فن التعلم من الاختلاف في الممارسة النقابية والنضالية: عندما يصبح النقد قوّة للتنظيم، والاختلاف رافعة للنضال..
تفتح جريدة المناضل-ة منبرها للرأي والاجتهاد، وتنشر للرفيق عبد النبي العفوي مقالاً بعنوان “فن التعلم من الاختلاف في الممارسة النقابية والنضالية: عندما يصبح النقد قوّة للتنظيم، والاختلاف رافعة للنضال”. ويعبّر المقال عن رأي صاحبه.
وترى الجريدة أن هذا النقاش لا يقتصر على التنظير، بل يساهم في بناء حركة نقابية ديمقراطية قادرة على الصمود والكفاح. فلا تقاس قوةُ التنظيم بصمت أعضائه، بل تقاس بقدرته على تحويل الاختلاف إلى وعي جماعي، والنقد إلى أداة تطوير، والتجربة إلى معرفة نضالية، وذاكرة جماعية.
لذلك تدعو جريدة المناضل-ة المناضلين والمناضلات، من مختلف التجارب والمواقع، إلى التفاعل مع هذا المقال، ومساءلته، وإغنائه، والمساهمة في بلورة أدوات نضال ديمقراطية وكفاحية تخدم مصالح الشغيلة وتصون كرامتها.
جريدة المناضل-ة
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بقلم، عبد النبي العفوي
تحية نضالية صادقة، تزداد عمقا ورسوخا كلما تجذرت التجربة، وتراكمت الدروس، واتسعت آفاق الوعي والممارسة.
ارتكازا على ما راكمته من تجربة نقابية ونضالية داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، منذ سنة 1980 بإقليم فجيج-بوعرفة، وما أتاحته لي هذه المسيرة من احتكاك مباشر بقضايا الشغيلة بقطاع التعليم و مختلف القطاعات العمالية و بالجماهير الشعبية، ومواكبة لمختلف محطات الفعل النقابي، وتأمل في تحديات التنظيم ومقتضيات الديمقراطية الداخلية، وما تفرضه الممارسة النضالية من توازن دقيق بين وحدة الصف واحترام الاختلاف، وبين الالتزام بالمبادئ والاستعداد الدائم لمراجعة المواقف وتصحيح الاختلالات؛ أقدم لكم و لكن هذا المقال، الذي يتناول “فن التعلّم من الاختلاف”، انطلاقا من المقولة المنسوبة إلى هيجل: “تعلّم من الأفكار التي لا تعجبك”. وهي مقولة أستحضرها هنا ليس باعتبارها مجرد حكمة فلسفية للتأمل، وإنما باعتبارها مدخلا للتفكير في واقعنا النقابي والنضالي، وفي الكيفية التي يمكن بها تحويل الاختلاف من مصدر للتوتر والاستنزاف إلى رافعة للتكوين والتجديد، وتحويل النقد من مناسبة للدفاع عن الذات إلى فرصة لتطوير الممارسة، وجعل الانخراط التنظيمي فعلا واعيا ومسؤولا، قوامه المشاركة والمبادرة والتضامن والدفاع الجماعي عن الحقوق والكرامة.
إنها محاولة لفتح نقاش فكري وتربوي ونضالي حول ثقافة الاختلاف، وأهمية النقد الذاتي، وشروط بناء تنظيم نقابي ديمقراطي متجدد، قادر على الإنصات إلى قواعده، واستثمار تنوع تجارب مناضلاته ومناضليه، وتطوير أدواته وأساليبه بما يخدم مصالح الشغيلة وتطلعاتها.
فالتجربة، مهما امتدت سنواتها، لا تكتمل قيمتها بما تختزنه من ذكريات فحسب، و إنما بما تنتجه من دروس، وما تفتحه من أسئلة، وما تمنحه من قدرة على الإسهام في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.
تحية نضالية صادقة مجددا، لكل مناضلة ومناضل يؤمن بأن التنظيم لا يكبر بتراكم السنوات وحدها، ولا تصان مكتسباته بترديد الشعارات، ولا تقاس قوّته بمدى صمت أعضائه، و إنما بقدرته على إنتاج الأفكار، واستيعاب الاختلافات، وتصحيح الاختلالات، وتجديد أدوات الفعل الجماعي.
▪︎ تقول مقولة منسوبة إلى هيجل: “تعلَّم من الأفكار التي لا تُعجبك”.
ولعل هذه الحكمة تكتسب في السياق النقابي والنضالي دلالة أكثر عمقا؛ لأنها لا تتعلق بمجرد تقويم الحوار الفكري ليكون أكثر إنتاجية أو تحسين العلاقات بين الأفراد، و إنما تتعلق بجوهر الممارسة الديمقراطية داخل التنظيمات، وطبيعة العلاقة بين المناضل ورفيقه، وبين القيادة والقواعد، وبين القرار الجماعي وحق الاجتهاد والنقد والمساءلة.
ففي الممارسة النقابية، لا نختلف دائما لأن أحدنا يحب الاختلاف أو يسعى إلى إرباك الصفوف؛ وإنما قد نختلف لأننا نقرأ الواقع من مواقع وتجارب مختلفة، أو لأننا نُقدّر موازين القوى بطرق متباينة، أو لأننا نختلف في ترتيب الأولويات، أو في اختيار الوسائل، أو في تقييم حصيلة مرحلة نضالية بعينها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل نعتبر الاختلاف خطرا ينبغي احتواؤه بالإسكات والإقصاء، أم فرصة ينبغي استثمارها لتطوير الوعي الجماعي، وتصويب القرار، وتقوية التنظيم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف جانبا أساسيا من طبيعة الثقافة التنظيمية التي نريد بناءها: ثقافة تجعل من النقد أداة للتطوير، ومن الحوار وسيلة لإنتاج القرار، ومن الاختلاف مصدرا لتوسيع الرؤية، ومن الوحدة ثمرة للاقتناع والمسؤولية، لا مجرد انضباط شكلي تفرضه الاعتبارات التنظيمية.
أولا: في النقابة، لا يكفي أن نتفق… وإنما ينبغي أن نتعلم كيف نختلف..
قد يبدو الاتفاق مريحا، خصوصا في اللحظات التي تتطلب تعبئة جماعية ومواجهة مشتركة للتحديات الاجتماعية والمهنية. غير أن الاتفاق الدائم ليس دليلا كافيا على سلامة التحليل أو صواب القرار، كما أن الاختلاف لا يشكل، في حدّ ذاته، علامة على التفكك أو ضعف الالتزام.
فالتنظيم النقابي فضاء يلتقي فيه عمال وموظفون وأطر ومناضلون، تتفاوت تجاربهم المهنية والنضالية، وتتباين قراءاتهم للواقع، وتتعدد تصوراتهم بشأن أنجع السبل للدفاع عن الحقوق والمكتسبات. ومن الطبيعي، في مثل هذا الفضاء، أن تتباين المواقف بشأن كيفية تدبير ملف مطلبي، أو تقييم عرض تفاوضي، أو تحديد توقيت الاحتجاج، أو تقدير نتائج حوار اجتماعي، أو اختيار أشكال التصعيد والتعبئة.
إن المطلوب ليس إلغاء هذه التباينات، وإنما إخضاعها للنقاش المسؤول، وربطها بالمعطيات والوقائع، والبحث عن القواسم المشتركة التي تسمح بتحويل تعدد وجهات النظر إلى قدرة جماعية على الفعل.
فالنقابة القوية ليست تلك التي يفكر جميع أعضائها بعقل واحد، و إنما تلك التي تستطيع أن تجمع عقولا متعددة حول أهداف مشتركة، وأن تحول اختلاف تقديراتها إلى مصدر للقوة، لا إلى ذريعة للتنازع.
وهنا تتجلى الأهمية النضالية للمقولة: أن نتعلم من الرأي الذي لا يعجبنا، لا لأننا مطالبون بتبنيه، و إنما لأن الدفاع عن مصالح الشغيلة يقتضي ألا نسمح لأهوائنا الشخصية أو حساسياتنا التنظيمية بأن تحجب عنا ما قد يكون في رأي الآخرين من عناصر مفيدة.
ثانيا: النقد داخل التنظيم… وفاء للمبادئ أم خروج عن الصف؟
من أخطر المعضلات التي قد تواجه الممارسة النقابية الخلط بين الوفاء للتنظيم والموافقة الدائمة على كل مواقفه، وبين الالتزام بالقرار الجماعي والتخلي عن الحق في مناقشة كيفية إنتاجه أو تقييم نتائجه. فالمناضل ليس مجرد صوت إضافي في لحظة التصويت، ولا مجرد منفذ لتوجيهات لا يشارك في مناقشتها؛ إنه عضو في جماعة نضالية يفترض أن يكون شريكا في التفكير والتخطيط والتقييم وتحمل المسؤولية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي التمييز بين نقد يستهدف تطوير الأداء، و اختلاف يناقش الوسائل والبرامج، و سلوك يهدف إلى التشهير بالأشخاص أو تعطيل العمل المشترك. فليس كل نقد بنّاء لمجرد أن صاحبه يصفه بذلك، كما أنه ليس كل اعتراض تخريبا لمجرد أنه يحرج المسؤول أو يعارض التوجه السائد.
إن معيار التمييز ينبغي أن يقوم على مضمون الموقف، وحججه، وأهدافه، وطريقة التعبير عنه، ومدى احترامه للحقوق التنظيمية وقواعد العمل الديمقراطي.
فقد يأتي النقد من مناضل بسيط في موقع العمل، فيكشف خللا لم تنتبه إليه القيادة؛ وقد تصدر الملاحظة عن عضو محدود الحضور الإعلامي، لكنها تعبر عن معاناة حقيقية لدى فئة من المنخرطين؛ وقد يُظهر اعتراض على قرار متّخذ أن معطيات أساسية لم تؤخذ بعين الاعتبار.
فهل يعقل أن نهدر هذه الإمكانات لمجرد أن الفكرة جاءت من خارج الدائرة التي اعتدنا الاستماع إليها؟
إن التنظيم الذي لا يحتمل نقد أعضائه يخاطر بأن يتحول من إطار جماعي لإنتاج القرار إلى فضاء لإعادة إنتاج القرار نفسه، حتى حين تتغير الوقائع وتنكشف الأخطاء. ومن ثم، فإن النقد المسؤول ليس نقيضا للوفاء، وإنما قد يكون أحد أعمق تعبيراته؛ لأن الوفاء الحقيقي للمبادئ والأهداف لا يعني الدفاع عن كل ممارسة باسم تاريخ التنظيم، بل يعني الإسهام في جعله أكثر قدرة على تحقيق الغايات التي تأسّس من أجلها.
ثالثا: العلاقة بين القيادة والقواعد… من منطق التوجيه الأحادي إلى منطق التفاعل الديمقراطي..
تُختبر ديمقراطية التنظيم النقابي في طبيعة العلاقة التي تربط هياكله القيادية بقواعده المناضلة، وبمدى قدرة هذه العلاقة على تحويل التجربة الميدانية إلى معرفة تنظيمية، وتحويل القرارات المركزية إلى اختيارات مفهومة وقابلة للتنفيذ والتقييم. فالقيادة تحتاج إلى معطيات دقيقة، وإلى خبرة تفاوضية، وإلى قدرة على تقدير موازين القوى. لكن القواعد، بحكم احتكاكها اليومي بواقع العمل، تمتلك بدورها معرفة ميدانية لا يمكن تعويضها بالتقارير أو الاجتماعات وحدها.
وإذا لم توجد قنوات فعالة لنقل هذه المعرفة من مواقع العمل إلى مستويات اتخاذ القرار، فقد تنشأ فجوة بين ما يقرر في الاجتماعات وما يعيشه المنخرطون على أرض الواقع.
وفي المقابل، فإن الخبرة الميدانية، مهما كانت مهمة، تحتاج إلى التنسيق والتأطير والتقييم الجماعي حتى لا تتحول المبادرات المتفرقة إلى ممارسات معزولة عن الأهداف المشتركة.
لهذا، لا ينبغي أن تكون العلاقة بين القيادة والقواعد علاقة أحادية الاتجاه؛ وإنما علاقة تبادلية يتعلم فيها الجميع من الجميع، ويراجع فيها القرار على ضوء التجربة، وتُقيّم فيها النتائج دون تحويل المساءلة إلى خصومة شخصية.
فالقيادة التي تصغي إلى قواعدها لا تفقد مكانتها، و إنما تغني قرارها بالمعرفة الميدانية؛ والقواعد التي تناقش قراراتها بمسؤولية لا تضعف تنظيمها، وإنما تسهم في ترسيخ شرعيته الديمقراطية.
إن فن التعلم من الاختلاف يقتضي، هنا، الاعتراف بأن المعرفة التنظيمية ليست حكرا على موقع بعينه، وأن شرعية المسؤولية لا تعني الحصانة التنظيمية من الخطأ، وأن احترام الهياكل و الأجهزة ينبغي أن يترافق مع احترام حق الأعضاء في إبداء الرأي والمساءلة وفق القواعد الديمقراطية المتّفق عليها.
رابعا: وحدة الصف… وحدة الأهداف لا وحدة الأصوات..
كثيرا ما تستحضر وحدة الصف في لحظات التفاوض أو الاحتجاج أو مواجهة القرارات التي تمس الحقوق والمكتسبات. وتكتسب الوحدة في هذه السياقات أهمية عملية واضحة، لأن تشتت المطالب وتضارب المبادرات قد يضعف القدرة على التفاوض والتعبئة.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوحدة من وسيلة لتجميع الجهود حول الأهداف المشتركة إلى مطلب لإلغاء التعدد الفكري، أو حين يستعمل شعار الانضباط لإغلاق النقاش حول الخيارات المتخذة. إن الوحدة النضالية لا تستلزم التطابق في كل التفاصيل، و إنما تستلزم وجود حد أدنى مشترك من المبادئ والأهداف، وقواعد واضحة لاتخاذ القرار، وآليات ديمقراطية لتدبير الخلاف، والتزاما مسؤولا بما تقرره الأجهزة المختصة وفق القواعد المعتمدة، مع الاحتفاظ بحق التقييم والنقد والمراجعة.
ومن الضروري أيضا ألا تستعمل الوحدة ذريعة لتهميش الفئات الأقل تمثيلا، أو إسكات الأصوات النقدية، أو تجاهل الاختلالات التي قد تضعف الثقة داخل التنظيم.
فالوحدة التي تقوم على الخوف من الاختلاف قد تنتج صمتا مؤقتا، لكنها لا تضمن اقتناعا حقيقيا ولا مشاركة مستدامة. أما الوحدة التي تقوم على الحوار والوضوح والمشاركة، فإنها تمنح المناضلين شعورا بأنهم شركاء في صياغة المسار، لا مجرد أدوات لتنفيذه.
فلسنا مطالبين بأن نوحد عقولنا لكي نوحد نضالنا؛ نحن مطالبون بأن نحسن تدبير اختلاف عقولنا حتى لا تتبدد طاقات نضالنا.
خامسا: من خلاف الأشخاص إلى خلاف الأفكار… كيف نحمي النضال من الاستنزاف الداخلي؟
تتعرض بعض الخلافات التنظيمية لخطر التحول من نقاش حول البرامج والاختيارات إلى صراع حول الأشخاص والمواقع والاعتبارات الذاتية. وعندما يحدث ذلك، تتراجع القضية الاجتماعية أو المهنية إلى الخلف، ويتقدم منطق الاصطفاف الشخصي على حساب منطق الحجة والنتيجة.
وقد يصبح السؤال:
من قال هذا الكلام؟ بدلا من: هل هذا الكلام صحيح؟
ومن أي تيار أو مجموعة جاء صاحبه؟ بدلا من: ما قيمة المعطيات التي يستند إليها؟
وهل يُعد النقد مقبولا حين يصدر عن حليف، ومرفوضا حين يصدر عن مخالف؟
إن هذه الأسئلة تكشف مدى تحكم الانتماءات الضيقة في عملية تقييم الأفكار.
ولمقاومة هذا المنحى، ينبغي ترسيخ ثقافة تنظيمية تُخضع المواقف لمعايير واحدة، وتُميز بين النقد الشخصي والنقد الموضوعي، وتعطي الأولوية للحجج والوقائع والنتائج.
فقد يُقدم مناضل نختلف معه في كثير من القضايا ملاحظة دقيقة بشأن ضعف التعبئة في قطاع معين، أو قصور التواصل مع المنخرطين، أو محدودية أثر شكل احتجاجي محدد. وقد يُقدم مناضل نتّفق معه في التوجه العام تقديرا غير دقيق يحتاج إلى التصحيح.
ولا ينبغي أن تكون المسافة التنظيمية أو العاطفية من صاحب الفكرة هي المعيار الذي نزن به قيمتها.
إن النضج النضالي هو أن نمتلك الشجاعة لقبول الحجة حين تكون قوية، حتى إن صدرت عمن نختلف معه، وأن نمتلك الشجاعة نفسها لمراجعة حجة رفيقنا حين تكشف الوقائع قصورها. وبذلك نحمي الاختلاف من التحول إلى عداوة، ونحمي التنظيم من استنزاف طاقاته في معارك جانبية، ونعيد توجيه الجهد نحو القضايا التي تستحق التعبئة والعمل.
سادسا: التعلم من الخصم الاجتماعي… فهم موازين القوى دون تبني مصالحه..
لا يقتصر التعلم من الاختلاف على العلاقة بين المناضلين داخل التنظيم الواحد، و إنما يمتد إلى فهم مواقف الأطراف التي نختلف معها في المصالح، وفي مقدمتها الجهات المشغلة أو الإدارات أو الأطراف المشاركة في التفاوض.
فالتعلم من الطرف المقابل لا يعني تبني رؤيته، ولا التنازل عن الحقوق، ولا التسليم بتبريراته؛ و إنما يعني فهم منطقه المعلن، ومصالحه، وحساباته، والقيود التي يستند إليها، والهوامش التي يمكن التفاوض بشأنها.
فالمناضل الذي يكتفي برفض موقف الطرف الآخر دون تحليل حججه ومعطياته قد يحسن التعبير عن غضبه، لكنه قد لا يمتلك الأدوات الكافية لبناء استراتيجية تفاوضية متماسكة.
أما المناضل الذي يحلل الخطاب المقابل، ويمحص أرقامه، ويفحص تناقضاته، ويميز بين المعطيات الفعلية والتبريرات التفاوضية، فيكون أقدر على صياغة مطالب دقيقة،وتحديد نقاط الخلاف، وتفنيد الادعاءات، واقتراح بدائل تستند إلى الوقائع. إن فهم الطرف المقابل ليس تنازلا عن الموقف، و إنما هو شرط أساسي من شروط بناء موقف أكثر وعيا.
وفي التفاوض الاجتماعي، لا يكفي أن نعرف ما نريده نحن؛ ينبغي أيضا أن نفهم كيف يقدم الطرف الآخر موقفه، وما الأدلة التي يستند إليها، وما الذي يمكن اختباره أو مناقشته أو تغييره. ومع ذلك، يجب ألا يتحول فهم مصالح الطرف المقابل إلى تبرير تلقائي لها، أو إلى مساواة مصطنعة بين مواقع تختلف في الموارد والسلطة والقدرة على اتخاذ القرار.
نحن نتعلم من الطرف الذي نفاوضه حتى نحسن إدارة الصراع، لا حتى نتخلى عن موضوعه؛ ونفهم حججه حتى نختبرها، لا حتى نسلم بها.
وهذه هي المسافة الدقيقة بين الانفتاح الفكري والذوبان في موقف الآخر، وبين العقلانية التفاوضية والتنازل غير المبرر.
سابعا: النقد الذاتي… حين يصبح التنظيم قادرا على مراجعة تجربته..
لا تكتمل ثقافة التعلم من الاختلاف من دون نقد ذاتي مؤسسي يتجاوز الاعتراف اللفظي بالأخطاء إلى تحليل أسبابها وآثارها وسبل معالجتها.
فبعد كل محطة نضالية، سواء حققت نتائج ملموسة أو لم تحقق الأهداف المنتظرة، ينبغي أن تطرح أسئلة واضحة: هل كان التشخيص دقيقا؟
هل كانت المطالب محددة وقابلة للتتبع؟
هل تم إشراك المنخرطين في اتخاذ القرار؟
هل كانت وسائل التعبئة مناسبة؟
هل وصل الخطاب النقابي إلى الفئات المعنية؟
وهل استثمرت التجربة لتطوير المحطات اللاحقة؟
فهذه الأسئلة لا تستهدف محاكمة الماضي من أجل المحاكمة، و إنما تستهدف تحويل التجربة إلى معرفة مشتركة. فالتنظيم الذي لا يراجع اختياراته قد يكرر الأخطاء نفسها، ويُحمل الظروف وحدها مسؤولية النتائج، بينما يتجاهل ما يمكن أن يكون قد شاب قراراته من قصور في التخطيط أو التواصل أو التقدير.
أما التنظيم الذي يُقيّم تجربته بموضوعية، ويميز بين ما كان خارج سيطرته وما كان بإمكانه تحسينه، فإنه يراكم خبرة قابلة لنقلها إلى الأجيال الجديدة من المناضلين. ولا يعني النقد الذاتي جلد الذات، أو التشكيك الدائم في كل تجربة، أو التقليل من التضحيات والمكتسبات؛ و إنما يعني الاعتراف بأن التضحيات لا تغني عن التقييم، وأن التاريخ النضالي لا يعفي من مسؤولية التطوير، وأن الاعتزاز بالماضي ينبغي أن يكون حافزا لتحسين المستقبل.
إن الذاكرة النضالية التي لا تتحول إلى معرفة قابلة للتعلم قد تبقى مجرد استحضار للماضي؛ أما الذاكرة التي تخضع للتقييم فتتحول إلى رصيد يوجّه الفعل ويُحصّن المستقبل.
ثامنا: التكوين النقابي… تعليم المناضل كيف يفكر لا كيف يكرر..
إذا أردنا أن نجعل من الاختلاف مصدرا لتقوية التنظيم، فلا بد من إدماج هذه الثقافة في برامج التكوين النقابي والنضالي. فالتكوين لا ينبغي أن يقتصر على التعريف بالقوانين والحقوق والمساطر التنظيمية وتقنيات التفاوض، على أهميتها، وإنما ينبغي أن يشمل أيضا بناء مهارات التفكير النقدي، وتحليل الخطاب، وإدارة الحوار، وحل النزاعات، وتقييم النتائج، والتمييز بين المعلومة والانطباع، وبين الحجة والشعار.
ومن المفيد أن يتدرب المناضلون على دراسة و مناقشة حالات واقعية من الحياة المهنية، وعلى تحليل مواقف متعارضة بشأن ملف مطلبي واحد، وعلى محاكاة جلسات تفاوض تتباين فيها المصالح والاقتراحات، ثم تقييم ما قُدم من حجج وما استخدم من وسائل وما أُنتج من نتائج.
كما ينبغي تشجيع تبادل التجارب بين القطاعات والفروع والهياكل، حتى لا تظل المعرفة حبيسة مواقع و قطاعات نقابية محددة أو أشخاص بعينهم.
إن التكوين الحقيقي لا يصنع مناضلا يحفظ الخطاب التنظيمي فحسب، و إنما يُسهم في بناء مناضل قادر على فهم الواقع، وتفسير التحولات، وطرح الأسئلة الصعبة، ومناقشة الخيارات، وتقديم البدائل، وتحمل المسؤولية.
فالتنظيم الذي يُكوّن أعضاءه على الطاعة وحدها قد يضمن تنفيذ بعض القرارات، لكن التنظيم الذي يُكوّنهم على التفكير والمسؤولية والنقد البنّاء يُنمّي قدرته على التجديد والاستمرار.
وهنا يتقاطع البعد التربوي مع البعد النضالي: فكما نريد لمتعلمينا أن يكونوا قادرين على التفكير المستقل، ينبغي أن نريد لمناضلينا أن يكونوا شركاء في إنتاج المعرفة التنظيمية، لا مجرد مستهلكين لها.
تاسعا: نحو ميثاق نضالي للاختلاف المسؤول..
لكي لا تبقى هذه المبادئ في حدود الشعارات، يمكن تحويلها إلى قواعد عملية تحكم الحياة التنظيمية اليومية:
حق الاختلاف: ضمان حقّ المناضلين في التعبير عن آرائهم ومناقشة القرارات وفق القواعد الديمقراطية المعتمدة؛
واجب الإنصات: منح كل رأي فرصة عادلة للفهم والمناقشة، دون إقصاء مسبق بسبب صاحبه أو خلفيته؛
الاحتكام إلى الحجة: تقييم الأفكار بناء على الأدلة والوقائع والنتائج، لا على المكانة التنظيمية أو العلاقات الشخصية؛
احترام الكرامة: رفض التخوين والتشهير والإهانة، والتمييز بين نقد المواقف والطعن في الأشخاص؛
شفافية القرار: توضيح المعطيات والمبررات التي تستند إليها الاختيارات الجماعية، وتحديد آليات تنفيذها وتقييمها؛
المساءلة الديمقراطية: إتاحة تقييم المسؤوليات والنتائج وفق قواعد واضحة وعادلة، دون انتقائية أو استهداف شخصي؛
التعلّم من التجربة: توثيق الدروس العبر المستخلصة من المحطات النضالية، وتحويلها إلى أدوات للتكوين والتحسين؛
صيانة العمل المشترك: البحث عن القواسم المشتركة، واحترام قواعد اتخاذ القرار، وعدم تحويل كل اختلاف إلى صراع يستنزف الجهود الجماعية؛
إن هذه القواعد لا تلغي الصراع الفكري أو التباين في التقديرات، و إنما تمنحه إطارا ديمقراطيا يسمح له بأن يكون منتجا، ويحمي التنظيم من الانزلاق إلى شخصنة الخلافات أو إغلاق باب المراجعة.
خاتمة: نضال يتعلم، وتنظيم يتجدد، واختلاف يصنع القوة
إنّ المقولة المنسوبة إلى هيجل: “تعلّم من الأفكار التي لا تُعجبك”، ليست في السياق النقابي والنضالي مجرد حكمة لتجميل الخطاب أو تحسين العلاقات؛ إنها دعوة إلى بناء ثقافة تنظيمية تجعل من المعرفة المشتركة أساسا للقرار، ومن النقد المسؤول شرطا للتطوير، ومن الاختلاف الديمقراطي رافعة لتجديد الفعل الجماعي. فالدفاع عن حقوق الشغيلة لا يحتاج إلى الحماسة وحدها، كما أن صيانة المكتسبات لا تتحقق بالشعارات وحدها؛وإنما تحتاج أيضا إلى دقة التشخيص، ووضوح المطالب، ووعي موازين القوى، و جودة التفاوض، وفعالية التعبئة، والقدرة على تقييم النتائج وتصحيح المسار.
وكل ذلك يقتضي عقلا نقابيا قادرا على التعلّم من التجارب المخالفة، والإنصات إلى القواعد، ومراجعة القرارات، والاستفادة من النقد، وفهم الطرف المقابل، دون التفريط في المبادئ أو تمييع الحقوق.
إنّ المناضل الذي يتعلم من رفيقه المختلف يوسع أفقه؛ والمناضل الذي يتعلم من النقد يطور أدواته؛ والتنظيم الذي يتعلم من أخطائه يراكم خبرته؛ والحركة النقابية التي تجعل من التكوين والتقييم والمشاركة الديمقراطية جزءا من ثقافتها التنظيمية تعزز قدرتها على مواجهة التحولات الاجتماعية والمهنية.
فلا تجعلوا الاختلاف داخل التنظيم امتحانا للولاء، وإنما اجعلوه امتحانا لجودة الحجة ونضج الممارسة. ولا تجعلوا وحدة الصف مرادفا للصمت، وإنما اجعلوها قدرة على تجميع الإرادات حول أهداف مشتركة، رغم تعدد الاجتهادات. ولا تجعلوا تاريخكم النضالي حصانة ضد النقد، بل رصيدا يمنحكم الشجاعة لمراجعة الحاضر وصناعة المستقبل.
إن النضال ليس فعلا بطوليا في مواجهة الخصم الخارجي فحسب؛ إنه أيضا مجهود يومي لتحرير الممارسة الجماعية من الجمود، ولتحصين التنظيم من الشخصنة، ولتحويل المبادئ إلى مؤسسات، والشعارات إلى برامج، والاختلافات إلى معرفة، والتضحيات إلى مكتسبات قابلة للصيانة والتطوير.
فالمناضل الحقيقي ليس من لا يخطئ، وإنما هو من يمتلك شجاعة التعلم؛ وليس من ينتصر في كل نقاش، بل من يسهم في جعل النقاش أكثر فائدة للقضية؛ وليس من يطلب من الآخرين أن يتغيروا دائمًا، وإنما من يبدأ بمراجعة ذاته حين تستدعي الحقيقة ذلك.
ولأن القضايا العادلة تحتاج إلى عقول متيقظة بقدر حاجتها إلى إرادات صلبة، فإن الوفاء للنضال يقتضي أن نتعلم، وأن نُعلم، وأن نراجع، وأن نُجدد؛ وأن ندرك أن الديمقراطية داخل التنظيم ليست امتيازا مؤسساتيا، وإنما هي ممارسة يومية تُبنى بها الثقة، وتصان بها الكرامة، وتُنمى بها المسؤولية الجماعية.
فلنختلف كي نفهم أكثر، ولننتقد كي نصحح، ولنتعلم كي نتقدم، ولنتوحد حول الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا لأننا متطابقون في التفكير، وإنما لأننا مسؤولون معا عن بناء فعل نقابي ديمقراطي، مستقل، متجدد، وقادر على الدفاع عن مصالح الشغيلة.
نداء إلى الانخراط… من القيمة الايجابية للاختلاف إلى مسؤولية الفعل..
وإذا كان التعلم من الاختلاف قيمة فكرية و أخلاقية ، فإن تحويله إلى ممارسة يومية يظل مسؤولية جماعية لا تتحقق بالتصفيق للأفكار الجميلة، ولا بالاكتفاء بتشخيص الاختلالات من خارج مواقع الفعل، ولا بترديد الشعارات التي نؤمن بها دون الإسهام في تجسيدها على أرض الواقع.
إن اللحظة تقتضي أن ننتقل من موقع المتفرج إلى موقع المشارك، ومن ثقافة التعليق إلى ثقافة الاقتراح، ومن الاكتفاء بانتقاد الممارسة إلى الانخراط المسؤول في تطويرها.
فلنحول اختلافاتنا إلى مبادرات، وملاحظاتنا إلى مقترحات، وانتقاداتنا إلى بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ. ولنفتح فضاءات الحوار داخل هياكلنا النقابية، ولنشجع المبادرات التكوينية، ولنُصغ إلى نبض القواعد، ولنمنح المناضلات والمناضلين، ولا سيما الشباب والطاقات الجديدة، فرصا حقيقية للمشاركة في التفكير والتخطيط والتقييم وتحمل المسؤولية.
ولنجعل من كل اجتماع مناسبة لإنتاج الأفكار، ومن كل نقاش فرصة لتوسيع الوعي، ومن كل محطة نضالية مجالا لاستخلاص الدروس، ومن كل اختلال منطلقا للتصحيح، ومن كل نجاح جماعي رصيدا نراكم به الثقة والخبرة والقدرة على المبادرة.
إن الانخراط النقابي ليس مجرد انتساب اسمي إلى إطار تنظيمي، ولا حضورا موسميا حين تشتد الأزمات؛ إنه وعي بالحقوق، واستعداد لتحمل المسؤولية، ومشاركة في الدفاع عن المصالح المشتركة، وإسهام في بناء تنظيم ديمقراطي يستمد قوّته من أعضائه، ويجدد حيويته بفضل مشاركتهم، ويصون استقلاليته بفضل وعيهم، ويطور أداءه بفضل قدرتهم على النقد والمبادرة.
فلا تنتظروا تنظيما ديمقراطيا دون ممارسة ديمقراطية، ولا تطالبوا بتجديد الفعل النقابي دون الانخراط في صنعه، ولا تكتفوا بالتساؤل عما ينبغي أن يتغير، وإنما بادروا إلى المشاركة في تغييره.
انخرطوا بأفكاركم قبل أصواتكم، وبمبادراتكم قبل انتظاراتكم، وبروح المسؤولية قبل الرغبة في تسجيل المواقف. انخرطوا لتتعلموا وتُعلموا، لتناقشوا وتقترحوا، لتختلفوا وتبحثوا عن المشترك، ولتسهموا في جعل العمل النقابي مدرسة للديمقراطية والتضامن والكرامة الإنسانية.
ولنتذكر أنّ التنظيم لا يصنعه أشخاص قلائل مهما بلغت تضحياتهم، وإنما تصنعه إرادة جماعية تتوزع فيها المسؤوليات، وتتلاقح فيها الأفكار، وتحترم فيها الاختلافات، ويشعر فيها كل عضو بأن صوته مسموع، ومساهمته مقدرة، ودوره في البناء ممكن وضروري.
فلنجعل من اختلافنا بداية للتعلم، ومن تعلمنا بداية للمبادرة، ومن مبادراتنا خطوة نحو فعل نقابي أكثر ديمقراطية ووعيا وفعالية.
فالحقوق لا يحميها التمني، والمكتسبات لا يصونها الانتظار، والديمقراطية لا تبنى بالنيابة عنا؛ إنها تحتاج إلى انخراطنا الواعي، ومشاركتنا الفعلية، وتضامننا المسؤول.
إن العقل الذي يقترح، و الذي ينتقد، والصوت الذي يناقش، والإرادة التي تنخرط… جميعها تصنع تنظيما أقوى، ونضالا أعمق، ومستقبلا أقدر على الاستجابة لتطلعات الشغيلة.
فلننتقل، إذن، من مجرد الإعجاب بالحكمة إلى ممارسة مقتضياتها، ومن الاحتفاء بالاختلاف إلى الاستثمار في طاقاته، ومن انتظار التغيير إلى المشاركة في صناعته.
انخرطوا، شاركوا، اقترحوا، ناقشوا، بادروا… فالنضال مسؤولية مشتركة، والتغيير فعل جماعي، والتنظيم الذي نطمح إليه يبدأ منا جميعا.
تحية نضالية لكل من اختار أن يكون جزءا من الحل، وشريكا في البناء، وصوتا للديمقراطية، ويدا للدفاع عن الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية.
معا، نجعل من الاختلاف قوة، ومن النقد معرفة، ومن الانخراط فعلا، ومن التضامن طريقا نحو غد نقابيّ أكثر ديمقراطية وإنصافا وكرامة.
تحية لكل مناضلة ومناضل يجعل من الاختلاف مدرسة، ومن النقد مسؤولية، ومن التكوين ممارسة مستمرة، ومن الديمقراطية ثقافة يومية، ومن الوحدة أداة لخدمة القضية لا وسيلة لإسكات الأصوات.
مودتي النضالية التي لا تندثر، وتقديري لكل عقل يجرؤ على السؤال، ولكل صوتٍ يحسن النقد، ولكل يد تمتد لبناء المشترك، ولكل مناضل يدرك أن قوة التنظيم لا تكمن في غياب الاختلاف، وإنما تكمن في قدرته على تحويله إلى وعي جماعي، وفعل مسؤول، ومكاسب تصان، وآفاق تُفتح أمام الأجيال القادمة.
عبدالنبي العفوي
شتنبر 2026.
اقرأ أيضا

