نسوانية لأجل الــ 99% – بيان؛ أطروحة 1. موجة نسوانية جديدة تعيد اختراع الإضراب

 بقلم، تشينسيا  أروتسا  Cinzia Arruzza  *  تيتي باتاشاريا  Tithi Bhattacharya  ** نانسي فرايزر  Nancy Fraser***

ولدت حركة الإضراب النسواني الحديثة في بولونيا في أكتوبر العام 2016، عندما نظمت أكثر من 100 ألف امرأة توقفات عن العمل ومسيرات من أجل الاعتراض على منع الإجهاض في بلدهن. وفي متم الشهر نفسه، كانت الموجة الجذرية قد عبرت المحيط لتصل الأرجنتين، حيث نددت النساء المضربات بقتل لوسيا بريز  الشنيع مع شعار ” Ni una menos”[1]. وسريعا تدفقت الموجة على إيطاليا واسبانيا والبرازيل وتركيا والبيرو والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك والشيلي وعشرات البلدان الأخرى. وامتدت الحركة، التي ظهرت بالشارع، إلى أماكن العمل وإلى المدارس لتبلغ في النهاية الدوائر العليا لعالم الفرجة ووسائل الإعلام والسياسة. وترددت شعاراتها في السنتين الأخيرتين عبر العالم: #Nosotras Paramos, #WeStrike, #VivasNosQueremos, #TimesUp,Feminism4the99.

بدأت الحركة بارتجاف وتموج ثم صارت موجة عملاقة: قد يكون بوسع هذه الموجة النسوانية الجديدة أن تقلب التحالفات القائمة وتعيد رسم الخريطة السياسية. 

وما كان مجرد جملة تحركات على صعيد وطني تحول إلى حركة عابرة للبلدان يوم 8 مارس 2017، عندما قررت مُنظِماتها الإضراب في نفس الوقت. وبهذا التحرك الفجائي الجسور أعدن تسييس اليوم العالمي لحقوق النساء. فقد تخلت المضربات عن التفاهات المفرغة من السياسة- أطباق أكل، أزهار ميموزا، بطاقات التمنّيات-، فبعثن بذلك الأصول العمالية والاشتراكية ليوم 8 مارس، وأحيين روح التعبئات العمالية لمطلع القرن العشرين. فقد كانت إضرابات ضخمة ومظاهرات نظمتها أساسا نساء مهاجرات ويهوديات بالولايات المتحدة الأمريكية هي التي ألهمت في البداية الاشتراكيين/ات الأمريكيين/ات المبادرين/ات إلى لتنظيم أول يوم وطني للمرأة، وكذا الاشتراكيتين  الألمانيتين لويز سيتس وكلارا زيتكن، أول من دعا إلى يوم عالمي للعاملات. 

تمتد جذور الإضرابات النسائية، التي أججت هذه الطاقة النضالية، في النضالات التاريخية من أجل حقوق العاملات ومن أجل العدالة الاجتماعية. وتعطي معنى جديدا لشعار “التضامن سلاحنا” بتوحيد نساء تفصل بينها المحيطات والجبال والقارات والحدود، والأسلاك الشائكة والحيطان. وتفك هذه الإضرابات عزلتهن المنزلية وتمثل رمزا وشاهدا على القوة السياسية الكامنة لمقدرة النساء- مقدرة اللائي يمثل عملهن -المؤدى عنه كما غير المؤدى عنه- دعامة العالم. 

 لكن الأمر أكثر من ذلك: تخترع هذه الحركة الوليدة كيفيات جديدة للإضراب وتضفي طراز سياسة جديد على شكل الإضراب نفسه. فبجمع مغادرة العمل مع مسيرات ومظاهرات وإغلاق متاجر، وتنظيم حصارات وحركات مقاطعة، تعيد الحركة تشكيل قائمة الأشكال النضالية للإضراب، التي تعرضت لإضعاف بالغ في العقود الأخيرة  بسبب الهجمات النيوليبرالية المتكررة. وفي الآن ذاته، تسهم هذه الموجة الجديدة في إضفاء ديمقراطية على الإضرابات وفي توسيع مداها وأهميتها- لاسيما بتوسيع تعريف “العمل” ذاته. وإذ ترفض قصر هذه المقولة على العمل المأجور وحده، تدعو أيضا إضرابات النساء إلى وقف العمل المنزلي، والعلاقات الجنسية والابتسامات. وبإبرازها ما للعمل غير المؤدي عنه والمجندر (المُضفَى عليه طابعُ نوعٍ اجتماعي) في المجتمع الرأسمالي من دور لا غنى عنه، تثير الإضرابات النسائية الانتباه إلى الأنشطة التي يستفيد منها الرأسمال دون أن يدفع مقابلا عنها. لكن حتى من منظور العمل المأجور، تطور المُضربات رؤية موسعة لما يُقصد به بوجه عام “العمل”. فبعيدا عن التركيز حصرا على الأجور وساعات العمل، يبرزن أيضا كيف يندرج بالقدر نفسه ضمن العمل كل من التحرش والاعتداءات الجنسية والعقبات بوجه عدالة إنجابية [2] وتقليصات حق الإضراب.   يمكن بهذا النحو لموجة النسوانية هذه أن تتجاوز التعارض الثابت والنِّزاعي بين”سياسة خاصة بأقلية” و”سياسة طبقية”. وإذ ترفض اعتبار”العمل” و”الحياة الخاصة” مجالين متمايزين، لا تحصر نضالاتها في إحدى هاذين الفضاءين. وبإعادة تعريف “العمال” و “العمال والعاملات”، ترفض ما تقوم به الراسمالية من بخس هيكلي لقيمة عمل النساء- المؤدى عنه وغير المؤدى عنه في آن واحد. وفي نهاية المطاف تفتح هذه الإضرابات النسوانية إمكان طور جديد وغير مسبوق من صراع الطبقات: طور نسواني وأممي وايكولوجي ومناهض للعنصرية. 

لقد جاءت هذه التحركات النضالية في لحظة مناسبة. إذ تكاثرت الإضرابات النسوانية لحظة باتت النقابات، القوية سابقا والمرتبطة بالقطاع الصناعي، على درجة بالغة من الضعف. وبقصد حفز جديد لصراع الطبقات، انخرطت الناشطات على جبهة أخرى: جبهة الهجمات النيوليبرالية على نظام الصحة، والتعليم، والتقاعد، والسكن. وباستهداف هجمات الرأسمال هاته، المستمرة منذ أربعين سنة، على شروط عمل أفقر الناس، تركز الناشطات على الدفاع عن العمل وعن الخدمات الضرورية للحياة المادية والثقافية للأفراد وللجماعات. هنا، في دائرة “إعادة الإنتاج الاجتماعية”، تتطور اليوم معظم الإضرابات والمقاومات الأشد شراسة. يتمرد العمال والعاملات، من موجة إضرابات المدرسين/ات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى النضال ضد خصخصة الماء في ايرلندا، مرورا بإضرابات الداليت المكلفين/ات بتنظيف شوارع الهند- وكلها تشنها وتقودها نساء- بوجه هجوم رأس المال على إعادة الإنتاج الاجتماعية. ورغم أن هذه الإضرابات غير منضوية رسميا تحت لواء الإضراب العالمي للنساء، لها مشترك كثير معها. فهي أيضا تثمن العمل الضروري لإعادة إنتاج حيواتنا مع الاعتراض على استغلالها؛ وهي أيضا تجمع مطالب الأجور والشؤون المهنية مع مطالب زيادة نفقات الخدمات العامة. 

وفي بعض البلدان، مثل الأرجنتين، و إسبانيا وإيطاليا، حظيت الإضرابات النسوانية بمساندة قوى أخرى معارضة للتقشف. وانضمت نساء وأشخاص غير ثنائيين [3]، وأيضا رجال،  إلى المظاهرات الكبرى لحركة النضال ضد خفض ميزانيات التعليم، ونظام الصحة، والسكن، والنقل، وحماية البيئة. وقد أصبحت الإضرابات النسوانية، بمعارضتها لهجمات الرأسمال المالي على هذه “الممتلكات العامة”، حفاز ونموذج نضالات عظيمة دفاعا عن جماعاتنا. 

 بهذا النحو، تعيد موجة النسوانية الجديدة الوصل مع المطالبة بالمستحيل، إذ تطالب في الآن ذاته بالخبز والورود: الخبز الذي سحبته عقود النيوليبرالية من موائدنا، وأيضا بالجمال الذي يغذي أرواحنا بتمجيد التمرد. 

 ترجمة جريدة المناضل-ة.

……………

[1] ” نرفض أن تنقصنا حتى واحدة منا”

[2] هذا المفهوم، صاغته في مطلع سنوات 2000 المناضلات النسوانيات المصنّفَات عنصريا، وهو يُطبِّق  قراءة تقاطعية على الإشكالات المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية، ضمن منظور عدالة اجتماعية. ترتبط العدالة الإنجابية بحق كل فرد، لكن أيضا بحقوق المجموعات المهمشة (نساء ضحايا العنصرية، أقليات جنسية) مع أخذ الأوضاع والتجارب والعقبات الخاصة بكل منها بالحسبان. 

[3] شخص غير ثنائي: لا يُعرِّف نفسه كرجل و لا كامرأة. 

============  

  • تشينسيا  أروتسا  Cinzia Arruzza : أستاذة فلسفة في New School for social Research  في نيويورك. لها مؤلفات عديدة تستكشف العلاقات بين الاشتراكية والنسوانية.

**  تيتي باتاشاريا  Tithi Bhattacharya:  أستاذة ومديرة برنامج Global Studies  في جامعة بوردو Purdue [انديانا]. تقيم مؤلفاتها تقاطعا بين النظرية الماركسية ومسائل الجندر.

*** نانسي فرايزر  Nancy Fraser: أستاذة الفلسفة والسياسة في  New School for social Research بنيويورك. لها مؤلفات عديدة، وهي إحدى الممثلات الرئيسة للنظرية النقدية  في العالم الناطق بالانجليزية . 

Print Friendly, PDF & Email