مدينة تزنيت: الباعة الجائلون في مواجهة هجوم الدولة على قوتهم

       يخوض كادحو وفقراء المغرب نضالات مستمرة ضد السياسات النيوليبرالية التي ينفذها القائمون بزمام الأمور، تنفيذا لاملاءات المؤسسات المالية العالمية التي عمقت الأوضاع الاجتماعية المزرية لعموم الفئات الشعبية. وضع لم تتوقف معه حركة الاحتجاج بالمغرب، فجل المدن والقرى في حالة غليان مستمر يتفاوت حجمه من منطقة الى أخرى، ومن قطاع الى اخر. سمة هذه النضالات انها صادرة من مبادرة المعنيين بها، او عبارة عن نضالات رد الفعل عن استفزاز السلطة المحلية.

    مدينة تزنيت كغيرها من مناطق المغرب التي خلفت فيها عقود من التهميش أوضاع مزرية سمتها البارزة تفشي البطالة وانعدام مصادر للدخل تضمن الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، وامام الكساد الدي تعاني منه المدينة في جميع القطاعات، لم يجد الشباب المعطل من حملة الشواهد والسواعد امامهم الا امتهان تجارة التجوال او على الأرصفة لمحاربة بطالتهم وكسب قوت عيشهم اليومي. غالبيتهم تعيل اسرا بأكملها، وجلهم يشتغل طيلة اليوم في ظروف غير إنسانية، معرضين لمختلف الامراض، إضافة الى جو الرعب الدائم الذي تخلفه المطاردات البوليسية، او ابتزاز رجال السلطة والقوات المساعدة لاستخلاص الاتاوات منهم. وضع يفاقمه الظلم والاستغلال الذي يفرضه عليهم كبار التجار، ليس أقله الشكايات الكيدية في حقهم ،بدعوى عرقلة حركة السير او تلويث الشوارع بالازبال، دون ان تتدخل السلطات بنفس الطريقة مع كبار التجار، الذين يحتلون بدورهم الأرصفة و الشوارع متجاوزين المساحات القانونية بشكل ملفت للانظار، مازالت واجهة متاجرهم ومقاهيهم شاهدة على ذلك .

        بعد هزم الدولة للحراك الشعبي الذي فرضته حركة 20 فبراير، واضطرارها انذاك الى تحييد قسم كبير من الكادحين من الانخراط في النضال الجاري حينها، بالسماح لهم باحتلال الشوارع . استعاد النظام سيطرته وبدأ في شن غاراته تباعا على الباعلة الجائلين ،في كل المدن، حيث وصل الدور هذه الأيام على مدينة تزنيت ،حيث شن الباشا الجديد للمدينة حملة واسعة عليهم، بدعوى “تحرير الملك العمومي والقضاء على تشويه المنظر العام وعرقلة حركة السير ” استهل حملته بالفئة الهشة وعديمة التنظيم ،بالفراشة صنف تجار الخضر والفواكه، لينتقل لصنف تجار الملابس والأواني والمأكولات العصائر ،المنظميين في جمعية “الكرامة” و” تنسيقية  الباعة المتجولين” ،الذين سبق لهم في اطار نضالات سابقة، ان توصلو الى اتفاق لتنظيم تجارتهم في اطار قانوني مع المجلس البلدي، والسلطة المحلية ،قضى ببقائهم في أماكنهم الى حين بناء المحلات التجارية المتفق عليها . اتفاقيات ووعود تنصلت منها السلطة كعادتها، وواصلت هجومها بمصادرة سلع الفراشة ،واعتقلت مجموعة منهم أفرجت عنهم فيما بعد ،بعد ان حررت في حقهم محاضر يمكن ان تكون موضوع متابعات قضائية في أي وقت، فيما تم نقل مجموعة أخرى من المصابين في التدخل القمعي لتلقي العلاجات .  وضع رد عليه الباعة الجائلين بمسيرة نحو البلدية/الباشوية، ثم بمسيرة نحو العمالة للاعتصام أمامها لكن قوة التدخل القمعي فض اعتصامهم .

    معركة الفراشة والباعة الجائلين ،هي معركة جميع معطلي تزنيت من أجل الشغل القار و العيش الكريم، وهي أيضا معركة جماهير تزنيت المفقرين، مايفرض على قوى اليسار الجذري الانطلاق من مطالبها الملموسة، لشرح الأسباب الحقيقية وراء تفشي البطالة الجماهرية، لدفعها بشكل تدريجي الي الوعي بأهمية وحدتها وتضامنها، لفرض حقوقها وحرياتها. قوى اليسار الجذري مدعوة للانخراط القوي في الدعم الميداني ،لكل الأشكال النضالية التي سيخوضها الباعة الجائلين في قادم الأيام ،كما يجب عليها تكثيف المساندة الإعلامية لمعركتهم، ومواجهة الحملة الإعلامية المسعورة، من قبل أجهزة البوليس ولوبي كبار التجار ،وعلى النقابيين الديمقراطيين الكفاحيين الدفع بتنظيم الفراشة في المنظمات النقابية. .

    لا بديل في ظل الوضع القائم بالبلد، الا النضال من أجل فرض تنظيم قطاع الباعة الجائلين على أسس ديمقراطية شعبية، تضمن مصلحة الباعة في الاستفادة من محلات تجارية مجهزة ،وبأثمان رمزية ،وضمان حقهم في الاستفادة من الضمان الاجتماعي .

المراسل، 19 سبتمبر 2019

Print Friendly, PDF & Email