سعد زغلول، مؤسس حزب الوفد.

حزب الوفد ودوره في الحركة الوطنية المصرية (+) مقتطف من كتاب محمود حسين؛ الصراع الطبقي في مصر…

تقديم جريدة المناضل-ة

يثير دور “البرجوازية الوطنية” وأحزابها في حركات التحرر الوطني سجالا كبيرا بين تيارات اليسار: من مُشَكِّكٍ في قدرتها على قيادة أي عملية ثورية حتى النصر ومن يعين لدورها حدودا ومن يؤكد بشكل قاطع دورها الثوري مصرا على التحالف مع ممثليها السياسيين.

يقدم محمود حسين، في كتابه “الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970” الصادر سنة 1971، تحليلا لسلوك حزب الوفد السياسي حين كانت جماهير مصر تندفع في انطلاقات ثورية ضد الاحتلال الانكليزي وعميلته مَلَكَيَّةُ فاروق، وكيف انتهى هذا الحزب الذي عَبَّرَـ إصلاحيا- في البداية عن الطموح الوطني للجماهير المصرية، ودأب على تحطيم الانطلاقة الثورية للجماهير المصرية بتوجيهها في طريق المساومات، إلى أن يكون جزءً من السلطة التي قامت ضدها هذه الجماهير.

تحليل حسين محمود مفيد جدا ومساعد على فهم حزب مثيل بحزب الوفد، هو حزب الاستقلال الذي كان العمود الفقري لحركة وطنية برجوازية، قادت نضال الجماهير المغربية ضد الاستعمار، وانتهت به إلى مساومة عفنة مع فرنسا، أُبْقِيَتْ بموجبها مصالح الإمبريالية الفرنسية محفوظة وأعيد بناء شرعية ملكية مستبدة عميلة للاستعمار.

=================

… ولكن حينما كانت الحركة الجماهير الوطنية والديمقراطية تتجاوز في اتساعها حدا معينا، وحينما كان الإنكليز يجدون من المناسب تغيير نهجهم في الحكم، كان الذي يبرز هو اللجوء إلى الانتخابات والديماغوجية البرلمانية. في هذه الحالات كان ثمة حزب واحد قادر على نيل أكثرية مطلقة وواثق من ذلك: حزب الوفد.

قلنا إن قيادة الوفد غداة الحرب العالمية الثانية كانت تعكس النزعة القومية عند الطبقة المسيطرة. لكننا لم نعرض بالتحليل بعد لفعالية هذه القيادة سياسيا ولنفوذها لدى الجماهير.

ونحن لم نحاول فهمها في الإطار التاريخي المعقد الذي شهد ولادتها. فالوفد هو تنظيم قومي إصلاحي تشكل انطلاقا من ثورة 1919 وظل يعكس، في أحسن حالاته، قوة الحركة الوطنية المصرية وحدودها بين الحربين.

وهو، في المنطلق لم يكن إلا مجموعة صغيرة من الوجهاء البرجوازيين المحافظين الذين كانوا يطالبون، بوصفهم “وفد الأمة” بنظام مستقل لمصر. وحينما عمدت السلطات البريطانية إلى نفي وجوه الوفد الرئيسيين (وبينهم سعد زغلول) تكونت حولهم حركة إجماع وطني معادية لبريطانيا امتدت من أقصى الشمال المصري إلى أقصى الجنوب ومن الجماهير المعدمة إلى الملاكين المصريين الكبار (باستثناء الأرستقراطية ذات الأصل التركي).

حينذاك تحول هؤلاء الرجال إلى أصوات للحركة الوطنية ودفعوها في وجهة إصلاحية. ثم أخذوا يحطمون تدريجيا الانطلاقة الثورية المستقلة لدى الجماهير الشعبية- بخنق أكثر مبادراتها عنفا وأكثرها تقدما- وأخذوا يشيعون وهما مفاده أن المشاكل الوطنية ممكنة الحل بممارسة الضغوط على بريطانيا العظمى وبالإصلاحات الداخلية التدريجية.

وعندما انتهى الأمر بانكلترا عام 1923 إلى منح نظام استقلال شكلي لمصر، يقوم على دستور وبرلمان، فكر قادة الوفد بإقامة بنى لحزب وطني، امتلكوا انطلاقا منه جهازا انتخابيا يستمد قوته من التيار الذي كونته جميع المراتب الوطنية فعلا في مصر.

والواقع أن الوفد ظل حتى عام 1955 يؤطر مجمل الحركة الوطنية، وذلك لأسباب عديدة.

أولا؛ كانت مصر واقعة تحت الحكم غير المباشر لدولة أجنبية وتحت السيطرة المباشرة لجهاز سياسي واقتصادي كان العنصر الأجنبي هو صاحب الكلمة النافذة فيه (الأرستقراطية التركية، حاشية الملك المتعددة الجنسيات، رجال الأعمال المتمصرين أو المرتبطين مباشرة بالأجانب). هؤلاء كانوا خصوما مُشْتَرَكِينَ لجميع الطبقات التي لم يكن لوضعها الاجتماعي والسياسي أية قاعدة خارج مصر.

ثانيا؛ لم تكن الطبقة العاملة المصرية على مستوى يتيح لها تولي قيادة ثورية توصل الحركة الوطنية إلى نتائجها الأخيرة. ولم تستطع هذه الحركة أن تتجذر وأن تقيم أشكالا من التنظيم ذات طابع شعبي حقيقي، تحفظ استقلالها عن الوصاية الإصلاحية البرجوازية. لذا لم تتجاوز الحركة الوطنية المصرية إطار الإصلاحية ولم تنجح في وصل مسائل النضال ضد الإمبريالية بمسائل الديمقراطية الجماهيرية (التي تستلزم تدميرا ثوريا لنظام القمع البريطاني والمحلي وإصلاحا زراعيا جذريا، إلخ…).

وأدت غلبة العناصر الأجنبية في قلب البنية السياسية- الاقتصادية المصرية لمصر، تحت هذه الشروط، إلى تكوين أرض نَمَا عليها الوهم القائل بأن “جميع المصريين” ذوو مصالح أساسية مشتركة- أي أنهم يميلون إلى تغليب النفوذ البرجوازي داخل الحركة الوطنية.

أخيرا؛ كان نظام الانتقال [الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية الذي كانت تعيشه مصر آنذاك- موقع المناضل- ة] الذي ميز نمط الإنتاج المُسَيْطِرِ، يحدد مناخا سياسيا كانت الانتقائية والمزج بين النزعات وميوعة الاختيارات التكتيكية فيه أكثر إرادة في التعبير عن التداخل الموضوعي للمصالح المتناقضة من التيارات الأيديولوجية القاطعة التحديد، وذلك في غياب سياق ثوري جذري يسعه أن يستقطب المتناقضات نهائيا وأن يحطم آلة هذا الانتقال.

في ظل هذه الشروط استطاع الوفد، ابتداء من عام 1911، أن يتلقى التيار المتكون من مختلف الطبقات المصرية فعلا، وأن يحوله نحو الإطار الإصلاحي الدستوري. بهذا المعنى جعل الوفد من نفسه أداة إضافية للسلطة، يتحملها الإنكليز أو يستدعونها حينما يبدو لهم أن الوضع السياسي يستلزم شكلا من الحكم غير الشكل الديكتاتوري الذي كان يمارسه الملك.

وينبغي أن نحدد أن الوفد لم يكن يملك في هذه الحالات إلا هامشا معينا من السلطة. ولا يقتصر الأمر على أن الانكليز كانوا يضعون حدودا مطلقة لهامش السلطة هذا، بل إن القصر كان يحتفظ دائما بقسم من السلطات (المراكز الحساسة في جهاز الدولة التي كان رجال الملك يمسكون بها بكثير أو قليل من القوة، بالإضافة إلى احتفاظ الملك بأجهزة بوليس تابعة له وبـ”ديوان” يُشكل وزارة حقيقية موازية للوزارة الأخرى إلخ…).

لهذا لم تكن الوزارات الوفدية، في أي وقت إلا شكلا مُلْحَقاً من الحكم. لكن أهميتها السياسية كانت ضخمة. فلقد كانت تتيح إبطال مفعول كل انطلاقة وطنية شاملة، إذ توجهها في طريق الانتخابات وفي طريق “انتداب حزب الأمة” لتحقيق آمالها. وما أن يصل هذا الحزب إلى السلطة حتى يجد نفسه مَسُوقاً إلى تدبير أوضاع النظام الانتقالي وفقا لأشد المتطلبات إلحاحا في الحركة القومية التي حملته إلى الحكم.

وكان يُظْهِرُ للإنكليز ما لا بد له من القيام به من تنازلات ويُظْهِرُ لناخبيه أن من المُحَالِ الحصول على شيء آخر، في ظل الشروط القائمة، وكانت الوزارة الوفدية تُقَالُ دائما من قبل الملك بعد أن تنجز تنفيس الانطلاقة الوطنية وتمسي العودة إلى تغليب الشكل التسلطي من الحكم أمرا ممكنا.

انطلاقا من هذا الحزب بدأت النزعة “القومية” في الطبقة المسيطرة تولد وتنمو تدريجيا، محافظة على صلتها بالسلطة وبالحركة الوطنية في آن معا. ولقد جَرَّتْ في طريقها مزيدا فمزيدا من عناصر الطبقة المُسَيْطِرَة الذين ما لبثوا أن استولوا على جميع مقاليد الحزب، فطردوا من قيادته الفعلية ممثلي المراتب البرجوازية المتوسطة أو البرجوازية الصغيرة.

والخلاصة أن الوفد كان يشكل مجرَى لشعور مشترك بين جميع المصريين الذين عانوا الكبت، بدرجات متفاوتة من السيطرة الأجنبية: عَنَيْنَا التطلع إلى الكرامة الوطنية، إلى الاستقلال الوطني. لكن الحزب كان يقدم لهذا التطلع إطارا سلفيا إصلاحيا يعبر عن نفسه، فيتيح بذلك للبرجوازية الكبيرة المصرية أن تُسَخِّرَ الحركة الوطنية لأغراضها، ويثبط كل مبادرة جماهيرية مستقلة.

هكذا كان الوفد، في نهاية التحليل، جزءً من البنية السياسية العامة العاملة في خدمة الطبقتين المُسَيْطِرَتَيْنِ الأجنبية والمحلية أي البنية المنصرفة إلى تأبيد عجز الجماهير الشعبية عن التزود بحركة ثورية صحيحة مستقلة وبالتالي عن قلب السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية لهاتين الطبقتين.

وفي نهاية الحرب [العالمية الثانية]، كان الوفد قد بات حزبا، ويريد فرع هام من الطبقة المُسَيْطِرَة أن يجعل منه أداة للسلطة أكثر نفوذا وأشد قدرة على الحسم مما كانت عليه في السابق، وذلك خاصة على حساب النزعة الأرستقراطية الشديدة التعصب لبريطانيا. بل إن قسما من العناصر المجددة أخذ يتحلق تدريجيا حول الوفد، لاعتقاده أنه قد بات من المفيد انتزاع تنازلات هامة من الانكليز وأن هذا الحزب وحده قادر على ذلك، باعتماده على الانطلاقة الجماهيرية الوطنية المعادية لبريطانيا.

لكن الفرصة كانت قد ضاعت. فلم يعد ممكنا استخدام الحركة الوطنية الشعبية في إطار المصالح العامة للطبقة المُسَيْطِرَة.

فالتطلعات المعادية للإمبريالية لدى أوسع الجماهير والمشاكل التي كانت أزمة نظام الانتقال تطرحها على هذه الجماهير لم يعد لها حل في الإطار المذكور. ذلك أن الموجة الوطنية الشعبية أخذت تتخطى، على مراحل، نطاق المؤسسات السياسية التي أنشأها دستور 1923، أي أنها أخذت تتخطى القصر والوفد معا.

وكان شَلَلُ النزعات المختلفة العاملة في قلب الطبقة المُسَيْطِرَة- كما أشرنا- تعبيرا عن التضامن الموضوعي بين مصالح هذه النزعات. فالانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية لصالح الطريق الرأسمالي بات محالا، على أيدي ممثلي البرجوازية المدينية- بسبب صلاتهم العضوية بالملكية العقارية أو بالمصالح البريطانية أو بهذه وبتلك.

لذا فإن ما أخذت الجماهير تشعر به بوضوح متزايد هو الفراغ السياسي، أي تفسخ جميع البنى السياسية الفعالة في إطار النظام القائم. هكذا أخذت الجماهير تتقدم على صورة موجات متزايدة القوة، حتى توصلت في نهاية 1951 إلى تنظيم البواكير الأولى لحرب عصابات معادية للإمبريالية. لكنها لم تكن تملك، من جهتها، بنى سياسية وتنظيمية تمثل أكثر تطلعاتها جذرية وتستطيع قيادة انطلاقتها الثورية إلى أبعد مدى يتيحه الظرف الموضوعي، أي إلى تجاوز الأطر الشرعية نهائيا والانتقال بحزم نحو تسليح الجماهير الواسعة وتنظيمها ونحو تحطيم جميع القواقع الدستورية وخلق أولى المؤسسات الثورية الحقيقية أي خلق الفصائل الأولى من الجيش الشعبي المعادي للإمبريالية.

هكذا لم يؤد تفسخ البنى السياسية القائمة إلى ولادة قوة سياسية شعبية يقودها ثوريون بروليتاريون حقيقيون. أي أنه لم يؤد- بعبارة واحدة- إلى ولادة الطريق البروليتاري. كل ما فعله هذا التفسخ هو أنه أتاح لقوى طبقية جديدة مرتبطة بالطريق الرأسمالي القومي أن تفرض نفسها، وأن تقوم بفك الحجز نسبيا عن الانتقال إلى الرأسمالية، الانتقال الذي باتت الطبقة المحلية المسيطرة عاجزة عن القيام به.

ذلك أن شلل الطبقة المُسَيْطِرَة بات يبدو مستعصي الشفاء، يدل على ذلك ما عرفته هيبة الملك من انحدار سريع والضمور الذي أصاب القيم التقليدية التي كانت قوة النظام حتى الحرب. فلقد بدا فقدان الولاء يتزايد اتساعا لمجمل بنيان المراتب وطقوس الاحترام والعادات، وهو البنيان الذي كانت تحمله الأرستقراطية والذي أخذت الحركة الجماهيرية بعد الحرب تكنسه شيئا فشيئا مع إبرازها للعيان ما شهدته الطبقة المسيطرة من أزمة عامة تجلت خاصة في موقفها الذليل أو المتخاذل من الانكليز.

هكذا تفككت منظومة القيم التي كان يرتكز عليها نظام التبعية والاستغلال. وكانت تلك “نهاية عالم”، لم ينحصر إدراك طبيعتها في طبقات الشعب بل تعداها إلى الطبقة المُسَيْطِرَة نفسها التي غرقت، بعد أن فقدت كل دينامية، في الحيرة والانحلال.

واكتمل الإفلاس السياسي للمؤسسات القائمة على مرحلتين، فحاول القصر أولا أن يستخدم الديكتاتورية القمعية ضد الحركة الجماهيرية (حكومة صدقي خاصة) ثم حاول أن يصرف الحركة عن أهدافها الوطنية والديمقراطية باستنفاذ طاقاتها في إطار حرب نظامية ضد دولة إسرائيل.

وكانت هزيمة الجيش النظامي المصري، قبل كل شيء، هزيمة للقصر لم يستطع، بعد ذلك، أن يقوم منها.

ثم جاء الوفد فنال نصيبه من الحكم. وفي مدى عامين قصيرين كان قد لقي الأَمَرَّيْنَ فعلا من الحركة الجماهيرية التي أخذت تزداد اتساعا وعمقا دون انقطاع، انطلاقا من عام 1905. وكانت أقل المبادرات السياسية التي يستدعيها الوضع هي جلاء الانكليز وخروج السلطات الفعلية من يد القصر وإصلاح زراعي يحطم هيمنة الملاكين العقاريين الكبار وانطلاقة صناعية جديدة، أي أن الوضع كان يستدعي، بعبارة أخرى، تحول النزعة القومية في الطبقة المُسَيْطِرَة إلى فرع سياسي متميز قادر على التضحية بمصالح الفروع الأخرى من هذه الطبقة. هذا بالضبط هو ما كانت هذه النزعة عاجزة عنه، وما أخذ يجر الوفد كله إلى الإفلاس بعد أن بات سجين أزمته.

هذه المبادرات السياسية كانت إذن فوق ما تستطيعه أكثر العناصر قومية في قلب الطبقة المُسَيْطِرَة. والذي أظهره الوفد حينذاك هو التوافق الأساسي بين الفروع المختلفة من هذه الطبقة في وجه انطلاقة الحركة الجماهيرية، وخاصة قصور الطبقة المذكورة أعلاه، في مثل هذا الوضع، عن فك الأواصر التي تشدها إلى الملك وعن إعادة النظر في المقام الملكي، أي في مقام الأرستقراطية وفي مراتب السلسلة الاجتماعية وفي قيم الماضي اللا قومية.

(+) العنوان من وضع موقع المناضل- ة

***********

محمود حسين اسم مستعار اختاره الكاتبان المصريان عادل رأفت وبهجت النادي ليتم نشر إنتاجهما الفكري تحته، ولد عادل رأفت عام 1938 في الأسكندرية بينما ولد بهجت النادي عام 1936 في مركز فارسكور في محافظة دمياط.

Print Friendly, PDF & Email