هل ينبغي أن نتحدث عن نهاية إسرائيل؟
مقدمة كتاب إيلان بابيه: “إسرائيل على حافة الانهيار، والثورات الثماني التي قد تفضي إلى انهاء الاستعمار و إرساء التعايش “
بقلم : إيلان بابيه
صدرت في سبتمبر 2026 طبعة مغربية لكتاب ايلان بابيه :” إسرائيل على حافة الانهيار، والثورات الثماني التي قد تفضي إلى انهاء الاستعمار و إرساء التعايش”، حيث
يقرأ الكاتب الواقع الإسرائيلي بما هو أزمة متراكمة ومستمرة من الانقسامات السياسية والدينية الحادة، إلى تداعيات الحرب على غزة وتراجع الدعم الدولي، وزيف ما سمي بـ”عملية السلام”. ويعرض الخطوط العريضة لثماني تحولات وثورات في الفكر والسياسة والخيال، تهدف إلى تفكيك المشروع الاستعماري وتمهيد الطريق نحو واقع جديد. ثم يستشرف سيناريوهات مستقبلية لما بعد زوال المشروع الصهيوني، عبر رؤية تخيلية ويوميات روائية تستعيد المدن والذاكرة وتفاصيل الحياة عامة. يقترح بابيه الخروج من المطب الراهن عبر إمكانية تأسيس وطن واحد يجمع الفلسطينيين واليهود، مرتكزاً على مفاهيم العدالة الانتقالية التي تقوم على ثلاثة مبادئ الاعتراف ولمساءلة والقبول.
تعريفا بالكتاب وحفزا للانكباب عليه من اجل توسيع النقاش وتعميقه حول القضية الفلسطينية ، ننشر مقدمته فيما يلي.
المناضل-ة
إن المسافة بين دولة تترنّح على حافة الهاوية وبين سقوطها الفعلي قصيرة للغاية. ولعل عنوان هذا الكتاب يثير القلق في نفوس كثيرين، بينما قد يَسُرُّ آخرين سماعه. غير أني لا أبتغي من كلامي بث الخوف أو الهواجس، ولا الانجرار إلى تنبؤات مستقبلية، بل أطمح إلى إرساء نقاش واقعي يحمل في طياته قدرًا من الموضوعية والتفاؤل بخصوص إسرائيل وفلسطين. ولا يمكنني، بأي حال من الأحوال، الاستخفاف بما قد يفضي إليه هذا المسار من نهاية لدولة أنا أحد مواطنيها ويعيش في ظلها ملايين البشر. فالواقع أن الدول لا تتلاشى بهذه السهولة، وربما تنطوي كلمة «نهاية» على قدر من الجزم المبالغ فيه، فالدول في الغالب تتحوّل، وأحيانا تتحوّل جذريًا، وهذا بالضبط ما نسعى إلى دراسته هنا . ثمة أمثلة
قليلة لدول تجاوزت مراحل التفكك أو الانهيار إلى حد الاختفاء التام، وفي مقدمتها يوغوسلافيا وجنوب فيتنام، وهما من أبرز الحالات التي شهدها التاريخ الحديث. كما قد تعني نهاية الدولة نهاية نظام حكمها، وهنا تكثر النماذج جنوب أفريقيا، تشيلي، الأرجنتين، العراق، وغيرها، والقائمة أطول من أن تُحصى. وعليه، فإن احتمال سقوط إسرائيل قد يأخذ أحد مسارين: إما مسار جنوب فيتنام، أي زوال دولة برمتها، أو مسار جنوب أفريقيا ، أي انهيار منظومتها الأيديولوجية واستبدالها بأخرى مختلفة. وأرى أنّ ملامح كلا السيناريوهين ستتجلى في مسار إسرائيل، وبوتيرة تفوق قدرة كثيرين على استيعابها أو مجابهتها.
لماذا نطرح هذا السؤال الآن؟
لم أكن أنا من طرح هذا السؤال، إلا أن الأحداث العاصفة التي بدأت بهجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣ أثارت شكوكا بالغة الجديّة بشأن مستقبل الدولة اليهودية. بعضهم يطرح هذه التساؤلات بدافع عداء عميق للدولة وما تمثله، فيما يناقشها آخرون بدافع القلق على مستقبل إسرائيل. ومع ذلك، يبدو أنه في عام ۲۰۲۳ قد تبلور قدر من الإجماع، لدى الأصدقاء والخصوم على حد سواء، مفاده أن وجود إسرائيل لم يبد قطّ أكثر هشاشة مما هو عليه اليوم. وقد تجلى هذا القلق قبيل الهجوم المدمّر لحركة حماس، إذ برز إثر التصدعات الاجتماعية الداخلية التي انفجرت في المجتمع الإسرائيلي عقب انتخاب أكثر الحكومات يمينية في تاريخه في نوفمبر / تشرين الثاني ۲۰۲۲
يتساءل كثيرون، وقد بدأ بعض المحللين بالإجابة: هل ستظل إسرائيل دولة يهودية في المستقبل ؟ وعندما يجيب الفلسطينيون ومن يؤيدون نضالهم بالنفي، فإنهم يفعلون ذلك وهم حاملين أملًا كبيرًا في أن تزول إسرائيل وأن يحلّ محلّها وطن فلسطيني حرّ. أما عندما يتأمل الإسرائيليون احتمال زوال دولتهم، فإنهم يرونه سيناريو كارثيا بالنسبة لهم ولليهود حول العالم. هاتان الإجابتان العاطفيتان لسيناريو مرجح جدا تتجاهلان الواقع المعقد والتحديات المتراكمة التي ستفرض نفسها قبل أن يكتب للسيناريو أن يتحقق . وسواء كان المرء يتطلع إلى زوال الدولة أو يخشاه، يجب على الجميع أن يدركوا أن مثل هذه العمليات استنادًا إلى التجارب التاريخية، غالبًا ما تتسم بالعنف الشديد. وإذا تحقق هذا السيناريو في فلسطين، فإنّ الفلسطينيين سيكونون أكثر المتضررين منه. ومع ذلك، ليس هذا قدرًا محتومًا، إذ إنّ تبني قراءة أكثر تأنيا لمسار كهذا يفتح المجال أمام مسارات أقل عنفًا أو أكثر سلمية نحو مستقبل أفضل لكلّ من يعيش اليوم في إسرائيل وفلسطين، ولمن طردوا منها منذ عام ١٩٤٨ .
وإن كنتُ أدعم رؤية الدولة الديمقراطية الواحدة في إسرائيل وفلسطين، فهذه ليست دعوة لإنهاء إسرائيل. وبصفتي مؤرخا، أرى أن نهاية إسرائيل بدأت تلوح في الأفق. فالانهيار السياسي لأي دولة أو كيان جيوسياسي يخلّف فراغا لا بدّ من ملئه، ومن هنا تأتي الحاجة إلى النقاش ليس فقط حول أسباب نهاية الدولة ، بل أيضًا حول من يحق له أو يتوجب عليه ملء هذا الفراغ الحتمي. وكلما جرى ملء هذا الفراغ في وقت أبكر، خفّف ذلك من حدّة العنف الذي قد يصاحب عملية التفكك، إذا صح تقييمي.
ويظل من الضروري تبنّي منظور أعمق وأكثر دقة عند معالجة هذه القضايا، لضمان تقييم سليم لتداعيات هذه التحولات المستقبلية على المنطقة بأسرها. إسرائيل وفلسطين ليستا الوحيدتين اللتين تواجهان مستقبلاً غير مؤكد. فالدولة السورية قد انهارت بالفعل، وسقط لبنان مؤخرًا ضمن تصنيف الدول الفاشلة، وتشير الاضطرابات في أماكن مثل العراق واليمن والسودان وليبيا، إلى أن التحولات الكارثية لا تقتصر على هذين البلدين. تثير مثل هذه السيناريوهات المستقبلية تساؤلات جدية حول دور المجتمع الدولى، ومجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، والمجتمعات اليهودية في أنحاء العالم، فضلا عن القوى الخفية وراء الكواليس، مثل الشركات الدولية وتجار السلاح وقطاع الصناعات الأمنية.
من السهل كتابة كتاب يتناول سيناريو نهاية العالم في سياق إسرائيل وفلسطين، فقد أنتج المسيحيون الإنجيليون في أمريكا، وكذلك بعض اليهود المشيحانيين (۱) ، مثل هذه الأدبيات لأكثر من قرن، على أمل أن تؤدي الأحداث في إسرائيل وفلسطين إلى نهاية الزمان»، إيذانًا بعودة المسيح، سواء أكان مسيحيًا أم يهوديًا . ولا عجب أن يُنظر إلى الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس في ۲۰۲۳ على أنها تمهيد لما يعتبره البعض نهاية العالم. رغم ذلك، يمكن تصور سيناريو أكثر تفاؤلا لما قد يتمخض عن هذا الانهيار العنيف والفوضوي للدولة اليهودية. وقد كتبت فصول هذا الكتاب عن قناعة راسخة ويقين تام بأن أي طرح في هذا السياق لا بد أن يحمل في طياته بذور الأمل الحي في مستقبل أفضل لجميع من يعيشون على أرض فلسطين التاريخية. ثمة سببان محوريان كانا وراء خروج هذا الكتاب إلى النور : أولهما تلك السلسلة من الوقائع المتلاحقة التي كانت تتكشف أمام ناظري تباعًا، والتي أفضت بي ، بصفتي أكاديميا يتنزه عن النشاط السياسي أو النزوع إلى أي مشروع أيديولوجي، إلى استنتاج مفاده أننا نعيش اليوم فصول النهاية لدولة إسرائيل، أو، في تقدير أدنى، تلاشي ملامح المشروع الصهيوني في صيغته المعهودة منذ عقود. وعلى الرغم من أن هذه العمليات تُحرّكها إرادات أفراد ومنظمات، إلا أنها بلغت اليوم ذروةً تتجاوز قدرة أي طرف على كبح جماحها، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى تحولات جوهرية، بل وزلزالية، فيما يُعرف اليوم بدولة إسرائيل، والضفة الغربية المحتلة، وقطاع غزة المدمر. وبصرف النظر عما إذا كان هذا التحول يبعث على الطمأنينة أو التوجس، فإنه يظل حقيقة لا يمكن إغفالها، رغم التجاهل المطبق الذي يقابله في وسائل الإعلام الكبرى وأروقة السياسة الغربية . أما الدافع الثاني وراء كتابة هذا الكتاب، فهو تقديم منظور إيجابي ومتفائل حول الأحداث التي أعقبت 7 أكتوبر ۲۰۲۳ ، والتي أسفرت عن مجازر ودمار غير مسبوق في قطاع غزة، وأدّت إلى خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين والعسكريين في إسرائيل، والضفة الغربية، وجنوب لبنان. وقد صاحب هذه المأساة انتهاك غير مسبوق ومنهجي لحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، فضلا عن أن عام ۲۰۲٤ اختتم مع احتمال اندلاع حرب إقليمية وشيكة.
لقد أفضت هذه التطورات جميعها ، وبصورة طبيعية ومنطقية، إلى نشوء حالة من اليأس، وهو شعورٌ لم يبارح يوما نفوس أولئك الذين نذروا أنفسهم لنصرة القضية الفلسطينية منذ مطلع القرن الماضي. إن خبرتي الطويلة في مخاطبة الجمهور، سواء في اللقاءات المنفردة أم من خلال اللجان المختصة بنقاش القضية الفلسطينية والإسرائيلية، جعلت هذا المشهد مألوفًا لديّ تماما. وقد بدأت فكرة تأليف كتاب يحمل لغة أكثر تفاؤلا تراودني حتى قبل اندلاع أحداث السابع من أكتوبر. بيد أنني كنت الحظ، في كل مرة أتحدث فيها أو يتحدث زملائي عن تردي الأوضاع وتفاقم مأسويتها، أن ذلك كان يُقابل بحفاوة بالغة وتصفيق حار. وهي استجابة، رغم ما تحمله من التباس وتعدد في التأويلات، جعلتني أجزم بافتقارنا الشديد إلى مساحات نقاش تبثّ خطابًا أكثر تفاؤلا، حتى وإن استند هذا التفاؤل إلى سيناريو يفضي في نهايته إلى زوال دولة بعينها.
وكما يفعل كثير من أصدقائي الفلسطينيين، أصف نهاية إسرائيل أيضًا باعتبارها عملية تحرر من الاستعمار . وبصفتي مؤرخا، أعلم أن التحولات الاستعمارية في الماضي غالبًا ما رافقها العنف والوحشية. ويقدم لنا التاريخ، أفضل معلّم لنا أمثلة عديدة على أن حركات التحرر وإنهاء الاستعمار قد تؤدي أحيانًا إلى نشوء أنظمة جديدة من الظلم. ومن منظور واقعي، يخطئ من يظنّ بسذاجة أن نهاية المشروع الصهيوني أو دولة إسرائيل ستتم على نحو تحوّل سريع ومبهج، من آلة للاحتلال والاضطهاد والإبادة الجماعية إلى دولة تُضمن فيها العدالة لأصحاب المظالم الماضية وتكفل الحرية لجميع مواطنيها.
بيد أن الأهمية تكمن في السعي الحثيث نحو تحقيق انتقال سلمي قدر المستطاع، يمهد الطريق لبناء مستقبل واعد لأكبر شريحة ممكنة من الناس. وإن هذا المسار الانتقالي، وإن كان يضع ضحايا القمع والعنف على رأس أولوياته، إلا أنه يمد يده أيضًا لأولئك الذين يخشون فقدان امتيازاتهم، والذين يخشون أن تتحول مواقع نفوذهم السابقة إلى حالة من العجز والضعف. وخلاصة القول إن المشروع الصهيوني يترنح اليوم على شفا الانهيار، وتتهاوى معه دولة إسرائيل بوصفها دولة يهودية. وهذه ليست مجرد أمنيات ذاتية أو سيناريو لأسوأ الاحتمالات بل هو واقع حتميّ، لا لأنني أتبنى وجهة نظر حتمية للتاريخ، بل لأنه حقيقة تتجسد على الأرض بالفعل، رغم تجاهل وسائل الإعلام له. ثمة تصدعات غائرة في صلب إسرائيل الصهيونية، بلغت من العمق حدا لا يمكن لأيّ إصلاح أن يرتمه. إن المسألة لم تعد تكمن في التساؤل عما إذا كانت تلك الأبنية ستنهار، بل في متى سيحدث ذلك، وليس لدي أي ادعاء بمعرفة التوقيت أو جداول الزمن. ومع ذلك، من الضروري الآن طرح عدد من الأسئلة لضمان أن يؤدي هذا الانهيار إلى خلق مساحة للبناء الجديد، لا فوضى عارمة، بحيث يتيح تأسيس شيء أفضل يشمل جميع المقيمين الحاليين والمهجرين على أسس المساواة والعدالة.
من الجدير بالذكر أن العديد من النقاط التي أثيرت هنا قد قد تم تناولها مسبقًا في أعمال بارزة لمساهمين ذوي كفاءة عالية. ومع . ذلك، فإن أحداث 7 أكتوبر ۲۰۲۳ أضفت منظورًا جديدًا يثري فهمنا للواقع في إسرائيل وفلسطين. يبدو أن جدلية الفعل ورد الفعل المتعلقة بما يُسمّى القضية الإسرائيلية – الفلسطينية قد تسارعت بشكل غير مسبوق، ويتجلى ذلك في تنامي مظاهر التضامن مع فلسطين لدى المجتمع المدني، وتصاعد المخاوف من معاداة السامية في الأوساط اليهودية، فضلا عن القلق من انبعاث أشكال جديدة من الإمبريالية الغربية المستحدثة، واحتدام الموجات الدينية. وأود أن أعرب هنا عن دهشتي البالغة من تجاهل الحكومات الغربية المأساة بهذا الحجم، في وقت تُبثّ فيه يوميا صور الإبادة الجماعية وتنقل جرائم الحرب مباشرة دون أن يثير ذلك أي رد فعل رسمي ملموس. لا تزال إسرائيل تتمتع بحصانة غير مسبوقة من أي تبعات فعلية. وهذه نقطة فارقة تستدعي إعادة النظر في الأوضاع الراهنة والاعتراف بفشل السياسات القديمة تجاه إسرائيل، والحركة الصهيونية، والمقاومة الفلسطينية، وآفاق السلام في العالم العربي بشكل عام. يقتضي هذا المنعطف اتخاذ خيارات استراتيجية جديدة من جميع الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك المواطنون الفلسطينيون داخل إسرائيل، والمجتمع اليهودي في إسرائيل وخارجها على حد سواء. كما سيتعين على المجموعات المسيحية الملتزمة عقائديا تجاه إسرائيل إعادة تقييم رؤيتها، ولن يكون بمقدور الأطراف الأكثر تشاؤما، مثل المجمع العسكري – الصناعي والمؤسسات المالية العالمية، الاستمرار في العمل بمنأى عن التغيير.
بكل تواضع، وعبر استقراء عدد القضايا والأسئلة التي أُهملت، يمكننا على أقل تقدير تحديد القرارات التي ينبغي اتخاذها، دون أن نفرض أن لا على أي شخص ما يجب عليه أن يقرره. لكن الحقيقة المؤكدة هي أحد يملك ترف التردد. باختصار، انهيار إسرائيل ليس خيارًا سياسيا قابلا للقبول أو الرفض، بل هو سيرورة موضوعية انطلقت فعليا. لا بد من مناقشة إمكانية حدوثه كمرتكز أساسي في الحوار الاستراتيجي الطويل المدى حول مستقبل إسرائيل وفلسطين، بدل الاكتفاء بالتركيز على مستقبل الفلسطينيين فقط.
وبالرغم من أن مصير الفلسطينيين في السنوات المقبلة يظل هاجسنا الملح والمشروع، فإن السؤال الجوهري على المدى البعيد سيتمحور حول مصير الوجود اليهودي في فلسطين التاريخية. وقد يتبين أن المسعى الذي استمر قرنا من الزمان، والذي قاده الغرب، وبريطانيا بالدرجة الأولى، لفرض إقامة دولة يهودية على أرض عربية ، قد بلغ محطته الأخيرة. لقد نجح هذا المسعى بالقدر الكافي لتأسيس مجتمع مستوطنين مُتَجَذِّر يضم ملايين الأفراد، العديد منهم من الجيل الثاني والثالث، لكن مصيرهم يظل مرهونا ، كما كان عند وصولهم بقدرتهم على فرض إرادتهم بالقوة على ملايين الفلسطينيين الأصليين الذين لم يتنازلوا عن حقهم في تقرير المصير والعيش بحرية في وطنهم. يكمن الأمل الوحيد لهم في المستقبل في إظهار استعدادهم للعيش كمواطنين متساوين في فلسطين حرة محررة من الاستعمار، وأعتقد أن كثيرين منهم سيفعلون ذلك بلا شك.
يتألف هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء. يركز الجزء الأول على قضيتين أساسيتين: فشل عملية السلام المزعومة في التوصل إلى حلّ، والدلائل التي تشير إلى أن نهاية إسرائيل قد بدأت بالفعل. ويستعرض الجزء الثاني سبع ثورات أو تحولات جذرية معرفية وسياسية على حد سواء، تشكل الركائز الضرورية لضمان أن يتحقق الانتقال من دولة في طور الانهيار إلى دولة جديدة بأقصى درجات النجاح. ويُقدم محتوى هذا الجزء في صورة تساؤلات ملحة، مصحوبة بإجابات استقيتها من رؤى جيل فلسطيني شاب أعلق عليه الآمال في قيادتنا نحو غد أكثر إشراقا. ومن الواضح أن العديد من هذه الطروحات قد حظيت بإجابات وافية، أما ما لم يُحسم بعد، فإن وجود جيل فاعل من الناشطين يمنحنا الثقة في قدرتهم على صياغتها. ومن هذه الإجابات ستبنى مداميك الصرح الجديد القائم على أسس المساواة والعدالة يختتم الكتاب بالثورة الثامنة الضرورية: تخيل واقع بديل ، ورأيت أن أفضل طريقة للتعبير عنها تكمن في تقديم نص روائي متخيل. وبصفتي إسرائيليا يهوديا كرست حياتي للدفاع عن القضية الفلسطينية، أؤمن بأن الاكتفاء بالتوصيف الأكاديمي للانهيار أو تقديم حلول مؤسسية جافة لا يفي بالغرض، بعكس النهج الذي يتبعه الآخرون. يقع على عاتقنا واجب تخيّل واقع ما بعد الاستعمار، ومساعدة الآخرين على رؤيته كحلم قابل للتحقق، لا كمستقبل مجهول وموحش.
فإذا تمكنا جميعًا، نحن المقيمون في إسرائيل وفلسطين، ومن يتوق للعودة إليها، من تحويل قرنٍ من التطهير العرقي والاحتلال والإبادة إلى قرن جديد من الأمل والمصالحة ، فمن واجبنا أيضًا أن نتخيل ملامح هذا الواقع الجديد في القسم الختامي من هذا العمل، قدمت رؤية لفلسطين ما بعد سقوط الاحتلال الإسرائيلي في عام ٢٠٤٨، من خلال مذكرات متخيلة تتبع الأحداث من حاضرنا حتى ذلك التاريخ. فليس هناك مستقبل حقيقي للبشرية دون القدرة على تخيل حياة أفضل، والإيمان بها، والأهم من ذلك، العمل من أجل تحقيقها .
(۱) المشيحانية أو المشياحية تُعرف أيضًا بـ «المسيانية» أو «المسيحانية» (Messianism) وهي الإيمان بقدوم المسيح (المسيا – Messia) الموعود أو يشوع (Joshua وهو الاسم العبري ليسوع). ويُسمّى أيضًا بـ «المنقذ» و «المخلص» في الكتب المقدسة. (المترجمة)
اقرأ أيضا

