نقطة نظام.. اليسار الديمقراطي بالمغرب إلى أين؟
نشرنا الجزء الأول “نقطة نظام.. المغرب إلى أين؟” _والذي ساهم فيه الرفيق عادل البوعمري_ من سلسلة مقالات اخترنا لها عنوان “نقطة نظام”. وقبل الغوص في مضمون هذا الجزء الثاني، تجدر الإشارة إلى أن الرد الذي تلقته المقالة الأولى، كان هدف لنا، وهو تحريك المياه الراكضة، وفتح نقاش قابل للنقد والأخذ والرد. وهذا ما أسعى إليه من خلال هذا الجزء الثاني من السلسلة. أي أنه لا يزعم تقديم حلولا وعصى سحرية للتغيير. وسنتطرق فيه إلى تاريخ اليسار الديمقراطي، أهم مساراته، وواقعه وتحدياته.
بقلم | أيمن سلام
تاريخ اليسار الديمقراطي بالمغرب
لا يمكن بسط مسارات اليسار الديمقراطي دون بسط تاريخ اليسار المغربي، الذي يُشاع أنه تاريخ انشقاقاته، حيث ساهمت مجموعة من العوامل إلى تفكيك مجمل التنظيمات اليسارية. فقد ظهر بداية عقب تأسيس الحزب الشيوعي المغربي سنة 1943، نتيجة تجميع خلايا ثورية نشأت داخل النقابات منذ ثلاثينيات القرن العشرين (أصبح فيما بعد حزب التحرر والاشتراكية ثم حزب التقدم والاشتراكية). وارتبط بعد حوالي خمسة عقود عن ظهوره بالحركة الوطنية، إثر خروج تيار اشتراكي من داخل حزب الاستقلال، فتأسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 (أصبح فيما بعد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية).
نشأ حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي سنة 1983 إثر انشقاقه عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تحت اسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية-اللجنة الإدارية (1983) واعتمد اسمه الحالي سنة 1991، وأول مقاطعة للانتخابات التشريعية من طرف حزب الطليعة كانت سنة ،1993 وشارك فيها لأول مرة سنة 2007. كما تأسس حزب المؤتمر الوطني الاتحادي سنة 2001 نتيجة انشقاق مماثل.
وتأسس الحزب الاشتراكي الموحد سنة 2002 بعد اندماج عدة مكونات يسارية، بينهم فعاليات ناضلت داخل منظمة 23 مارس السرية، واعتمد اسمه الحالي سنة 2005. ومن خلال مسار من التنسيق والتحالفات بين هذه المكونات تشكل حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي. أما حزب النهج الديمقراطي قد تأسس على يد مناضلين انتموا إلى منظمة “إلى الأمام” السرية، ومناضلون آخرون تبنوا مشروعه.
ماذا نقصد باليسار الديمقراطي؟
يتشكل اليسار الديمقراطي في المشهد السياسي المغربي من كل هذه التنظيمات، باستثناء حزبي التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، اللذان فقدا _في نظر العديد من الفاعلين اليساريين_ هويتهما نتيجة ما يمكن اعتباره تنازلات متتالية لصالح النظام والطبقة السائدة. ويستند هذا التصنيف إلى انتقادات تتعلق بضعف التداول الديمقراطي على القيادة، واستمرار الوجوه نفسها في مواقع القرار، وهيمنة منطق الولاءات والعلاقات العائلية، بما جعل خياراتهما، وفق هذا الطرح، تخدم السلطة الحاكمة بدل الدفاع عن مصالح الفئات الشعبية.
إن القصد من اليسار الديمقراطي هو يسار اشتراكي يتبنى التغيير الاجتماعي، عبر النضال الديمقراطي والتنظيم الجماهيري، وعبر المؤسسات وخارجها. وليس هناك مجال للشك بكون اليسار بالمغرب اليوم؛ يفقد شيئا فشيئا معناه وهويته، وثقة هياكله. وينتظر وحيا من السماء لبسط توجهه. وفي خضم الأزمة التي يعيشها يقف المواطن المغربي غير آبها بكينونته، مستسلما لسردية لا تخدم سوى النظام، مفادها أن الاشتراكيين يحملون فكرا إلحاديا، أو انفصاليا، أو لديهم مصالح تهدد أمن الدولة واستقرارها.
ما مدى ديمقراطية هاته الأحزاب اليسارية؟ وكيف تساهم في “الانتقال الديمقراطي” بالمغرب؟
يحق لنا القول بأن عدو الديمقراطية هو تصويرها على أنها الخلاص، واختصارها في صناديق الاقتراع. ولا ننفي أنها تُعد وسيلة من وسائل الطبقات المسحوقة كي تسود وتسير نحو المجتمع الاشتراكي المنشود، لكنها أوسع من ذلك، فهي ممارسة ثقافية واجتماعية، تتيح للشعوب آليات التغيير، وتسمح للقواعد بإمكانية التنقل من موقعها إلى موقع القيادة، من خلال التنظيم وبناء الوعي المشترك، والنضال المستمر من أجل المشروع المجتمعي، وتوسيع مشاركتها في صنع القرارات.
حركة بدون هدف مصيرها الزوال
بينما تكتفي أحزاب اليسار الديمقراطي بإصدار بيانات أو تنظيم ندوات أو مهرجان خطابي، يقبع إلى جانب معتقلي حراك الريف، مئات من شباب حراك جيل زد في السجون، دون إرادة حقيقية في تحويل قضية الاعتقال السياسي إلى معركة نضالية مركزية بكونها قضية طبقية، تُسخَّر لها مختلف أشكال النضال.
في شتنبر 2025، تقدم كل من الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بمذكرتين إلى وزارة الداخلية، في إطار المشاورات حول إصلاح المنظومة الانتخابية. وانطلقت المذكرتان من بسط الاختلالات المرتبطة بالانتخابات والماسة بجوهر العملية الديمقراطية. رفض فيها الحزبان استمرار إشراف وزارة الداخلية على تدبير الانتخابات، لما في ذلك من تأثير على مبدأ الحياد وتكافؤ الفرص. ودعت المذكرتان إلى إسناد الإشراف لهيئة مستقلة، وربط أي إصلاح انتخابي بإصلاح سياسي شامل يعيد الثقة في المسار الديمقراطي.
تجاهلت وزارة الداخلية معظم المقترحات (أزيد من مائة مقترح لكل حزب)، ورغم أنها لامست الإشكالات الجوهرية المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية، وترمي بشكل علني وضمني إلى استفحال الفساد الانتخابي، إلا أن الحزبان مستمران في المشاركة في الانتخابات، وهو ما يطرح مفارقة خطيرة بين خطاب يرفض شروط العملية الانتخابية، وواقع يُكرس الانخراط فيها، ما يجعلهما مساهمان في نفس البنية السياسية. وهذا التجاهل يعد استمرار في إعادة إنتاج نفس شروط العملية الانتخابية دون أي تغيير ملموس فيها.
إن الشروط الانتخابية، تُبين أن المغرب لم يستطع تحقيق الانتقال الديمقراطي الذي سعى إليه لعقود، بل إن قضية الاعتقال السياسي واعتقال الصحفيين والمدونين وكتّاب الرأي؛ يضعوننا أمام مسلسل “انتقام” وليس “انتقال”. وإن تنازلات اليسار الديمقراطي في الشق المتعلق بالشروط الانتخابية؛ هي بمثابة تنازلات عن الانتقال الديمقراطي ذاته، وتجعله بعيد كل البعد عن المساهمة فيه من موقعه.
خطاب اندماجي يُنتج الانقسام بدل الوحدة
إن استمرار الحزب الاشتراكي الموحد كمكوّن مؤسس داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي دون اندماج تنظيمي فعلي؛ يكشف عن تناقضات بنيوية تُضعف جدية المشروع الوحدوي لليسار. وإن عدم الحسم في طبيعة العلاقة بين التحالف والاندماج يحول الخطاب الوحدوي إلى شعار للاستهلاك الإعلامي، وصيغة شكلية لا تُترجم إلى بناء تنظيم موحد، وهو ما يكشف التشتت بدل التجميع، ويؤدي إلى إضعاف الفاعلية السياسية، وإرباك القواعد الحزبية. وعليه نلاحظ تراجعا واضحا عن هدف تأسيس قوة يسارية موحدة، وكذا ضعف إمكانية تغيير موازين القوة السياسية لصالح اليسار الديمقراطي.
ويحيل سلوك الحزبان حول نقاش الوحدة عن واقع سياسي لا يمكن حجبه، بصرف النظر عن الشعارات، لا يعكس خطابهما أي تقدم نحو بناء يسار موحد، بل يكرّس تحالفات ظرفية تُستدعى عند كل استحقاق انتخابي ثم تُجمّد بمجرد انتهائه. وهكذا يتحول خطاب الاندماج إلى نشاز، هدفه إخفاء استمرار التشرذم البنيوي، وإعادة إنتاج نفس النمط التنظيمي، لأحزاب منفصلة لا يجمعها سوى منطق الحسابات الانتخابية الضيقة، عوض إنتاج مشروع سياسي واحد، بأفق استراتيجي وتنظيمي واضح.
إن توحيد الصفوف، وإحياء خطاب “اليسار الوحدوي” خطاب سيتبخر لا محالة فور انتهاء الانتخابات، لتعود مكونات الفيدرالية إلى مواقعها الأصلية وكأن شيئاً لم يكن. والأسوأ أن ما يُقدَّم كتوافقات يُصاغ غالبا خارج النقاش الديمقراطي الداخلي، ثم يُمرّر كقرارات جاهزة، بما يعري عن خلل عميق في تدبير القرارات. وهكذا فإن النضال الوحدوي لا يصير هدفا في حد ذاته وإنما مجرد أداة، تُستخدم لتجميع الأصوات وإعادة ترتيب المواقع لا أكثر، بعيداً عن أي إرادة حقيقية تسعى لبناء التنظيم المنشود.
ومن جهته حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، لم يتمكن هو الآخر بإقناع كافة قواعده بمشروع الاندماج، وظلت مجموعة من مناضلي الحزب متشبثة به، وتشتغل وفق كتابة وطنية مزعومة، رغم قرار حل الحزب والاندماج داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي، مما يحيل دونما شك إلى غياب الفهم المشترك لمشروع الاندماج، والسعي إلى التشتيت بدل الوحدة، وإلى حركة بلا هدف أسمى، ينتصر للطبقات الشعبية المسحوقة، في ظل هجوم النظام على كافة القطاعات بما يضمن سيطرة كاملة للطبقة البرجوازية، ويضمن مصالحها.
حزب الطبقة العاملة بلا طبقة عاملة
يعيش حزب النهج الديمقراطي العمالي هو الآخر أعطاب تنظيمية عميقة، في مقدمتها ضعف الديمقراطية الداخلية الفعلية، وهيمنة منطق الوصاية والانضباط الصامت بدل النقاش الحر، وتضييق مساحات الاختلاف والنقد، وتحول الأجهزة القيادية إلى دوائر مغلقة يعاد فيها إنتاج نفس الاختيارات دون تقييم أو مساءلة. كما يعيش فجوة متسعة بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات الثورية والواقع الداخلي. وهذا باعتراف مناضلين قدّموا استقالتهم من اللجنة المركزية للحزب. سواء علنية أو سرية.
كما أكدوا أن الإخفاق المتراكم في التموقع داخل الأجهزة القيادية للنقابات، لم يعد قابلا للاختزال في القمع أو السياق العام فقط، بل أصبح تعبيرا عن عجز سياسي واستراتيجي في تحويل النضال إلى قوة تنظيمية مؤثرة. ومن هذا المنطلق، وبالإضافة إلى العدد المحدود للعمال والكادحين في صفوف الحزب، يتبين لنا أننا أمام حزب يسعى لبناء الطبقة العاملة دون طبقة عاملة إذا صحّ التعبير.
من باب المزايدة ورفض النقد، يبرر البعض ضعف تأطير الطبقة العاملة بما مفاده أن الثورة تقودها برجوازية قادرة على الانتحار، هذا المنطق يُشاع وتتم إشاعته، ويكاد يكون ضرب من الحمق إذا استُخدم كتبرير للعجز، دون وضعه في سياق الصراع الطبقي والعلاقات التناحرية بين البنى الاجتماعية. إن التاريخ لا يصنع نفسه، بل الجماهير باعتبارها قوى اجتماعية طبقية هي التي تصنعه، أي أنه عبارة عن صيرورة من الصراع الطبقي والسياسي. ولا يمكن حجب حقيقة أن غياب الطبقة العاملة في حركة التاريخ هو غياب للصراع الطبقي والسياسي، حتى وإن استمر التناقض الاقتصادي بينها وبين الطبقة البرجوازية.
وكما ورد في الجزء الأول من السلسلة؛ لا يمكننا السير إلى الإمام بثباتنا على ما نحن عليه، وأنه من الغباء أن يقرر المرء الصراع مع النظام القائم، بينما لا يملك القدرة حتى على مصالحة نفسه، وتقديم نقد بناء للقيادات التي صارت تمتص غضب الجماهير بما يخدم استقرار مصالحها ومواقعها، وما يخدم نهج الدولة المخزنية. وأنه العمل المطلوب، هو تقوية هاته الأجساد (التنظيمات) من الداخل، وتحريك أعضائها من مكانها، والحسم مع الجمود العقائدي الذي تركنا نظهر بمظهر الأصوليين الرجعيين، يهتفون بالتقدمية والديمقراطية والحداثة، وربما يكون هذا سببا وجيها إذا صرنا نظهر بمظهر “الحمقى”، مجانينٌ يتحدثون بما لا يفعلون.
ولكل هذه المسارات والوقائع والتحديات مجرى في التاريخ، وليس أمام اليسار الديمقراطي اليوم من منفذ غير لمِّ شتاته، وتقوية هياكله، وضمان ديمقراطية داخلية جدية، قصد الدخول في حركة التاريخ، وإلّا سينتهي به المطاف في دوائر الدولة، وخارج الصراع الحقيقي.
اقرأ أيضا

