من أجل أوسع وأعمق نقاش حول سيرورة النضال الجارية: رأي المناضل أهباض محمد: الحراك الشعبي بالريف، أي أفق وأية آليات

تقديم المناضل-ة:

تدل حيوية الحراك الاجتماعي، الأقوى بالريف و الممتد تدريجيا إلى باقي مناطق البلد، على أن الوضع بالمغرب دخل طورا جديدا أنهى الفترة التالية لانكفاء حراك 2011-2012.
فالمسألة الاجتماعية انفجرت بوجه الدولة التي صنعت هذه القنبلة وفق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
لم يكن بد من أن تفضي الإجراءات المتقشفة في الإنفاق الاجتماعي (تعليم صحة،…) واستشراء البطالة وهشاشة الشغل إلى استثارة الرد الشعبي النوعي في الشارع، بعد سنوات تحمل وتردد خشية القمع، وتشكك في جدوى النضال.
اليسار المناضل، ليس منتظر المواعيد الانتخابية، يتأثر، إذ يواجه تحدى الوجود في خضم حركة جماهيرية طالما علق آماله على انبثاقها. هذا اليسار يحمل سلبيات تاريخ تعثره، وتيهه بعد الانهيار العالمي للمنظومة البيروقراطية، دولا و أحزابا. لكنه ينطوي على قوى كفاح ساعية إلى استجلاء أفاق الانصهار في الفعل الجماهيري وتخصيبه وتجذيره نحو التحرر النهائي من كل استعباد سياسي واستغلال و اضطهاد.
المعركة الجارية مختبر تمتحن فيه الأفكار و الرؤى السياسية، وتلتقي فيه بضغط من الدينامية النضالية قوى مكافحة فارقت بينها الخلافات السياسية والتقييمات والتكتيكات.
لذا يكتسي نقاش السيرورة النضالية الجارية اليوم ببلدنا أهمية قصوى، بقصد استجلاء خطط العمل الفعالة للرقي بها لتحقيق مكاسب تكون رافعة لمزيد من الكفاح حتى استئصال الاستبداد و القهر الطبقي.
في هذا الإطار ننشر وجهة نظر مناضلة من موقع الانخراط الميداني، آملين تقدم النقاش وتعزز جسور التعاون و العمل المشترك بين مكونات اليسار المناضل.
جريدة المناضل-ة

الحراك الشعبي بالريف، أي أفق وأية آليات –أهباض محمد

يشهد الريف حركة احتجاجية جماهيرية قوية منذ أزيد من سبعة أشهر منذ فاجعة استشهاد َمحسن فكري َ وهي حركة لازالت تنتشر وتتمدد إلى مداشر وقرى لم تشهد احتجاجات حتى بعد هولوكست البنك الشعبي بالحسيمة، أي فترة بروز حركة 20 فبراير سنة 2011، ومن المرجح أن تستمر وتتقوى في ظل رفض النظام التعاطي بشكل جدي مع المطالب السوسيواقتصادية ومطالب حقوقية تناضل من أجلها الجماهير، ورهانه على عامل الوقت ومحاولة تسخير المنتخبين الفاقدين للشرعية في عملية بئيسة لإخماد الحراك وتسخيره كذلك للبلطجية لزرع الرعب في نفوس المحتجين.
وإذا كان الحراك قد استطاع أن يستمر ويكبر رغم كل محاولات تطويقه من طرف النظام ومؤسساته، فإن الأسباب الأساسية التي تقف وراء هذه الاستمرارية هي وجود شروط موضوعية محفزة على الاحتجاج، الإنزال العسكري والوضع الاقتصادي الاجتماعي المتردي، التهميش، البطالة وتراجع عائدات الجالية الريفية بالخارج ضعف الخدمات العمومية وغيابها في بعض المناطق، التاريخ النضالي للريف وحجم التضحيات التي قدمها الريفيون والريفيات في سبيل التغيير الذي لم يتحقق بعد.. إضافة إلى العوامل الذاتية الأخرى والتي تدفع بالحراك إلى الأمام والمتمثلة في جود قاعدة عريضة ومهمة من الشباب (ة) المتعلمين والثائرين على سياسات النظام والمدرك لطبيعته الاستبدادية والمصر على بناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، هذه العوامل الموضوعية والذاتية هي سر استمرارية الحركة الاحتجاجية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال ربطها بقدرات هذا الشخص أو ذاك، أو اعتبارها نتاج ذكاء فرد أو مجموعة من الأفراد. ولعل من نواقص هذه الحركة عدم قدرة المناضلين الفاعلين فيها على بلورة رؤية شمولية للحركة عبر تحديد أهدافها وربط النضالات التي تخاض على مستوى مختلف المناطق ببعضها، ووضع آليات تنظيمية موحدة لذلك .
فكل الاحتجاجات التي يتم خوضها لحدود الآن هي ذات طابع محلي محدود، إن على مستوى طبيعة الأشكال النضالية باستثناء بعض الأشكال النضالية التي تخاض من حين لآخر بمدينة الحسيمة، ووضع مطالب اقتصادية واجتماعية تهم جماهير تلك المنطقة فقط ولم يتم لحد الآن تسجيل أي تقدم على مستوى اقتراح الآليات التنظيمية التي يمكنها أن تعطي للحركة بعدا وطنيا أو جهويا على الأقل يفرض على النظام تقديم تنازلات سياسية واقتصادية حقيقية لصالح الجماهير المنتفضة، بل هناك من المناضلين من يحاول التغاضي عن هذه المهمة تحت ذريعة اعتبار َناصرَ ناطقا رسميا باسم الحراك، ليس هناك مانع بل جميل جدا أن يكون ناصر كذلك، لكن لا يجب التغاضي على فرز قنوات تنظيمية أو تواصلية جماهيرية بين مختلف اللجان الفاعلة بالريف، على اعتبار أن الحركة تتعايش وسطها العديد من الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية المناضلة، والتي يعود لها الفضل في نقل الاحتجاجات إلى مختلف المناطق بالريف، هذا رغم اختلافها مع ناصر ومناضلين آخرين حول سبل تطوير الحركة الاحتجاجية وطبيعة مطالبها.
إن أعظم تقدم يمكن أن يحرزه الحراك الجماهيري بالريف وفاءً للمعتقلين والشهداء الذين ضحوا وسقطوا في معركة التغيير، بدءا من شهداء المقاومة المسلحة والانتفاضات الشعبية في القرن الماضي وصولا إلى شهداء محرقة 20 فبراير ومعتقلي انتفاضة أيت بوعياش وشهيدها ًكمال الحسانيً وبعده شهيد الكرامة ًمحسن فكريً وكذلك معتقلي أحداث إمزورن 26 مارس، هو أن تتبلور الرؤى السياسية والتنظيمية الكفيلة بالجواب عن بعض الأسئلة من قبيل: ماذا نريد؟ أي أفق نسعى إليه وبأي وسائل يمكن الوصول؟ دون اللجوء إلى أسلوب التخوين و الكذب والتشهير والتحريض من طرف مناضلي هذا المكون على مناضلي مكون أوتيار آخر، دون ترك المجال للعفوية والأهواء الشخصية كي تتحكم في مصير الحراك، دون أن نكذب على أنفسنا ونقول بأننا نستطيع تحقيق تغيير حقيقي دون توفير أدواته التنظيمية والسياسية. وهذا الأمر يتطلب بعض الجرأة والصدق والوضوح في التعاطي مع الحراك الجماهيري بالريف الذي يحتاج الآن إلى نقاش هادئ رزين ومسؤول، يقرب بين وجهات النظر ويضعها على سكة التغيير الحقيقي للوضع، أما الاختباء وراء مطالب اجتماعية مقابل تمرير خطابات سياسية محددة والتجنيد لها بشكل أو بآخر، والإصرار على عزل أي خطاب سياسي آخر معارض رغم قوته الاقتراحية والتقريرية داخل الحراك في العديد من المناطق بالريف الكبير.
ذلك ستكون له آثار سلبية في الأمد القريب والمتوسط ليس على الحراك فحسب، بل أيضا على المناضلين الذين يسعون إلى قتل الاختلاف والدينامية الفكرية والسياسية داخل الحراك الجماهيري.
عودة إلى موضوع أهداف الحراك الجماهيري بالريف لا أحد يمكنه أن ينكر الطابع الاجتماعي الذي يطغى على المطالب المرفوعة على الأقل بشكلها الرسمي الحالي، لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود قناعات سياسية لدى الفاعلين والمؤثرين في الحراك بمختلف مناطق الريف، وهذه القناعات تترجم في شكل شعارات ومواقف، خطابات ولافتات وأعلام ترفع هنا وهناك، كل هذا يعكس إلى حد ما طبيعة الأهداف التي يسعى إليها كل مناضل أو فاعل وسط الحراك، لم يتبلور في شكل اتجاهات أو تيارات فكرية وسياسية منظمة وتحمل مشاريع فكرية وتنظيمية واضحة، أجهزة النظام تترصد ذلك جيدا، وتتوجس بشكل مكشوف من تبلور هذه القناعات الفكرية والسياسية في شكل قوالب تنظيمية قد تعطي للحراك أفقا أرحب مما هو عليه الآن.
ولعل الخطوات التي يقوم بها مناضلي الحراك في أروبا والتي تتجه نحو تجميع اللجان الداعمة للحراك في قنوات تنسيق موحدة تشكل خطوة مهمة ونموذجية في هذا المستوى، ولو أن هذه الصيغ التنظيمية لا تتم على أرضية سياسية أو إيديولوجية بل على أرضية مطلبية ونضالية، تفسح المجال على الأقل لمختلف القناعات الفكرية والسياسية أن تتجادل حول البرامج النضالية وآفاق الحراك بشكل ديمقراطي داخلي ومنظم دون ترك أي فرصة للنمائم والاختلافات النفسية والرغبات الذاتية الضيقة والاختلافات الإيديولوجية كي تنمو وتؤثر في مسار ومصير الحراك ككل، لذلك فالرهان الأساسي الملقى على عاتق المناضلين الفاعلين من داخل الحراك والساعين فعلا إلى تطويره وخلق شروط حقيقية لتغيير الأوضاع الاجتماعية الراهنة، عبر النضال الجماهيري الواعي والمنظم هو تعزيز جسور التواصل بين لجان الحراك المحلية بمختلف المناطق التي تتواجد فيها وتدقيق التصورات حول اللجان الشعبية وطرق اشتغالها، والتشبث بمبدأ التسيير والتقرير الديمقراطي لطبيعة المعارك التي يجب خوضها ومختلف التفاصيل المرتبطة بها (الجماهير تقرر والقيادة تنفذ ).
من جهة أخرى يفترض على الشباب الثائر على النظام وسياساته التفقيرية أن يدرك بأن الوحدة الهلامية والقسرية أحيانا بين مكونات الحركات الجماهيرية ولو على أرضية المطالب الاجتماعية لا يمكن أن تنتج سوى وحدة صورية سرعان ما ستتحول إلى عائق أمام تطور الحراك ما لم يتم تنظيمها وتأطيرها بعرض وجهات النظر المتباينة وتحديد أوجه الالتقاء والاختلاف بينها، واعتماد معيار الكشف عن البرامج والتصورات حول الآفاق المستقبلية، بدل الاختباء وراء وحدة الحراك دون أن يكون له أي معنى تنظيمي أو سياسي .
إن الحراك الجماهيري بشكله الراهن رغم تحقيقه للعديد من المكتسبات الاجتماعية والسياسية والنضالية الجزئية، وكذلك القدرة على الصمود والاستمرارية والتمدد سيكون عاجزا على تحقيق قفزة نوعية في اتجاه الأفق الذي ستتوفر فيه شروط تقليص الفوارق الطبقية، وتتحقق فيه العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة وتوزع فيه الثروات الطبيعية بشكل عادل، ما لم يتم الاشتغال على بناء ميزان قوى شعبي منظم يتجاوز الحدود الجغرافية والمطلبية التي يحاول بعض المناضلين حشر الحراك فيها.
وعلى المثقفين الشباب الواعي أن يدرك بأن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وتلك الخطوة الآن هو الانتظام في اتجاهات فكرية وسياسية داخل الحراك مع الحفاظ على وحدته، والعمل على تعزيز آليات التسيير والتقرير الديمقراطي التي يفرزها الميدان، وعلى رأسها اللجان الشعبية التي يجب وضع تصور موحد وشامل حول طرق اشتغالها، إضافة إلى تعميم الجموعات العامة الجماهيرية والتي لا يجب التخلي عنها بأي شكل من الأشكال وتحت أية ظروف، لأن الرهان يتوقف عليها لتتعلم الجماهير قيادة نفسها بنفسها نحو بناء مجتمع ديمقراطي يكون فيه الشعب هو صاحب السلطة والسيادة على أرضه وثروته.
في الختام لا يسعنا سوى التأكيد على أن هذه القراءة المتواضعة لا تلزم إلا من يتفق مع مضامينها، ولا تستهدف التقليل من أهمية الجهود التي يبذلها المناضلين في مختلف المناطق في سبيل تحصين الحركة النضالية للجماهير الشعبية، بل تسعى إلى تطوير هذا الحراك الشعبي العارم وتعزيز هذه الجهود عبر فتح نقاش جماعي ومسؤول حول أنجع السبل لبلوغ الغايات المنشودة، وهذه الغايات لا تخرج عن إطار توفير شروط بناء الواقع البديل الذي تنتفي فيه كل مظاهر الاستغلال والتهميش والاضطهاد…!!

 

Print Friendly, PDF & Email