من مراكش إلى بانكوك: النمو وأسئلة التنمية المؤجلة
بقلم؛ سليم نعمان
بعد ثلاث سنوات من استضافة المغرب للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مراكش، ما الذي تغيّر في الاقتصاد والمجتمع؟
يُتيح انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، من 12 إلى 18 أكتوبر 2026، مناسبة رمزية للعودة إلى مسار الاقتصاد المغربي بعد ثلاث سنوات من استضافة مراكش لهذه الاجتماعات في أكتوبر 2023. ولا يتعلق الأمر بمقارنة شكلية بين مدينتين، ولا بافتراض علاقة سببية بين الاجتماعين والتحولات اللاحقة، بل بفحص الفجوة بين صورة المغرب بوصفه اقتصادًا جاذبًا للاستثمار، وبين واقع اجتماعي ما يزال تطبعه البطالة والهشاشة والتفاوتات المجالية والضغط المائي والبيئي.
إن الاجتماعين لا يشكلان حدثين مسببين للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، بل نقطتين زمنيتين تسمحان بقراءة التحولات التي طرأت على الاقتصاد المغربي بين 2023 و2026، في ظل خروج البلاد من سبع سنوات متتابعة من الجفاف، وتقلبات الأسواق الدولية، وتنفيذ إصلاحات مرتبطة جزئيًا باتفاق تسهيل الصلابة والاستدامة مع صندوق النقد الدولي، واستمرار خط الائتمان المرن بوصفه أداة وقائية.
فقد واصل المغرب تطوير قطاعات صناعية وتصديرية مهمة، وسجّل تسارعًا واضحًا في النمو سنة 2025 مدعومًا بانتعاش الإنتاج الزراعي وتوسع الاستثمار في البنية التحتية. غير أن هذه التحولات لم تُترجم بالقدر نفسه إلى وظائف لائقة، أو دخول أكثر قدرة على مواجهة الغلاء، أو حماية اجتماعية كافية. ومن هنا يصبح السؤال المركزي: هل استطاع النمو خلال السنوات الثلاث الماضية أن يغيّر شروط حياة الأغلبية؟
تحسّن نسبي في المؤشرات الكلية
سجل الاقتصاد المغربي نموًا حقيقيًا للناتج الداخلي الخام بلغ 3.4 في المائة سنة 2023 و3.2 في المائة سنة 2024، رغم تراجع الناتج الزراعي تحت تأثير الجفاف في السنتين. وقد عوّضت الأنشطة غير الفلاحية جزءًا من هذا التراجع، لا سيما الخدمات والصناعة والبناء، وهو ما يبرز اعتماد الدينامية الاقتصادية على قطاعات حضرية ومصدّرة أكثر من اعتمادها على الفلاحة.[1]
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي الواردة في مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026 إلى تسارع نمو الناتج الداخلي الخام الحقيقي سنة 2025 ليبلغ 4.9 في المائة، بدعم من انتعاش الناتج الزراعي وطفرة في مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق. ويُتوقع أن يبلغ النمو 4.4 في المائة سنة 2026، و4.5 في المائة سنة 2027، و4 في المائة على المدى المتوسط، على افتراض عودة الإنتاج الزراعي إلى مستوياته العادية واستمرار الاستثمار في البنية التحتية مع زيادة مشاركة القطاع الخاص.[1]
وظل التضخم منخفضًا سنة 2025، إذ سجل 0.8 في المائة كمتوسط سنوي، مما أتاح لبنك المغرب المحافظة على موقف محايد في السياسة النقدية بعد خفض سابق لسعر الفائدة. غير أن الصندوق يتوقع ارتفاعًا مؤقتًا للتضخم خلال سنة 2026، انعكاسًا أساسًا لارتفاع أسعار الطاقة، قبل أن يستقر حول 2 في المائة على المدى المتوسط.[1]
وفي المالية العمومية، أسهم قوة أداء المداخيل في تسجيل عجز كلي أقل من المتوقع بلغ 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، رغم تجاوز الإنفاق على الاستثمار العام والتحويلات إلى المؤسسات المملوكية للدولة للمستوى المقرر في الميزانية. ويُتوقع أن يستمر العجز في التراجع تدريجيًا، مع انخفاض نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام إلى 60.5 في المائة بحلول سنة 2031 وفق سيناريو الصندوق.[1]
أما في الميزان الخارجي، فقد اتسع عجز الحساب الجاري إلى 2.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، نتيجة زيادة الواردات المرتبطة بمشاريع الاستثمار، وإن عوّضت السياحة جزءًا من هذا العجز. كما ظل ميزان التجارة في السلع سلبيًا بنحو 18 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بما يعكس استمرار الاعتماد على الواردات رغم تطور بعض الصادرات الصناعية.[1]
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تقدم وحدها صورة كافية عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فالنمو يقيس توسع النشاط والإنتاج، بينما تتعلق التنمية أيضًا بمستوى الدخل، ونوعية الوظائف، والولوج إلى الخدمات، والقدرة على مواجهة الأزمات، وتوزيع المكاسب بين الفئات والمجالات.
سوق الشغل: بين خلق الوظائف واستمرار الهشاشة
تكشف معطيات سوق الشغل عن الفجوة بين دينامية النمو والاستثمار ونتائجهما الاجتماعية. فقد أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب شغل بين سنتي 2024 و2025، منها 203 آلاف منصب في الوسط الحضري، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي. وانخفض معدل البطالة الوطني من 13.3 إلى 13 في المائة، كما تراجع عدد العاطلين إلى نحو 1.621 مليون شخص.[2]
غير أن هذه النتيجة العامة لا تعني أن أزمة التشغيل انحسرت بالقدر نفسه لدى جميع الفئات. فقد ارتفع معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة من 36.7 إلى 37.2 في المائة، كما ارتفع لدى النساء من 19.4 إلى 20.5 في المائة. وارتفع معدل الشغل الناقص من 10.1 إلى 10.9 في المائة، ليصل عدد المعنيين به إلى نحو 1.19 مليون شخص.[2]
لا تكمن المفارقة في أن النمو لم يخلق وظائف، بل في أن أثره على التشغيل ظل محدودًا مقارنة بحجم الرهانات المعقودة عليه. فقد أُحدثت وظائف جديدة وانخفضت البطالة الوطنية قليلًا، لكن بطالة الشباب ارتفعت، كما اتسع الشغل الناقص. وهذا يطرح سؤالًا مختلفًا عن حجم النمو والاستثمار: ما نوع الوظائف التي يخلقها، ولمن، وفي أي قطاعات ومجالات؟
إن بعض المشاريع كثيفة رأس المال، أو متركزة في مناطق محددة، أو مرتبطة بسلاسل إنتاج موجهة إلى الخارج أكثر من ارتباطها بالحاجات الداخلية. كما أن ارتفاع عدد الوظائف المأجورة لا يقدم بمفرده معلومات عن مستوى الأجور واستقرار العمل والتغطية الاجتماعية. فالفارق كبير بين وجود وظيفة وبين امتلاك عمل لائق يسمح ببناء حياة مستقرة.
وتؤكد التوزيعات القطاعية أهمية هذا السؤال. فقد أحدثت الخدمات والبناء والصناعة وظائف جديدة، في حين فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد عددًا من مناصبه. ويرتبط ذلك بتقلبات النشاط الفلاحي المرتبطة بالمناخ، لكنه يترجم أيضًا إلى ضغط على الأسر القروية، وتزايد الهجرة نحو المدن، وتوسع العمل غير المستقر، لا سيما بالنسبة إلى صغار الفلاحين والعمال الزراعيين.
الاستثمار ونوعية الاندماج الاقتصادي
لا يمكن إنكار التحولات التي شهدتها قطاعات السيارات والطيران والخدمات الرقمية. فقد ساهم الاستثمار في تطوير قدرات إنتاجية وتصديرية جديدة، وخلق فرص للعمل، وربط جزء من الاقتصاد المغربي بالأسواق العالمية.
لكن تقييم هذه الدينامية لا ينبغي أن يتوقف عند قيمة الاستثمارات أو حجم الصادرات. فالمهم أيضًا هو مقدار القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد، وحجم المشتريات من الموردين المحليين، ومستوى نقل التكنولوجيا، ودور البحث والتطوير، ونوعية الوظائف التي تخلقها هذه القطاعات.
تطرح بنية التجارة الخارجية سؤالًا إضافيًا. فبينما أصبحت السيارات والفوسفاط ومشتقاته من أبرز الصادرات المغربية، ظل عجز تجارة السلع مرتفعًا، إذ بلغ نحو 18 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، بما يعكس استمرار الاعتماد على الواردات.[1] وهذا يعني أن توسع بعض الصادرات لا يلغي تلقائيًا هشاشة البنية الإنتاجية، خصوصًا حين تعتمد القطاعات المصدرة نفسها على مدخلات أو تكنولوجيا أو قرارات استراتيجية تأتي من الخارج.
لا يقود هذا التحليل إلى رفض الانفتاح الاقتصادي بوصفه مبدأً مجردًا، بل إلى رفض الاندماج التابع في السوق الرأسمالية العالمية والاستثمار الأجنبي المنفلت من أي قيد أو شرط تنموي. فالاستثمار الأجنبي المباشر لا يتحرك في فراغ؛ إنه محمول أساسًا من قبل الشركات متعددة الجنسيات التي باتت تملك قدرات مالية وتكنولوجية وتنظيمية تتيح لها التأثير في القرارات الاقتصادية للدول، بل والضغط على سياساتها، بما في ذلك الدول المصنّعة الكبرى، فضلًا عن البلدان المسماة صاعدة أو نامية.
ومن منظور تبعي، تصبح المشكلة جوهرية حين يقتصر دور الاقتصاد الوطني على توفير الأرض والبنية التحتية واليد العاملة والحوافز، بينما تحتفظ الشركات متعددة الجنسيات بمراكز القرار والتكنولوجيا والتصميم والأرباح. في هذه الحالة، لا ينتج الاندماج في الأسواق العالمية تنمية مستقلة، بل يعيد إنتاج الهيكل التبعي: تصدير مواد أولية أو منتجات ذات قيمة مضافة محدودة، واستيراد المدخلات والتكنولوجيا، وارتفاع الاعتماد على القرار الخارجي، وضعف القدرة الوطنية على توجيه التنمية.
لذلك، لا يُعد الانفتاح التجاري والاستثمار الأجنبي مقبولين تلقائيًا لمجرد أنهما يحققان نموًا أو صادرات أو وظائف. بل يُشترط أن يخضعا لإطار وطني واضح يضمن السيادة على الموارد والقرار الاقتصادي، ويفرض الالتزام بالإدماج المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين العمال، والمساهمة الضريبية العادلة، والحماية الاجتماعية، والربط مع النسيج الإنتاجي الوطني. كما يمكن أن يشكل تعزيز التعاون الاقتصادي مع بلدان الجنوب، وعلى وجه الخصوص مع الدول التي تتبنى سياسات تنموية مستقلة وتقدمية، مسارًا بديلًا عن الاندماج التابع في السوق الرأسمالية العالمية.
تكلفة المعيشة: تباطؤ التضخم لا يعني استعادة القدرة الشرائية
تتطلب قراءة السنوات الثلاث الماضية التمييز بين تراجع التضخم وانخفاض الأسعار. فتراجع معدل التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكنه لا يعني بالضرورة أنها عادت إلى مستويات ما قبل موجة الغلاء. وبالنسبة إلى الأسر، لا تُقاس الصعوبة بسرعة ارتفاع الأسعار فقط، بل بمستواها المتراكم مقارنة بالدخل.
كما أن المؤشر العام للأسعار لا يعكس بالطريقة نفسها تجربة جميع الأسر. فالأسر محدودة الدخل تنفق حصة أكبر من مواردها على الغذاء والسكن والنقل والطاقة، ولذلك تتأثر بشكل أكبر بارتفاع هذه البنود. وقد يكون التضخم العام أقل من تضخم بعض المواد والخدمات الأساسية التي تحدد الحياة اليومية.
من هنا لا يكفي القول إن التضخم ظل منخفضًا سنة 2025. ينبغي أيضًا السؤال عما إذا كانت الأجور قد ارتفعت بالسرعة نفسها، وما إذا كانت التحويلات الاجتماعية عوّضت جزءًا من الكلفة، وما إذا كانت أسعار الطاقة والنقل والسكن قد استمرت في الضغط على الدخل الحقيقي، خصوصًا مع توقعات بارتفاع مؤقت للتضخم سنة 2026 بسبب أسعار الطاقة.[1]
وترتبط تكلفة المعيشة كذلك بطريقة تنظيم الإنتاج والتوزيع. فالجفاف وتقلبات الإنتاج الزراعي يؤثران في أسعار الغذاء، والاعتماد على الأسواق الخارجية يزيد التعرض لتقلباتها، كما تؤثر كلفة النقل وهوامش التوزيع والضرائب غير المباشرة في السعر النهائي الذي تؤديه الأسر. لذلك لا ينبغي التعامل مع الغلاء باعتباره نتيجة طبيعية محضة، بل بوصفه مرتبطًا أيضًا بالسياسات الاقتصادية وبموازين القوة داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع.
الجفاف والماء: ضغط بيئي واجتماعي متزامن
أصبح الجفاف وأزمة الماء خلال هذه الفترة عاملين مؤثرين في الاقتصاد والمجتمع معًا. فقد شهد المغرب سبع سنوات جفاف متتابعة، أدت إلى تراجع حاد في المخزون المائي وضغط غير مسبوق على الفلاحة والتزويد بالماء الصالح للشرب في عدد من المدن والأرياف. وقد بلغت نسبة ملء السدود الوطنية نحو 32 في المائة في أكتوبر 2025، أي أقل من ثلث الطاقة الإجمالية للتخزين، قبل أن ترتفع إلى نحو 65.7 في المائة في أكتوبر 2026، بمخزون يقارب 11.2 مليار متر مكعب، بعد تساقطات وأمطار استثنائية.[6][7]
غير أن هذا التحسن لا يلغي خطورة الوضعية المائية. فالمغرب يصنف ضمن البلدان التي تعاني من إجهاد مائي بنيوي، نظرًا إلى محدودية الموارد المائية المتاحة للفرد مقارنة بالعتبة الدولية للفقر المائي، وإلى التوزيع غير المتكافئ للمياه بين الجهات، وإلى استمرار الضغط الناتج عن التوسع العمراني والفلاحة المكثفة والصناعة والتغيرات المناخية. ومن ثم، فإن تحسن مؤقت في نسبة ملء السدود لا يعني نهاية الأزمة، بل يستدعي تدبيرًا طويل المدى للطلب والموارد.
وللجفاف انعكاسات اجتماعية مباشرة. فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 10 آلاف منصب شغل بين سنتي 2024 و2025، في وقت خلق فيه الاقتصاد 193 ألف منصب على المستوى الوطني، وهو ما يكشف عن تركّز أثر الأزمة المائية في الوسط القروي.[2] كما يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي إلى ضغط على دخل صغار الفلاحين والعمال الزراعيين، وارتفاع كلفة الغذاء، وتسارع الهجرة القروية نحو المدن، وتدهور ظروف العيش في المناطق الأكثر هشاشة.
حين يفقد القطاع الفلاحي وظائفه، تتحول أزمة الماء إلى أزمة دخل وهجرة. وحين ترتفع كلفة الماء أو الطاقة، لا تتوزع الأعباء بالطريقة نفسها بين الأسر محدودة الدخل والمقاولات الكبرى. لذلك ينبغي أن تُقاس سياسات الماء ليس فقط بقدرتها على تعبئة الموارد، بل أيضًا بعدالتها الاجتماعية والمجالية.
وفي هذا السياق، تُقدَّم مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر باعتبارها فرصة لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتنويع الاقتصاد. وقد تفتح هذه المشاريع مجالات إنتاجية جديدة، لكنها تطرح أسئلة حول ملكية الأرض والماء، وتوزيع الوظائف والقيمة المضافة، والجهة التي ستستفيد من الطاقة المنتجة.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة أن جميع مشاريع الهيدروجين الأخضر غير مجدية، بل يعني أن الانتقال البيئي لا ينبغي أن يُختزل في إنشاء مشاريع جديدة. فهو يحتاج أيضًا إلى شفافية في الملكية، وتقييم للأثر المائي والاجتماعي، ومشاركة المجتمعات المحلية، وحماية صغار الفلاحين والرعاة، وضمان ألا تتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر جديد للتفاوت.
المؤسسات المالية الدولية والاختيارات الوطنية
تحتل مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي موقعًا مؤثرًا في النقاش الاقتصادي، من خلال التمويل والخبرة والتقارير والتوصيات. ففي أبريل 2025، أعلن صندوق النقد الدولي استكمال المراجعة الثالثة ضمن اتفاق تسهيل الصلابة والاستدامة مع المغرب، بما أتاح سحب 375 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة، ورفع إجمالي المسحوبات إلى 937.5 مليون وحدة. ويغطي هذا الاتفاق مجالات الماء والطاقة والمناخ والمالية العامة والقطاع المالي.[3]
كما وافق الصندوق في أبريل 2025 على اتفاق جديد لمدة سنتين مع المغرب في إطار خط الائتمان المرن، بقيمة 3.45 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة، أي نحو 4.5 مليار دولار. ويُعامل هذا الخط بوصفه احتياطيًا، مع تدرج المغرب في الخروج منه بحسب تطور المخاطر الخارجية. وفي مارس 2026، أنهى المجلس التنفيذي للصندوق مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026 واستكمل مراجعة منتصف المدة لهذا الخط، مؤكدًا استمرار أهلية المغرب للاستفادة منه.[1][4]
وتثير هذه الاتفاقات، رغم اختلاف طبيعتها، أسئلة عملية حول انعكاس الإصلاحات على أسعار الخدمات، والإنفاق العمومي، ودور القطاع الخاص، وتوزيع المخاطر بين الدولة والمجتمع والمستثمرين.
لكن تحليل هذه العلاقة يحتاج إلى قدر من التوازن. فالمؤسسات المالية الدولية ليست جهات محايدة تمامًا؛ إن توصياتها تعكس، في جوهرها، تصورًا ليبراليًا للتنمية يقوم على ترشيد الإنفاق العمومي، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحرير التجارة والاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وإصلاح أنظمة الدعم والضرائب، وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد. ويفترض هذا التصور أن النمو والاستثمار الخاص، متى توافرت شروط الاستقرار الماكرو اقتصادي والانفتاح على الأسواق، سيؤديان تلقائيًا إلى خلق فرص الشغل وتحسين الظروف الاجتماعية.
غير أن الدولة المغربية ليست منفذًا سلبيًا لهذه التوجهات؛ فهي تتبنى هذه الإصلاحات وتكيّفها وفق أولوياتها السياسية والاقتصادية. فهي تختار سياساتها الضريبية والاجتماعية والاستثمارية، وتحدد أولويات الإنفاق، وشروط الدعم والحوافز، وطريقة توزيع الموارد بين القطاعات والفئات والمجالات. ومن ثم، لا يمكن اختزال المسؤولية في الضغط الخارجي، كما لا يصح تجاهل أثر شروط التمويل والإصلاح في توجيه الخيارات الوطنية وتقييد هامش المناورة أمام السياسات الاجتماعية والتوزيعية.
لذلك لا تكفي إحالة المسؤولية إلى الخارج، كما لا يصح فصل الخيارات الوطنية عن شروط التمويل والاندماج الدولي. هكذا، تصبح المديونية إشكالية تنموية عندما تستهلك خدمتها موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والنقل والحماية الاجتماعية، أو عندما تؤدي شروط التمويل إلى نقل كلفة الإصلاح إلى الأسر والفئات الأضعف.
ما الذي تغيّر بين مراكش وبانكوك؟
تغيّرت بعض ملامح الاقتصاد المغربي خلال السنوات الثلاث الماضية. فقد واصل تطوير قطاعات صناعية وتصديرية، واستمر الاستثمار في البنية التحتية، وسجّل الاقتصاد نموًا بلغ 3.4 في المائة سنة 2023 و3.2 في المائة سنة 2024، قبل أن يرتفع إلى 4.9 في المائة سنة 2025، فيما ظل التضخم منخفضًا.
لكن المشكلات الاجتماعية والبيئية الأساسية لم تختفِ. ظلت بطالة الشباب مرتفعة، وبقيت مشاركة النساء في سوق الشغل محدودة، واتسع الشغل الناقص، وفقدت الفلاحة وظائف، واستمرت الأسر في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما شهد المغرب سبع سنوات من الجفاف، وظل الإجهاد المائي يشكل قيدًا بنيويًا على التنمية، رغم تحسن نسبة ملء السدود سنة 2026.
لا يعني استمرار هذه المشكلات أن الاقتصاد ساكن أو أن شيئًا لم يتغير، بل يعني أن آليات توزيع مكاسب النمو ظلت أضعف كثيرا من دينامية النمو نفسها. تقدمت قطاعات معينة، بينما بقى أثر هذا التقدم محدودًا على مستوى التشغيل اللائق، والدخل، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، وحماية الموارد.
خاتمة
تتيح المقارنة الرمزية بين مراكش وبانكوك العودة إلى السؤال الأساسي: هل استطاع النمو خلال السنوات الثلاث الماضية أن يغيّر شروط حياة الأغلبية؟ تشير المعطيات إلى تقدم اقتصادي وإنتاجي مهم، لكنها تشير أيضًا إلى استمرار البطالة والهشاشة والتفاوتات والضغط البيئي والإجهاد المائي.
لذلك لا تكمن القضية في رفض الانفتاح الاقتصادي أو الاستثمار في ذاتهما، بل في طبيعة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وشروطه، ونتائجه الاجتماعية والسيادية والبيئية. فالتنمية لا تُقاس فقط بارتفاع الناتج والصادرات، وإنما أيضًا بقدرة الاقتصاد على خلق عمل لائق، وتحسين الدخل الحقيقي، وحماية الموارد، وتوسيع الولوج إلى الخدمات، وتعزيز الاستقلالية الإنتاجية والتكنولوجية. وبين مراكش وبانكوك، يبدو أن المغرب قطع مسافة في بناء اقتصاد أكثر اندماجًا في السوق الرأسمالية العالمية، لكنه لا يزال تابعًا يطوّر تخلفه وفقًا لمقتضياتها، وهو أبعد كثيرًا من اقتصاد قادر على تلبية الحاجات الأكثر أولية للبشر. وهكذا، فإن التغيير المنشود المؤدي إلى تحسن ملموس وعادل في حياة المجتمع لن يتأتّى سوى ببناء ميزان قوى اجتماعي جبّار ينتزع الحقوق بدل استجدائها، في أفق تحرر شامل وعميق.
المراجع
[2] المندوبية السامية للتخطيط، Activité, emploi et chômage, résultats annuels 2025
[5] صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، «الاجتماعات السنوية لسنة 2026»، بانكوك، 12–18 أكتوبر 2026.
https://www.imf.org/en/meetings/2026/annual
[6] متاح على: تحسن الواردات المائية.. المغرب يتجاوز مرحلة الجفاف بعد سبع سنوات | Maroc.ma
[7] متاح على: تحسن الواردات المائية.. المغرب يتجاوز مرحلة الجفاف بعد سبع سنوات | Maroc.ma
اقرأ أيضا

