نسوانية لأجل الــ 99% – بيان؛ أطروحة 10. الرأسمالية مناقضة لديمقراطية حقيقية ولسلم حقيقي. جوابنا هو المبدأ الأممي النسواني

بقلم، تشينسيا  أروتسا  Cinzia Arruzza * تيتي باتاشاريا  Tithi Bhattacharya**  نانسي فرايزر  Nancy Fraser***

تكتسي الأزمة الراهنة طابعا سياسيا أيضا. إذ توجد الدول التي كانت تدعي الديمقراطية، وقد أعاقتها المالية العالمية، في مأزق وغالبا ما تخفق في حل أشد المشاكل إلحاحا، غير مكترثة بالمصلحة العامة. ويَنـفَر معظمها من التدخل ضد خطر تغير المناخ، أو من الشروع في إصلاحات مالية؛ هذا إن لم يكبح كليا كل إجراء من شأنه أن يفضي إلى حلول. إن الحكومات الخاضعة للمقاولات الكبرى والمنهكة بالديون يرى فيها مواطنوها، بنحو متزايد، مجرد توابع للرأسمال، وتتبع وتيرة البنوك المركزية والاستثمارات الدولية، وعمالقة المعلوميات، وأباطرة الطاقة وباعة السلاح. فلا عجب، والحالة تلك، في  تخلي ملايين الناس عن الأحزاب والساسة التقليديين أنصار النيوليبرالية، حتى أحزاب يسار الوسط. 

 الأزمة السياسية راسخة الجذور في البنية المؤسسية للمجتمع الرأسمالي.  يقوم هذا النظام بفصل “الشأن السياسي” عن “الشأن الاقتصادي”، و”العنف المشروع” للدولة عن “الضغط الخفي”للسوق.  بهذا النحو، باستبعاد أقسام عريضة من الحياة الاجتماعية من نطاق رقابة ديمقراطية، تقوم الرأسمالية بإخضاعها للمقاولات. وتمنعنا من جراء ذلك، بفعل بنيتها ذاتها، من اتخاذ القرار بشكل جماعي في ما نريد من إنتاج، وكمياته، ونوع الطاقة المستعملة فيه، وطراز العلاقات الاجتماعية لإنتاجه. كما تمنعنا من اختيار كيفية استعمال فائض القيمة الاجتماعي الذي ننتج، ونوع العلاقة التي نبتغي مع الطبيعة والأجيال القادمة، وأي تمفصل نريد بين إعادة الإنتاج الاجتماعية والإنتاج. إجمالا، الرأسمالية معادية للديمقراطية جوهريا. 

 وبموازاة ذلك، لا يمكن لهذا النظام إلا أن يرسم جغرافيا عالمية امبريالية. إذ يسمح للدول القوية بالشمال أن تستهدف الدول الأضعف بخنقها بالديون، وبالنصب عليها باتفاقات تجارية جائرة وبتهديدها بإطلاق تدخلات عسكرية أو بوقف “المساعدة”- ما يعني حرمان قسم كبير من سكان العالم من كل حماية سياسية. جلي أن التطلعات الديمقراطية التي يعبر عنها ملايير البشر في بلدان الجنوب لا تستحق أدنى اعتبار، وتظل عرضة للتجاهل بكل بساطة أو للقمع العنيف. 

يلعب الرأسمال باستمرار على وجهين. من جهة، يستفيد من السلطات العامة بالاستناد على أنظمة تشريعية تحمي الملكية الخاصة وعلى المؤسسات التي تقمع كل معارضة، مع بسط اليد على البنيات التحتية الضرورية للتراكم وعلى هيئات الضبط المكلفة بتدبير الأزمات.  ومن جهة أخرى، يدفع التعطشُ إلى الأرباح، بانتظام، بعضَ أقسام الطبقة الرأسمالية المولعة بالسوق إلى التمرد والتآمر ضد السلطات العامة. عندما يغلبُ هذا الطرازُ من المصالح قصير الأمد البقاءَ على الأمد الطويل، يشبه الرأسمال ثعبانا يعض ذنبه، مهددا بتدمير المؤسسات التي يتوقف عليها. 

 بلغ ميل الرأسمالية إلى التسبب في أزمات سياسية- حتى في لحظاته الأقل تدميرا- ذروته. يستعمل النظام النيوليبرالي الحالي جهراً العتاد العسكري كما سلاح الديون، ويستهدف بوقاحة كل السلطات العمومية والقوى السياسية التي قد تتجرأ على تحديه- ولنا أمثلة في إلغاء الانتخابات والاستفتاءات الرافضة للتقشف، كما في اليونان عام 2015، ومنع من يريد الاقتداء مثل البرازيل في 2017-2018. وشجعت المصالح الرأسمالية الكبرى(عمالقة الصناعة الغذائية وصناعة الأدوية والبترول والسلاح)، بشكل منهجي عبر العالم، الاستبداد والقمع والانقلابات والحروب الإمبراطورية. ويتكشف هذا النظام، بدحضه حتى مطالب أنصاره، عن طبيعة مناقضة هيكليا للديمقراطية. 

 ومرة أخرى، تمثل النساء أولى ضحايا الأزمة السياسية للرأسمالية- وأول من يخوض النضال التحرري. لكن تنصيب مزيد من النساء في قلاع السلطة ليس، بنظرنا، حلا. لقد كنا دوما مستبعدات من المجال السياسي، وبالتالي تعودنا النضال بضراوة لإسماع صوتنا، مثلا فيما يخص التحرش والاعتداءات الجنسية- وهي مواضيع غالبا ما تُبخس وتُنحى إلى المجال “الخاص”.  بيد أنه، وعلى نحو ساخر جدا، غالبا ما تكلمت النخب التقدمية عوضا عنا بتحريف مطالبنا في صيغ مناسبة للرأسمال: تراها تدعونا بهذا النحو إلى التماهي مع النساء السياسيات( مهما قلّت جدارتهن بالاحترام)، وإلى دعمهن في الانتخابات، وتطلب منا الاحتفاء بارتقائهن إلى مواقع السلطة- كما لو كان ذلك خطوة أولى صوب تحررنا. لكن، هل يمكن اعتبار قيام نساء من الطبقة السائدة بالعمل القذر نوعا من النسوانية؟ عندما يقصفن بلدان أخرى ويساندن أنظمة فصل عنصري؟ وعندما ينظمن تدخلات استعمارية جديدة باسم الإنسانوية مع غض الطرف عن الإبادات المقترفة من قبل حكوماتهن الخاصة؟ وعندما يستعملن التقويم الهيكلي والديون و إجراءات التقشف لنزع ملكية سكان لا دفاع لهم؟ 

 الجواب طبعا بالنفي، لأن النساء يتعرضن مباشرة وبقسوة لعواقب الاحتلال الاستعماري والحرب عبر العالم. ويواجهن باستمرار التحرش، والاغتصاب والعبودية، ويعانين من تقتيل أقاربهن وتشويهم الجسدي وكذا تدمير البنيات التحتية التي أتاحت لهن تلبية حاجاتهن وحاجات أسرهن. نحن متضامنات مع هاته النساء- وليس مع داعيات الحرب لابسات التنورات والمطالبات بالتحرر الجنسي وتفكيك أغلال الجندر لشبيهاتهن فقط. ونقول لبيروقراطيي الدولة والمشرفين على التدبير المالي، رجالا ونساء، ممن يدعون تبرير عنفهم بزعم تحرير النساء ضحايا العنصرية نقول: لا ، ليس باسمنا.

ترجمة جريدة المناضل-ة

========   

  • تشينسيا  أروتسا  Cinzia Arruzza : أستاذة فلسفة في New School for social Research  في نيويورك. لها مؤلفات عديدة تستكشف العلاقات بين الاشتراكية والنسوانية.

**  تيتي باتاشاريا  Tithi Bhattacharya:  أستاذة ومديرة برنامج Global Studies  في جامعة بوردو Purdue [انديانا]. تقيم مؤلفاتها تقاطعا بين النظرية الماركسية ومسائل الجندر.

*** نانسي فرايزر  Nancy Fraser: أستاذة الفلسفة والسياسة في  New School for social Research بنيويورك. لها مؤلفات عديدة، وهي إحدى الممثلات الرئيسة للنظرية النقدية  في العالم الناطق بالانجليزية . 

Print Friendly, PDF & Email