في ذكراها التسعين: محاكمة موسكو الأولى (أغسطس 1936)
بقلم؛ جان-جاك ماري
صباح يوم 14 أغسطس 1936، عند تشغيل جهاز الراديو الخاص به، سمع النائب الاشتراكي النرويجي كنودسن، مستضيف تروتسكي، خبراً مذهلاً: أعلنت وكالة تاس عن افتتاح محاكمة كبرى قريباً في موسكو ضد زينوفييف وكامينيف وإيفان سميرنوف وثمانية قادة بلاشفة سابقين آخرين وخمسة شيوعيين يهود ألمان. اتُهموا جميعًا بالانتماء إلى مركز زينوفيفي-تروتسكي مزعوم، تأسس عام 1932 بأمر من تروتسكي. و«اعترفوا» بأنهم كانوا ينتمون إلى هذا المركز التروتسكي-الزينوفيفي الوهمي، الذي كان يقوده تروتسكي ويخضعه لسيطرته. وامتثالاً لتوجيهات يُفترض أنه أرسلها إليهم (ولكن نصها ظل مفقوداً أو مُدمَّراً بشكل غامض!)، دبروا اغتيال الأمين الأول للحزب الشيوعي في لينينغراد، كيروف، وخططوا مسبقاً لشن هجمات (جميعها افتراضية) ضد ستالين، فوروشيلوف، جدانوف، كاغانوفيتش، أوردجونيكيدزه، كوسيور، بوستيشيف. وقرر المركز تنظيم “سلسلة أعمال إرهابية بهدف قطع رأس القيادة والاستيلاء على السلطة” بمبادرة من تروتسكي، الذي كان هو نفسه صاحب “فكرة ضرورة اغتيال ستالين”.
تعرض المتهمون للتعذيب لعدة أشهر في زنازين اللوبيانكا، ولم يمثل أمام المحكمة سوى الذين اعترفوا في النهاية لأسباب متنوعة، إما بسبب انهيار معنوياتهم، أو لأن انتصار النازية في ألمانيا، بعد انتصار الفاشية في إيطاليا، ثم انتصار الكاثوليكية الاجتماعية في النمسا، بدا لهم أنه يضع حداً للحقبة التي افتتحتها ثورة أكتوبر، إما لأن جهاز الأمن الداخلي (NKVD) هدد زوجاتهم وأطفالهم بالقتل، أو، على العكس، وعدهم بالحياة إذا ما ضحى المتهمون بأنفسهم.
كان المتهمان الرئيسان، زينوفييف، الرئيس الأممية الشيوعية السابق، وكامينيف، العضو السابق، مثله، في المكتب السياسي، قد قادا مع تروتسكي المعارضة الموحدة في 1926-1927 قبل أن ينضمّا إلى ستالين. لذا فإن المعارضة بأكملهاهي المدانة في هذه المحاكمة. يلاحظ تروتسكي في كتاب «جرائم ستالين» بشأن الرجلين ورفاقهما:
“ جرى على مدى سنوات تشديد الخناق الذي كان يسحقهم أكثر فأكثر، حتى لم يُترك لهم في النهاية أي أمل في الخلاص سوى الخضوع المطلق، والانبطاح التام، وخنوع هستيري أمام الجلاد الذي سيكررون من الآن فصاعدًا كل كلماته وكل حركاته: إن مقدرة جهاز الانسان العصبي على المقاومة محدودة! ”
يوجد تروتسكي في مركز جميع الاعترافات. يقسم مراتشكوفسكي قائلاً:
” علاقتي بتروتسكي هي التي قادتني إلى طريق الثورة المضادة”.
يدعي فريتز دافيد أن تروتسكي نصحه، في لقاء حرص على عدم الإشارة إلى مكانه وتاريخه، باغتيال ستالين في المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي، في يناير 1934.
يُنذر اختيار هذا المؤتمر بإبادة مندوبي هذا المؤتمر نفسه. ما لم يكن أحد يعلمه آنذاك هو أن مجموعة من المندوبين أثارت، في اجتماع في قاعة المؤتمر أثناء تعليق الجلسة، إلى ضرورة إبدال ستالين في منصب الأمين العام. ستصبح هذه الفكرة — التي كان تروتسكي بالطبع غريبًا عنها كليا —مرادفًا للرغبة في اغتيال ستالين. ثم صرخ فريتز دافيد قائلًا:
“ألعن هذا الرجل (…), الذي دفعني إلى ارتكاب هذه الجريمة البشعة.”
وصاح باكاييف:
“تروتسكي هو روح ومنظم الكتلة الإرهابية المعادية للثورة والزينوفيفيين.”
وأكد زينوفييف:
“التروتسكية هي أحد أشكال الفاشية.”
يُتهم تروتسكي بأنه “روح ومنظم المجموعة الإرهابية” 1، وتُتهم التروتسكية
بأنها وكالة تابعة للجستابو والفاشية، في نفس الشهر الذي دعا فيه سبعون قياديًا من الحزب الشيوعي الإيطالي «الفاشيين من الحرس القديم» و«الحرس الجديد» إلى أن يطبقوا معهم «البرنامج الفاشي لعام 1919»!
في 24 أغسطس، صدر الحكم: حُكم على الستة عشر بالإعدام. في ذلك اليوم، نشرت صحيفة «برافدا» مقالاً لأنطونوف-أوفسيينكو، المعارض السابق التائب، اقترح فيه خنق المحكوم عليهم بيديه.
كانت التهم سخيفة لدرجة أن تروتسكي رفض في البداية تصديق الخبر.
بدأت محاكمة الـستة عشر في 19 أغسطس واختتمت في 24. كانت المحاكمة «علنية» رسمياً، لكن الحضور تم انتقاؤهم بعناية. ومن بين عملاء جهاز المخابرات ( NKVD، “المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية”) تم اختيار المحامي البريطاني د. ن. بريت، النائب عن حزب العمال، بعناية: سيعمل جاهدًا فور عودته إلى إنجلترا على التأكيد شفهيًا وكتابيًا على أن المحاكمة جرت بشكل قانوني تمامًا وأن اعترافات المتهمين كانت صادقة تمامًا.
في الآن ذاته، حيث اندلعت الثورة في إسبانيا في 18 يوليو ردًا على الانقلاب الفاشي، دافع ستالين بضراوة عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج معلنًا: «إنها ليست ثورة، بل معركة مناهضة للفاشية». وبفضل المساعدة العسكرية التي منحها ابتداءً من أكتوبر 1936، بعد أن أيد سياسة «عدم التدخل» المنافقة في إسبانيا التي قررها تشامبرلين في لندن ونقلها بلوم إلى باريس،فرض ستالين سياسته في إسبانيا عبر الحزب الشيوعي. وقد حددها في رسالة مؤرخة في 20 مارس 1937 إلى الكاتبين الإسبانيين رافائيل ألبيرتي وماريا تيريزا ليون:
“يجب أن نقول للشعب وللعالم أجمع: إن الشعب الإسباني ليس في وضع يسمح له بانجاز الثورة البروليتارية”2.
ونظم مستخدماً صفة «التروتسكي»، حملة مطاردة ضد جميع مؤيدي الملكية الجماعية والثورة: التروتسكيين القلائل، ومناضلي حزب العمال للتوحيد الماركسي (POUM)، و اللاسلطويين (الأناركيين).
لكن «السيتي» اللندنية سترى في فرانكو مدافعاً عن الملكية الخاصة والبنوك أكثر موثوقية من ستالين.
كان بريت من دعاة الدفاع عن التاج البريطاني والملكية الخاصة في إنجلترا وفي إسبانيا. لذا، فإن مصالحهما، بغض النظر عن التسميات الرسمية، تتلاقى. بنظر للعديد من المثقفين التقدميين، وكذا رابطة حقوق الإنسان، مادام المتهمون قد اعترفوا، فالأمر صحيح. علاوة على ذلك، وقعت رابطة حقوق الإنسان على برنامج الجبهة الشعبية، الذي يؤكد بقوة الدفاع عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج… وعن الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، وهو ما لا علاقة واضحة له بالدفاع عن حقوق الإنسان…
كان لدى ستالين سببان للدفاع عن الملكية الخاصة ضد الثورة الإسبانية: سبب جوهري وسبب ظرفي. يتمثل الجوهري في إمكان أن يعزز انتصار الثورة في إسبانيا الحركة الثورية القوية التي أثارت الطبقة العاملة الفرنسية في يونيو 1936 ويغير ميزان القوى بين الطبقة العاملة والبرجوازية في أوروبا برمتها؛ والحال أن البيروقراطية تحتاج، للحفاظ على سلطتها في الاتحاد السوفيتي، إلى إبقاء الطبقة العاملة السوفيتية معزولة؛ أما السبب الثاني فهو ظرفي، إذ يريد ستالين طمأنة لندن وباريس، اللتين يرغب في عقد تحالف عسكري معهما ضد الخطر العسكري الألماني، ولهذا الغرض، يريد أن يُظهر لهما مقدرته على الدفاع عن الملكية الخاصة ضد الطبقة العاملة.
وقد أفادته محاكمة موسكو في تحقيق هذه الغاية المزدوجة: فبالتنديد بتروتسكي ورفاق لينين القدامى، ومن بينهم زينوفييف، رئيس الأممية الشيوعية منذ تأسيسها حتى عام 1926، أعطى مضمونا لتصريحه للصحفي الأمريكي روي هوارد في الأول من مارس 1935. وكان هذا الأخير قد سأله:
“ما هي خططكم ونواياكم بشأن الثورة العالمية؟”
فأجاب ستالين، متظاهراً بالاستياء:
“لم تكن لدينا أبداً نوايا وخطط من هذا القبيل”.
-ومع ذلك…
– “هذا نتيجة سوء فهم”، استكمل ستالين.
– “سوء فهم مأساوي؟
– لا، سوء فهم كوميدي، أو بالأحرى تراجيدي-كوميدي”، خلص ستالين.
وتعطي محاكمة موسكو وسياسة ستالين تجاه إسبانيا مضمونًا لهذه الكلمات.
فالاتهامات بالتآمر الموجهة ضد «التروتسكيين» هي غطاء لهذه
العملية الرامية، داخل الاتحاد السوفيتي نفسه، إلى تصوير أي معارض يُصنف
على أنه تروتسكي على أنه “إرهابي”.
وقد فهم دالادييه، زعيم الجبهة الشعبية الراديكالي (*)، الرسالة. فبعد محاكمة قادة الجيش الأحمر في جلسة مغلقة في يونيو 1937، بتهمة التآمر مع قادة الجيش الألماني بأمر من تروتسكي، وبالتالي بكونهم «تروتسكيين»، هنأ ستالين على تصفيته «المتآمرين التروتسكيين» بهذه الطريقة، مع لفت انتباه ستالين إلى أنه، في رأيه، لا يزال هناك تروتسكيون في الاتحاد السوفيتي يتعين تصفيتهم!
وانطلق المدعي العام فيشينسكي، المنشفي السابق، في هجوم عنيف على “عملاء الجستابو”، “المهرجين”، “الأقزام”، “الكلاب المسعورة”، “أكوام نفايات بشرية نتنة”، “الكلاب السامة”، “المغامرين الذين حاولوا أن يدوسوا بأقدامهم على أزكى أزهار الحديقة الاشتراكية “. عندما كان المتهمون الروس الأحد عشر، في عام 1917، يشاركون في الثورة، كان فيشينسكي، المنشفي آنذاك، يوقع في يوليو، بصفته الإدارية، على أمر القبض على لينين، الذي وُصف بأنه عميل ألماني.
تستجيب هذه المحاكمة الأولى لمتطلبات داخلية ودولية. لم تتوقف المعارضة،
ابتداءً من عام 1935، عن التعاظم في الاتحاد السوفيتي. عاد المنضمون رسمياً عن توبتهم، دون أن يدركوا أنهم بذلك يحكمون على أنفسهم بالموت. لم يمنع الإرهاب
الأفواه من التحدث.
أراد ستالين بهذه المحاكمة تشويه سمعة تروتسكي وعزله، وترويع حزبه نفسه، وشن حملة تطهير دموية ضخمة في الاتحاد السوفيتي، وإجبار الأحزاب الشيوعية الأجنبية على الانصياع لـسياسته القائمة على الوحدة الوطنية، وملاحقة التيارات المستقلة في الحركة العمالية عبر العالم، لإخضاعها لأهداف الكرملين.
في إسبانيا، شرع الكرملين في إخضاع قيادة النقابة الأناركية القوية، الاتحاد الوطني للعمل، CNT، وجعلها تقر بالدفاع عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإرجاء الثورة إلى أجل غير مسمى، ثم رفض الدفاع عن مناضليها المسجونين.
ويجري هذا التطبيع بواسطة حملة مطاردة شاملة ضد أي فرد أو جماعة يصفها
الغيبيو (المخابرات) بأنها تروتسكية، أو، حسب تعبير كارل راديك في محاكمة موسكو الثانية ، «ثُمن تروتسكيين، وربع تروتسكيين، ونصف تروتسكيين” 3. وقد أدت هذا المحاكمة إلى تسريع وتوسيع نطاق مطاردتهم والحملة الدولية للتشهير ضد التروتسكيين، الذين طالبت صحيفة لاومانيتيه (جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي)، في 9 نوفمبر 1936، بوضعهم خارج القانون في فرنسا.
وبمجرد تجاوز لحظة الذهول والسخط الأولى، قرر تروتسكي الرد بالوسائل الضئيلة المتاحة له. فقد سعى إلى هدم بنيان المحاكمة:
بناء على التقارير الإذاعية والمقالات الصحفية وصك الاتهام التي لم يُنشر إلا في يوم افتتاح المحاكمة نفسه، شرع في كشف التناقضات والأكاذيب. كانت المهمة شاقة، لأن التفاوت في القوى كان كبيرًا جدًّا. فجهاز الكريملين البوليسي والسياسي الدولي الضخم ينشر في العالم أجمع لعنات فيشينسكي. ويقوم المثقفون التقدميون والمناهضون للفاشية بنقلها، دون أن يتساءلوا للحظة واحدة عن الإشارة الواضحة إلى هتلر التي يمثلها وجود خمسة شيوعيين يهود ألمان في قفص الاتهام (وحكم الإعدام الصادر بحقهم).
أما المتهمون، الذين اعترفوا تحت ضغوط متنوعة، فقد نثروا في اعترافاتهم علامات
تهدف إلى الإشارة إلى زيفها. فاعترافاتهم مليئة بالتناقضات والتزويرات التي من شأنها تشويه مصداقية «الاعترافات» المنتزعة منهم. وهكذا، ادعى هولزمان أنه تلقى من تروتسكي أمراً باغتيال ستالين في لقاء مع الأول في فندق بريستول في كوبنهاغن، حيث يُزعم أنه التقى أيضاً ليون سيدوف في ديسمبر 1932. والحال أن الفندق جرى هدمه في عام 1917… ولم يكن ليون سيدوف قد حصل على تأشيرة لزيارة والديه إبان وجوده آنذاك في كوبنهاغن. وهناك الكثير من الافتراءات المماثلة في هذه الاعترافات.
وهذا أحد الأسباب التي حدت بستالين، بعد خمسة عشر يومًا من انتهاء المحاكمة،
إلى إقالة رئيس المخابرات، ياغودا، وابداله بالجلاد ييجوف. ولكن لكي تكون هذه الإشارات مرئية، لا بد أولاً من رصدها وفضحها. وتروتسكي، أكثر من
أي شخص آخر، يمتلك الوسائل السياسية لكشف هذه التناقضات والتزويرات.
ويجب على ستالين منعه من ذلك، والحصول على موافقة الحكومة العمالية (الاشتراكية) النرويجية لمنع تروتسكي من القيام بذلك.
يُشكل يوم 21 أغسطس نقطة تحول. في ذلك اليوم، نشرت صحيفة الحزب العمالي النرويجي، أربايتربلاديت، مقابلة مع تروتسكي تسلط الضوء على الزيف تلك الاتهامات الصارخ.
لم يكن ستالين ليقبل استعمال تروتسكي كرم ضيافة الحزب العمالي النرويجي
لهدم صرحه الهش القائم على التزوير. في اليوم التالي للمقابلة، قدم السفير
السوفيتي احتجاجًا رسميًا لدى الحكومة النرويجية، التي أصابها الخوف.
انتشرت شائعة في أوسلو بأن ستالين سيوقف استيراد الرنجة النرويجية عشية
الانتخابات العامة. فحشد أصحاب السفن قواهم. واجتمع مجلس الوزراء في جلسة طارئة وقرر الرضوخ لضغوط ستالين وأصحاب السفن.
وفي 25 أغسطس، نُفذ حكم الإعدام في الستة عشر. وعلقت صحيفة «برافدا» قائلة:
“منذ أن تم ذلك، أصبح التنفس أسهل.”
في اليوم التالي، 26 أغسطس، جاء ضابطا شرطة لإخطار تروتسكي بأنه انتهك القواعد المحددة عند منحه تصريح الإقامة. وطلبا منه أن يتعهد كتابياً بألا يقتصر عمله في كتاباته إلا على الملاحظات النظرية العامة دون ذكر أي بلد محدد، وألا يجري أي مقابلة صحفية ما يعني منعه من التطرق إلى المحاكمة التي هو المتهم الرئيس فيها. وصمته في هذا الشأن سيؤكد الافتراءات التي انتشرت في أرجاء المعمورة. رفض تروتسكي. وقامت فرقة شرطة، بقيادة جوناس لي، عضو الحزب الفاشي التابع لكيسلينغ، وزير الشرطة في الحكومة النازية لاحقا، بطرد سكرتيريه، إروين وولف ويان فان هايجنورت، وقطعت خط الهاتف، ومنعته من الإدلاء بأي تصريح علني، واستقرت بشكل دائم في منزل كنودسن ووضعت حراسًا أمام جميع أبوابه!
في 27 أغسطس، اقتادت الشرطة تروتسكي إلى أوسلو وعرضته على قاضي التحقيق المكلف بالتحقيق في اقتحام الفاشيين المتنكرين في زي رجال الشرطة لمنزل كنودسن. واتهمه القاضي بانتهاك التعهد الذي قطعه عند دخوله النرويج. ومن قصر العدالة، نقلته الشرطة على الفور إلى منزل تريغفي لي، الذي دعاه إلى التوقيع على تعهد بعدم الانخراط في “أي نشاط سياسي موجه ضد أي دولة تربطها علاقات ودية بالنرويج”، ورفض التورط “في أي قضية سياسية راهنة، سواء في النرويج أو في الخارج”، و”حصر” “أنشطته الأدبية” “بالأعمال التاريخية، و
السير والمذكرات”، و”ألا يوجه كتاباته النظرية ضد أي حكومة في أي دولة أجنبية” (أي ألا يتحدث عن الستالينية، ولا عن الفاشية، ولا عن النازية، ولا عن الملكية.. .)، وأخيرًا أن يخضع للرقابة “كل المراسلات والبرقيات والمكالمات الهاتفية التي يجريها أو يتلقاها”. تعجب تروتسكي: هل يريد تريفجي لي أن يجبره على قبول ما لم يستطع ستالين فرضه عليه؟ وختم بقول:”إذا كنتم تريدون اعتقالي، «فلماذا تريدون مني أن أرخص لكم بذلك؟» فأمر الوزير باعتقاله.
في 29 أغسطس، وبأمر من ستالين، طالب السفير السوفيتي ياكوبوفيتش — الذي سيقوم ستالين بإعدامه رمياً بالرصاص في عام 1937 — الحكومة النرويجية بطرد تروتسكي، متهمًا إياه باستخدام هذا البلد قاعدةً لأنشطته التآمرية المزعومة ضد الاتحاد السوفيتي.
حاول تروتسكي إصدار المزيد من المقالات والتصريحات لفضح زيف أي ادعاء
من المدعي العام أو “اعتراف” لأحد المتهمين في المحاكمة. لكن الرقيب، الذي كان هو أيضًا فاشيًّا من حزب كويسلينغ، والذي عُيّن هو الآخر من قبل الاشتراكي تريغفي لي، احتجز كل شيء لنفسه.
كان هذا الصمت القسري المفروض على تروتسكي ورقة رابحة كبرى لستالين، لأن المتهم الرئيسي بدا كأنه يعترف ضمناً بصحة التهم.
وفي 31 أغسطس، صدر مرسوم ملكي استثنائي على عجل يخول الحكومة احتجاز
الأجانب الذين يُعتبرون غير مرغوب فيهم. بعد يومين، في 2 سبتمبر، نقلت الشرطة تروتسكي إلى سوندبي، وهي قرية صغيرة شرق أوسلو، حيث مكث قرابة أربعة أشهر تحت مراقبة ثلاثة عشر شرطيًا، منعوه عمليًّا من أي تنقل أو عمل أو حركة، وأخضعوا رسائله للرقابة، وصادروا المقالات والرسائل التي يحاول إرسالها، واحتجزوا بريده، ومنعوا عنه الزيارات، ثم سرعان ما منعوا حتى التنزه.
تعد مساعدة الاشتراكيين النرويجيين لستالين قيّمة للغاية، لأنها تشل الرجل الأقدر على دحض الأكاذيب، وقد يبدو صمته القسري من الاعتراف الجزئي.
حاول تروتسكي الخروج من هذا المأزق برفع دعوى تشهير ضد رئيس تحرير إحدى الصحف النازية وأخرى ستالينية نرويجية. لكن تريفجي لي تفادى المفاجأة. ففي 29 أكتوبر، صدر مرسوم جديد يخول وزير العدل منع أي أجنبي محتجز من رفع دعوى قضائية، ما لم يحصل على إذن خاص، وهو ما طلبه تروتسكي على الفور، لكن طلبه رُفض فورًا.
تولى ليون سيدوف، في باريس، بموارده المحدودة، مهمة تفكيك صرح الأكاذيب والتناقضات الذي شكلته محاكمة موسكو الأولى، في حين أن اليسار الموحد لم يرغب في إثارة غضب ستالين باسم النضال ضد هتلر. وعمل سيدوف جاهدًا لنشر “الكتاب الأحمر” عن المحاكمة في أوائل عام 1937، كاشفا فيه التناقضات ما احتوت من مستحيلات وتزويرات وتلاعبات. ونحيل قراء صحيفة «الحقيقة» إلى الطبعة المعاد إصدارها التي أعدها مركز CERMTRI في كتيب خاص4.
علق فريديريك أدلر، أمين سر الأممية الاشتراكية، قائلاً:
“الهدف العملي من كل هذه العملية يشكل الفصل الأكثر خسة في المحاكمة.
إنه يتعلق بحرمان تروتسكي من اللجوء في النرويج، وتنظيم مطاردة حقيقية
ضده، وجعل إقامته مستحيلة في أي مكان على وجه الأرض”5.
وبذلك، فإن القصد، كما سيقول ستالين لاحقًا إلى مسؤول مخابراته NKVD المكلف بالتحضير لاغتيال تروتسكي، هو قطع رأس الأممية الرابعة.
تمثل محاكمة موسكو الأولى الحلقة الأولى الظاهرة في السلسلة التي أدت إلى إبادة التروتسكيين السوفييت في معسكرات الغولاغ، وإلى اغتيال رودولف كليمنت، وليون سيدوف، وليون تروتسكي، وآلاف التروتسكيين في جميع أنحاء العالم، دون أن يتحقق الهدف الذي حدده ستالين.
مجلة “الحقيقة” العدد 655-656 –2006
إحالات:
1-Le procès du centre terroriste trotskyste-Zinovievviste, Moscou, 1936, pp. 169 à 176.
2- Gueorgui Dimitrov, Dnevnik, op. cit., p. 125.
3- Le procès du centre antisoviétique trotskyste, Moscou, 1937, p. 573.
4- Cahier du CERMTRI, n°86.
5- Friedrich Adler, Le Procès de Moscou, un procès en sorcellerie, Paris, 1936, p. 40. Léon Trotsky, Œuvres, tome
11, p. 316.
اقرأ أيضا

