هنغاريا، أغسطس 1919: سحق السلطة العمالية 

مطلع العام 1919، تم سحق جمهورية  المجالس في هنغاريا التي جرى إعلان قيامها قبل ذلك بـمائة وثلاثة وثلاثين يوما.  بعد عام ونصف عام من انتصار الثورة في روسيا، التي استقبلتها بحماسة الطبقة العاملة بكل البلدان، كان عمال هنغاريا  قد استولوا على السلطة وأقاموا بدورهم مجالسهم. 

منذ العام 1867، كانت هنغاريا مملكة  مرتبطة بالنمسا، التي كان إمبراطورها ملكا أيضا على هنغاريا. وكان دعم هذا النظام يتيح للارستقراطية الهنغارية  اضطهاد سكان أقاليم كرواتيا وسلوفاكيا وترانسيلفانيا وبنات وكل الأقليات القومية بشرق الإمبراطورية النمساوية الهنغارية. 

 هنغاريا عشية الثورة

 كان المجتمع الهنغاري متميزا بفسيفساء قوميات وعلاقات اجتماعية لا تزال نصف إقطاعية. كانت السلطة مركزة بأيدي أقلية نبلاء أثرياء.  5% من السكان كانوا يملكون 85% من الأراضي. وكانت القنانة قد أُلغيت، لكن المزارع الكبرى كان يشتغل بها ” عمال تابعون” لم يكن وضعهم يختلف عن القنانة إلا قليلا جدا.  وكان ثلاثة أرباع الفلاحين بالغي الفقر- أي 2.5 إلى مليون شخص. وكانت أقلية تملك قطع أرض صغيرة، لكن دون أن تسد بها الرمق، فكان عليها ان تؤجر عملها بمكان آخر. 

بدأت صناعة عصرية بالظهور بدءا من العام 1880، بدعم  من مستثمرين رأسماليين أجانب، نمساويين، وألمان، وفرنسيين، وإنجليز وأمريكان. وظلت البرجوازية الهنغارية، قليلة التطور، تابعة للارستقراطية العقارية. وفي بودابست، ونواحيها، نمت صناعة على نطاق كبير. وفي العام 1910، كان أكثر من 50% من الصناعة مركزا في تلك المنطقة، و51.3% من شغيلة بودابست يعملون في مصانع بكل منها أكثر من 100 عامل. ومنذ سنوات 1890، تنظمت هذه الطبقة العاملة في نقابات- كان 30% من عمال بودابست منظمين نقابيا- وفي الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كما كان هذا الحزب منغرسا في القرى، مساها في إيقاظ وعي العديد من صغار الفلاحين وعمال الزراعة. بيد أن النزعة الصلاحية ألمت بالحزب الهنغاري، على غرار الأممية الثانية برمتها، وعند اندلاع الحرب، صفق قادته للحرب الامبريالية. 

شجع انتصار الثورة الروسية الطبقات الشعبية بأوربا كلها  على الانتفاض ضد الحرب والبؤس. وفي هنغاريا، شل إضراب عام  يوم 18 يناير 1918 بودابست، وتلته مظاهرات جماهيرية شارك بها  العديد من الجنود. 

الصعود الثوري اقتفاءً للثورة الروسية 

في خريف العام 1918، مع انهيار الجبهة البلغارية، تعاظمت موجة مغادرة الجيش لدرجة اجتياحها البلد.  وتفجرت انتفاضات وعصيانات في الجيش وفي قوات البحرية. ولما صار جليا أن القوى المركزية خسرت الحرب، تعممت تلك التمردات. وفي متم أكتوبر بلغت الانتفاضة المصانع في بودابست ثم بالبلد برمته. وتشكلت مجالس عمالية وللعمال الزراعيين وفق النموذج الروسي، ممارسة فعليا السلطة، مستندة على الجنود الذين غادروا الجبهة وحافظوا على أسلحتهم وشكلوا مجالسهم الخاصة. 

تم إعلان الجمهورية  يوم 16 نوفمبر 1918. وكان على رأس الحكومة التي تشكلت تحت الضغط الثوري الكونت كاروليي Karolyi ، زعيم المعارضة الليبرالية ونصير  استقلال هنغاريا. لكن كاروليي وقع في كماشة بين الانتفاضة ومتطلبات القوى المنتصرة.  كانت هذه، أي الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا و فرنسا، تريد اقتطاع ثلثي تراب هنغاريا. رافضا هذا المتطلب، استقال كاروليي يوم 20 مارس 1919، متجها بالنداء إلى أولئك الشيوعيين الذين سجنهم.  وفي نداء يوم 28 مارس سجلت الأممية الشيوعية، المتشكلة حديثا، :” خوفا من الغضب الشعبي، لم يكن بوسع البرجوازية الهنغارية إلا أن تنحني أمام الانذار الامبريالي، فاضطرت رغما عنها إلى التنازل عن السلطة للعمال”. 

وفي اليوم ذاته، تقدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي وافق على المذبحة الامبريالية، وحاول مرارا  التصدي لإضرابات العمال، ودَعَم الحكومة، وشارك في حكومة كاروليي، باقتراح إلى الحزب الشيوعي الفتي لتوحيد الأحزاب العمالية في حزب اشتراكي موحد. 

كان الحزب الشيوعي الهنغاري، ضئيل الخبرة وقليل العدد، قد وُلد قبل أربعة أشهر.  وكان يضم الأقلية الأكثر جذرية من الطبقة العاملة، ومناضلين جرى كسبهم إلى الأفكار البلشفية عندما كانوا أسرى حرب في روسيا، مثل قائدهم بيلا كون Béla Kun.  وافق الحزب الشيوعي الهنغاري على مقترح القادرة الاشتراكيين بالاندماج على قاعدة البرنامج. كان ذلك سوء تقدير  لتأثير الإصلاحيين وقدرتهم على الإضرار، مع اعتقاد إمكان شعورهم بالالتزام بقبول صيغ برنامجية حتى راديكالية. 

133 يوما من سلطة عمالية 

يوم 21 مارس 1919 ، تم إعلان قيام جمهورية المجالس. وعلى غرار السوفييتات الروسية، كانت السلطة  بيد منتخبي الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، تحت رقابة من القاعدة مع قابلية العزل في كل لحظة. وجرى خفض سن الانتخاب من 24 إلى 18 سنة، ودعيت النساء إلى التصويت لأول مرة.  وتمت الاستعاضة عن الدرك والشرطة بحرس أحمر وأصبحت الدولة علمانية. وباتت المدرسة مجانية و ألغي التعليم الديني. وتم الاعتراف بحقوق الأقليات القومية. و تم نزع ملكية كبار الملاكين العقاريين، وكذا العديد من رجال الصناعة.  وجرى تشريك وسائل الإنتاج بمساعدة من النقابات والمجالس العمالية, و مُددت إجبارية العمل لتشمل البرجوازية. 

بيد أن القادة الشيوعيين كانت تعوزهم الخبرة، وستؤدي أخطاؤهم إلى إضعاف السلطة العمالية. هكذا، كان الفلاحون يساندون نزع ملكية كبريات المزارع، لكنهم كانوا يرفضون تحويلها إلى مستغلات جماعية كبيرة كما كان يريد الحزب أن يفعل بأي ثمن. لم يكن ذلك مستجيبا لتطلعات ملايين الفلاحين، أي الحصول أخيرا على أرض.  كما اتضح أن الاندماج في الحزب الاشتراكي الموحد كان فخا، فمنذ البداية بذل القادة الاشتراكيون كل ما بوسعهم لنسف السلطة من داخل، وانتهوا إلى تفاهم مع قوى الثورة المضادة. 

وكما فعلوا ضد السلطة السوفييتية في روسيا، أطلق  قادة البلدان الامبريالية ما استطاعوا حشده من جيوش ضد المجالس الهنغارية. واضطر العمال والمناضلون الشيوعيون منذ البداية  إلى الدفاع عن جمهورية مجالسهم بالسلاح. لكن جيوش القوى الامبريالية، بقيادة الجنرال فرانشيه ديسبيري Franchet d’Espèrey، بإشراف هيئة أركان الجيش الفرنسي، أفلحت في سحق جمهورية المجالس في الدم.  ودخلت يومي 3 و 4 أغسطس بودابست، وكان ذلك بداية حقبة إرهاب أبيض مهدت طريق ديكتاتورية الأميرال هورثي Horthy   الشرسة. 

ألين رتيس Aline RETESSE

 المصدر:  Lutte Ouvrière-  n° 2663 

15 Aout 2019

 ترجمة : المناضل-ة 

Print Friendly, PDF & Email