لو جرت الانتخابات الفلسطينية ماذا تكون نتيجتها؟
بقلم؛ جلبير الأشقر
مرة أخرى، ألغى محمود عبّاس، رئيس «السلطة الفلسطينية»، الانتخابات التشريعية التي كان قد دعا إلى إجرائها في أراضي 1967 في نهاية الشهر القادم، واعداً بإجرائها بعد حوالي السنة بالتزامن مع انتخابات رئاسية. وقد كان سهلاً توقع هذا التأجيل الجديد، مثلما توقعته أغلبية سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيين (52 في المئة منهم تحديداً) وفق أحدث استطلاع للرأي العام فيهما، وقد أجراه في أوائل الشهر الماضي «مركز العالم العربي للبحوث والتنمية» (مركز «أوراد»، ومقره في رام الله). والحال، مثلما هو معروف، أن أراضي 1967 لم تشهد أي انتخابات منذ عشرين عاماً، بحيث استمرت سلطة رام الله على الرغم من فقدان شرعيتها الديمقراطية إثر انتخابات عام 2006، بينما استمرت سلطة «حماس» في غزة، بعد سيطرتها على القطاع في عام 2007، بلا إجراء أي انتخاب أو استفتاء من جهتها أيضاً.
كما بيّن الاستطلاع المذكور أن 60 في المئة اعتقدوا أن الانتخابات، لو جرت، لن تكون حرّة، و54 في المئة أنها لن تكون نزيهة. والأكثر إثارة للدهشة هو الانخفاض الملفت لثقة السكان بالقادة المعروفين، إذ يبيّن الاستطلاع أن نسبة الثقة بمروان البرغوثي، وهو الأوفر حظاً، لا تبلغ سوى 17 في المئة في الضفة و15 في المئة في القطاع (16 في المئة بالإجمال)، بينما يحظى محمد دحلان بنسبة أعلى في غزة (22 في المئة مقابل 3 في المئة فقط في الضفة، بحيث تبلغ النسبة بالإجمال 10 في المئة). والجدير بالذكر في هذا الصدد أن أبرز قادة «حماس»، وهو خليل الحية، لا يحصل سوى على ثقة 3 في المئة في القطاع و2 في المئة في الضفة (3 في المئة بالإجمال).
تشير النتائج إلى مدى الإحباط الذي أصاب سكان غزة الذين باتت غالبيتهم الواسعة تعلّق آمالها على المساعي الدبلوماسية التي تسعى وراء حل الدولتين
بيد أنه لو دُعي الناس اليوم إلى انتخاب رئيس، لصوّت ثلثهم لمروان البرغوثي (33 في المئة بالإجمال، منهم 45 في المئة في الضفة و25 في المئة في القطاع)، يليه دحلان بنسبة 14 في المئة، يبلغها بفضل شعبيته في غزة (36 في المئة، مقابل 3 في المئة فقط في الضفة!). أما محمود عبّاس فيأتي في المرتبة الثالثة (12 في المئة بالإجمال) قبل خليل الحية (5 في المئة).
أما لو جرت الانتخابات التشريعية في الموعد المقرّر وتنافست فيها لائحة لحركة «فتح» شاملة لكافة أركان الحركة، من محمود عبّاس إلى مروان البرغوثي مروراً بجبريل الرجوب، من جهة، والتحالف بين «حماس» و«التيار الإصلاحي» الذي يقوده دحلان، من الجهة الأخرى، لحصلت «فتح» وفق الاستطلاع على 34 في المئة وتحالف «حماس»-دحلان على 26 في المئة. ومن عجائب السياسة في منطقتنا حيث تمحو المصالح المبادئ مهما كانت، أن «حماس» اتفقت مع عدوّها الغزّاوي اللدود محمد دحلان على عقد تحالف انتخابي، وكان هذا الاتفاق على الأرجح عاملاً حاسماً في قرار محمود عبّاس تأجيل الانتخابات، إذ إن خيار الناس الحقيقي سوف يكون بين سلطته الراهنة، بلا مروان البرغوثي (الذي سبق له أن تحالف مع دحلان)، وحلف «حماس» ودحلان، بما يمنح الحلف حظاً بالفوز.
هذا ويفيد أيضاً التأمل في نتائج استطلاع آخر أجراه «مركز القدس للإعلام والاتصال» (مقره في البيرة) في أراضي 1967 قبل استطلاع «أوراد» بأقل من أسبوعين، وقد بيّن أن أغلبية من السكان تناهز النصف (47.9 في المئة) تؤيد حلّ الدولتين للنزاع مع دولة إسرائيل، وهي نسبة أعلى بكثير في قطاع غزة (59.6 في المئة) منها في الضفة (40 في المئة)، بينما يؤيد 40.3 في المئة دولة واحدة بين النهر والبحر، منهم 21.7 في المئة يرونها مزدوجة القومية مقابل 18.6 في المئة يريدونها فلسطينية بحتاً، وهما أفقان شديدا الاختلاف في الحقيقة. ويتبيّن هنا أيضاً فرقٌ كبير بين القطاع حيث لا يفضل دولة واحدة، مهما اختلف شكلها، سوى 25.8 في المئة بينما يؤيدها نصف السكان في الضفة، أي أكثر من نسبة مؤيدي حل الدولتين.
أما فيما يتعلق بطرق النضال لتحقيق الهدف المنشود، فتؤيد أغلبية السكان بنسبة 55.8 في المئة المفاوضات السلمية، وهي نسبة تبلغ 64.7 في المئة في غزة وتناهز نصف السكان في الضفة، بينما لا تحبّذ المقاومة المسلحة سوى نسبة 13.3 في المئة، منها 9.7 في المئة في غزة و15.7 في المئة في الضفة، بل لا تحبّذ المقاومة الشعبية السلمية سوى نسبة 17.8 في المئة، منها 12.6 في المئة في غزة و21.3 في المئة في الضفة.
وتشير هذه النتائج إلى مدى الإحباط الذي أصاب سكان غزة الذين باتت غالبيتهم الواسعة تعلّق آمالها على المساعي الدبلوماسية التي تسعى وراء حلّ الدولتين كما رسمت ملامحه اتفاقيات أوسلو قبل 33 عاماً، أي أنها تتعلّق بحبال الهواء على غرار أي غريق، إثر الكارثة العظمى التي حلّت بالقطاع خلال السنوات الثلاث المنصرمة. بل طال الإحباط ذاته غالبية سكان الضفة أيضاً، ولو بنسبة أقل. فإن ظهور قابلية جديدة لدى أغلبية سكان أراضي 1967على النضال من أجل تحقيق كامل حقوق الشعب الفلسطيني، تلك التي جرى التوافق عليها بين كافة الفصائل من خلال «وثيقة السجناء» (وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني) في عام 2006، إن ظهور مثل هذه القابلية سوف يتطلب انبثاق طليعة نضالية جديدة من الجيل الجديد، على غرار ما نراه في شتى أنحاء العالم، تتخطى القيادات القائمة حالياً والتي لم تعد غالبية السكان تثق بها.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان
المصدر: القدس العربي
شارك المقالة
اقرأ أيضا

