تقديم كتاب المد الجماهيري للمناضل عبد الخالق الحمدوشي

الثورة21 أكتوبر، 2026

نادرا ما ينكب مناضل على عرض مساره، وما تضمن من تجارب، بمنظار الفحص والتقييم، لنقل الفائدة في شكل استنتاجات. هذا ونحن في منعطف تواري جيل من مؤسسي تجربة اليسار الجذري في سنوات 1970 ومن واصلوا البناء في سنوات 1980.
الأعظم قيمة هي تجارب من انخرطوا في معارك عمالية وشعبية، ومنظماتها، ما أتاح لهم فهم ديناميتها من داخل. هذا اعظم فائدة من كلام قادة الدواوين الوادعة، وممتهني السياسة “الراقية”.
وفضلا عن هذا ثمة احيانا ميل إلى التمجيد وإضفاء طابع أسطوري واتخاذ الذات محورا للمروية، وحتى اختلاق بطولات لحجب حقيقة التطفل على ميدان النضال واقتناص المغانم.
ولا شك ان كتاب الرفيق حميد مجدي بعنوان
المخاض النقابي والسياسي العسير.. 1999 – 2013، ورزازات تتحدث بـ ‘لسان حالها’ عن المغرب”.
نمودج حي لما يحتاجه المناضلون والمناضلات .
مواكبة لما يجد في هذا الميدان ننشر تقديم الرفيق حسن الصعيب لكتاب عبد الخالق الحمدوشي ” المد الجماهيري “

ولنا عودة إلى الموضوع

جريدة المناضل-ة

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

تقديم:

يصدر هذا الكتاب في ظرفية سياسية واقتصادية حساسة، حيث تعرف الأوضاع الاجتماعية تدهورًا ملحوظًا، ويشهد السخط الشعبي تصاعدًا غير مسبوق على السياسات العمومية المطبقة التي تظل خاضعة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. في هذا السياق، يحمل عنوان “المد الجماهيري” إشارة قوية إلى مسار نضالي طويل، تجسد في حياة المناضل عبد الخالق الحمدوشي، الذي اختار أن يكون صوتا مكافحا في وجه التحديات الاجتماعية والسياسية.

ولد الحمدوشي في مدينة العرائش بالمدينة القديمة قبل أن ينتقل في السبعينات إلى حي لاروسيا، الذي كان يعد نقطة التقاء ثقافي وديني مميز. في هذا البيئة المتعددة الروافد، عاش نشأته التكوينية، وشارك في العديد من الأنشطة الثقافية والاجتماعية، مثل جمعية “أميج” والكشاف المغربي، مما ساعده على تشكيل وعيه المبكر بالقضايا المجتمعية والسياسية.

تعدّ تجربة عام 1979 من أبرز المحطات المفصلية في حياة الحمدوشي، حيث تم اعتقال أستاذه في مادة اللغة العربية، أخزان محمد، على خلفية إضراب التعليم. هذه الحادثة أثارت تساؤلاته حول واقع البلاد السياسي والاجتماعي، وساهمت في تشكيل نظرته الثاقبة للأوضاع الداخلية للمغرب آنذاك.

وفى عام 1984، كان لحركة “انتفاضة الخبز” أو “انتفاضة كوميرا” دور حاسم فى مسار نضاله حيث شارك بحماسة ضد غلاء المعيشة والسياسات الاقتصادية المجحفة، ليجد نفسه في قلب الحراك الشعبي الذي كان يسعى للتغيير الاجتماعي.

خلال الثمانينات، انخرط الحمدوشي بشكل رسمي في العمل النقابي داخل الاتحاد المغربي للشغل، ليواصل مسيرته في الدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية. في ظل الاستغلال والظروف القاسية التي عايشها عمال المقاهي والفنادق، وخصوصا البحارة في ميناء العرائش، قاد حملات نقابية واجتماعية لرفع معاناتهم إلى الواجهة. رغم القمع الذي تعرضت له النقابات المستقلة من السلطات، استمر الحمدوشي في كفاحه متمسكا بمبدأ أن العمل الجماهيري هو السبيل الفعّال لتحقيق التغيير.

في التسعينات، شهدت مدينة العرائش تجددا للحراك الجماهيري والنقابي، حيث ظهرت إطارات حقوقية وديمقراطية ساهمت في إحياء الروح النضالية. استمر الحمدوشي في مسيرته السياسية من خلال انخراطه في النهج الديمقراطي، ليكون جزءًا من تجديد العمل الجماهيري والنقابي في المدينة.

كانت حركة 20 فبراير عام 2011 من أبرز المحطات في مسار نضال الحمدوشي، حيث لعب دورًا محوريًا في تنظيم جماهير العرائش لمواجهة سياسات القمع والتفقير التي كانت تمارسها السلطة. بفضل خبرته السياسية وحنكته النضالية، ساهم في الحفاظ على وحدة الحركة الجماهيرية وضمان استمراريتها في مواجهة التحديات التي كانت تهدد استقرارها.

عبد الخالق الحمدوشي ليس مجرد مناضل سياسي ونقابي، بل هو نموذج حي للتطور السياسي والاجتماعي في مدينة العرائش. لقد شكلت تجاربه النضالية جزءًا أساسيًا من تاريخ الحركة الجماهيرية في المدينة، إذ ظل طوال مسيرته مدافعا عن حقوق الفئات المهمشة وملهما للأجيال الجديدة في مواصلة النضال ضد الظلم الاجتماعي والسياسي.

من خلال انخراطه الأول في تجميع قوى اليسار الجذري، تمكن من التعرف على قادة ثوريين بارزين مثل شباري عبد المومن، والخمليشي بوبكر، والمصطفى براهمة الذين شكلوا إضافة مهمة لرؤيته السياسية. وقد أسهمت النقاشات الطويلة والمثمرة مع هؤلاء القادة في بلورة خط سياسي يمزج بين الاستفادة من تجارب المناضلين الثوريين وابتكار رؤى جديدة ومبدعة عن واقع مدينة العرائش ومدن الشمال المغربية عامة.

إن كتاب “المد الجماهيري” ليس مجرد سيرة ذاتية لعبد الخالق الحمدوشي، بل هو أيضًا استعراض عميق لتاريخ النضال الاجتماعي والسياسي في المغرب. من خلال تجربته الغنية يسهم الحمدوشي في توجيه الحركة الجماهيرية نحو تحقيق أهدافها العادلة، ويستمر في إلهام الأجيال القادمة للاستمرار في نضالهم ضد الظلم الاجتماعي والسياسي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا