قبل 12 سنة غادرنا الرفيق امحمد تريدة

الثورة12 يوليو، 2026

قبل 22 سنة، يوم 11 يوليوز 2004، توفي مناضل من مؤسسي اليسار الماركسي، الرفيق محمد تريدة. اتخذت الحركة الماركسية بالمغرب مسارا أفضى بها إلى وجهة غير التي حددتها عند انطلاقها، وجهة بناء حزب الطبقة العاملة القادر على إنجاز تغيير شامل وعميق، سياسي واجتماعي، يؤمن الحرية و الحياة اللائقة، أي الاشتراكية لشعب المغرب. أسباب ذلك هو موضع التقييم السياسي والتنظيمي الواجب.

قامت تجربة هذا اليسار على تضحيات جسام تحملها جيل شاب تحدى آلة القمع الحسنية. وعلى غرار تجارب النضال في كل مكان، أفلح القمع في كسر إرادة مناضلين، فتراجعوا نحو الاندماج في المجتمع، فيما انتقل بعض الى الصف الآخر، تحت غطاء زائف من ادعاء مراجعة الأخطاء، وغير بعض آخر اقتناعاته نحو رؤية إصلاحية، مع البقاء على صدق نضالي لا يرقى إليه شك. وأخيرا ثمة القسم الذي تمسك بالمنظور الثوري، سواء المتشبت بحرفية المنطلقات الفكرية والسياسية او الذي عدلها دون هجر هدف البداية.

مهما يكن من أمر، يظل حفظ ذاكرة التجربة، من زاوية نظر نضالية، مهمة دائمة تسمو على اختلاف وجهات النظر الحالية. من هذا المنطلق تسعى جريدة المناضل-ة الى الإسهام في جهد التعريف بمناضلي اليسار. نقتبس فيما يلي حوارا مع محمد تريدة ، في الذكرى الثانية و العشرين لرحيله، نُشر ضمن كتاب : أقصى اليسار بالمغرب ، مقارعة نبيلة للمستحيل [*].

جريدة المناضل-ة 

***********************

امحمد تيريدة
«JPM» والانخراط في الشبيبة الاتحادية

امحمد تيريدة، قيادي بارز من قادة حركة «أقصى اليسار» بالمغرب ورغم ذلك لم يسلط عليه الضوء كما يستحق ذلك بجدارة.. ربما لأن دماثته وتواضعه الإنساني الرفيع، هو الذي جعله لا يتسابق من أجل الأضواء …

كان الرقم واحد للنقابة الوطنية للتلاميذ.. اعتقل وعذب.. ثم امتهن بيع الجرائد والمجلات والكتب بممر الأمير مولاي عبد الله بالدار البيضاء، قبل أن يعود إلى ممارسة حقه في التدريس.. هو مرجع وثائقي هام وهام جداً… وله ذاكرة منسقة ومرصوفة المعلومات بإتقان. والحوار معه، حوار مع جزء من ذاكرة الدار البيضاء …

لو نبدأ من البدايات الأخ امحمد تيريدة، أنت الإطار الذي كان مسؤولاً عن نقابة التلاميذ، ضمن حركة «أقصى اليسار»، ونسألك، كيف جاء انخراطك في العمل السياسي، أو في الشأن السياسي؟

أنا من مواليد درب غلف سنة . . 1946 وحي درب غلف بالدار البيضاء له ميزة خاصة، تتمثل في أنه حي يقع في خط التماس مع الأحياء الأوروبية . . ففي خضم الحركة الوطنية ومواجهة الاستعمار، كنا نتابع حركة المظاهرات وهجوم المعمرين على دورنا القريبة منهم، بما كان يستتبعه من رصاص وقتلى .. إلخ، فكان ذلك، هو أول احتكاك للعين بالأمور السياسية، أي أنها مرحلة مشاهدة طفل..

وكان حي درب غلف موضع مراقبة، لأن المعمرين كانوا يخشون دوماً من نزول أبناء الحي إلى المعاريف.. ولأني كنت أسكن بشارع «واطو» فقد كان هو الجهة الأقرب للأحياء الأوروبية، بل ثمة أوروبيون يقطنون بحينا

ثم، إني ترعرعت في وسط عائلي له علاقة بالمجال السياسي، وبالصحافة.. وكنت قراء للجرائد بنهم.. لكن، ما أثر في أكثر هو الإذاعة خاصة راديو باريس (القسم العربي وصوت العرب بالقاهرة وحين التحقت بالمدرسة الابتدائية وكان اسمها «ألبير دوري» (وكانت هي الثانية بدرب غلف)، كان عندنا أستاذ بالمتوسط الأول والثاني هو الأستاذ كمال إبراهيم، الذي سيتورط بعد ذلك في قضية الشهيد عمر بنجلون.. ولقد لعب دوراً في توعيتنا، بصفته عضواً في حزب الاستقلال، وسيلتحق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد الانشقاق وكان كاتباً للفرع بدرب غلف.

يضاف إلى هذا شغفي الذي ورثته عن عائلتي، بالإذاعات، حيث كنت أقضي اليوم كاملاً أتنقل بين الإذاعات . . والأمر أشبه بالقنوات الفضائية اليوم .. وخلال مرحلة الابتدائي شاركت في إضراب تلاميذي، طالبنا فيه بالتوازن بين التدريس بالعربية والتدريس بالفرنسية، أي نصف يوم بالعربية ونصف يوم بالفرنسية.. وكانت أغلب المواد مفرنسة حينها، ومن الأقطاب السياسية التي كان لها تأثير قوي علينا حينها كفتية، من خلال قراءاتنا لجريدة «التحرير» أذكر بالخصوص الشهيد المهدي بنبركة، مثلما شاركت في الدعاية لأول انتخابات جماعية، وكان المرشح حينها عندنا هو المرحوم المعطي بوعبيد، الذي كان عضواً في الاتحاد .. وكانت مساهمتنا محدودة كأطفال في الدعاية، ثم في تمزيق الملصقات التي يضعها غير الاتحاديين .(ضحك)

في سنة 1960 ، التحقت بليسي مولاي عبد الله .. وهناك عشت مرحلة النقاش حول دستور 1962 ، ثم مرحلة اغتيال الزعيم الزاييري باتريس لومومبا، حيث شاركنا كتلاميذ في مظاهرة خرجت من ليسي مولاي عبد الله، حتى وسط المدينة بشارع محمد الخامس، وكان التأطير السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية من خلال جريدة «التحرير» ومن خلال أفراد العائلة المنتمين كلهم إلى الحزب ذاته، وكذا الدور الذي لعبته قراءاتي في مجلات مثل «الأطلس» و «المشاهد» إلخ .

إذاً، في سنة 1964/1963 ، التحقت بثانوية محمد الخامس، وكان زميلي في القسم وبالصدفة أحمد حرزني الذي جاء من المحمدية، لأنها لم تكن تتوفر على ثانوية بعد، فكان أن تواصلنا إنسانياً وفكرياً، من خلال نوعية النقاشات ونحن فتية في السابعة عشرة من عمرنا، فكان أن تشكلت صداقات جديدة، ولأن حرزني كان مقيماً في داخلية الثانوية فقد ربط علاقات مع زملاء آخرين منهم محمد المحجوبي الذي كان قادماً من مدينة الجديدة

في هذه المرحلة المبكرة إذاً، تشكلت مجموعتكم الأولى؟

نعم، في هذه المرحلة طرحت بيننا فكرة تشكيل مجموعة وعقدنا اجتماعاً أولياً في حديقة مردوخ القريبة من الثانوية، واتفقنا نحن الأربعة (أنا حرزني المحجوبي والذهبي الذي سيصبح عميداً في ما بعد لجامعة الأخوين بإيفران على تكوين مجموعة أطلقنا عليها لقب : الشبيبة التقدمية المغربية ، وكنا نوقع كتاباتنا بالأحرف اللاتينية : «JPM»، التي حصلت على حروفها المطبعية من أحد أفراد عائلتي، ومازلت احتفظ بها إلى الآن …
المهم، كنا نصدر كل أسبوع منشوراً بالفرنسية، والسبب في اختيار الفرنسية، أننا لم نكن نملك غير آلة رقن فرنسية كان قد أهداني إياها أحد أقاربي اشتراها من جوطية درب غلف (ضحك).. وكانت مواضيع منشوراتنا تتحدد في مواقف من قضايا التعليم، أو ثورة كوبا آنذاك، أو الحرب الفيتنامية .. وكنا نعلقه بداخلية الثانوية (يتكلف بالأمر حرزني والمحجوبي) وكنا نحن التلاميذ الخارجيون نعلقه ليلاً على أبواب الثانوية .

أية علاقة كانت لكم حينها مع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؟

لم تكن لنا أية علاقة تنظيمية، لكن كنا نسمع ونتتبع نشاطاته .
أما علاقاتنا فستتوطد بعد تأسيس مجموعتنا، مع الحزب، أي مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم مع الاتحاد المغربي للشغل وفي مرحلة لاحقة بعض الشيء مع الحزب الشيوعي .. وكان الأمر خلال نهاية الستينات، حيث حاولنا توسيع علاقاتنا إلى مؤسسات تعليمية أخرى، حيث تمكنا من استقطاب عناصر بثانوية عبد الكريم لحلو، مثل المصطفاوي، وكان مقيماً في نادي الطالب بعين البرجة، وهو النادي الذي كان يسهل لنا الاتصال بكل ثانويات المغرب .. لأن التمكن من الولوج إلى ذلك النادي آنذاك، كان يعني الولوج إلى كل ثانويات الدار البيضاء . . وكان المصطفاوي وزميل آخر هو الغريسي مقيمين بهذا النادي، وعبرهما ربطنا علاقات مع ثانويات أخرى .. وكان كل التلاميذ الذين ربطنا بهم علاقة هناك، أعضاء في الشبيبة الاتحادية، أذكر منهم السطاتي أساساً ، الذي عبره ربطنا علاقات بثانوية فاطمة الزهراء مع أسية (زوجة جبيهة رحال في ما بعد) ، ثم سعدون والعلوي وتازوت (زوجة محمد صبري النقابي سابقاً) والدخيسي إلخ .

إذاً، وجدنا أنفسنا في قلب الشبيبة الاتحادية .. ومن داخلها كانت لنا علاقة زمالة وتعارف مع عناصر من الشبيبة العاملة، مثلما كانت لنا علاقة خاصة مع الحزب الشيوعي، وتتحدد في أن هذا الحزب، كان يهيئ لنا الظروف كلما احتجنا إلى طبع منشور . . كنا نسلمهم المنشور لطباعته، وحين نتسلمه نجد أنفسنا أمام نص آخر (ضحك).. المهم لم يكن ذلك يشكل عائقاً لنا ، فالأساسي هو أن يكون المنشور متضمناً لقرار الإضراب . . ولقد ساهمت معنا الشبيبة العاملة في إصدار أول مجلة سرية لنا كمجموعة (JPM» اسمها: «كفاحات» وصدرت في عدد وحيد يتيم .

بالنسبة لنشاطنا ضمن الشبيبة الاتحادية، فقد كان يتم بالمقاطعة 1 قرب «مارشي جمعة» بدرب السلطان، ثم جاء قرار التعليم القاضي بطرد التلاميذ البالغين 14 سنة من الابتدائي و 18 سنة من الثانوي والذي أدى إلى أحداث مارس 1965. فكان أن قررنا اجتماعاً بالمقر ذاته، وكان الحضور كثيفاً، وخلال ذلك الاجتماع قرر خوض إضراب يوم 22 مارس، مثلما اتفق على صياغة منشور صاغه تلميذ اتحادي أذكر أن اسمه «الأنصاري» وكان مقيماً في نادي الطالب»، وكان في ختامه ذلك البيت الشعري لأبي القاسم الشابي الذي يقول: «إذا الشعب يوماً أراد إلخ»، ويجب التأكيد هنا أن الإضراب نفذ يوم 22 مارس 1965، وأن الأحداث تصاعدت يوم 23 مارس 1965، بل إنها تجاوزتنا تماماً . . ولقد تحركنا كقيادة بثانوية محمد الخامس، حيث خرجنا في مسيرة سلمية حاملين لافتات ونزلنا باتجاه وسط المدينة، وما إن بلغنا قرب مقر نيابة أنفا للتعليم الآن بشارع الزرقطوني، حتى تدخلت قوات السيمي بعنف .. فقررنا عوض أن ننزل باتجاه وسط المدينة، أن ننزل إلى الأحياء الشعبية، بأزقتها الضيقة، وحين نزلنا إلى الأحياء تلك انخرط معنا سكان تلك الأحياء، وكان ما كان . . بالتالي، فالقمع هو الذي أجج العملية كلها .. ورغم انطلاق حملة اعتقالات، فإننا لم نقع في الأسر . . إذاً، واصلنا عملنا في صفوف الشبيبة الاتحادية بالمقاطعة واحد، إلى حدود زيارة الرئيس التونسي بورقيبة إلى المغرب، حيث كان قد أعلن عن بعض التصريحات ضد القضية الفلسطينية (ولا بد من أن أذكر أن كل إخوتنا في الشبيبة الاتحادية كانوا يعرفون أننا مجموعة «JPM)، ونتحدث بمرجعية ماركسية، وكنا قد أصدرنا منشورات عدة بعد اختطاف الشهيد المهدي بنبركة .. المهم كنا معروفين كمجموعة). . خلال تلك الزيارة، وقع خلاف أول بين المجموعة المشكلة للشبيبة الاتحادية، لأننا اتفقنا على القيام بإضراب يوم الزيارة وبتوزيع منشور .. ويوم اتفاقنا على الموعد لأخذ المنشورات لتوزيعها على الثانويات لم يحضر لنا الإخوة المنشور المتفق عليه، وأبلغنا أن الحزب لا يوافق على الإضراب .. فتحدياً قررنا نحن الإتيان بالمنشور، وهنا استعملنا قناة الحزب الشيوعي (ضحك).. الذي كان نوعاً من الاحتياطي .. وبعد أن أحضرنا المنشور وقعت مشاداة قوية، بل وأحرق المنشور .. فكان ذلك بداية نوع من الفرز سنة 1965. . ولحل المشكل جاءنا عضو من الشبيبة الاتحادية، كان والده من قيادة الحزب المحلية، اسمه العلوي، بمفتاح مقر آخر، هو مقر المقاطعة 11 المغلق آنذاك، قرب زنقة القاهرة بحي الطلبة والشرفاء بساحة السراغنة .. وحين فتحنا المقر وجدناه مغبراً، بالياً وبه مناشير تعود إلى جيش التحرير، بمعنى أنه لم يفتح منذ مدة قد تعود إلى ما قبل الانشقاق عن حزب الاستقلال .. المهم أصبحت المقاطعة 11، مقرنا الجديد، وأصبح التلاميذ يحضرون إليه، وأقمنا به مكتبة بأموالنا الخاصة، أي ما نجمعه من هنا وهناك، ولأن المجموعة قد كبرت، واتسع نسيج الشبيبة الاتحادية فقد وضعنا يومية تضبط أيام استغلال المقر، وأصبح النشاط الشبابي بالمداومة .
بالطبع، بلغ هذا النشاط إلى قيادة الحزب، فاستدعينا إلى اجتماع للمصالحة بالكتابة الإقليمية، أطره الفقيه البصري .. وتوجهنا إلى الاجتماع ببيان مكتوب يتضمن احتجاجنا .. ولقد دخلنا إلى القاعة ووزعنا البيان ثم انسحبنا أي عملياً قاطعنا الاجتماع، بسبب أننا اكتشفنا أن تلك العناصر الأخرى، كان لها هاجس آخر – سيتأكد في ما بعد – وهو الحصول على منح للدراسة بالخارج، خاصة روسيا والجزائر (وأساساً للدراسة في مجال الصحافة) .. إذاً بعد انسحابنا أغلق مقر نشاطنا الذي هو المقاطعة .11 . . فعاد كل إلى قواعده.

في أي سنة بالتحديد؟

كنا في البكالوريا حينها، أي أننا وصلنا إلى سنة 1967، وبعد اجتياز الامتحان، فرقت بيننا السبل، كل ذهب في اتجاه، وبالنسبة لي فقد تسجلت بكلية الآداب بالرباط، والأمر نفسه مع حرزني، فيما بقي المحجوبي بكلية الحقوق بالدار البيضاء .

في الرباط، كان الوضع وضعاً آخر .. خاصة وأننا كنا تحت تأثير هزيمة 67 العربية، وتحت تأثير تبعات أحداث مارس 65 واختطاف الشهيد المهدي بنبركة، وبداية المحاكمات في باريس بخصوص ملفه .. فكان يقيننا الثوري يتقوى ويترسخ . . أي أصبح الشعار هو : «خاص حاجة أخرى».. ولا بد من أن أؤكد لكم، أن الهزيمة كانت زلزالاً لجيلنا، كانت زلزالاً رهيباً .. وكنت على علاقة بصديق فلسطيني بمخيم عين الحلوة، كنت أتراسل معه، تطورت إلى مراسلة سياسية . .

وعبره توصلت بمقالات محمد حسنين هيكل التي كانت ممنوعة في المغرب، وكتب فلسطينية ومصرية، مما جعلني – عكس حرزني مثلاً أرتبط بالتجربة الناصرية وأؤمن بها مثلما كنت متأثراً بالتجرية الصينية .. وفي كلية الآداب انتهت (JPM) . . فتوجهت إلى مقر الحزب بباب الأحد، أنا والأخ عبد اللطيف منصور (هو الآن رئيس تحرير جريدة «ماروك ايبدو») ، وكان عضواً نشيطاً في الشبيبة الاتحادية ، وطلبنا منهم تجديد العمل في إطار الاتحاد الحزب وفي إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فكان أن انخرطنا في الحركية الطلابية الاتحادية من جديد . .

حكاية النقابة الوطنية للتلاميذ .

التحاقكم بالرباط، إذاً، كان مرحلة جديدة في التزامكم السياسي ضمن صفوف الطلبة الاتحاديين .. أية أسئلة، وأية خصوصيات ميزت تلك المرحلة؟

لا بد من أن أذكركم أني كنت عضواً في اللجنة السياسية للطلبة الاتحاديين، التي تعتبر الظل السياسي للجنة التنفيذية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب – وكان هذا في زمن المانوني ثم لخصاصي. كما تحملت مسؤولية في تعاضدية المدرسة العليا للأساتذة، ذلك أني كنت طالباً في كلية الآداب، مثلما كنت مسجلاً في المدرسة العليا هذه . وكانت المرحلة مرحلة نضالات، ونضالات قوية .. وما زلت أذكر أنه في سنة 1968، نظمنا تظاهرة ضخمة تضامناً مع الشعب الفيتنامي … ولقد تمكنا من الحصول على أشرطة حية من هناك، قمنا بتقديمها للطلبة في الكلية، ثم في سينما أكدال».. كانت الحيوية الطلابية كبيرة . . وكان لأحداث ماي 68 بأوروبا ، وخصوصاً بفرنسا، تأثير واضح علينا كطلاب . .

فهذا التراكم، الذي يبتدئ مع أحداث 23 مارس 65، ثم اختطاف الشهيد المهدي بنبركة في 29 اكتوبر 1965 ، ثم هزيمة العرب سنة 1967، ثم ماي 68 ، ثم أحداث فيتنام ، كلها أمور كانت تشحذ الأنفس وتوضح لنا أن طريق النضال لا يمكن إلا أن يكون ثورياً وجذرياً. أقصد بالنسبة لجزء منا من شبيبة تلك السنوات .. وكل هذا ونحن أعضاء كاملو العضوية في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . .

لكن، بعد أن استقر أصدقاء ورفاق الأمس القريب في مواقعهم الطلابية الجديدة، وأساساً حرزني والمحجوبي، بدأ الاتصال يتجدد بيننا وبدأ التنسيق، حتى صدور بيان عرف ببيان رب شرارة أحرقت حقلاً»، حيث شكل بداية لتحول جديد في مسارنا، علماً بأننا كنا أصلاً نتتبع بدقة النقاشات التي تبلورت في ما سمي بالمناظرة الكبرى داخل الحركة الشيوعية العالمية .. وكان عدد الرسائل المتبادلة بين الحزب الشيوعي الصيني والحزب الشيوعي السوفياتي، وباقي الأحزاب الشيوعية في العالم كبيراً، كنا نتتبعه بقوة وكثافة وحرص كبيرين، حيث إن مبادرة تأسيس حركة ماركسية – لينينية ( وقد كان الأمر متضمناً في المنشور الذي قلت لكما جاء استجابة لدعوة صدرت من الحزب الصيني في إطار تلك المناظرة، تدعو فيها كافة ما تسميه آنذاك الماركسيين – اللينيين الحقيقيين، إلى الانشقاق وتشكيل أحزاب ماركسية، باعتبار أن باقي الأحزاب الشيوعية تعتبر في حكم الأحزاب التحريفية التي لا أمل فيها .. ولقد صدر بيان رب شرارة باتفاق بيننا نحن الثلاثة كأعضاء مجموعة JPM وسيون أسيدون ومجموعته . . وهو البيان الذي عقبت عليه جريدة الكفاح الوطني لحزب التحرر والاشتراكية المغربي . .

بعد توصل مجموعة فاس بذلك البيان، سجل اتصال مع مجموعتنا، وبدأنا نتشكل كحلقة عرفت بحلقة الدار البيضاء، وتتكون من حرزني، المحجوبي، بردوزي، الثمري، فكاك رشيد، وأنا . . ولقد لقيت الدعوة استجابة من حلقة فاس، ووقع الاتصال مع عناصرها بالرباط، وأساساً حبيب طالب ومحمد المريني الذي كان عضواً معي في تعاضدية مدرسة الأساتذة بالرباط، ولا بد من أن أذكركم هنا، أن أغلب أعضاء حلقة فاس، مثلنا كانوا مناضلين في إطار فصيل الطلبة الاتحاديين، سواء الذين كانوا في فاس أو في الرباط .

إذا فقد تلاقت المبادرات في سنة 1969؟

تماماً .. وانتقل التنسيق بين المجموعات والحلقات إلى مستوى أرقى وأكثر تنظيماً وضبطاً ، وكان المسؤول عن التنسيق بالنسبة لمجموعتنا هو أحمد حرزني، فيما كان عملنا أنا والمحجوبي منصباً أساساً على مدينة الدار البيضاء. وسيتقوى هذا العمل بعد تأسيس الحركة وإطارها المسير يوم 23 مارس 1970 ، الذي كان تاريخ الانشقاق عن الحزب بالنسبة لنا نحن الطلبة الاتحاديين .

كيف استمرت علاقتكم مع باقي رفاقكم وإخوتكم من الطلبة الاتحاديين بعد الانشقاق؟

كان هناك نقاش وصراع حتى داخل الطلبة الاتحاديين .. كان هناك ما عرف بمجموعة عبد اللطيف المنوني ومجموعة محمد لخصاصي .. وكان الخلاف، خلافاً في المفاهيم بيننا آنذاك، لأنه علينا أن لا ننسى أن حركتنا كانت مندرجة في سياق عالمي.

وكيف دشنت العلاقة مع المجموعة الأخرى في حزب التحرر والاشتراكية ؟

كان هناك تباطؤ منهم في البداية، لم يكونوا متحمسين .. وحين شرعنا نحن في العمل التنظيمي، كانوا هم لم ينفصلوا بعد عن حزبهم الأم ..

مع من كان النقاش مفتوحاً؟

كان أساساً مع اللعبي وبنعدي .. أما السرفاتي، فقد جاء متأخراً، علماً بأن الخصوصية التي تميز حركتنا غير خصوصيتهم، فنحن لم نكن قطاعاً انشق من داخل الحزب مثل ما وقع معهم، نحن كنا أفراداً مختارين بعناية، بل وقع انتقاء للعناصر .. أما هم، فكان الإشكال، أنهم كانوا خليطاً، فيه من يصلح أن يكون ماركسياً، لينينياً، وفيه من لا يصلح، والتطورات أكدت ذلك في ما بعد.

لو ننتقل الآن إلى مرحلة تأسيس النقابة الوطنية للتلاميذ . .كيف تبلورت الفكرة وكيف نفذت؟

بعد الهيكلة الأم، شكلنا عدداً من الأنوية بثانويات الدار البيضاء .. وكان أول مشكل واجهنا مرتبطاً بثانويات البنات، حيث لم تكن معنا أخوات في الحركة في البداية. ولقد تمكنا من حل المشكل من خلال بعض العلاقات العائلية .. وكانت أول تلميذة انضمت إلينا هي الأخت الزهرة السمهري بثانوية فاطمة الزهراء، ومن خلالها تكون عدد من الأنوية .

وخلال موسم 72/71 ، كنا متواجدين، كأنوية، في كل ثانويات الدار البيضاء، مثلاً كان لنا في ثانوية فاطمة الزهراء، كل من الزهرة السمهري، عائشة مفتوح، وفي ثانوية شوقي ربيعة السمهري، خديجة أبناو، ثم في ما بعد فاطنة البيه .. وبالنسبة للذكور كان عندنا صلاح الوديع وأحمد الفكاك في ثانوية مولاي عبد الله، وعزيز صلاح الدين في ثانوية محمد الخامس، والواقي والعمراني بثانوية الخوارزمي .. فيما كان عبد اللطيف حسني الذي كان مع مجموعة «أ»، أي «الى الأمام» بثانوية عبد الكريم لحلو .. كانت هي الأنوية الأولى.. وشرعنا في إصدار مجلة «المناضل» شهرياً، ولقد صدرت قبل تأسيس النقابة الوطنية للتلاميذ . .

في أي تاريخ بالتحديد تأسست هذه النقابة؟

يوم 22 ابريل 1972 . . علماً بأنه كان مطروحاً تأسيس النقابة قبل ذلك بكثير، باتفاق المجموعتين «أ» و «ب» . . وحين صدر بيان التأسيس بالتاريخ المذكور أعلاه، أعادت السلطات العمل بفكرة الوداديات التلاميذية، فوقع نقاش بيننا يقول بإلغاء مشروع النقابة والعمل داخل الوداديات، لكن إلى الأمام كان لها رأي معارض، فوضعونا أمام الأمر الواقع، حيث وزعوا بياناً يعلن التأسيس بثانوية فاطمة الزهراء يوم22 أبريل 72 ، فلم يتبق أمر للتراجع .. وتحملنا مسؤولياتنا ..

الأساسي، أنه انتقلنا إلى خارج الدار البيضاء، تنظيمياً، حيث امتدت الأنوية إلى تطوان وأكادير ومكناس وفاس وخريبكة ووجدة والرباط .. وكانت القيادة الوطنية تتشكل من المنسق الوطني الذي هو أنا، وممثل عن كل فرع توجد به النقابة .. وكانت كل الأسماء مستعارة … وأذكر الآن مثلاً أن حسن السملالي مدير جريدة «الميدان» اليوم، كان ممثلاً عن القنيطرة . .

بخصوص الاسماء المستعارة، متى ابتدأ العمل بها؟

من البداية، أي منذ التأسيس وحتى قبله، أي منذ 23 مارس 1970 وقبلها .

بخصوص أهم محطات بروز النقابة الوطنية للتلاميذ، ما هي عناوين هذه المحطات؟

كان هناك أولاً أمر الهيكلة وتنظيم وسائل العمل.. ثم بعد توسعت الشبكة، حيث امتدت بالإضافة للمدن التي ذكرت لكما، إلى مدن أخرى مثل جرسيف وتازة حيث كان تواجد «إلى الأمام» قوياً)، مراكش، بني ملال .. وبلغ عدد التلاميذ ما يفوق الألفي تلميذ .. وكان التنظيم متأسساً على خلية مركزية في كل مؤسسة، وحولها يتشكل مجلس المناضلين أكبر عدد كان بثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء، كان حوالي 100 تلميذ) . . وكانت الصيغة النضالية تتحدد في التجمعات داخل الثانويات، في حلقات النقاش، وفي الإضرابات، مع طبع المنشورات وتوزيع المجلة اعتماداً على وسائلنا الخاصة، ولا بد من التأكيد، بحكم طابع السرية، أن النقابة الوطنية للتلاميذ كانت تتمتع باستقلالية تامة عن التنظيم السياسي، حيث كان باستطاعتنا القيام بطبع منشورات أو تنفيذ إضرابات تبعاً للقرار النقابي، وخلال سنة 1973، بدأ الحضور الجنيني للإسلاميين بثانوية مولاي عبد الله، بل كان أحدهم في مجلس المناضلين بها، ولقد حدث أن تم توزيع منشور عجيب كله سب في الإسلام وتمجيد للماركسية وأسفله توقيع النقابة الوطنية للتلاميذ .

والواقع أن من وزع المنشور وطبعه هم الإسلاميون أنفسهم الذين كانوا يطبقون تلك التقنية المخابراتية الأمريكية التي تقول بمبدأ «الذم من العدو» . .

ومتى ابتدأت مرحلة الاعتقالات؟

لا بد من أن أشير إلى أني عينت سنة 71/ 72 بإعدادية الخطابي بمدينة وادي زم، أستاذاً للفرنسية، وحين طرح استفتاء دستور 1972، وكان يوم 3 مارس 72 ، حدث أن طلع علينا مذيع الأخبار في التلفزيون يوم 1 مارس يقول من بين ما قال إن مدرسي إعداديتنا يصوتون لفائدة الدستور.. وخلال اجتماع مع الإدارة طرحت الأمر مع المدير، فأجابني بالحرف : «إذا لم يعجبك الأمر، أصدر بياناً».. وفعلاً أصدرت بياناً وبعثته إلى جريدة «العلم» التي نشرته بخطي في الصفحة الأولى ليوم 3 مارس تحت عنوان : هؤلاء، قالت التلفزة إنهم قالوا نعم للدستور» . .

فحضرت الشرطة إلى الإعدادية وانطلقت اعتقالات عشوائية لم تطلني، وحين عرفت السلطات أن الخط الذي كتبت به الرسالة خطي، كنت أنا قد غادرت إلى الدار البيضاء، وكنت أبعث الشهادات الطبية إلى إدارة الإعدادية تبرر غيابي .. المهم تسجلت في الكلية (كلية الحقوق)، وعشت حياة عادية، ولم يحدث أن بحثت عني الشرطة في الدار البيضاء، مما يبرز مستوى التنسيق الذي كان لجهاز الشرطة المغربية آنذاك (ضحك) .. ولأني كنت في حاجة ماسة إلى المال، فقد قررت التوجه إلى وادي زم ، لأن حوالاتي الشهرية كانت هناك .. دخلت ليلاً إلى المدينة الصغيرة، تلك، وفي الصباح توجهت إلى مكتب المدير خلسة، وما ان رآني حتى حاول الاتصال بالكوميسير، فقلت له مستغرباً ومدعياً بلاهة متعمدة : ما الأمر؟ علاش بغاوني، أخبرني بالأمر، فقلت له إني سأذهب عندهم حالاً ، وبعدها سأذهب إلى القباضة لاستخلاص أجرتي، وما عليه إلا أن يسلمني الوصل بذلك، خاصة وأن الكوميسارية في طريق القباضة .. فعلاً سلمني الوصل، شكرته، واتجهت رأساً إلى القباضة، أخذت أجرة ثلاثة أشهر، وعدت إلى الدار البيضاء . .

الأساسي، أنه إلى حدود 3 مارس 1973، كان عملنا بالنقابة متواتراً، وكان مقر النقابة المركزي الذي يعرفه كل ممثلي فروع الأقاليم، شقة اكتراها الشهيد جبيهة رحال قرب محطة القطار الدار البيضاء – المسافرين .

كان اسمي المستعار هو «مصطفى».. وحدث أن اعتقل مجموعة من التلاميذ بفاس بثانوية القرويين بسبب إضرابات، وضمنهم ممثل فرع فاس، وبعد التعذيب اعترف لهم بكل شيء ، وقادهم إلى شقة الدار البيضاء .. جاؤوا باكراً، ولم يجدوا أحداً، وكان عندنا اجتماع للقيادة المحلية .. فكان ان داهموا الشقة واعتقلونا جميعاً.. وفي الطريق أكدت لباقي الإخوة أن يؤكدوا فقط صفتهم النقابية وأن يرموا بكل المسؤولية السياسية علي أنا وفي مراحل التعذيب بكوميسارية المعاريف، أعطيتهم عنواناً آخر وهمياً لربح الوقت، ثم في ما بعد أكدت لهم أن علاقتي كانت مع شخص اسمه محمد المحجوبي من القيادة السياسية .. والحال أن المحجوبي كان حينها بفرنسا. المهم اتسعت الاعتقالات لتمتد إلى مدن أخرى، وبالخصوص مراكش، حيث طالت الاعتقالات التجارتي باعتبار علاقته بفاس، ثم عبره امتدت إلى عبد الصمد بلكبير . .

وكيف استمرت العلاقة مع الخارج؟

لا بد، أولاً، من أن أذكركم أنه قبل اعتقالنا، كنا نبعث بتقاريرنا ومجلتنا بشكل عادي عبر البريد، وذلك لأن الأسماء مزورة والبطاقات مزورة، فكان البريد الرسمي هو الضمانة الكبرى للسرية لنا، أما كيف استمرت العلاقة مع الخارج، فقد كنا نتوصل بالمعلومات عبر عائلاتنا ، وكذا عبر الجرائد التي يلفون فيها أكلنا، وهي الجرائد التي كانت تؤخذ من الحراس وتسلم للمسؤول عن الحمام لحرقها .. وكنا قد تمكنا من ربط الصلة بهذا المسؤول . واتفقنا معه على أن نسلمه بعض أكلنا، على أن لا يحرق تلك الجرائد، بل أن يسلمها لنا . . وكذلك كان .

المصدر: لحسن العسبي والصافي الناصري
أقصى اليسار في المغرب، مقارعة نبيلة للمستحيل. صفحات 162 إلى 176
المركز الثقافي العربي . الطبعة الأولى 2002

شارك المقالة

اقرأ أيضا