النقابية (syndicalisme) في قاموس الحركات الاجتماعية

قاموس  الحركات الاجتماعية تأليف سيسيل بيشو و اوليفيه فيليول و ليليان ماتيو  ترجمة عمر الشافعي.

يشير مفهوم النقابية Syndicalisme)23) في آن واحد إلى الفعل الجماعي في مجال العمل وإلى المنظمات التي تطرح على نفسها هدف الدفاع عن الأشخاص ذوي المصالح المهنية المشتركة. وتوسعا، تحيل النقابية إلى الحركة العمالية حيث تشكل النقابية (أو العمل النقابي) أحد تعبيراتها التاريخية. وتأتي تعددية المعاني التي ينطوي عليها المصطلح من المستويات المختلفة للفعل التي يشير إليها: من نشاط التمثيل والتعبئة وطرح المطالب في مكان العمل، إلى النهج النقابي كحركة جماعية يندرج تطورها في المراحل المختلفة للرأسمالية وفي عملية تشكيل ثم تحويل الدولة الاجتماعية الوطنية. 

وهذا المنظور الثاني هو الذي غالبا ما جرى التركيز عليه للحديث عن النقابية ككل بغض النظر عن الاختلافات التنظيمية- وفهمها كفاعل في مجال علاقات العمل، وكذلك في الفضاء السياسي. وقد أنتج هذا المفهوم تواريخ (جمع تاريخ) عدة للحركة النقابية من خلال إضفاء الاستقلالية عليها بالمقارنة بتعبيرات أخرى عن الاحتجاج الاجتماعي وعبر تركيز التحليل حول أنماط هيكلة العمل النقابي (على الصعيدين الجغرافي والمهني)، والانقسامات الداخلية، وتطور الأعداد، والعلاقة بالأحزاب السياسية، والقدرة على إطلاق الإضرابات أو التأثير على التشريع الاجتماعي. 

نظرية تراجع النقابية 

تفهم النقابية كمجموع منسجم وعالم محدد، ويطرحها دارسوها خلال القرن التاسع عشر كحركة اجتماعية بامتياز، حيث يتفق هذا المنظور التحليلي مع المفاهيم السائدة داخل المنظمات النقابية ذات التوجه الثوري (المنظمات السينديكالية). وبوصفها أداة للطبقة العاملة وتعبيرا عنها، ينظر إلى النقابية كأن لها رسالة شبه طبيعية لتمثيل تلك الطبقة في العلاقة الصراعية التي تضعها في مواجهة مالكي وسائل الإنتاج. وبناء على هذا التعريف، فإن النقابية تنشأ عن علاقات العمل الأجير وتجد مبررها في وجود تضاد بين رأس المال والعمل، يفهم بوصفه تضادا رئيسيا مقارنة بأشكال أخرى من السيطرة. 

والفترة التي شهدت التوسع الكبير للحركة النقابية – لاسيما العقدين 1950-1970 في أوروبا- هي أيضا لحظة فرض إطار تفسيري لمنظمات الحركة العمالية. أ، م أحزاب ونقابات، تنظر عبره تلك المنظمات إلى نفسها باعتبارها مركزية، وتحدد على أساسه تراتبية ما لقضايا النضال وأشكاله. 

وقد أسهمت غلبة هذه المقاربة السوسيولوجية الكلية macro sociological والتاريخية الكلية macro historical للحركة النقابية إسهاما واسعا في التمهيد للخطابات حول تراجع، بل نهاية، هذه الحركة، واقتصار التحليل على تقدير مدى الأزمة التي تمر بها اليوم. وتلتقي هنا عدة تيارات تحليلية في التأثير على هذا المجال البحثي. فمن ناحية، لا تزال النظرية التي طرحها بالأخص آلان توران Touraine Alain حول المأسسة النهائية للنقابية كنتيجة في آن واحد للانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع ما بعد الصناعي من جهة، ولاندماج المنظمات النقابية في نظام العلاقات المهنية من جهة أخرى، لا تزال هذه النظرية تمارس تأثيرا واسعا ,(Dubet et Wieviorka ,Touraine 1984). 

ووفقا لهذه النظرية، فإن النقابية التي كانت فاعلا كبيرا في الصراع المركزي للرأسمالية الصناعية قادرا على حمل مشروع اجتماعي مضاد بينما يشترك مع خصمه المباشر في مجموعة من القيم، مثل قيم التقدم التقني، صارت الآن عقبة أمام ظهور حركة اجتماعية جديدة ولم تعد تؤطر سوى التعبيرات الفئوية الآتية من فئات مهنية اجتماعية “متميزة” داخل القطاع العام. ومنذ قرابة عشرين عاما، راحت هذه الرؤية القائلة بأن النقابية فاعل تجاوزه الزمن، بات مرشحا لأن تحل محله أشكال جديدة من التعبئة، تغذي تعليقات إعلامية كثيرة. 

ويعزز هذه القراءة في فرنسا تيار تحليلي آخر يركز على مقياس أزمة النقابية، وهو مقياس يتمثل في المقام الأول في الأعداد، وعلى تفسير الأسباب الخارجية والداخلية لتلك الأزمة (2004 ,Andolfatto). وينظر في هذا الصدد إلى المعدل الضعيف للعضوية النقابية بين صفوف السكان العاملين (بين 8 و9 منذ بداية تسعينيات القرن العشرين) كتعبير عن استثنائية الوضع الفرنسي. غير أن هذا التركيز على معدل العضوية النقابية يحول دون الالتفات إلى تحليل عميق لمغزى هذا المؤشر في البلدان المختلفة، وإلى صعوبات – تتعلق بالتواصل بين الأجيال وبالقطيعة بين القطاعين الخاص والعام تواجهها أيضا منظمات نقابية أوروبية أخرى (2005 ,pernot)، وبوجه خاص إلى واقع الممارسات النقابية اليومية (2002 ,Hegge et Dufour). وهكذا تتحول البيانات الإحصائية إلى حقائق لا سبيل إلى تجاوزها، الأمر الذي يحد من إمكانيات استخدامها بشكل نقدي. 

عزلة النقابية في مقابل الدراسات عن عمليات التعبئة الجماعية 

أسهم توجه الدراسات نحو مسألة أزمة النقابية وحدها في عزل تلك الدراسات عن الصلات المثمرة بالدراسات المهتمة بعمليات التعبئة الجماعية التي انتشرت في العلوم السياسية الفرنسية بدءا من تسعينيات القرن العشرين. والأدوات المفهومية التي يجري تناولها بالنقاشات النظرية والاختبارات الإمبريقية – حول ريبرتوارات الأفعال، وأطر التفسير، وأشكال الانخراط – تظل مجهولة من قبل أغلب البحوث المهتمة بالنقابية. ويسود ضمن هذه البحوث توجهان كبيران: أولهما هو التاريخ السياسي للاستراتيجيات النقابية وللصراعات الأيديولوجية داخل الأجهزة القيادية؛ والثاني، في المقابل، هو التناول المنفصل عن السياسة ضمن سوسيولوجيا العلاقات المهنية، مع التنظير لأنماط تسوية الصراعات. ولكن إذا كانت سوسيولوجيا النقابية قد ظلت إلى حد كبير غير مهتمة بالتساؤلات الآتية من سوسيولوجيا عمليات التعبئة، فمن الجدير بالذكر أن هذه السوسيولوجيا الأخيرة قد أهملت جزئيا بدورها المجال النقابي. غير أن ظهور منظمات جديدة في التسعينيات، مثل نقابات “تضامن” (DST) التي تضم نشطاء منخرطين في عمليات تعبئة أخرى (للعاطلين عن العمل بوجه خاص)، حاملة لتطلعات ترمي إلى تجديد الممارسات النقابية، قد أسهم في ظهور استقصاءات جديدة. ولكن على الرغم من هذا الاهتمام المتجدد، فإن النقابية تبدو غالبا، بوجه عام، كأنها قارة منكوبة، في حين أنها لا تزال تبعث الحياة في المشهد الاحتجاجي في فرنسا، في ظل وجود حركات مشتركة بين المهنيين تضم في عضويتها ما مجموعه 1,8 مليون شخص قادرة على أن تدفع إلى الشارع ما بين مليون وثلاثة ملايين متظاهر في 1995 و2003 و2006. 

تجديد المقاربات نقابية الحركة الاجتماعية 

أبرز ريك فانتاسيا Fantasia Rick وجوديت ستيفان- نوريس -Stepan Judith Norris معالجة مماثلة في علم الاجتماع والعلوم السياسية الأمريكية. فإذ يتساءل المؤلفان عن قلة اهتمام أخصائيي الحركات الاجتماعية بالنقابية، يسلطان الضوء على تأثير الوضع في الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث ساد نشاط نقابي بالغ المأسسة ومنفصل عن النضالات الاجتماعية، وذلك بوجه خاص بسبب سياق من القمع ومن التأطير التشريعي القوي. ويشيران أيضا إلى أثر بيوجرافي، حيث يميل أخصائيو الحركات الاجتماعية إلى أن يتناولوا، كدراسات حالة، عمليات تعبئة شاركوا فيها (أو يشعرون بأنهم قريبون منها)، وليس النقابية التي تبدو أحيانا كحركة مضادة (-Stepan et Fantasia 2004,Norris). غير أن هذا الوضع قد تغير منذ سنة 1995، بسبب ظهور قطاعات أكثر نضالية داخل الاتحاد النقابي الأمريكي AFL-CIO، وانخراط تلك القطاعات في إعادة تسليط الضوء على النقابية في مجال البحث العلمي. وتؤدي إعادة الاكتشاف النسبية هذه للمجال النقابي إلى التساؤل حول ظواهر التداول، في الممارسات النضالية، بين الحركات الاحتجاجية والحركات النقابية، وحول الطريقة التي أمكن بها للأولى أن تغذي الثانية في سبعينيات القرن العشرين (2006 ,.al et lsaac). 

بدأ إذن تجديد البحوث عن النقابية وعن زوايا مقاربتها، سواء في الإنتاج العلمي الأنجلوساكسوني أو الفرنسي، في ظل فكرة أساسية مفادها اعتماد الأدوات المفهومية المنحوتة من أجل تحليل عمليات التعبئة الجماعية (1997 ,Kelly). ولكن ثمة صعوبة مركزية تتمثل في أن الحركة النقابية تشهد توترا دائما بين ممارسات تعبوية ترمي إلى العلاقات المؤسسية المرتبطة بأنماط ضبط بلورة أفعال جماعية وممارسات تندرج ضمن وتفاوض على الصعيد اليومي (وهذا بعد لا يتعلق في النهاية سوى بعمليات التعبئة التي نجحت في الحصول على الاعتراف بها من قبل السلطات العامة). ويترجم هذا التوتر أيضا في صورة وجود اتجاهات متناقضة داخل النقابات، ما بين ميل إلى اعتماد ممارسات روتينية لمن صاروا موظفين دائمين يحققون لأنفسهم بالتدريج سيرة مهنية ناشطية في مجال العمل النقابي من جهة، وتعبيرات احتجاجية داخلية تطالب بالمزيد من الديمقراطية القاعدية من جهة أخرى. والواقع أن وجود هذه التناقضات، النابعة جزئيا من عوامل بنيوية مثل وجود أجهزة مؤسسية لتمثيل الموظفين في الشركات أو تمثيل الأجراء عل الصعيد القومي، نقول إن وجود هذه التناقضات يجبرنا على عدم تناول المنظمات النقابية كأنها كيانات أحادية. ويشير ريك فانتاسيا إلى أن “أنشطة الحركات الاجتماعية” يمكن أن تنطلق داخل النقابات في مراحل تتسم بدرجة عالية من بقرطة القيادات. فالتيارات الداخلية المنشقة، المستبعدة من الهيئات القيادية للمنظمات أو المحصورة في وضع الأقلية بلا إمكانية للتأثير على القرارات، أحيانا ما تكون لها علاقة مباشرة بكل أشكال الفعل الجماعي وتجد نفسها في وضع مماثل لعمليات التعبئة الناشئة المنوط بها تجميع المتعاطفين ونسج التحالفات بشكل يتجاوز المجال النقابي ذاته. 

البناء الصعب للتضامن والتحالفات

 يحول هذا اللاتجانس القوي في الممارسات النقابية، المرتبط بتنوع المهن والقطاعات وحجم الشركات والمنشآت وكذلك بالمواقف والنضالات القائمة داخل المنظمات، يحول دون أي تعميم متعجل بشأن تغيير ريبرتوار الأفعال المستخدم. ومن المؤكد أن العلاقة بالإضراب – سواء على صعيد الخطاب أو المخيلة المعبأة أو الفعل الملموس- تتيح دوما بوصلة للتمييز بين المنظمات، سواء في مواجهة الشركة أو على الصعيد الوطني. ومع ذلك فإن النقابات أبعد ما تكون عن تمثيل مجموع الصراعات القائمة في عالم العمل، حن إن جزءا كبيرا من الأشكال التي تتخذها تلك الصراعات (التوقف الفجائي عن العمل، الإضراب في مكان العمل، التجمهر، الشكاوى، إرسال الوفود إلى مكاتب الإدارة…) يفلت من كل وساطة تنظيمية. وبعض النقابات لم يعد لها وجود سوى عبر أنشطة التشاور والتفاوض، حيث تشترك من وقت إلى آخر في الدعوة إلى أيام احتجاجية لكنها لا تقوم، أو لم تعد تقوم، بأي عمل تعبوي. ولذا فإن اللجوء إلى شكل من أشكال الخبرة أو بلورة تلك الخبرة تدريجيا (في لجان التفتيش عن الظروف الصحية والأمنية وشروط العمل، ولجان الشركات، ومحاكم العمال) يمكن أن يصبح نشاطا مركزيا، منفصلا بهذا القدر أو ذاك عن المضمون الصراعي. وفي المقابل فإن نقابا – أخرى ذات توجه نضالي معنية بالأساس بترجمة المشاكل التي يعيشها العمال في أماكن العمل إلى مطالب أو بتنظيم الاحتجاج الجماعي، تلجأ هي الأخرى إلى الخبرة وتتبنى طريقة العمل هذه ولكن دون أن تجعل منها محورا ناظما لأنشطتها. وعى سبيل المثال، فإن نقابة “تضامن – قطاع البريد والاتصالات “(SUD-PTT) وغيرها من النقابات داخل اتحاد “تضامن” (Solidaires)، قد انخرطت في مجال الفعل القضائي من أجل الحصول على الاعتراف بطابعها التمثيل. 

وثمة بعد آخر يتعلق بالصعوبة التي تواجهها النقابات حاليا في إنتاج خطاب عن عالم العمل قابل لتوحيد الفئات التي تسعى إلى تمثيلها، وذلك من خلال تعبير هذا الخطاب عن مطالب مشتركة. والحاصل أن ضعف قدرتها عى بناء أشكال تضامنية ملموسة يترجم في صورة إعادة إنتاج، على الصعيد التنظيمي كما على صعيد تكوين النقابات ذاتها، الانقسامات الموجودة داخل صفوف الأجراء أنفسهم (ما بين عمالة غير مستقرة وأخرى ثابتة بحكم اللوائح، ورجال ونساء، وشباب وقدامى…)، وكذلك في صورة الغياب شبه الكامل لإجابات في مواجهة استخدام هذه الانقسامات من قبل الشركات (مثلما يدلل على ذلك حصر الأيدي العاملة الأجنبية – والمهاجرة في بعض قطاعات النشاط). ولذا فإن الأطر التفسيرية المتبلورة داخل المنظمات النقابية بعيدة عن أن تكون صالحة للاستخدام من قبل منظمات أخرى، أو عن أن تبدو كنقاط مرجعية أو ناظمة: بل عل العكس، فإن النقابية هي التي تستعير الآن من حركات أخرى، مثل حركة العاطلين عن العمل، عناصر قابلة لإثراء التمثيل داخل مجال الفعل النقابي الممكن (2005 ,Béroud). ولكن هذه بضعف التنظير لها داخليا. كما أن الخطاب التأثيرات والتحالفات الملموسة تظل تتسم النقابي، المنغلق على نفسه والغارق في مصطلحاته الخاصة، يبدو أيشا هشا إزاء هجمات الليبرالية الاقتصادية في قطاع تسهم فيه قوة الحركة المضادة لأصحاب الأعمال في تقليص نطاق الفعل الممكن وتقييد أفق النضالات. 

صوفي بيرو Beroud Sophie 

إحالات: 

التحليل الماركسي، الحركة المضادة، الإضراب، الإعلام، احتلال المواقع. 

هوامش:

23- في اللغة الفرنسية. كلمة Syndicalisme تشير إلى النقابية أو العمل النقابي عموما. أما في الإنجليزية فإن Syndicalism تشير إلى الأشكال الجذرية من العمل النقابي بينما يطلق مصطلح Unionism Trade على العمل النقابي عموما. ويعود هذا الاختلاف إلى أسباب تاريخية تتمثل في سيادة النقابية الجذرية (التي ارتبطت باسم “السينديكالية”) في المراحل التأسيسية للعمل النقابي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في بلدان أوروبا اللاتينية. ولاسيما فرنسا وإسبانيا. بينما هيمنت النقابية “المعتدلة” في بريطانيا في الفترة ذاتها. ومن ثم جاء التمييز بين المصطلحين في اللغة الإنجليزية. ونحن هنا نستخدم مصطلح “السينديكالية” للإشارة إلى الأشكال الجذرية من النقابية المترجم. 

24- نقابات SUD (متضامنون. متحدون، ديمقراطيونDémocratiques Unitaires Solidaires) نشأت في فرنسا ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين خارج الاتحادات النقابية الخمسة المهيمنة على العمل النقابي، وشكلت اتحادا نقابها جديدا عمل على تعزيز النضالية والديمقراطية النقابية المترجم 

Print Friendly, PDF & Email