنفس، حتى لو كان محدودًا، فسيكون على قوى الحرية والاشتراكيين استغلال هذه الفرصة لإعادة بناء مقدرات النضال الاجتماعي والنضال الطبقي التي أضعفتها بشكل خطير ظروف الحرب والقمع.
لن يُمنح الشعب أي شيء هديةً أبدًا. ولا يمكن لأي تحول حقيقي في ظروف المعيشة أن ينبع إلا من العمل الجماعي، ومن تعبئة الجماهير الكادحة والقوى الشعبية المنخرطة في دينامية التحرر.
وينبغي عدم التمسك بأي أوهام في هذا الصدد.
لكن أي تراجع من جانب الحكومة، وأي شق في بنية السلطة، وأي انخفاض في الضغط الاقتصادي يمكن أن يشكل أساسًا، ولو هشًا، لتقدم النضالات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، ينبغي عدم الاستهانة بأدنى تغير في ميزان القوى، طالما أنه يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للتنظيم والتعبئة وإعادة بناء المقدرات الجماعية على العمل.
الجمهورية الإسلامية بعد الحرب: إعادة تشكيل وصعود البرجوازية العسكرية والأمنية
لم تُمنَ الجمهورية الإسلامية بأي هزيمة عسكرية أو هزيمة سياسية حاسمة في هذه الحرب، لكنها لم تخرج منها منتصرة. ومع ذلك، لم يعد النظام كما كان عليه قبل الصراع.
تتمثل أحد الآثار الرئيسية للحرب في تسريع عملية كانت قد بدأت منذ عدة سنوات: تحول الجمهورية الإسلامية الداخلي. فقد تم تهميش الجهاز التقليدي لرجال الدين تدريجيًا. واقتصر دور الإصلاحيين على وظيفة مساندة، تفتقر إلى أي استقلالية سياسية حقيقية. أما المحافظون التقليديون، فيبدو أنهم أصبحوا الآن منهكين ومضعفين، وغير قادرين على تنظيم توازنات السلطة بمفردهم.
باتت السلطة الآن أكثر من أي وقت مضى مركزة في أيدي «حراس الثورة». لم يعودوا مجرد قوة عسكرية: بل يشكلون اليوم كتلة اقتصادية وأمنية وسياسية حقيقية.
فهم يمتلكون ويسيطرون على البنوك والموانئ وشركات النفط والعديد من شركات البناء. كما يتدخلون في مجالي ريادة الأعمال والتصدير، متغلغلين في صميم دوائر اقتصادية متنوعة. و يظلون في الآن نفسه، ركيزة جهاز القمع الداخلي الرئيسية .
هذا الموقف المزدوج — الاقتصادي والقمعي — يجعل من «حراس الثورة» أحد مراكز ثقل النظام الأساسية، عند نقطة التقاء إدارة الموارد والسيطرة السياسية على المجتمع.
لكن هذا الكتلة الأمنية والعسكرية-الاقتصادية نفسها أصبحت الآن المركز الرئيس لتوجيه السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، في الوقت الذي تفرض فيه نفسها لاعبا مركزيا في عمليات التفاوض والمساومة السياسية والدبلوماسية.
بعبارة أخرى، لم يعد يقتصر دوره على ممارسة سلطة قسرية واقتصادية داخلية، بل يتدخل أيضًا في تحديد توجهات النظام الاستراتيجية وفي إدارة علاقات القوة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
رأس المال لا يريد العقوبات. إنه يريد الاستقرار، والوصول إلى السوق العالمية، وحرية حركة رؤوس الأموال. إنه يريد الدولار، والاستثمارات، والعقود، والفرص التي يتيحها الاندماج في الاقتصاد العالمي.
وانطلاقاً من هذا المنطق، فإن «حراس الثورة» أنفسهم مستعدون لتوقيع عقود بمليارات الدولارات مع الولايات المتحدة وأوروبا وقوى اقتصادية أخرى. هؤلاء أنفسهم الذين يشاركون، في إطار جهاز الدولة، في سجن العمال وقمع المتظاهرين الشباب، يقدمون أنفسهم في الوقت نفسه كشركاء محتملين للرأسمالية المعولمة ودوائر تراكمها.
هذا التعايش بين الوظيفة القمعية الداخلية والاندماج في ديناميات رأس المال الدولي يسلط الضوء على تناقض هيكلي في النظام، حيث تصبح أجهزة القمع أيضًا جهات فاعلة اقتصادية بحد ذاتها.
وستصبح الجمهورية الإسلامية، في المستقبل، أقل شبهاً بنظام ديني-إسلامي كما كان قد في ثمانينيات القرن الماضي، وأكثر شبهاً بدولة أمنية وعسكرية-استبدادية تحت غطاء ديني.
ومع ذلك، لا يضمن هذا التحول باي وجه استمرارية النظام الإسلامي. بل على العكس، قد يؤدي تطوره الداخلي إلى تعزيز بعض الفصائل الأكثر انفتاحًا على التسويات مع الغرب ودوائر رأس المال العالمي. وقد تؤدي مثل هذه الدينامية، على المدى الطويل، إلى التشكيك التدريجي في البعد الإسلامي للنظام وفتح الطريق أمام تشكيل نظام ما بعد إسلامي.
ومع ذلك، تتوقف هكذا نتيجة على عامل حاسم، ألا وهو مقدرة الحركات الشعبية على التدخل في الوضع. فبدون تدخل مستقل ومنظم من الجماهير، سيظل المجال مفتوحًا إلى حد كبير أمام إعادة تشكيل النخبة التي تفلت من قبضة قوى التغيير الاجتماعية.
بيد أنه لا يمكن اعتبار هكذا تطور أمرًا حتميًا. فنتيجة التحولات الجارية ستتحدد قبل كل شيء بتوازن القوى بين السلطة والمجتمع. وستتوقف على مقدرة الحركات الشعبية على التنظيم بشكل مستقل وفرض أجندتها السياسية الخاصة. وفي غياب هكذا تدخل، قد لا تؤدي التغييرات الحالية سوى إلى إعادة تشكيل داخلي للنظام، ما يتيح له البقاء والاستمرار بأشكال جديدة.
ولا تشكل مثل هذه التحولات ضمانة لبقاء النظام، ولا تمهد بالضرورة لانهياره. فهي تهدف قبل كل شيء إلى تهيئة الظروف لظهور انقسامات جديدة داخل الكتلة الحاكمة وتفاقم التناقضات التي تخترقها.
نصر على الأنقاض: وهم “محور المقاومة” المستمر
اليوم، تتحدث القوى التي تُسمى «محور المقاومة» عن النصر على مضض، بصوت خافت، ووجوه مغلقة. ولكن عن أي انتصار يتحدثون؟ انتصار أي بشر؟ انتصار أي مجتمع؟ هل هو انتصار النساء الإيرانيات اللواتي ما زلن يضطررن إلى النضال من أجل حقوقهن الأساسية؟ أم انتصار العمال والعاملات الذين يعيشون تحت خط الفقر؟ أم انتصار السجناء السياسيين؟ أم انتصار الأطفال الفلسطينيين؟ أم انتصار سكان غزة ولبنان، الذين دُمرت منازلهم؟
وإذا كان هناك «انتصار» ما، فلا يمكن فهمه إلا بمعنى محدود للغاية: فقد أفلحت الجمهورية الإسلامية في تجنب هزيمة استراتيجية. وقامت بتحييد مشروع «تغيير النظام» الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد حصلت، بشكل مؤقت، على موقع أكثر ملاءمة في توازن القوى الإقليمي، لا سيما تجاه دول منطقة الخليج.
لا، فهذا ليس انتصاراً للشعب الإيراني، ولا لشعوب لبنان أو فلسطين. فلم تحصل شعوب المنطقة على الحرية، ولا على العدالة، ولا على تحسن جوهري في ظروف معيشتها. إن الأمر لا يتعدى كونه بقاءً مؤقتًا لدولة إسلامية برجوازية إجرامية، نجت من الدمار وأصبحت الآن في موقع أكثر ملاءمة للتفاوض الإقليمي.
إن الخلط بين بقاء دولة ما أو إعادة تموضع نظام ما في ميزان القوى الإقليمي وبين انتصار الشعوب يعني بالضبط تبني وجهة نظر الدول بدلاً من وجهة نظر المجتمعات. ومع ذلك تظل حصيلة هذه الحرب، من وجهة نظر الشعوب، مأساوية في جوهرها.
عمى رضا بهلوي ورهان الملكيين الخاسر
بينما دعا أنصار «محور المقاومة» الشعوب إلى البقاء تحت سيطرة النظام الإسلامي باسم معارضة عمياء للولايات المتحدة وإسرائيل، دعا الملكيون والقوميون العلمانيون من جميع الأطياف، من جانبهم، المجتمع إلى تعليق آماله، باسم الحرية، على القصف الإسرائيلي وعلى مشروع تغيير النظام المفروض من الخارج واعادة الملكية.
وقد لقي هذا التوجه هو الآخر فشلًا ذريعًا. فقد كانت هذه الاستراتيجية برمتها قائمة على فرضية هشة ووهمية في آن واحد: أن إسرائيل ستنتصر في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية، وأن الولايات المتحدة ستمارس ضغطًا حاسمًا، وأن النظام الإسلامي سينهار سريعًا، وأن الملكيين سيكونون عندئذ قادرين على الوصول إلى السلطة في أعقاب هذا التدخل.
بعبارة أخرى، لم يكن مشروعهم السياسي قائماً على التنظيم المستقل للمجتمع، أو على النضالات الاجتماعية، أو على التعبئة الشعبية، بل على الأمل في أن يقوم تدخل عسكري خارجي، نيابة عنهم، بما عجزوا عن تحقيقه بقوتهم الذاتية. لقد حزموا أمتعتهم للدخول إلى طهران في عربات المنتصرين؛ لكن واقع ميزان القوى قضى على هذا السيناريو تمامًا.
كان كل صاروخ يسقط على طهران، وعلى مدن أخرى، وعلى أماكن العمل والمعيشة، يُفسر في خيالهم على أنه خطوة إضافية نحو الاستيلاء على السلطة. لكن يبدو أن الحرب قد انتهت الآن، على الأقل لفترة طويلة، وبدأت المفاوضات.
ومع ذلك، لم يُدعوا حتى إلى طاولة المفاوضات. وقد اتضح بجلاء أن الدور الذي خُصص لهم لم يتجاوز دور مجرد أداة محتملة، «كلب صيد» يمكن تجنيده في معادلة قوى تفوق قدراتهم. لكن «كلب الصيد»، بحكم تعريفه، لا يصبح أبداً مالك الفريسة.
ولا يتعلق الأمر فقط بهزيمة رضا بهلوي والتيارات القومية-العلمانية. بل هو، على نطاق أوسع، فشل استراتيجية سياسية معادية للشعب في جوهرها: استراتيجية الاستيلاء على السلطة القائمة على التدخل العسكري الأجنبي وعنف القصف.
“القوميين-الدينيين”: عودة الموالين
في هذا المشهد المتغير، تظهر التيارات المسماة «قومية-دينية» الموجودة في إيران كرموز لعودة إلى منطق التكيف مع النظام والولاء القسري أو الانتهازي للنظام القائم. ولا يُظهر مسارها بديلاً سياسياً حقيقياً بقدر ما يُظهر شكلاً من أشكال إعادة الاندماج التدريجي في هوامش النظام المسموح بها ، على حساب التخلي عن أي منظور قطيعة.
وقد أدى «القوميون الإسلاميون»، مرة أخرى، دورهم التاريخي. فقد حشدوا قواهم تحت راية «مكافحة العدو الخارجي» وقدموا أنفسهم على أنهم «وطنيون مخلصون». هذا النمط ليس بجديد: ففي كل مرة تجد فيها الجمهورية الإسلامية نفسها في حالة أزمة أو تهديد، تُنحى الخلافات الداخلية إلى الخلف باسم «الوحدة الوطنية» و«الدفاع عن إيران”.
في هذه اللحظات، تتلاشى التيارات التي أعلنت معارضتها للنظام، وتُعاد صياغة الانقسامات السياسية، وينتهي الأمر بجزء منها، بحكم الواقع، إلى إعادة تموضعها في معسكر الحفاظ على النظام القائم. والنتيجة هي نفسها دائمًا: بعيدًا عن الخطابات، تقف هذه التيارات إلى جانب النظام، ما يساهم في استقرار السلطة مؤقتًا بدلًا من الطعن في أسسها.
فهي لا تعارض بشكل جذري الجمهورية الإسلامية نفسها، بل تعارض بعض أساليب إدارتها وحكمها. ويقتصر أفقها السياسي، في أحسن الأحوال، على إصلاح الآليات القائمة، كما لو كان من الممكن تعديل النظام السياسي القائم دون المساس بوجوده.
أما المجتمع، فهو يحمل دينامية مختلفة تمامًا، إذ لا يكتفي بالمطالبة بتحسين ظروف الاحتجاز، بل يناضل من أجل تدمير هذا السجن السياسي والاقتصادي برمته.
التصدي لحرب ولتفتيت مقدرات تثوير المجتمع
كنا قد أكدنا منذ البداية أن الحرب بين قوتين رجعيتين ستؤدي إلى تفتيت مقدرات الشعوب على النضال وإضعافها. لم يراودنا أي وهم بشأن إمكان انتصار المستغلين والمضطهدين في هذا الصراع.
بل على العكس، تجلى من البداية أن الحرب ستوجه ضربة قاسية للديناميات الجارية بالفعل: لحركة النساء، والإضرابات العمالية، وإمكانيات التنظيمات المستقلة، وكذلك لمحاولات بناء بديل ثوري.
ولسوء الحظ، هذا بالضبط ما حدث. فقد تُرجمت الآثار المتوقعة لعسكرة السياق الاجتماعي إلى تراجع ملموس في مقدرات التنظيم الذاتي وإضعاف للنضالات الجماعية.
لكن هذا لا يعني هزيمة المجتمع، بل مجرد تأخر مؤقت في مقدراته على التقدم. ويبقى الواقع أن مسألة إطاحة الجمهورية الإسلامية لا تزال، بنظر قسم كبير من السكان، على رأس جدول الأعمال.
لن يتم التنازل عن أي حق أبدًا كهبة. ولن يتحقق أي تقدم، حتى لو كان جزئيًا، إلا من خلال بميزان القوى والانتصار الاجتماعي.
وإذا تم تحرير الموارد الاقتصادية، فلن يحدث ذلك تلقائيًا: بل سيتعين انتزاعها من السلطة بالنضال والتنظيم الجماعي.
لقد توقفت الحرب، لكن النضال الرئيسي سيستأنف. فالقوى الرجعية لا تزال حية تمامًا، حتى وإن بدت اليوم أكثر إرهاقًا، وأكثر عرضة للخطر، وأكثر فقدانًا للمصداقية مما كانت عليه من قبل.
في هذه المرحلة الانتقالية، تبرز أيضًا إمكانية ثالثة: لا علم الجمهورية الإسلامية، ولا علم الأسد والشمس، ولا علم «محور المقاومة»، ولا علم القوة العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل. بعبارة أخرى، لا رموز أجهزة الدولة القائمة، ولا رموز المشاريع الإمبريالية المتنافسة، يمكنها أن تجسد مخرجاً تحررياً لمجتمعات المنطقة.
في هذا الفضاء المفتوح — الذي لا يزال هشاً ومتناقضاً — يمكن أن تُطرح من جديد مسألة البديل المستقل، الذي لا يقوم على الدول وأجهزتها، بل على مقدرة المجتمعات على تنظيم نفسها بنفسها.
نوع من المجتمع يتطلع إلى تحقيق الحرية والمساواة والازدهار والكرامة الإنسانية، وكذلك إلى إنهاء الجمهورية الإسلامية — ليس بواسطة تدخل الدول، بل بقوته المنظمة الخاصة.
توقفت الحرب، لكن النضال من أجل الحرية والمساواة لن يتوقف مع ذلك. ومن المؤكد أنه سيعود للظهور من بين أنقاض الصراع.
مرة أخرى، ستحدد الانتفاضات الاجتماعية، والجهود الهائلة لتنظيم التحركات الجماهيرية، وأشكال التمرد، ومحاولة إتمام التحول الثوري للمجتمع، مسار الأحداث ومصيرها.

هوشانغ سيبر
https://www.europe-solidaire.org/spip.php?article79234
مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا