مآل نضال شغيلة التعاقد المفروض في ضوء الهجوم النوعي الجديد للدولة

شرعت الدولة في وضع اللمسات الأخيرة على هجومها المستهدف للحق في التوظيف القار بقطاع التعليم، مُستندة على تعاون صريح لقيادات تنظيمات نضال الشغيلة (“الحوارات القطاعية” والمشاركة في أعمال اللجنة التقنية لإعداد مشروع “النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين”) من جهة، ومستفيدة من إنهاك قسم مُهم من شغيلة القطاع بمعارك فئوية مشتتة ودون أفق واضح.

الوظيفة الجهوية بدل الوظيفة المركزية

شكل التوظيف بموجب عقود في قطاع التعليم، معولا من بين معاول عديدة لهدم بناء الوظيفة العمومية المركزية. وصل هجوم الدولة في هذا الإطار مستوى متقدما، مستفيدا من سِعة سَلَّة “خياراتها الاستراتيجية” من تعاقد وأنظمة جهوية أساسية وتوظيف جهوي، فضلا عن القدرة على تقديم تنازلات تظهر في أعين أقسام مهمة من شغيلة القطاع على أنها مكاسب مهمة (الإلحاق بالصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، الحركة الانتقالية للأزواج- ات).

ميزان القوى المائل لصالح الدولة وتشتت النضال وفئويته وافتقاده لمطلب موحِّد، أتاح للدولة تنويع تشكيلات تقديم هجومها، والتنازل على الاسم والشكل (“التعاقد”) مع الحفاظ على جوهر الهجوم: تفكيك نمط التوظيف القديم المركزي وتعويضه بنمط جديد: التوظيف الجهوي.

يندرج هجوم الدولة في قطاع التعليم ضمن مخطط استراتيجي يشمل مجمل الوظيفة العمومية. وقد نص على ذلك بالحرف تقرير البنك الدولي “المغرب في أفق 2040” الصادر سنة 2017: “ينبغي أن يطلق المغرب بحزم عملية الجهوية الموسعة النسقية وإلغاء الطابع المركزي عبر النقل الحقيقي والتدريجي لسلطات صنع القرار، والموارد والإمكانيات المطابقة للمستويات الترابية المناسبة… وتعزيز الوظيفة العمومية المحلية فرصة فريدة لإعادة النظر في وضعية الوظيفة العمومية لتتناسب مع متطلبات الممارسات الفضلى في مجالات التدبير الحديث والحكامة الجيدة”.

واجهت الدولة في البداية فراغا تشريعيا في هذا المجال. وكمرحلة انتقالية اعتمدت صيغة “التوظيف بموجب عقود”، التي أُرغِمت على تحسين شروطها تحت وقع نضالات شغيلة التعاقد المفروض. سيجري التخلي عن هذه الصيغة واستبدالها بعقود جماعية جهوية أُطلِق عليها “أنظمة أساسية للأكاديميات الجهوية”. وبشكل مُواز كانت الدولة تعمل على قدم وساق على إعداد الإطار القانوني/ التشريعي للوظيفة الجهوية، إذ صادقت على “القانون التنظيمي للمالية” 28 أبريل 2015 وعلى مرسوم “الميثاق الوطني للاتمركز الإداري” 27 ديسمبر 2018، وفي قطاع التعليم كان العمل جاريا على إعداد مشروع نظام أساسي جديد أُطلِق عليه “نظاما أساسيا لمهن التربية والتكوين”.

استفادت الدولة طبعا من قصور خطاب تنظيمات نضال شغيلة القطاع الذي استند إلى “ترافع قانوني” يركز على الثغرات القانونية لمخططات الدولة: تناقضها مع الدستور والقوانين الجاري بها العمل في القطاع، في وقت كانت الدولة قد أفرغت ذلك الإطار القانوني من كل محتواه، بسلسلة من المراسيم التراجعية، وأعدَّت إطارا قانونيا جديدا مستندا على تغير جذري فعلي في واقع علاقات الشغل بالقطاع… أما عن تناقض الدولة مع دستورها فذاك كلام آخر، ومردود عليه ببنود الدستور ذاته.

بدأت الدولة هذا التفكيك مُبكرا. وضمَّ محاور إصلاح المالية العمومية وتفكيك الأنظمة الأساسية لقطاعات الوظيفة العمومية وسياسة اللاتمركز الإداري.

 إصلاح المالية العمومية: في اتجاه مالية جهوية

صدر القانون التنظيمي الجديد للمالية لسنة 2015، وصفته مجلة وزارة المالية بأنه جزءٌ “من برنامج إصلاحات كبرى همت تدبير المالية العمومية”. يقوم هذا القانون على نفس بنود الهجوم القديم: التحكم في كتلة الأجور: “إن تطبيق مبدأ محدودية اعتمادات نفقات الموظفين عوضا عن الطبيعة التقديرية المطبقة سابقا هو أحد الركائز الرئيسية للإصلاح الجديد. ويهدف هذا الإجراء إلى المساهمة في التحكم في كتلة الأجور لموظفي الدولة وتقوية دور الآمرين بالصرف في تدبير ميزانية نفقات الموظفين وتدعيم فعالية ونجاعة تدبير هذه النفقات”. [“القانون التنظيمي للمالية: رافعة من أجل تحديث التدبير العمومي”، مجلة المالية لوزارة الاقتصاد والمالية، العدد 35- غشت 2019، ص 24].

في سنة 2017، أقر نفس القانون “التنصيص في ميزانية الاستثمار على الاعتمادات المالية المخصصة لكل جهة، علما أن المديرين الجهويين يتوفرون كذلك على مرونة في مجال تدبير الاعتمادات المخصصة. إن خيار ميزانية جهوية يتعين تعميمه ودعمه الجهوية لمختلف القطاعات الحكومية بدون استثناء. وهذه الجهوية يجب أن تشمل اعتمادات التسيير إلى جانب اعتمادات الاستثمار”. [الرجع نفسه، ص 28].

هجوم الدولة شامل وإن ظهر للعيان عشوائيا ومُرتجلا. لكن الدولة التي كانت تسير في حقل ألغام، متوقعة ما تسميه “مقاومة التغيير” ومُعِدَّة أساليب التغلب عليها، بنت هجوما على التجريب والتدرج لتفادي مقاومة شاملة، وهو ما لم تخفيه مجلة وزارة المالية: “مشروع مهيكل للمالية العامة بهذا الحجم والاتساع مر من مراحل تشريعية متعددة، من الطبيعي أن يحتاج إلى تنزيل متدرج”. [نفس المرجع، ص 7].

مرسوم اللاتمركز الإداري: في اتجاه وظيفة جهوية

صدر “الميثاق الوطني للاتمركز الإداري” في 27 ديسمبر 2018، وغايته حسب نص المرسوم هي: “ترسيخ الجهوية المتقدمة وإرساء إدارة لا ممركزة مسؤولة بالمغرب، لها سلطة القرار”.

يقوم هذا الميثاق على مبدأ التفريع أي “توزيع المهام وتحديد الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة التابعة لها”. ونص على ” نقل الاختصاصات إلى المصالح اللاممركزة بتخصيص موارد مالية وبشرية لتمكينها من الاضطلاع بالمهام والصلاحيات المخولة لها”. وأصى الميثاق جميع القطاعات الوزارية بإصدار التصاميم المديرية للاتمركز الإداري، وكان قطاع وزارة التربية الوطنية من أولى القطاعات التي أصدرت التصميم وصادقت عليه بتاريخ 16 سبتمبر 2019.

وفي يوليوز 2020 صدر “تقرير حول حصيلة أعمال اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري”، تضمن “خارطة طريق مواكبة تنفيذ مضامين الميثاق الوطني للاتمركز الإداري”. ورد في باب “تدبير الموارد البشرية” ما يلي: ” التنصيص على تخصيص المناصب المالية، حسب الجهات، ضمن قانون المالية لسنة 2021. الوضعية الحالية: موافقة مصالح مديرية الميزانية. [ص 31]، كما أوصى بـ” توسيع صلاحيات الخازن الجهوي في مجال تدبير الموارد البشرية. [ص 34] و” إحداث مؤسسة الآمر بالصرف الجهوي”. [ص 49].

طبعا لم تُغفل وثائق اللاتمركز الإداري واقع وجود قوانين وأنظمة أساسية تعود إلى نمط توظيف مركزي قديم، وقد نصت هذه الوثائق بالتالي على “ملاءمة الإطار القانوني والتنظيمي الجاري به العمل والمسلسل المرتقب لتطويره خلال السنوات القادمة”. وواهم من يعتقد أنه محمي من هذه الهجمات بمبرر أن القوانين لا تسير بأثر رجعي، إذ سيجري إلحاق جميع الشغيلة (مرسَّمة كانت أو مفروض عليها التعاقد) بالأكاديميات الجهوية، كما ستُلاءَم الأنظمة الأساسية للفئات المهنية مع “التدبير الحديث للموارد البشرية” كما نص على ذلك التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتعليم.

أعلنت الدولة عزمها على تعميم نمط التوظيف الجهوي على جميع القطاعات العمومية، ويجعل هذا من توحيد النضال إمكانا مهما لتطوير مجابهة سياسة الدولة في هذا المجال.

تفكيك الأنظمة الأساسية لنمط التوظيف المركزي القديم

عُقدت في 21 يونيو 2013 مناظرة وطنية حول “المراجعة الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ” بالصخيرات. انتقد المشاركون “الدولة الموظِّفة” مطالبين بتعويضها بـ”الدولة المخطِّطة”. وهو نفس ما أقرَّه “دليل إعداد التصميم المديري للاتمركز الإداري” الصادر عن وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في ماي 2019: ” يتيح [لا تمركز الموارد البشرية] للمصالح المركزية التحرر من أعباء التسيير اليومي والتفرغ لمهام التوجيه والتخطيط”. [ص 46].

يشكل هذا سوابقا لما سيرد في تقرير لجنة “النموذج التنموي الجديد” تحت عنوان: “مراجعة دور الدولة”: “إن الأسلوب التقليدي لاشتغال الدولة القائم على دورها المركزي والرقابي، وإن كان متناسبا مع مرحلة معينة من نمو البلاد وفي سياق وطني ودولي أكثر قابلية للتوقع، فإن هذا الأسلوب يبدو اليوم أقل وجاهة وملاءمة مع التطورات الأخيرة… وفي هذا السياق، يمكن لفاعلين آخرين كالقطاع الخاص والفاعلين على المستوى الجهوي والمجتمع المدني، إذا تمت مواكبتهم بشكل مناسب، المساهمة والمشاركة بكيفية فعالة في استعمال أمثل للموارد العمومية وتعزيز فعالية الفعل العمومي”. [ص54].

يندرج ضمن “مراجعة دور الدولة” ما يُطلق عليه “إصلاحا شاملا لأنظمة الوظيفة العمومية” الذي فصلته وثيقة صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة تحت عنوان “حصيلة سنة 2020” كالآتي: “إعادة هيكلة أساليب تدبيرها في اتجاه تطويرها وترسيخ مهنيتها وتكريس معايير الاستحقاق والكفاءة والفعالية، وكذا تحسين أداء الموظفين”. [ص 46]

تضمن هذا “الإصلاح”:

+ “مراجعة منظومة مباريات التوظيف” بما يضفي عليها الطابع الجهوي: “ملاءمة نظام المباريات مع مقتضيات المرسوم المتعلق بالميثاق الوطني للاتمركز الإداري”. [ص 47].

+ “تطوير منظومة تقييم أداء الموظف” بما يربط ترقية وأجور الموظفين- ات بمعايير فردية مثل “المردودية والأداء والاستحقاق والابتكار في أداء المهام الإدارية”، بدل المعايير الجماعية (الإطار، الهيئة، الرتبة والدرجة).

في قطاع التعليم تعمل الدولة جاهدة، بتعاون تام من طرف قيادات النقابات، على وضع اللمسات الأخيرة على “النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين” الذي سيضم شغيلة مرسمَّة آيلة للزوال وشغيلة مشتغلة مع الأكاديميات الجهوية مقبلة على توسع كبير، إذ ستشكل في أفق سنة 2030 نسبة %80. [تقرير” مهنة الأستاذ”، المجلس الأعلى للتعليم، ص 31].

مآل نضال شغيلة التعاقد المفروض في ضوء هذا الهجوم الشامل

بعد 6 سنوات من فرض التوظيف بموجب عقود، وأربع سنوات من نضال شغيلة التعاقد المفروض، هجرت قيادات النقابات التعليمية ميدان النضال والإضراب مفضلة دهاليز قاعات “الحوار القطاعي”، واختفت تنسيقيات عدة، بينما ظلت تنسيقية المفروض عليهم- هم التقاعد تناوش بانعزالية إرادية واعية.

أصيب قسم مهم من شغيلة التقاعد المفروض بالإنهاك جراء طول المعركة واستمراريتها ووَقْعِ الاقتطاعات والمُتابعات… التي نالت من معنوياتها، وعزلت تنازلات الدولة قسما آخر من هذه الشغيلة. انبرت أقسام من هذه الشغيلة إلى جرد حصيلة سنوات النضال والتضحية هذه: تحسين شروط العمل مع تعديل الأنظمة الأساسية الجهوية، الإلحاق بـ CMR، الحركة الانتقالية للأزواج… إلخ. وكان التقييم الذي جرى الخلوص إليه هو: هذه مكاسب مهمة، وعلينا العمل على تثبيتها قانونيا/ تشريعيا بدل المغامرة بفقدها في سياق غير ملائم كليا للنضال.

أسهمت مقترحات الدولة في ترسيخ هذا الاعتقاد، إذ أن الحديث عن تعديل القانون المحدث للأكاديميات الجهوية 07.00 بما يمنحها صلاحيات ترسيم هيئة التدريس، وتنصيص القانون- الإطار على إصدار “الأنظمة الأساسية للأكاديميات الجهوية” على شكل مرسوم تشريعي يُنشر بالجريدة الرسمية، كل هذا يزكي آمال تثبيت تلك المكاسب قانونيا بما يضفي عليها طابعا مُلزِما، عكس الأنظمة الأساسية الحالية التي قال عنها الناطق الرسمي للحكومة بأنها “ليست قانونا ولا مرسوما”. وبالنسبة للدولة فإن هذه التنازلات لا تسير عكس اتجاه هجومها، بل هي جزء أساسي منه: القضاء النهائي عن التوظيف المركزي وتعويضه بالتوظيف الجهوي.

إن هذا التثبيت القانوني يظل شكليا، ما دامت مخططات الدولة ستُفرغه من مضمونه الذي يشكل مقومات العمل القار. فما تريد الدولة تمريره في “النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين” وتضمن بعضَها تقرير “مهنة الأستاذ”، يجعل ما كان يضمن التوظيف القار في النمط القدي من التوظيف في مهب الريح: ربط الأجور والترقية والاحتفاظ بالمنصب بالأداء والاستحقاق والمردودية، منح استقلالية واسعة لرؤساء المؤسسات بما يمنحهم صلاحية التخلص من الموظفين- ات… إلخ.

رغم ذلك قد تؤدي تنازلات الدولة الشكلية هذه إلى بث الخلاف في صفوف المعنيين- ات بين قابلِ بها ورافضٍ. لحدود الآن ليس هناك أي نقاش جماهيري وعلني حول هذا الأمر، ما سيسهم في إنجاح خطة الدولة. وأي شيء خارج هذا النقاش الجماعي الديمقراطي، سيبلبل الشغيلة ويساعد تكتيك الدولة على هزيمة المعركة وشق التنسيقية.

قد يؤدي الخلاف حول قبول أو رفض مقترحات الدولة، وعدم طرح ذلك الخلاف علنا، إلى تدمير إطار مناضل كلفةُ بنائه سنواتُ تضحية مادية ومعنوية واعتقالات وشهيد… إلخ. والمشكل أن حجم الهجوم الحالي والقادم يجعل من بقاء التنسيقية أمرا ملحا.

من أجل منظور إجمالي للنضال

ظلت شغيلة التعليم، شأنها في ذلك شأنَ بقية الشغيلة، تكافح من أجل تحسين شروطها المهنية (الأجر، الترقية، الوضعية الإدارية) في ظل تبدل كلي للسياق الذي انتزعت فيه الشغيلة المكاسب التي يجري الزحف عليها حاليا (الوظيفة العمومية المركزية).

تمتلك الدولة منظورا إجماليا لما تسميه “إصلاحا” ويقوم على إعادة هيكلة الأساس القانوني/ التشريعي لنمط تقديم الخدمة العمومية وما يقابلها من نمط التوظيف، ليلائم التغيرات الاقتصادية: تسليع الخدمات العمومية، توسع دور القطاع الخاص وتراجع دور الدولة.

أدى تسارع الهجوم إلى شيخوخة مطالب الشغيلة وعلى رأسها “الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية”. فهذا المطلب لا يناقض هجوم الدولة الحالي بل ينفخ الرياح بما يلائم سفنه. فإدارات الدولة حسب “الميثاق الوطني للاتمركز الإداري” تتألف من “إدارات مركزية ومصالح لا ممركزة”، وستستجيب الدولة لمطلب الإدماج بما قدمته سابقا: “التوظيف الجهوي”.

علينا قلب المنطق المهني الفئوي وتعويضه بمنطق إجمالي للنّضال. وكما غيرت الدولة نمط تقديم الخدمة العمومية لتلائم معه نمط التوظيف، علينا كشغيلة الدولة أن نبلور مطالبا تخص النمط الأول كي نستطيع الدفاع عن التوظيف القار. فقط الدفاع عن الطابع العمومي للخدمات العمومية كلها (صحة، تعليم، سكن، حماية اجتماعية…)، سيتيح إمكان تجسيد المبدأ الذي يتفق عليه الجميع قولا ولكنه لا ينفذه فعلا: النضال الوحدوي.

إن المطالب الجزئية مشتِّتة بطبعها، بينما يوفر تضمينها ضمن منظور إجمالي دينامية موحِّدة للجهود النضالية المشتتة التي تتناوب على تلقي الهزيمة أمام أبواب مقرات الوزارات [انظر- ي: https://www.almounadila.info/archives/10567].

كما ليس مُجديًّا التهربُ من الوجه السياسي للقضية. فمنظور الدولة الإجمالي الذي أصبح جزءاً من دستور سنة 2011، هو الذي يجري تنفيذه حاليا مع القوانين التنظيمية لذات الدستور: القانون التنظيمي لمالية، الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، القانون- الإطار 51.17… وسيشكل المدخل السياسي للدفاع عن حق الخدمة والوظيفة العموميتين بابا لتوحيد النضالات ضد السياسة النيوليبرالية وترجمتها الأخيرة على شكل “نموذج تنموي جديد”. وبدل ترك المسألة الدستورية تخصصا لأحزاب المعارضة البرجوازية الساعية لتقاسم السلطة في إطار نفس النموذج الاقتصادي والاجتماعي القائم، على الشغيلة وتنظيمات نضالها أن تأخذها على كاهلها بما يضمن دستورا مناهضا للسياسات الحالية القائمة على خدمة مصالح أرباب العمل والرأسمال الأجنبي وتنفيذ توصيات المؤسسات المالية الدولية.

لن يتحقق هذا بشكل آلي، فالعائق الرئيسي أمام هذا المنظور الإجمالي الموحِّد هو عقلية النزوع إلى الخلاص الفردي الذي أسهم تفكيك الخدمة والوظيفة العمومية ذاته في تكريسها (تسليع الخدمة العمومية). أصبح “ليَنْجُ بجلده من استطاع” شعار الشغيلة المذرَّرَة، وعبر أساليب الاشتغال في القطاع الخاص واستجداء خدمات نقابية أسلوبا فرديا للانعتاق من وضع طبقي مزرٍ. لكن كُلَّ ما يربحه الأجير كفرد يخسره كطبقة.

علينا- كشغيلة- أن نعي أن سبل الخلاص الفردي محدودة وحجم المسحوقين تحت أقدام المنافسين- ات أكبر من الذين ينالون الخلاص، وأن لا سبيل إلا النضال من أجل الخلاص الجماعي من وضعٍ ليس مقدَّرا بل هو حصيلة ميزان قوى اجتماعي مائل لصالح أرباب العمل ودولتهم بما يتيحه لهم فرض مصالحهم وسحق الأغلبية.

بقلم: وائل المراكشي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا