مقابلة – إيران: بين الحرب والمعارضة اليمينية ومناهضة الإمبريالية المتمركزة حول الدولة
بقلم؛ مينا خانلارزاده وزامانه ميديا | بتاريخ 17 أغسطس 2026
في هذه المقابلة، تتناول مينا خانلارزاده مسألة مناهضة الإمبريالية المتمركزة حول الدولة، والمعارضة اليمينية، والتجارب المعاشة، وتشرح لماذا ينبغي النظر إلى مجتمع إيران مصدرَ فكر سياسي.
في سياق حرب وعقوبات وقمع، كيف بوسع مجتمع إيران تجاوز مخطط ثنائي حيث، من جهة، يُنظر إلى معاناته على أنها الثمن الحتمي الذي على «المقاومة» دفعه، ومن جهة أخرى، تتعرض مختلف أصوات هذه الأخيرة للاحتواء من قبل مشروع المعارضة اليمينية الموحد؟ في هذه المقابلة، تتناول مينا خانلارزاده مســألة مناهضة الإمبريالية المتمركزة حول الدولة، والأزمة الدائمة، وتأجيل النضال ضد الاستبداد الداخلي، ومعنى تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تتساءل أثناء المقابلة عن الأسباب التي تدفع جزءًا من يسار إيران إلى الاستمرار في تقييد النضال ضد الاستبداد الوطني بالمواجهة مع الإمبريالية، وتستفسر عما إذا كان بالإمكان التصدي للضغوط الأجنبية والعقوبات والحرب دون تجاهل دور الجمهورية الإسلامية نفسها في إعادة إنتاج الأزمة، والفساد والقمع. كما تطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت معارضة هذا النظام تعني بالضرورة الانضمام إلى صفوف معارضة يمينية تدمج المطالب الاجتماعية والجندرية والعرقية في إطار مشروع موحد لتغيير النظام.
يتناول الحوار أيضًا مسألة التنظيم داخل إيران ومسؤوليات قوى سياسية في الخارج. ووفقًا لمينا خانلارزاده، لا يمكن تصور «طريق ثالث» مسبقًا من خارج البلد، بل ينبغي أن ينبثق من النضالات القائمة وعلاقة نقدية بين من هم/ن داخل إيران وخارجها. وبشكل أعم، تثير التجربة الإيرانية مسألة ذات طابع منهجي: كيف يمكن للفكر السياسي أن ينطلق من مفاهيم وتحليلات مستمدة من التجربة الاجتماعية والنضال الجماعي، بدلاً من إجبار هذه التجارب على أن تندرج في إطارات نظرية موروثة؟
مينا خانلارزاده متخصصة في التاريخ الثقافي والفكري، وحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا. قبل انضمامها إلى هيئة التدريس في كلية ديب سبرينغز، شغلت مناصب باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة نورثوسترن ومعهد «فوروم ترانسريجيونال ستودين» في برلين. تتمفصل أبحاثها حول محورين رئيسيين: يتعلق الأول بتاريخ إيران الحديثة الفكري والترجمة والعلوم والتكنولوجيا؛ أما الثاني فيتناول الذاكرة السياسية والمشاعر الجماعية.
****************
«زامانه»: في مقال منشور مؤخراً، أوضحتم أن جزءاً من يسار إيران يرى أن مناهضة الإمبريالية قد انتقلت من نقد لعلاقات القوة في العالم إلى عداء تجاه كيان واحد وحسب: الولايات المتحدة الأمريكية. كيف تعرّفون إذن الإمبريالية – أو الإمبرياليات – من منظور دقيق وواضح؟ وفي حالة إيران تحديداً، ما هي الأبعاد التي تغدو غير مرئية في مكانة الجمهورية الإسلامية داخل النظام الرأسمالي العالمي عندما يتم اختزال الإمبريالية في إطار الولايات المتحدة الأمريكية وحدها؟
مينا خانلارزاده: أعتقد أن فهم الإمبريالية اليوم يتطلب تناولها على مستويين: بداية، بوصفها نظام سلطة عالمي، وثانياً، باعتبارها نمط تعبير سياسي لهذا النظام. فلنبدأ بالمستوى الأول. إذا حصرنا الإمبريالية في مجرد القوة الأمريكية وحدها، فلن نتمكن من تفسير كيفية اشتغال هذا النظام بالفعل. صحيح أن القوة الأمريكية تضطلع بدور مركزي، لكن الهيمنة الإمبريالية تُمارس أيضًا عبر النظام المالي العالمي، والتحالفات والتدخلات العسكرية، وأشكال انعدام المساواة التكنولوجية، والتنافس بين القوى العظمى. وبمجرد حصر الإمبريالية في إطار الولايات المتحدة الأمريكية، يتم إغفال آلية اشتغال الرأسمالية العالمية وموقع إيران الخاص في خضم هذه الصراعات الجيوسياسية على حد سواء — بما في ذلك تبعيتها الاقتصادية والسياسية لقوى مثل روسيا والصين. وبالطبع، كان هذا التصور الضيق للإمبريالية، موضوع نقد عميق ومفصل في النقاشات الفكرية باللغة الفارسية.
المستوى الثاني أقرب إلى ما يثير اهتمامي أكثر من غيره. إن اختزال الإمبريالية في عدو واحد — الولايات المتحدة الأمريكية — ينطوي على وظيفة مهمة في الثقافة السياسية. يبدو مقال ستيوارت هول Stuart Hall بعنوان «الغرب والباقي» (The West and the Rest) مفيدًا بوجه خاص في هذا الصدد. يوضح هول كيف يمكن تقديم أشكال مجتمع وتاريخ هي في الواقع متباينة للغاية، على أنها تكتلات متجانسة، حيث تنشأ هذه الوحدة الظاهرية عن طريق معارضة «آخر» خارجي. تستخدم الجمهورية الإسلامية منطقاً مشابهاً. تختلف فصائلها الداخلية بشأن الكيفية التي ينبغي بها تدبير العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن معارضة أمريكا تتيح للنظام السياسي أن يظهر بصورة موحدة من الناحية الإيديولوجية. كما أن المواجهة الدائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية تؤدي وظيفة أخرى: إذ تصون نظاماً سياسياً واقتصادياً تستفيد منه المؤسسات والنخب القوية. ومع اشتداد العقوبات، تطورت الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري، واكتسبت بعض المجموعات مزيدًا من السلطة والحماية. وغالبًا ما يكون المستفيدون من هذا النظام هم أنفسهم الذين يملكون سلطة الحفاظ عليه. وبالتالي، فإنهم لديهم مصلحة مادية ملموسة للغاية في مواصلة هذه المواجهة.
ثم ينقلب المنطق نفسه ضد مجتمع إيران نفسه. تقوم الدولة بتقديم الشعب كأمة موحدة بوجه عدو خارجي، في حين يتم تجاهل النزاعات المرتبطة بالطبقة الاجتماعية والجندر والعرق ومكان الإقامة والدين والحرية السياسية، أو يتم إبرازها على أنها تمثل تهديدًا للأمن. وبالتالي، يمكن اعتبار المطالب الداعية إلى العدالة محاولات لإضعاف الأمة — وهو ما يعني، وفقاً لمنطق الدولة، خدمة العدو. لذلك، لم تعد مناهضة الإمبريالية المتمركزة حول الدولة مجرد موقف في مجال السياسة الخارجية. بل أصبحت أيضاُ آلية تربط بين المطالب الأيديولوجية للدولة، ومصالح أقلية محظوظة تستفيد من أزمة دائمة، والقمع المستخدم لاحتواء المعارضة. وهذا هو أيضًا السبب الذي يجعل قطاعات معارضة عديدة في المجتمع تتبنى موقفًا متشككًا تجاه هاتين المجموعتين: من يؤيدون/ن تمامًا خطاب «المقاومة» الذي تنتهجه الدولة، ومن يدعمون/ن سياستها الخارجية في حين يعارضون/ن قمعها الداخلي.
«زامانه»: في السنوات التي سبقت ثورة عام 1979، كان جزء كبير من المعارضة — ولا سيما تيارات اليسار — يصف الشاه بـ«كلب الإمبريالية المقيد بالسلاسل»، وينظر إلى الاستبداد الداخلي على أنه تعبير عن تبعية هيكلية للقوى الإمبريالية. واليوم، يرى جزء من اليسار — وإن كان أقل عددًا — أن استبداد الجمهورية الإسلامية يمثل رد فعل دفاعي ضد ضغط الإمبريالية وتدخلها، وبالتالي فهو نتيجة ثانوية وتابعة لهما. في كلتا الحالتين، قد تؤدي هذه المقدمات المنطقية عمليًّا إلى إعطاء الأولوية للنضال ضد الهيمنة الأجنبية على حساب النضال ضد القمع الداخلي. ما هي أوجه التشابه والاختلاف بين هاتين الصيغتين التاريخيتين؟ ما هي الآلية النظرية والسياسية التي يتم عبرها تعليق النضال ضد الاستبداد الوطني لخدمة «التناقض الرئيسي» مع الإمبريالية؟ كيف يمكن تحليل العلاقة الحقيقية بين الحرب الخارجية والاستبداد الوطني دون تأجيل المطالب الاجتماعية أثناء الأزمات؟
تنبع هاتان الصيغتان من سياقات تاريخية متباينة للغاية، وقد أدتا وظائف سياسية مغايرة. لكن على الرغم من هذه الاختلافات، فإن كلاهما ينظر في نهاية المطاف إلى القمع الداخلي على أنه أمر ثانوي مقارنةً بالنضال ضد الإمبريالية. في عهد الشاه، كان جزء كبير من اليسار يرى أن الاستبداد نتيجة تبعية إيران للولايات المتحدة الأمريكية. والحال أن تاريخ حتى الجمهورية الإسلامية يبين أن إنهاء التبعية إزاء الولايات المتحدة الأمريكية لا يؤدي بالضرورة إلى الحرية السياسية. واليوم، يقوم جزء من اليسار بقلب هذا الحجة نفسها رأساً على عقب: يُقدَّم استبداد الجمهورية الإسلامية على أنه رد دفاعي ضد التدخل الأجنبي والتهديدات العسكرية. لكن أياً من هاتين الحجتين لا تفسر حقاً شكل السلطة السياسية. فمن المؤكد أن مسألة العقوبات والتهديدات العسكرية قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتشديد الإجراءات الأمنية في الحياة السياسية، وتكثيف حدة القمع، لكن إزالتها لا تفضي تلقائيًا إلى إرساء الديمقراطية. كما تختلف الآثار السياسية لهاتين الحجتين. ففي عهد الشاه، كانت حجة التبعية ساهم في تشكيل تحالف ضد الحكومة، ضم القوميين ومناضلي/ات اليسار والإسلاميين. أما اليوم، فإن التبرير الدفاعي غالبًا ما يوجه الطاقة السياسية نحو مقاومة الضغط الأجنبي بدلًا من الطعن في دولة تحكم على وجه التحديد بفضل هذه الحالة الدائمة من الأزمة.
لهذا السبب، فإن دعم عمل الدولة على مواجهة القوى الأجنبية باسم مناهضة الإمبريالية قد يؤدي، من الناحية العملية، إلى نتيجة عكسية. إذ يقوم على وجه التحديد بإبعاد الانتقادات الموجهة ضد السياسات التي تعرض مجتمع إيران لعقوبات جديدة والحرب والضغط الأجنبي، — بعبارة أخرى، تمامًا الظروف التي ينبغي أن تعارضها أي سياسة مناهضة للإمبريالية. قام العمال/ات الإيرانيون/ات أنفسهم/ن مرارًا وتكرارًا بالتأكيد على هذه الصلة، وربطوا/ن بشكل مباشر بين السياسات الإقليمية للدولة ومغامراتها النووية وفقرهم/ن وخطر الحرب. عندما يصبح صون النظام السياسي والاقتصادي القائم مرادفاً لمقاومة الإمبريالية، تبدأ معانات المجتمع تدريجياً في البروز كثمن مقبول. منذ ما يفوق عقدين، يرفض المتظاهرون/ات بصورة منهجية هذه التسوية. بدلاً من قبول أزمة دائمة باسم قضية إقليمية أوسع نطاق، طالبوا/نّ بإحداث تغيرات في نظام مترابط يشمل الأزمات والقمع والفساد وضروب الحرمان الاقتصادي. قاموا/ن برفع شعارات: «انسوا البرنامج النووي واهتموا بنا»، وبدلاً من «تخصيب اليورانيوم»، طالبوا «بإثراء الحياة». ومؤخراً، أعرب المتقاعدون/ات عن هذا الرفض نفسه. في الأحواز: «كفى إشعالا للحروب — موائدنا فارغة». وفي كرمانشاه: «التضخم وارتفاع الأسعار — لا للحرب والدمار». ترفض هذه الشعارات في آن واحد الوعد بتقديم تضحيةٍ اليوم من أجل تحقيق تحرر غدًا، وفكرة أن على المجتمع تأجيل نضاله إلى لحظة من المفترض أن تكون أكثر ملاءمة. حتى ذلك الحين، قد تكون الحرب ألحقت المزيد من الدمار في البلد وفاقمت فقر من يناضلون/ن بالفعل لنيل حقوقهم/ن.
«زامانه»: تؤكدون على ضرورة أن تشكل التجربة التي يعيشها الأفراد منطلقاً لإعادة التفكير في الإطار النظري لليسار. وتنتقدون يساراً ينتظر أن يصبح المجتمع جديراً بمفاهيمه، بدلاً من ترك تجربة المجتمع تقوم بتغيير هذه المفاهيم. إن الانطلاق من مبدأ أن الأشخاص جاهلون أو مخدوعون يؤدي بوضوح إلى شكل من أشكال النزعة الطليعية التي تفضي إلى مزيد من الابتعاد عن المجتمع. لكن هل كل ما هو حقيقي – بما في ذلك التجربة الملموسة والمعاشة للأشخاص – هو بالضرورة حكيم؟ لا تتسم التجربة الاجتماعية بطابع متجانس ولا تخلو من التأثيرات الخارجية. قد تتضمن مطالب ديمقراطية وقائمة ًعلى المساواة جنبًا إلى جنب مع توقعات بالتدخل الأجنبي واتجاهات استبدادية. ما هي الطريقة التي يمكن أن يعتمدها اليسار ليأخذ التجربة الاجتماعية على محمل الجد دون اختزالها في «وعي زائف»، مع تجنب الخطأ المعاكس المتمثل في التعامل تلقائيًّا مع جميع الرغبات المختلفة والمتناقضة داخل المجتمع على أنها حقيقة سياسية؟
لا تخبرنا التجربة المعاشة، في حد ذاتها، بما هو صائب أو ذو طابع تحرري من الناحية السياسية. لكن تمنحنا عناصر يمكن عبرها التساؤل عن الكيفية التي تتشكل بها الروايات التي يحكيها الناس عن تجربتهم الخاصة، وعن التناقضات التي تحتويها، وعما تكشفه بشأن الظروف السياسية لحياتهم. إذا رفضنا هذه العناصر ووصفناها بـ«وعي زائف»، فإننا نفوت فرصًا قد تساعدنا على فهم المجتمع بشكل أمثل. منذ الحراك الأخضر — الذي اندلع عندما كان المتظاهرون/ات يرفعون/ن شعارات في الشوارع مثل «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران» —، أصبحت الفجوة القائمة بين بعض شرائح المجتمع والسياسات الإقليمية التي تعتمدها الدولة واضحة بشكل مطرد. قام قسم من اليسار بتفسير هذا الشعار وغيره من شعارات مماثلة على أنها أشكال تعبير عن النزعة القومية المتطرفة أو العداء تجاه فلسطين. كان رد الفعل هذا بحد ذاته دليلاً على مدى ابتعاده عن الانشغالات المادية لقطاعات المجتمع الساخطة وتطلعاتها. أدت الانتقادات الدائرة أثناء السنوات التالية ضد السياسة النووية وتكاليف «محور المقاومة» إلى توسيع هذه الفجوة. إذ أصبحت قطاعات المجتمع المعارضة واعية على نحو متزايد بتكاليف هذه السياسات ومخاطرها، وشددت تركيزها على التنمية الوطنية وتحسين ظروف السكان المعيشية. لم يتمكن جزء من اليسار والتيار الإصلاحي من التكيف مع هذا التغير الحاصل في المجتمع، واتسعت الفجوة بينهما وبين القطاعات الاحتجاجية. أعتقد أن هذه الفجوة شكلت أحد العوامل التي أتاحت للمعارضة اليمينية والتيار الملكي كسب مزيد من النفوذ على الساحة السياسية الإيرانية. مع ذلك، وعلى مدى ما يفوق ثماني سنوات، قام محللون عديدون بتفسير صعود التيار الملكي بمجرد تعرض أنصاره للخداع من قبل قناة مانوتو تي في أو تلفزيون إيران الدولي. بعبارة أخرى، قاموا/ن بتعريف «الآخر» السياسي على أنه شخص كان ضحية تلاعب. ونتيجة لذلك، لم يتم بأي وجه العمل بجدية على تفحص المشاعر الجماعية والروايات والانقسامات الاجتماعية الكامنة وراء هذا الاتجاه. لاحقًا، عندما واجه بعض نفس هؤلاء الأشخاص أسلحة الدولة أثناء تظاهرات كانون الثاني/يناير، وُصفوا بـ«الفاشيين» و«اليمين المتطرف». كانت هذه الألقاب شاهدة على مدى وفاء الموقف المتشبث بالتحليل السابق أكثر مما كانت محاولة حقيقية لفهم التحولات الجارية داخل المجتمع. أدت طريقة التفكير هذه إلى الحاق أضرار جسيمة بفضائنا السياسي
يتخذ هذا العجز عن فهم التغيرات الاجتماعية شكلاً أكثر تحديداً داخل اليسار المناهض للإمبريالية. ينطلق هذا التيار عموماً من مبدأ أن المتظاهرين/ات ساذجون/ات على الصعيد الجيوسياسي، وأنهم/هن لا يفهمون/ن عنف الدولتين الأمريكية والإسرائيلية بنفس الدرجة التي يدركها المعلقون/ات الذين/اللاتي غالباً ما يعيشون/ن في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا، بعيداً عن العقوبات وخطر الحرب. ينطلق والحالة هذه من مبدأ أن المتظاهرين/ات غير قادرين حتى على إدراك مصالحهم/ن الخاصة. كما لو كان هناك، من جهة، «سكان أصليون ساذجون»، في حين كان ثمة، من جهة أخرى، مناهضون/ات للإمبريالية الذين/اللاتي يتصورون/ن أنهم/ن يمتلكون/ن فهم العلاقات الدولية بشكل سليم. ولهذا السبب، فإن الشعارات التي تشير إلى عهد بهلوي إما تُختزل في كونها أدلة على التلاعب من قبل وسائل الإعلام الأجنبية، أو تُرفض على أنها مجرد حنين ساذج إلى الماضي. أثناء تظاهرات كانون الثاني/يناير، عندما كان انقطاع إنترنت يجعل أي تحقق مستقل مسألة مستحيلة عملياً، سارع بعض المعلقين/ات ًمن هذا التيار إلى إرجاع الانتفاضة إلى اختراق من قبل الموساد أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). قام البعض حتى بإعادة تفسير معلومات غير مؤكدة حيث يبدو العنف الذي تمارسه الدولة وكأنه رد فعل حتمي على التدخل الأجنبي. في هذا الإطار، لا ينظر إلى الإيرانيين/ات كفاعلين/ات سياسيين/ات إلا عندما تتوافق أقوالهم/ن وأفعالهم/ن مع نظرية محددة مسبقاً بشأن مقاومة الإمبريالية.
يبدو أن المعارضة اليمينية تبدي تضامناً أكبر مع الشارع والمعتقلين/ات. لكن عادةً ما تتعامل مع كل ما يقوله المتظاهرون/ات في لحظة معينة على أنه إعلان صريح بلا وساطة عن الحقيقة السياسية. فعلى سبيل المثال، فإن الشعارات التي تشير إلى رضا بهلوي تُفسَّر كمجرد دعم مباشر لإعادة إرساء الملكية. يرى هذا التيار أن الملكية هي الصوت الأصيل الوحيد في المجتمع، وينظر إلى خصومه السياسيين على أنهم أسرى الماضي، وينعتهم بـ«السبعة والخمسينيين» كلقب احتقاري — في إشارة إلى عام 1357 من التقويم الإيراني، وهو عام ثورة 1979. لا يعترف جزء من هذا التيار بالمتظاهرين/ات كفاعلين/ات سياسيين/ات إلا بعد تجريد المطالب المتعلقة بالمساواة الجندرية أو الحقوق العرقية أو الحقوق الشغلية من أكثر محتواها جذرية ودمجها في إطار معارضة موحدة ضد الدولة. على سبيل المثال، يُنظر إلى مطالب الأكراد بشأن الحقوق اللغوية على أنها تهديدات للوحدة الوطنية. وفي الوقت نفسه، هناك كُثر/ات، داخل هذا التيار، علقوا/ن آمالهم/ن على رئيس أمريكي هدد بقصف إيران «لإعادتها إلى العصر الحجري»، وتحدث عن تغيير حدود البلد بعد شن حرب، ووعد بتوجيه غارات على البنية التحتية قد تدمر الحياة اليومية والبيئة. وهذا هو بيت القصيد: على الرغم من الخلاف الشديد بين هذين المعسكرين بشأن مسائل عديدة، فإن كلاهما يضع الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية المطاف في المركز، ويهمش الصوت السياسي الخاص في مجتمع إيران.
كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ أعتقد أن ذلك يتطلب تعاونًا مستمرًا بين مختلف مجتمعات إنتاج المعرفة. لا يزال البحث النقدي باللغة الفارسية مهمشًا، سواء بسبب قمع الدولة أو لأن حواجز لغوية ومؤسسية تمنع جزءًا كبيرًا من هذا البحث من ولوج النقاشات الناطقة باللغة الإنجليزية. كما يبذل الصحفيون ومناضلو/ات حقوق الإنسان الناطقون باللغة الفارسية جهودًا لا غنى عنها، غالبًا ما تكون على حساب حياتهم/ن. ولولا شهاداتهم/ن، لكان من الصعب للغاية — وحتى من المستحيل تمامًا — تحصيل جزء كبير من هذه المعلومات. لكن التوثيق الذي يتم إنجازه عندما تكون الحركة لا تزال قيد التشكل لا يمكنه، بمفرده، أن يفسر ما ينبثق من انتقادات وتطلعات سياسية، ولغات ومتخيلات، وأشكال انتماء. ما نحتاج إليه هو لقاء وحوار دائمين بين كل مختلف هذه الأشكال من المعرفة، بالتوازي مع أرشيفات التعبير السياسي التي ينتجها المجتمع نفسه. لا يمكن أن يقتصر هذا اللقاء على الجامعة. عليه أن يغير الإطارات التي نفهم عبرها الحركات السياسية في إيران ونفسرها ونحكم عليها، بقدر ما تتشكل معالم هذه الأخيرة.
على الرغم من قطع خدمات إنترنت عقب تظاهرات كانون الثاني/يناير، وعلى الرغم من جميع المحاولات الرامية إلى التحكم بما كان يأتي من إيران، خلّفت هذه التظاهرات أرشيفاً غنياً من التعبير السياسي، تم توثيقه ونشره من قبل صحفيين ومتظاهرين/ات ومناضلين/ات ومنظمات مدافعة عن حقوق الإنسان. قُمتُ على إجراء دراسة أولية لهذه الأرشيفات في سلسلة من ثلاثة أجزاء بعنوان «المشرحة هي كربلاء» (الجزء I والجزء II والجزء III). يرى بعض المحللين أن هذه التظاهرات لم تكن سوى انفجار سخط أو تمرد. بالنسبة لي أيضًا، قدمت لي هذه الأرشيفات درسًا مهمًا: ففي المكان نفسه الذي لم يكن فيه البعض يرى سوى السخط أو التلاعب أو وعيا زائفًا أو اليمين المتطرف، كان ثمة أشياء كثيرة يمكن رؤيتها وتعلمها. ما توضحه هذه الأرشيفات هو أن اللغات الدينية والسياسيات الموروثة – تلك اللغات نفسها التي استولت عليها الدولة لتبرير عنفها – فقدت جزءًا كبيرًا من سلطتها السابقة. لم يعد كُثر يرغبون في التعبير بلغة تستخدمها الدولة لممارسة العنف. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه اللغات قد أصبحت مهملة ببساطة. إذ يظهر أرشيف شهر كانون الثاني/يناير العكس تمامًا. كان الناس يعملون على نزع هذه اللغات من قبضة الدولة، ونقلها وإعادة بنائها. تتم عملية إعادة البناء هذه بشكل خاص عن طريق نوع من عملية التكاثر: تكاثر نسبة الزمان المقدس وجغرافية المقاومة. لم تعد كربلاء مجرد اسم لمكان تاريخي فريد. بل تمتد لتشمل المشرحة والمقبرة والشارع والسجن — جميع الأماكن التي قُتل فيها متظاهر/ة. لم يعد يوم عاشوراء محصوراً بتاريخ واحد في التقويم الديني. فكل تاريخ تقوم فيه الدولة بقتل شخص ما، وكل يوم حداد، يصبح يوم عاشوراء جديد. ولأن الكلمات الموروثة لم تعد قادرة بمفردها على تحمل عبء الحزن والرفض، يتولى الجسد جزءًا من مهمة التعبير السياسي — عن طريق الإيقاع والتصفيق والرقص والزغاريد والحداد الطقوسي، وغيرها من أشكال الحداد. لا يمكن اختزال هذه الحركات في مجرد سرد لمشهد «حداد بهيج». أثناء نفس الجنازة، قد ينتقل جسد مباشرةً من الرقص إلى جلد الذات بشكل طقسي، أو من الصرخات إلى الأنين، قبل أن ينهار ويسقط أرضاً. لا تنبع هذه الحركات من وفرة في إمكانيات تعبير سياسي. بل تنبثق مما وصفه أب في حالة حداد بـ«الفقر المدقع». مع ذلك، فإن اللغة السياسية وممارسات الحداد تتنوع وتزداد ثراء في الآن ذاته. يعتمد المتظاهرون/ات والأسر سعياً إلى تحقيق العدالة على الأناشيد باللغات المازاندارانية والكردية واللورية، وعلى الموسيقى الشعبية وموسيقى الراب الاحتجاجية، فضلاً عن تقاليد الحداد في مختلف المناطق. عن طريق هذه الأشكال، يصبح الحزن عملاً سياسياً يتجاوز الانقسامات ويخلق أشكالاً انتماء جماعي جديدة دون محو الاختلافات الجندرية واللغوية والعرقية والإقليمية.
«زامانه»: يعتقد العديد من المناضلين/ات النقابيين/ات والمعتقلين/ات السياسيين/ات وفعاليات المجتمع المدني في إيران أن على اليسار أن يكون قادراً على النضال في آن واحد ضد الهيمنة الأجنبية والاستبداد الوطني — وهو موقف يسمى أحياناً «الطريق الثالث». ما هي الأسس النظرية، والظروف التنظيمية، وأشكال العلاقات الاجتماعية والسياسية، اللازمة في إيران وخارجها، حتى يتسنى لهذا الموقف — الذي لا يحظى إلا بدعم ضئيل من الحكومات أو وسائل الإعلام الرئيسية، بغض النظر عن المعسكر الذي ينتمي إليه في النزاع الدائر بين الجمهورية الإسلامية والغرب — أن يترسخ ويؤثر على التطور السياسي؟
منذ عقود، لم تؤدِ السياسة التي تنتهجها الدولة باسم «المقاومة» إلى التحرر، بل إلى الحرب والعقوبات والأزمة الاقتصادية. وبالتالي، لم يعد العديد من المتظاهرين/ات ينظرون/ن إلى السياسات النووية والإقليمية للدولة على أنها منفصلة عن الفساد والقمع وأزمة الحياة اليومية. ما انبثق عن هذه النضالات هو مطلب بتحقيق شكل مغاير من أشكال حكم — قائم على المساءلة والتنمية الوطنية بدلاً من المواجهة الجيوسياسية والأزمة الدائمة. يكمن المنطلق النظري في أن النضال ضد الهيمنة الأجنبية والنضال ضد الاستبداد الداخلي ينبغي ألا يُعامل كلاهما كمشروعين منفصلين أو متنافسين. هناك شعار رفعه مناضلون/ات نقابيون/ات بعد حرب الاثني عشر يومًا يعبر عن ذلك بوضوح بالغ: «لا تمثل الصواريخ الباليستية وتخصيب اليورانيوم خيارنا؛ بل إن إثراء حياتنا هو حقنا غير القابل للتصرف». لا يكتفي هذا الشعار بإعلان جملة أخرى من الأولويات وحسب، بل إنه يطعن أيضًا حتى في التمييز الذي مفاده أن بالإمكان دعم سياسة «المقاومة» التي تعتمدها الدولة في مواجهة القوى الأجنبية، وفي الوقت نفسه معارضة الفساد والقمع على الصعيد الوطني.
في ظل الظروف الحالية، لا يمكن حتى إدراك الكيفية التي من المفترض أن يعمل بها هذا التمييز في الواقع. بالأقل، فإن جزء الدولة الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار يقوم في الآن ذاته بإعدام المتظاهرين/ات – أي أنه يمارس العنف داخل إيران – ويصر على مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية – أي أنه يستمر في الحرب ونهج سياسة «المقاومة». يقوم حتى جزء الدولة هذا بتقديم أي اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تسوية معها على أنه تراجع، وينظم تظاهرات تدعو إلى الانتقام والتصعيد. في ظل هذه الظروف، فإن دعم الدولة في مواجهتها مع القوى الأجنبية لا يعني بالضرورة معارضة الحرب. من الناحية العملية، قد يعني ذلك تأييد سياسة تؤدي إلى إطالة أمد الأزمة والحرب على حد سواء. كما أن معارضة القمع الداخلي لا يمكن تأجيلها إلى مستقبل غير محدد. يعمل هذا الموقف، من الناحية العملية، على وصف التظاهرات التي تنظمها الدولة للمطالبة بالانتقام والتصعيد بأنها «مقاومة»، في حين يهمش المتقاعدين/ات المحتجين/ات على الفقر والحرب، والمعتقلين/ات الذين/اللاتي ينظمون إضرابات ضد عمليات الإعدام. لا يتضح سبب ضرورة أخذ الفئة الأولى على محمل الجد في حين يتم تهميش الفئة الثانية في هذه اللحظة. وبالتالي لا ينطوي هذا الموقف على انعدام التناسق من الناحية السياسية وحسب، بل إنه يقوض أيضاً بوجه التحديد ثقة من ينادي اليسار بالدفاع عن حقوقهم/ن ومصالحهم/ن. لذلك، فإن إنهاء الحرب، وتخفيف حدة المواجهة الإقليمية، والتخلي عن السياسات التي تساهم في استمرار العقوبات، قد تصبح هي نفسها مطالبَ مناهضة للإمبريالية. قد تؤدي هكذا مطالب إلى تقييد حدود مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على ممارسة الضغط على مجتمع إيران، وقدرة الدولة على الحكم عبر أزمة دائمة. لن تفضي هذه التغيرات بالضرورة إلى جعل الدولة أكثر ديمقراطية. لكن قد تضعف جزءًا من الآلية التي يتوطد عن طريقها الضغط الخارجي والاستبداد الداخلي بشكل متبادل. قد يؤدي ذلك، بدوره، إلى إتاحة مزيد من المساحة للمجتمع تعبيرا عن مطالبه.
تؤدي مختلف النضالات الدائرة في إيران بالفعل إلى خلق لغة سياسية مشتركة. يقوم معتقلون/ات سياسيون/ات وغير سياسيين/ات من جميع أنحاء البلد كل يوم ثلاثاء، بتنظيم إضرابات ضد عمليات الإعدام، مما يؤدي إلى صون شكل من أشكال المقاومة الجماعية داخل إحدى المؤسسات الخاضعة لأشد رقابة من قبل الدولة. كما ينظم المتقاعدون/ات تجمعات كل يوم أحد في مدن عديدة تنديدا بالمشاكل المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والحرب والأزمة الاقتصادية والسجن وعمليات الإعدام. يرفعون/ن شعارات مثل: «سبل العيش، والكرامة، والرعاية الصحية المجانية هي حقوقنا غير القابلة للتصرف». يعيد هذا الشعار صياغة شعار الدولة «الطاقة النووية حقنا غير القابل للتصرف». وعلى غرار شعار المناضلين/ات النقابيين/ات، فإنه يعيد توجيه النقاش الدائر بشأن الحقوق الوطنية، ويبعده عن المشاريع الاستراتيجية للدولة لإعادة مركزته حول ظروف السكان المعيشية الفعلية. يؤدي تكرار هذه التحركات، إلى خلق استمرارية ولغة مشتركة وشبكات عمل جماعي. ومن يؤكدون/ن أن مجتمع إيران لا يمتلك مقدرات سياسية أو تنظيمية، غالبًا ما لا يرون سوى المؤسسات الظاهرة والممركزة، في تجاهل لأقل هذه الأشكال التنظيمية بروزاً.
أصبحت تكلفة التنظيم في إيران باهظة للغاية، وقد تؤدي إلى قمع شديد. لا يكفي والحالة هذه القول ببساطة إن على المجتمع أن يعزز تنظيمه، كما لو أن العقبة الوحيدة كانت متمثلة في غياب إرادة سياسية. يكمن السؤال في كيفية دعم الشبكات والممارسات القائمة بالفعل دون تعريض من يناضلون في إيران لمزيد من الخطر. قد يكون العمل السياسي خارج إيران أيضًا ضروريًا وفعالًا، لكن لا يمثل تلقائيًّا المجتمع داخل البلد. أثار جزء من المعارضة توقعات بشأن تحقيق الأمن والنصر الوشيك، مما دفع المتظاهرين/ات، أثناء تظاهرات كانون الثاني/يناير 2026، إلى التقليل من شأن خطورة العنف الذي تمارسه الدولة. أود أن أضيف أن هذا لا يعني أن المتظاهرين/ات قد خُدعوا وحسب. إذ أن أسباب تظاهرهم/ن كانت خاصة بهم/ن. ما كان مضللاً هو ما تمت اثارته من توقعات حولهم/ن بشأن تحقيق الأمن والنصر الوشيك. ينصب السؤال على مسؤولية من أطلقوا/ن هذه الخطابات، وليس على إنكار مقدرة المتظاهرين/ات على العمل كفاعلين/ات سياسيين/ات. على العكس من ذلك، قبل جزء من اليسار المناهض للإمبريالية خطاب الدولة بشأن «الاختراق» وشكك في شرعية المتظاهرين/ات السياسية قبل حتى أن يحاول فهم مطالب المظاهرات وتناقضاتها. في كلتا الحالتين، كان الإيرانيون/ات أنفسهم/ن هم/ن من دفعوا/ن ثمن خطابات مصاغة في معظمها خارج البلد. وبالتالي، فإن العلاقة بين الداخل والخارج ليست محايدة ولا تمثل مجتمع إيران بشكل طبيعي.
لا يمكن تصور «طريق ثالث» بشكل مجرد خارج إيران ليتم تصديره لاحقًا إلى مجتمع إيران. لكي يكتسب هذا الموقف معنى وقوة سياسيتين، ينبغي أن ينبثق من النضالات القائمة، واللغات السياسية التي ينتجها المجتمع نفسه، ومن علاقة مستمرة بين المناضلين/ت داخل البلد وخارجه. يتمتع من يعيشون/ن خارج إيران بمزيد من حرية التنظيم، لكن الانشغالات والأولويات والتساؤلات والتصورات السياسية داخل إيران وخارجها ليست بالضرورة متطابقة. قد يساهم النشاط السياسي في الخارج عن طريق إعداد تقارير وتحليلات وترجمات، مما يؤدي إلى توسيع نطاق النضالات في إيران وتعزيز التضامن. لكن عليه أن يظل منخرطًا في إطار نقاش حثيث ونقدي مع هذه النضالات. لا يمكن أن ينطلق من مبدأ أن روايته الخاصة هي انعكاس واضح ومباشر لتجربة الأشخاص داخل البلد. كما عليه أن يأخذ بالاعتبار الطريقة التي تعمل بها تأكيداته على تشكيل الفهم العام لهذه النضالات، وعلى بلورة التوقعات السياسية، وتقييم المخاطر. وبالتالي، فإن هذا الموقف ليس «طريقاً ثالثًا» جاهزًا أو محددًا سلفًا. بل هو شكل من أشكال الممارسة السياسية التي تنتقد الهيمنة الأجنبية دون أن ترفض التجارب التي عاشها المجتمع في مواجهة التداخل بين الاستبداد الوطني وسياسة «المقاومة» التي تنتهجها الدولة، بوصفها تجارب ساذجة أو غير مشروعة.
«زامانه»: أنتم ترون أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية يمثل، بالنسبة لعدد كبير من الإيرانيين/ات، وسيلة لوضع حد لخطاب «حالة الطوارئ الدائمة» وللعودة إلى الحياة الطبيعية. ما هي أشكال الضمان السياسي والعمل الاجتماعي اللازمة لكي يتيح هذا التطبيع فعليًّا الحد من القمع وفتح آفاق ديمقراطية، بدلاً من أن يقتصر على مجرد إعادة توازن في موازين القوى، أو فتح الأسواق، أو خلق شكل جديد من التبعية؟
ينبغي عدم الخلط بين «التطبيع» و«الدمقرطة». لا يؤدي «التطبيع» بحد ذاته إلى تحقيق الحرية السياسية أو إنهاء النظام الاستبدادي. لكن هذا لا يعني أنه عديم الأهمية. على مدى عدة عقود، أسست الجمهورية الإسلامية شبكة إقليمية معروفة باسم «محور المقاومة»، مع اتباعها في الوقت نفسه سياسة نووية تراها إسرائيل تهديداً لوجودها، واستخدمتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتبرير ممارسة ضغوط شديدة واتخاذ إجراءات عسكرية. وكما كتب حشمت الله فلاحاتبيشه في رسالة مفتوحة إلى علي أكبر ولايتي: «قمتم بتحويل الحرب العربية الإسرائيلية إلى حرب بين إيران وإسرائيل». بعبارة أخرى، فإن مواجهة كان من المفترض — بالأقل وفقًا للخطاب الرسمي — أن تحقق أمن إيران، أدت في آخر المطاف إلى إدخال الحرب إلى إيران نفسها وتحميل المجتمع تكاليفها. حتى حمزة صفوي، نجل يحيى رحيم صفوي، شكك في حجة الردع النووي. حيث صرح بأن اليورانيوم المُخصَّب بنسبة 60% لم يكن تمكن من ردع هجوم على إيران، وكان من الضروري التساؤل عما إذا كانت هذه السياسة نفسها هي أحد العوامل التي عرَّضت إيران لهجوم. من الواضح أن نظام العالم قائم على انعدام المساواة. لكن الاعتراف بانعدام المساواة هذا لا يعني أن مجتمع إيران عليه دفع ثمن ذلك مرتين: بدايةً بسبب سياسات الدولة، وثانياً بفعل الحرب الناجمة عن هذه المواجهة — خاصة وأن الدولة تتعامل مع المتظاهرين/ات في الشوارع باستخدام العنف المفرط وتلجأ إلى الإعدام لبث الرعب ومعاقبة المعارضة.
يتمثل السؤال المطروح والحالة هذه في معرفة السبب الذي جعل مطلب المجتمع بإنهاء سياسة الأزمة التي تنتهجها الدولة هامشيًا لفترة طويلة جدًّا، على الرغم من أن التعبير عنه قد كان قائماً مرارًا وتكرارًا أثناء عقدين من التظاهرات. قام جزء من التيارات الإصلاحية والمناهضة للإمبريالية بالسعي عمومًا إلى دعم المواجهة التي يخوضها نظام الجمهورية الإسلامية ضد القوى الإمبريالية، وانتقاد القمع الذي يمارسه داخل البلد على حد سواء. في هذا الإطار، كان يُنظر إلى المواجهة بين الجمهورية الإسلامية والقوى الأجنبية على أنها ضرورية ومشروعة، في حين كان القمع الداخلي يُطرح كمسألة منفصلة ونتيجة لتلك المواجهة. لذلك، لم يكن بالإمكان النظر إلى أي مطلب يدعو إلى إنهاء المواجهة بحد ذاتها سوى على أنه استسلام أو سذاجة جيوسياسية.
ذهب تيارات أخرى داخل المعارضة إلى ما هو أبعد من الإصلاح بعد «الحراك الأخضر» عام 2009، وخلصت إلى أن ثورة جديدة كانت ضرورية، لكن هذه التيارات وصلت إلى نفس المأزق عبر طريق مغاير. كانت طاقتها السياسية مصوّبة نحو تغيير النظام أكثر من توجهها نحو تعزيز مطالب المجتمع بإحداث تغيرات في السياسات النووية والإقليمية للدولة. كان معسكرٌ يدافع عن دور الدولة في المواجهة. وكان المعسكر الآخر حدد هدفًا رئيسيًّا متمثلًا في إطاحة الدولة، وحتى قد انحاز جزءٌ منه إلى قوى في نزاع مع الجمهورية الإسلامية. لم يقم أي من المعسكرين بالاعتراف بمطلب المتظاهرين/ات الرامي إلى إنهاء المواجهة نفسها بوصفه مطلبًا سياسيًا جادًّا، أو بالعمل على تطويره.
أصبح حتى خطاب الدولة الرسمي بالفعل يعمل على تعقيد فكرة وجود مشروع «مقاومة» موحد. أقر وزير الخارجية، عباس عراقجي، بأن شبكات الاختراق داخل الدولة كانت قد نقلت معلومات حساسة إلى أجهزة استخبارات أجنبية، وأعلن أن هذه الشبكات لا تزال تؤثر على عملية صنع القرار السياسي. أما النقاش العام، فإنه يردد توقعين واضحين تماماً بشأن المستقبل. فمن ناحية، يؤكد البعض أن النخبة الحاكمة حالياً هي أصغر سناً وأكثر براغماتية من الجيل السابق، وأنها تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية، ولم تعد متمسكة بالمثل العليا الثورية للأجيال السابقة. من ناحية أخرى، يدعي آخرون، بنفس الدرجة العالية من اليقين، أن الالتزامات الأيديولوجية والمؤسسية للجمهورية الإسلامية تجاه محور المقاومة قد أدت إلى خلق تشكيل مؤسسي يجعل هكذا تحول مستحيلاً. لا يستند أي من هذين التأكيدين إلى أدلة كافية. وما تبرزه تصريحات عراقجي بقدر أكبر من اليقين هو وجود نزاع حقيقي وتنافس فعلي داخل حتى أجهزة الدولة. وعلى أقل تقدير، يمكن القول إن معنى «المقاومة»، والمصلحة الوطنية، وإمكانية تطبيع، هي أمور محل خلاف حتى داخل المؤسسة الحاكمة نفسها. إن ما يثيره المتظاهرون/ات منذ سنوات من شكوك بشأن مدى خدمة هذه السياسات بالفعل للمصلحة الوطنية، لم يعد ممكناً تجاهلها ببساطة كسذاجة جيوسياسية.
إذا ما حدثت عملية التطبيع، فينبغي أن تشكل منطلقاً لمطالب سياسية تجاه الدولة، لا ختاماً لها. قد يؤدي رفع العقوبات وانفتاح الاقتصاد إلى التخفيف من حدة بعض الأزمات القائمة، لكن دون رقابة عامة، فإنهما قد لا يفضيان في نهاية المطاف سوى إلى إعادة توزيع الموارد والسلطة بين المؤسسات والشبكات. يكمن السؤال المطروح في كيفية تحويل عملية التطبيع إلى فرصة لتوسيع نطاق الحقوق والمسؤولية والمطالب العامة، بدلاً من أن تكون مجرد آلية إضافية لتوطيد السلطة. إذا كانت المطالب المنبثقة من المجتمع قد استغرقت وقتاً طويلاً حتى يتم الاعتراف بها، ولو كحجج سياسية وحسب، فقد ينبغي علينا بداية إعادة النظر في منهجنا الخاص. يجب أن ينطلق التفكير السياسي من المفاهيم والتحليلات المستمدة من التجربة الاجتماعية والنضال الجماعي، بدلاً من إعادة صياغتها داخل إطارات موروثة أو نظريات مجردة للإمبريالية.
لكن ما هي المفاهيم التي قد تقدمها تجربة إيران لنا لفهم السياسة خارج نطاق إيران نفسها؟ في رأيي، تتمثل إحدى الإجابات المحتملة في الطريقة التي ندرك بها المعرفة السياسية وننتجها. إذ تبين طريقة تفاعل التيارات السياسية المختلفة مع نضالات مجتمع إيران أن الإطارات النظرية ولغات التضامن — حتى عندما تُستخدم دفاعاً عن الناس — قد تعرض أصوات هؤلاء الناس للرقابة أو الفحص أو الفرز أو الحجب أو التأويل المسبق.
تقوم عادة رائجة في بعض أوساط اليسار في أوروبا وأمريكا الشمالية على البحث عن المقاومة بوجه التحديد في الأماكن التي علمتهم النظرية بالفعل أن يجدوها فيها: في الدول والحركات التي تنتهج خطاباً معادياً لأمريكا أو إسرائيل. ومن هذا المنطلق، لا يتم تفحص الواقع لإخضاع المفاهيم للاختبار، لكن لإيجاد أمثلة تؤكد نظريات قائمة. ونتيجةً لذلك، قد يحل التضامن مع معارضي/ات هذه الحكومات أحيانًا مكان أي محاولة جادة لفهم الفكر السياسي والمشاريع السياسية لهؤلاء الفاعلين/ات أنفسهم. يكفي أن تقوم دولة أو حركة باستهداف العدو «الصحيح» ليتم الاعتراف بها كشكل من أشكال المقاومة، دون أن يتساءل أحد عن التصور الفعلي الذي تقدمه بشأن الحرية أو المساواة أو الحياة الجماعية. عندما تتعارض التجربة الاجتماعية لمجموعة ما مع هذه الصياغات — عندما ينظر المتظاهرون/ات الإيرانيون/ات، على سبيل المثال، إلى السياسات المطبقة باسم «المقاومة» ليس كطريق نحو التحرر، بل كمصادر للفقر والفساد والقمع والأزمة —، فإنه ينبغي أن تحث هذه التجربة النظرية على إعادة النظر في نفسها. لكن من الناحية العملية، غالبًا ما يحدث العكس، وتُختزل معاناتهم في كونها تكلفة حتمية للنضال ضد الإمبريالية.
تقوم نفس هذه التجربة أيضًا بلفت انتباهنا إلى خطر آخر ملازم لبعض أشكال التضامن الليبرالي. قد تعمل هذه التيارات على الاعتراف بالقمع الذي تتعرض له المجموعات المهمشة على يد حكومات يُنظر إليها بازدراء في الغرب، وعلى التعبير عن تضامنها معها. لكن قد تفصل أيضًا التجارب والخطابات السياسية لهذه المجموعات عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية الخاصة، لتدمجها في إطار رواية جاهزة ومتمركزة حول أوروبا عن الحرية والتقدم والتفوق الغربي. لا تُسمع أصواتها إلا بقدر ما تندرج ضمن إطار هذه الرواية، في حين قد يتم تجاهل انتقاداتها ضد الحرب والعقوبات أو التدخل الأجنبي أو الانقلابات العسكرية أو حدود النظام الليبرالي. أحيانا، يتردد هذا المنظور الممركز حول أوروبا في أخذ الفكر والخطاب السياسيين الناشئين عن تجارب المدرسين/ات والمتقاعدين/ات والمعتقلين/ات السياسيين/ات، وحتى المسجونين بسبب جرائم جنائية عادية في إيران، على محمل الجد. يُنظر إلى هؤلاء الناس بصورة أساسية على أنهم ضحايا يجب إنقاذهم، بدلاً من اعتبارهم أفراداً يفكرون بأنفسهم في العدالة والأشكال التي قد تتخذها الحياة الجماعية.
لا تنشأ هذه المخططات خارج إيران وحسب. قد يشارك الإيرانيون/ات المقيمون/ات في أوروبا وأمريكا الشمالية، بسبب موقعهم الجغرافي وثقافتهم السياسية، في هذه الدوائر أو يتأثرون/ن بها. كما قد يعيد المحللون/ات والمناضلون/ات السياسيون/ات داخل إيران إنتاج الإطارات الجاهزة لهذين التيارين.
تُجسِّد حركة «المرأة، الحياة، الحرية» بوضوح كيف يمكن لمقاربتين مختلفتين أن تسلكا مسارين متباينين، مع مواصلة النظر إلى مجتمع إيران من منطلق غربي. لم يكن بوسع جزء من اليسار المناهض للإمبريالية أن يتجاهل حركة متمحورة حول العدالة الجندرية وحسب. وبالتالي، تقبل هذه الحركة، وعلى عكس بعض التظاهرات السابقة، لم ينسبها إلى الموساد أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. لكن في محاولة لمواجهة العنصرية المعادية لإيران وخطاب «الاستثنائية الإيرانية» — أي الفكرة التي تقول إن إيران مكان فظيع بشكل رئيسي بالنسبة للنساء —، قام/ت بعض المعلقين/ات بتشبيه نضال نساء إيران بنضال النساء في الولايات المتحدة الأمريكية. على سبيل المثال، تم التأكيد على أن نساء إيران، على غرار الأميركيات المناضلات دفاعاً عن الحق في الإجهاض، يناضلن للتحكم بأجسادهن. كان المقصود من هذه المقارنة مفهومًا. لكن النتيجة كانت قائمة في أن إيران تم تفسيرها مرة أخرى عبر التجربة الأمريكية واللغة السياسية الأمريكية، في حين تم تهميش التاريخ الخاص بالحركة وخصائصها المميزة. أما في الروايات الليبرالية، فغالباً ما كانت الحركة تُصوَّر على أنها نتيجة وصول شباب/ات إيران إلى شبكات التواصل الاجتماعي، التي جعلتهم/ن ليبراليين/ات، كما يزعم. لكن هذا التفسير لم يكن يوضح لنا لماذا قد يقوم جيل، أصبح ليبرالياً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وحسب، بالنزول إلى الشارع وهو يعلم أنه قد يتعرض للسجن أو المذبحة أو حتى الإعدام. لا يوجد أي مثال مشابه لهكذا مجازفة من جانب الشباب في الغرب نفسه. كانت أهم مسألة هي معرفة ما كان يحمله هذا الجيل من المتظاهرين/ات في إيران من ثقافة سياسية وتراث، وما كان طوره من تصوّر بشأن الحرية والعدالة الجندرية وحق الاختيار، وكيف كان يُغيّر ما ورثه من الماضي.
كانت لهاتين الإجابتين مبررات مختلفة. كانت إحداهما تتخذ الغرب نموذجًا لها، بينما كانت الأخرى تخشى إعادة إحياء العنصرية والروايات الإمبريالية. لكن كلاهما أدى إلى نتيجة مماثلة: تحولت إيران إما إلى نسخة من الولايات الأميركية، وإما إلى تلميذ تلقى تعاليم عن الحرية من الغرب. وفي كلتا الحالتين، بدلاً من أن يُنظر إلى إيران بوصفها منتج فكر سياسي، أصبحت أداة لإثبات الروايات المصاغة في أماكن أخرى.
على الرغم من جميع اختلافاتهما، فإن هاتين المقاربتين تتقاسمان خطراً مشتركاً: إنهما تغيران المجتمع، الذي ينتقل من وضع كونه منتج فكر سياسي إلى مادة خام لرواية تم تحديد معناها ووجهتها مسبقاً بالفعل. قد يكون هذا هو أهم استنتاج من هذا النقاش. لا يعني ذلك تجميل صوت الاحتجاج الصادر عن المجتمع، أو قبوله كحقيقة غير منقولة إعلامياً، ولا التحدث نيابة عن المجتمع. بل يعني ذلك مواصلة إقامة نقاش منتظم ونقدي مع الفكر السياسي الذي ينتجه المجتمع بنفسه — وإتاحة الفرصة لهذا الفكر ليعمل أيضاً على تغيير مفاهيمنا الخاصة وإطاراتنا المرجعية.
مقابلة أجرتها «زامانه ميديا»
مقتبس من موقعESSF أوروبا متضامنة بلا حدود. نُشر أولاً باللغة الفرنسية في 14 آب/أغسطس على مدونةEntre les lignes, entre les mots. المصدر – راديو زمانه. 13 آب/أغسطس 2026.
اقرأ أيضا

