أكتوبر 1917: النساء في الثورة
بقلم؛ ريجين فينون Régine Vinon
هزت الثورة الروسية، على غرار الثورات كلها، أركان المجتمع من أساسه. وجرى قلب العلاقات الاجتماعية بنحو جذري: العلاقات بين الطبقات، بطبيعة الحال، وكذلك العلاقات بين الرجال والنساء. وقد أدت النساء، كما هو الحال غالبًا في لحظات التاريخ الحاسمة، دورًا رئيسيًّا. ومع ذلك، نادرًا ما يُشار إليهن، لأن التاريخ لا يزال في كثير من الأحيان يقتصر على «الرجال العظماء»…
أدت النساء دورًا في جميع مراحل النضال ضد النظام القيصري: محو الأمية في الريف على يد شابات برجوازيات تأثرن بوضع الفلاحين، و زرع القنابل في حقبة التوجه العدمي، والمناضلات الاشتراكيات والشيوعيات. وقد شاركت العديد منهن مشاركة تامة في التيار الهائل الذي اجتاح في العام 1917 القيصر ونظامه. وتعد شخصيات مثل ألكسندرا كولونتاي، أول وزيرة في العالم، وإينيسا أرماند، أو لاريسا ريزنر، من أشهر هؤلاء المناضلات، لكنهن لسن استثناءات بأي حال من الأحوال. فخلفهن، كان ثمة الآلاف غيرهن. « يتوقف نجاح أي ثورة على مستوى مشاركة النساء»، كما قال لينين. وكان هذا الحال في روسيا، حيث بذلت الثورة قصارى جهدها لتغيير حياة النساء بسن تشريعات كانت الأكثر تقدمًا في العالم الغربي بأسره آنذاك. ولم يتم تحقيق إنجازات مثل الحق في الإجهاض في فرنسا إلا… بعد 58 عامًا من الثورة الروسية !
وضع النساء في مطلع القرن العشرين
فيما كان وضع العمال والفلاحين مأساوياً في البلد، كانت النساء الروسيات يعانين فضلا عن ذلك من وطأة مجتمع ريفي ذكوري، حكمه نظام القنانة لقرون، ولم يُلغَ إلا في العام 1861. وكانت الكنيسة الأرثوذكسية، ذات النفوذ الكبير، تعتبرهن كائنات أدنى. كان الأمية تصيب ثلثيهن، وكان مصيرهن داخل الأسرة نفسها مروّعاً: فقد كان ضرب النساء أمراً مقبولاً تماماً وموصىً به، حيث كان القانون يجيزه صراحةً. ومن الرموز التي تقول الكثير، أن التقاليد كانت تقضي بأن يسلم الأب السوط إلى صهره يوم الزفاف.
وفي المصانع، التي شهدت تدفقًا للعمالة النسائية في مطلع القرن العشرين، كان مصير النساء مزريًّا بشكل خاص: «لا يمكن للمرأة الحامل أن تترك عملها إلا عندما تشعر بأول انقباضات المخاض، وعليها العودة إلى العمل في اليوم التالي للوضع، وإلا تعرضت لغرامة أو للفصل من العمل. «1 وبالطبع لم تكن ثمة إجازة أمومة، وكانت 30 ألف امرأة يمتن كل عام أثناء الوضع، دون أي رعاية طبية. في العام 1894، عقب إضرابات، وعدت الحكومة القيصرية بإتاحة قابلة في جميع الشركات التي تضم أكثر من مائة امرأة، بالإضافة إلى مكان للولادة داخل المصنع، ولكن مثل العديد من القوانين الأخرى، تم التحايل على هذا القانون من قبل أرباب العمل. تتقاضى النساء في المتوسط أجرًا أقل بنسبة 50% من الرجال، ويعملن من 11 إلى 12 ساعة يوميًا، وغالبًا ما يعملن أكثر من ذلك بكثير. وستشارك العاملات بشكل متزايد في النضالات النقابية والسياسية: إبان الإضرابات الاقتصادية التي جرت في سان بطرسبرغ بين العامين 1894 و1896، وفي أثناء إضراب قطاع النسيج التاريخي في العام 1896، أضربت العاملات والعمال معًا بالإجماع. أجبر أسبوع من الإضراب الحكومة على تحديد مدة يوم العمل بـ 11 ساعة ونصف.
برزت النساء لأول مرة، في منتصف القرن التاسع عشر، في الطبقات العليا من المجتمع. يقدم كتاب جان-جاك ماري، «النساء في الثورة الروسية»، صورة لفتيات منتفضات على التفاوتات الهائلة في ظروف المعيشة، كنّ يختنقن تحت وطأة النظام الأبوي، وتركن راحة حياتهنّ المترفة ليكرسن أنفسهنّ، بطريقة أو بأخرى، لتغيير المجتمع أو على الأقل تحسينه. إذ اتجه بعضهن إلى الريف في محاولة لتعليم الفلاحين القراءة والكتابة، بينما أصبحت أخريات مفجرات قنابل، مثل فيرا فيغنر، التي اغتالت القيصر ألكسندر الثاني عام 1881 وقضت 20 عامًا في سجن الأشغال الشاقة، أو صوفيا بيروفسكايا، التي نظمت هذا الاغتيال وكانت أول امرأة روسية تُشنق لأسباب سياسية. أو حتى فيرا زاسوليتش، التي أطلقت النار على محافظ بطرسبرغ عام 1878.
إلا أن انخراط النساء في النضال السياسي والاجتماعي ترسخ ابتداءً من ثورة عام 1905.
1905، الانعطاف
في 9 يناير، المعروف أيضًا باسم «الأحد الأحمر»، أطلق الجيش النار على حشد هائل من المتظاهرين السلميين، من بينهم العديد من النساء والأطفال، الذين جاءوا لتسليم عريضة إلى العاهل. وكانت المظاهرة، التي اتخذت شكل موكب، تطالب القيصر بأدب بإعادة توظيف المناضلين العماليين المفصولين بسبب الإضراب، فضلاً عن تحسين ظروف العمل، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وإلغاء الرقابة. خلف إطلاق النار آلاف القتلى والجرحى على أرصفة الشوارع. ساهم هذا القمع الأعمى بشكل كبير في توعية الغالبية العظمى من الناس، وشكّل بداية ثورة أكتوبر 1905، التي شاركت فيها النساء بأعداد هائلة.
في السنوات التالية، ظهر التمييز بين النسويات البرجوازيات والنسويات العاملات. لم تكن للنساء، بغض النظر عن وضعهن الاجتماعي، أي حقوق، وكانت النساء من الأوساط المثقفة والمتميزة عازمات على تغيير هذا الوضع. ووجدت مطالبهن صدىً لدى جميع شرائح النساء. ولهذا السبب، ناضل الاشتراكيون الديمقراطيون، سواء المناشفة أو البلاشفة، بنشاط لتوجيه جزء من العمل الدعائي الاشتراكي نحو النساء. ولا بد من الإشارة إلى أنه كان ثمة تأخر يجب تداركه، لأن مسألة تفاوت حقوق النساء والرجال كانت قد أُهملت لفترة طويلة داخل منظمات الحركة العمالية، التي كانت بالغة الطابع الذكوري ، بل إنها كانت تنظر في البداية بعين الريبة الشديدة إلى تدفق العمالات إلى المصانع بأعداد كبيرة — وهي ظاهرة شائعة في جميع أنحاء العالم.
في العام 1907، تأسست «جمعية المساعدة المتبادلة للعمالات»، التي كُلفت بإقناعهن بالانضمام إلى الأحزاب والنقابات العمالية. وشاركت الجمعية في المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات في شتوتغارت، الذي كان مسرحًا لمواجهة مفتوحة بين المواقف والأساليب السياسية المختلفة. نجحت كلارا زيتكين2، إحدى رموز الحركة النسوية الماركسية الألمانية، في تمرير قرار يؤكد أن على الأحزاب الاشتراكية التابعة للأممية الثانية واجب النضال من أجل حق المرأة في التصويت، موضحةً أن حق التصويت ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز النضال ضد هيمنة الطبقة السائدة وضد الملكية الخاصة، وذلك بفضل حضور البروليتاريا النسائية.
تحت ضغط لينين، تم إصدار مطبوعة خاصة للنساء البروليتاريات: العاملة (رابوتنيتسا)، صدر عددها الأول في العام 1914. ومع إرسال العديد من الرجال للقتال على الجبهة، شغلت النساء والأطفال وظائفهم على نطاق واسع. وبدأت طبقة جديدة من العاملات تدرك حقيقة الاستغلال الرأسمالي. بل إن مظاهرة نسائية هي التي أدت إلى سقوط النظام القيصري.
الثورة ومكاسبها
في مطلع العام 1917، أصبح الوضع لا يطاق بسبب الحرب: مع نفاذ مخزونات الغذاء، اضطرت النساء إلى الوقوف لساعات طويلة قبل الذهاب إلى العمل للحصول على القليل من الطعام. حتى الشرطة نفسها وصفت الوضع بأنه متفجر. وفي هذا السياق، احتُفل باليوم العالمي للمرأة في 23 فبراير (8 مارس حسب تقويمنا) عام 1917. أدى إضراب عفوي لعمالات النسيج في أحد أحياء سان بطرسبرغ إلى انضمام عمال التعدين في المصانع المجاورة إليهن. واضطرت الأحزاب الثورية، المترددة في البداية لاعتقادها بأن المضربين/ات يتجهون نحو مذبحة، إلى الانضمام إلى الحركة التي كانت تتوسع يوماً بعد يوم. وفي غضون أيام قليلة من المظاهرات، انهار النظام القيصري.
ثم جاءت ثورة أكتوبر التي أوصلت البلاشفة إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين، أصبح بإمكانهم تطبيق سياستهم الرامية إلى تحرير المرأة.
حققت الثورة الروسية في غضون فترة قصيرة جدًا المطالب التي دافعت عنها النسويات في جميع أنحاء العالم. توالت المراسيم المتعلقة بالمرأة منذ بداية استيلاء البلاشفة على السلطة: ألغي الزواج الديني في متم العام 1917 ، وأصبح الزواج مجرد إجراء مدني. يحصل جميع الأطفال على نفس الحقوق، سواء كانوا «شرعيين» أم لا. ويتم الطلاق بالتراضي. وأُعلن عدم تدخل الدولة والمجتمع في العلاقات الجنسية بين الأفراد، إلا في حالات العنف. وبالتالي، لم يعد الزنا والمثلية الجنسية يعتبران جرائم.
اختفت سلطة رب الأسرة من القانون المدني. وبررت ألكسندرا كولونتاي ذلك بالقول: «لا توجد أخلاق في الطبيعة. لا ينبغي أن تكون العلاقات الجنسية مدعاة للخجل، ولا خطيئة. إنها مظهر من مظاهر الطبيعة، مثل الأكل والشرب». وقد وفرت الحكومة شبكة من الحضانات ورياض الأطفال. وفي يناير 1918، أُنشئت رسمياً «إدارة حماية الأمومة والطفولة». وتكلفت هذه الهيئة بضمان المساعدة للنساء الحوامل والأمهات الشابات، ومراقبة الالتزام بالتشريعات. وتنص التشريعات، على وجه الخصوص، على إجازة أمومة مدتها 16 أسبوعًا، وإعفاء الحوامل من الأعمال الشاقة للغاية، وحظر نقل الحوامل جغرافيًّا أو فصلهن من العمل، وحظر العمل الليلي للحوامل أو اللواتي أنجبن مؤخرًا، وإتاحة الوصول إلى عيادات مخصصة للأمومة، وعيادات الاستشارة، ودور الحضانة.
عُيّنت ألكسندرا كولونتاي مفوضةً للشؤون الاجتماعية ضمن مجلس مفوضي الشعب. وأصدرت عدة مراسيم تمنح حقوقاً جديدة للنساء: تنظيم ساعات العمل، لا سيما بالنسبة للنساء والشباب الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً، الذين لا يجوز لهم العمل ليلاً. أصدر مرسوم في يونيو 1918 إجازة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين، وهي الميزة التي لم تحصل عليها الطبقة العاملة الفرنسية إلا في عام 1936!
أبطل قانون الأسرة الجديد المعتمد في العام 1918 قروناً من السلطة الأبوية والكنسية ليرسي مبدأً جديداً قائماً على الحقوق الفردية وتساوي الجنسين. كان على النساء الحوامل الإفصاح عن وقت الحمل واسم وعنوان الأب، وإذا كن قد مارسن الجنس مع عدة رجال في ذلك الوقت، فإن القانون يفرض على جميع هؤلاء واجب إعالة الطفل. وأُلغي حق الميراث. وقام النظام العمالي، في أواخر العام 1920، بإضفاء الشرعية على الإجهاض وجعله متاحًا مجانًا. أما فيما يتعلق بالسكان المسلمين في روسيا، فقد قرر المؤتمر المخصص لهم إلغاء تعدد الزوجات، وحظر زواج الفتيات الصغيرات، وإنهاء إلزامية ارتداء الحجاب.
تصور الأسرة
كانت جميع هذه التدابير الرامية إلى تكريس المساواة القانونية بين النساء والرجال تستند إلى تصور اجمالي للأسرة. وكان المفهوم السائد هو أن الأسرة ستتجه إلى الزوال، شأنها شأن الدولة، في مجتمع خالٍ من الطبقات ومتحرر من الاستغلال. كان لدى البلاشفة هنا الفرصة لتطبيق أفكارهم عملياً. فمنذ زمن بعيد، فكر مناضلو الحركة العمالية ومناضلاتها في وضع الأسرة والمرأة. وقد كتب ماركس وإنجلز وبيبل الكثير عن الأسرة البرجوازية والبروليتارية، وربط جميع هؤلاء المفكرين تحرر المرأة بنضالات البروليتاريا. كانت شخصية مثل ألكسندرا كولونتاي، وهي قيادية بلشفية، تضع دائمًا نصب عينيها هدف ربط تحرر النساء العاملات بنضال طبقتهن الاجتماعية بأسرها من أجل إطاحة الرأسمالية.
كان الشيوعيون يدركون أن اضطهاد النساء نتيجة لتقسيم المجتمع إلى طبقات اجتماعية، وأن إنهاء هذا الاضطهاد لا يمكن أن يُفرض بمجرد قرار. ولكي يتوقف هذا الاضطهاد، لا بد من تتاح للنساء وسائل تحررهن، بالتمكن من إضفاء الطابع الاجتماعي على المهام المنزلية. كان لينين يشير إلى «العمل الأقل إنتاجية والأكثر مشقة الذي تقوم به المرأة» في الوحدة الاقتصادية الصغيرة المتمثلة في الأسرة. كان يجب، كما قالت كولونتاي، من «ابدال المطابخ الخاصة بمطابخ جماعية، وأن تصبح الخياطة والغسيل والتنظيف، على غرار التعدين أو صناعة المعادن، فروعاً للاقتصاد.» وأضافت: «الأسرة عديمة الفائدة بل ومضرة من الناحية الاقتصادية.»
كان ماركس وإنجلز قد وصفا الأسرة، قبل ذلك بوقت طويل، بأنها شكل اجتماعي متغير يتوافق مع نمط إنتاج معين. وكانا يقولان إن النظام الرأسمالي يلقى العبء المالي لتربية الأطفال وإعالة الأسرة، بكامله تقريبا، على عاتق الوحدات الأسرية للعمال، التي تعتمد بشكل أساسي على الأجور من أجل بقائها، بدلاً من أن تتحمل الحكومة أو الطبقة الرأسمالية هذه النفقات الاجتماعية. كما أدى ظهور الأسرة البروليتارية إلى التمييز بوضوح بين طبيعة القمع الذي تعاني منه النساء في الطبقات المختلفة؛ فدور نساء الطبقات السائدة هو إنجاب النسل الذي سيرث ثروة العائلة، في حين أن وظيفة نساء الطبقة العاملة هي الحفاظ على أجيال العمال الحالية والمستقبلية داخل أسرهن، أي إعادة إنتاج قوة العمل للنظام الرأسمالي.
على عكس النسويات اللائي يرغبن في تقاسم العمل المنزلي داخل الأسرة، أراد البلاشفة إخراجه من هذا الإطار ونقله إلى المجال العام، بما في ذلك تربية الأطفال. وعندما يتحقق كل ذلك، ستصبح الأسرة عديمة الفائدة وستتلاشى، مثل الدولة. عندئذٍ سيتحرر الحب من قيود الأسرة، وسيتم الاتحاد بين شخصين بحرية.
في مؤتمر العاملات والريفيات عام 1918، طرحت إينيس أرمان، المناضلة ذات الأصول الفرنسية التي انضمت إلى البلاشفة، المشكلة على النحو التالي، في عرض تقديمي حول تحرير النساء من العبودية المنزلية: «في ظل الرأسمالية، كان على المرأة العاملة أن تتحمل عبءً مزدوجًا يتمثل في العمل في المصنع والأعمال المنزلية في البيت. فلم يكن عليها فقط أن تغزل وتنسج لصالح صاحب المصنع، بل كان عليها أيضًا أن تغسل وتخيط وتطبخ لأسرتها… لكن الوضع اليوم مختلف. فالنظام البرجوازي في طريقه إلى الزوال. نحن نقترب من فترة بناء الاشتراكية. يتعين علينا، من أجل إبدال آلاف وملايين الوحدات الاقتصادية الفردية الصغيرة، والمطابخ البدائية وغير الصحية وغير المجهزة جيدًا، وحوض الغسيل غير المريح، إنشاء هياكل جماعية نموذجية، ومطابخ جماعية، ومقاصف جماعية، ومغاسل جماعية. « وتوضح أنه في ظل الاشتراكية، فإن المرافق الجماعية « لن تتولى مسؤوليتها النساء العاملات اللواتي ستُستغل مهاراتهن المنزلية، بل أشخاص مُعيَّنون خصيصًا لهذه المهام المحددة. »
وبعد ذلك بوقت قصير، كتبت عن المؤتمر ومناقشاته: «إذا تم طرح قضايا مثل حماية الأمومة والطفولة في المؤتمر، فليس ذلك لأن النساء العاملات لا يهتمن إلا بهذه المشاكل دون غيرها. وإلى أن نتخلص من الأشكال القديمة للأسرة والحياة المنزلية وتربية الأطفال، يستحيل خلق الفرد الجديد، ويستحيل بناء الاشتراكية.»
كان البلاشفة يعتبرون، وفقًا لعبارة سيستخدمها تروتسكي لاحقًا، أن « تحرر المرأة الحقيقي مستحيل في ظل تشريك البؤس» 3.
إشراك النساء
كانوا يدركون جيدًا أن ثمة حاجة، بالإضافة إلى القوانين، إلى تغيير جذري لمكانة المرأة في المجتمع، لا سيما بمنحها إمكان المشاركة في إنتاج الثروة. وكما أكدت ألكسندرا كولونتاي في عام 1921: «إن أهم عمل ثوري هو إدخال العمل الإلزامي للرجال والنساء البالغين. وقد أحدث هذا القانون تغييرًا غير مسبوق في حياة المرأة. لقد غيّر دور المرأة في المجتمع والدولة والأسرة، بشكل أعظم أهمية بكثير من جميع المراسيم الأخرى الصادرة منذ ثورة أكتوبر والتي منحت المرأة المساواة السياسية والمدنية». يهدف الحزب إلى إدخال النساء، سواء كنّ عاملات أو فلاحات أو ربات بيوت أو موظفات، في جميع المنظمات المرتبطة بالسوفييتات. يجب انتخاب النساء على جميع المستويات. ويطالب المناضلات بالذهاب لإجراء الدعاوة بين النساء بالاشتغال عاملات في محاولة لتغيير العادات.
ووفقًا لعبارة لينين الشهيرة ، «يجب على كل طاهية أن تتعلم إدارة الدولة»، فإن الهدف هو إشراك النساء في جميع مستويات صنع القرار. يكتب لينين، في مقال نُشر في صحيفة «برافدا» عام 1920:»يجب أن تشارك العاملات بشكل أكبر في الانتخابات (…) نحن نريد أن تحقق العاملة المساواة مع العامل، ليس فقط أمام القانون، بل في الحياة أيضًا. ولهذا الغرض، يجب أن تشارك العاملات بشكل متزايد في إدارة المؤسسات العامة وإدارة الدولة (…) لذا انتخبن المزيد من العاملات الشيوعيات أو غير المنتميات لأي حزب في السوفييت» . وخلص قائلاً: «لن تتمكن البروليتاريا من تحرير نفسها تماماً دون أن تمنح النساء الحرية الكاملة. »
التحكم الستاليني
أدى انحطاط الاتحاد السوفيتي وترسخ البيروقراطية إلى التراجع عن العديد من مكاسب الثورة، لا سيما تلك المتعلقة بالمرأة. في عام 1936، وهو العام الذي بدأت فيه محاكمات موسكو، حظرت الديكتاتورية الستالينية الإجهاض. كما أصدرت مرسوماً بزيادة رسوم الطلاق. فمن الضروري «حماية الأسرة السوفياتية الجديدة» ومحاربة ما يسميه البيروقراطيون «موقفًا متساهلًا ومهملًا إزاء الزواج».
كان لهذا الانحطاط الستاليني عواقب على جميع أحزاب الأممية الشيوعية. فلم يقتصر الأمر على تحولها إلى مجرد منفذين للسياسة المضادة للثورة التي تمليها الدبلوماسية الستالينية، بل تبنّت أيضًا الأفكار الرجعية بشأن النساء، اللواتي دُعين إلى الإنجاب والاعتناء بأسرهن. في فرنسا، تخلّى الحزب الشيوعي عن جميع النضالات التي كان من الممكن أن تجعله حزبًا ثوريًّا، ومن بينها نضال النساء من أجل تحررهن. ومع ذلك، عارض الحزب الشيوعي الفرنسي، عند تأسيسه، قانون عام 1920، الذي كان يحكم على من يجرين عمليات الإجهاض ومن يخضعن لها باعتبارهن مجرمات. في تلك السنوات، لم يكن الحزب الشيوعي المرتبط بالثورة الروسية يخشى الدفاع عن وسائل منع الحمل، والحق في الإجهاض، وإتاحة الفرصة للنساء للترشح للانتخابات. وهكذا، في عام 1924، انتُخبت الناشطة العمالية جوزفين بنكاليه على قائمة شيوعية في المجلس البلدي لمدينة دوارنيز، في مقاطعة فينيستير. و ذلك في وقت لم يكن فيه للنساء حق التصويت ولا حق الترشح.
يشرح تروتسكي، في فصل من كتابه الثورة المغدورة، بعنوان « ثيرميدور في المنزل »، سبب عدم حدوث تحرر المرأة : «كان من المفترض، في أذهان الثوريين، أن يحل محل الأسرة — التي تُعتبر مؤسسة صغيرة مغلقة — نظام متكامل من الخدمات الاجتماعية: دور رعاية الأمومة، وحضانات، ورياض أطفال، ومطاعم، ومغاسل، وعيادات، ومستشفيات، ومصحات، ومنظمات رياضية، ودور سينما، ومسارح، وما إلى ذلك. كان من المفترض أن يؤدي استيعاب المجتمع الاشتراكي الكامل للوظائف الاقتصادية للأسرة، الذي يربط جيلاً بأكمله بروح التضامن والمساعدة المتبادلة، إلى منح المرأة، وبالتالي الزوجين، تحرراً حقيقياً من نير العصور الوسطى. وطالما لم يتم إنجاز هذا العمل، فستظل أربعون مليون أسرة سوفيتية، في غالبيتها العظمى، فريسة للعادات العصور الوسطى، واستعباد المرأة وهستيريتها، والإهانات اليومية التي يتعرض لها الطفل، والخرافات التي يعاني منها كل منهما. وفي هذا الصدد، لا مجال لأي أوهام. ولهذا السبب بالتحديد، فإن التغييرات المتتالية في وضع الأسرة في الاتحاد السوفيتي هي التي تميز بشكل أفضل الطبيعة الحقيقية للمجتمع السوفيتي وتطور فئاته الحاكمة. »
1.Jean-Jacques Marie, « Les Femmes dans la révolution russe », Seuil, 2017.
2.Clara Zetkin est à l’origine, avec Alexandra Kollontaï, de la Journée internationale des femmes . La première eut lieu le 19 mars 1911.
3.« La Révolution trahie », 1936.
·المصدر: https://lanticapitaliste.org/opinions/histoire/les-femmes-dans-la-revolution
مراجعة الترجمة الآلية: جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

