جائحة حوادث الشغل بالمغرب: حالات من قطاع البناء  

بسبب انعدام شروط السلامة والصحة المهنيتين في أوراش البناء، حوادث الشغل تواصل إزهاق أرواح العمال؛ عامل بناء آخر فارق الحياة أثناء العمل يوم الأحد 07 ماي 2023 بمدينة كلميم؛إنها حالة الوفاة الثالثة خلال هذا الأسبوع؛ إنه حقا لأسبوع حزين عاشه عمال البناء وعائلاتهم.

———————————-

1- يوم الأحد 07 ماي 2023، فارق الحياة عامل بناء بعدما سقط عليه المصعد ببناية في طور البناء بشارع مولاي عبدالرحمان (قبالة أو قرب الملحقة الإدارية الرابعة) بمدينة كلميم، ، جهة كلميم واد النون.

فيما نقلت مصادر أخرى أن مصرع عامل البناء هذا كان نتيجة سقوطه من مصعدٍ في طور الإنجاز بورش البناء.

كانت هذه للأسف كل المعلومات إلى الآن عن العامل الهالك. حيث التركيز على الإخبار بالوفاة دون التطرق للحادثة من مختلف جوانبها…

ما أحوجنا عاملات وعمال المغرب لإعلامنا الخاص بنا: إعلام عمالي له مراسلوه من العاملات والعمال والمناصرون له في مختلف أماكن العمل، حتى يحصل على أهم تفاصيل ومعلومات مخاطر العمل… إعلام عمالي يتطرق لقضايا موت وإصابات العمال في أماكن العمل، ويعالج معالجة حقيقية قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، التي باتت تزهق بلا توقف أرواح العاملات والعمال، ويدلهم- هن على سبيل وقفها…

وفاة العامل، سواء كانت نتيجة سقوطه من مكان مرتفع، أو نتيجة سقوط جسم ثقيل عليه (مصعد كما الحالة هنا)، فهي ناجمة عن انعدام شروط السلامة والصحة المهنيتين، وغياب وسائل الوقاية والإنقاذ في أماكن العمل.

هذا في الوقت الذي يمكن فيه إلى حد كبير تفادي مثل هذه الحوادث المميتة في قطاع البناء والتشييد بتوفير شروط السلامة والصحة المهنيتين، ووسائل الوقاية والإنقاذ، خاصة وسائل الوقاية الجماعية والفردية من مخاطر السقوط من مكان مرتفع ومخاطر المواد المتساقطة. إذ أن وفاة عامل نتيجة سقوطه من مكان مرتفع أو نتيجة تساقط مواد عليه أصبحت حالات نادرة في عدد من البلدان؛ ولا سر خلف ذلك. تشدد دول هذه البلدان على توفر شروط السلامة والصحة المهنيتين، وعلى استعمال وسائل الوقاية الحديثة والمتطورة من هذه المخاطر، وما ذلك إلا نتيجة لكفاح منظمات الطبقة العاملة هناك عبر العقود.

فمن غير المقبول في هذه البلدان أن يسقط عامل بناء من مكان مرتفع دون أن تمسكه “الوسائل الشخصية لمنع السقوط” (Systèmes personnels antichute)، أو يتلقاه “نظام شبكة السلامة” (Systèmes de filet de sécurité). [أنظر الصور أسفله].

وهذا لأن عاملات وعمال هذه البلدان أحسن تنظيما من عاملات وعمال المغرب، وأحسن وعيا بمخاطر العمل (حوادث شغل وأمراض مهنية) وبمصالحهم- هن ويضغطون على أرباب العمل ودولتهم من أجل بيئة عمل آمنة، ومن أجل شروط عمل أحسن وأحسن..

لكن في المغرب كانت وما تزال مخاطر السقوط من مكان مرتفع ومخاطر المواد المتساقطة في أوراش البناء والإنشاءات من أكثر المخاطر التي تسبب إصابات بليغة للعمال، تصل حد الوفاة أو إعاقة دائمة. والأمر يزداد سوءًا!

ما يزال عمال البناء في المغرب يسقطون من الأمكنة المرتفعة ولا تمسكهم لا “الوسائل الشخصية لمنع السقوط” (Systèmes personnels antichute)، ولا يتلقاهم “نظام شبكة السلامة” (Systèmes de filet de sécurité)؛ وبعد الإصابة لا وجود لوسائل إنقاذ وإسعافات في مكان العمل؛ فيموتون، أو تتفاقم حالتهم، ويصابون بعاهات مستديمة.

فخلال نفس الأسبوع فارقا الحياة عاملا بناء آخران، في حادثتي شغل متفرقتين في نفس اليوم، الثلاثاء 02 ماي 2023؛ أحدهما إثر تعرضه لصعقة كهربائية بورش بناء بمستوصف القرب بجماعة لعثمانة، إقليم بركان، جهة الشرق. الهالك يبلغ من العمر 39 سنة، متزوج وأب لطفلين.

والآخر جراء سقوطه إلى الأرض من الطابق الرابع أثناء العمل في ورش بناءٍ بجماعة بني يخلف، إقليم المحمدية، جهة الدار البيضاء سطات. الهالك يقطن قيد حياته بمنطقة الحي المحمدي بنسليمان، يسمى نور الدين الادريسي، عمره 28 سنة، متزوج وأب لطفل.

إنها إذن ثلاث حالات وفاة خلال الأسبوع الأول من مايو 2023؛ إنه حقا لأسبوع حزين ودموي عاشه عمال البناء وعائلاتهم.

——————————

2- وقبل هذه الحادثة، تمكن “مرصد حوادث الشغل والأمراض المهنية بالمغرب“، من خلال متابعته لما تنشره الجرائد، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي… من رصد 28 28 حادثة شغل نتجت عنها 28 حالة وفاة) في صفوق عمال البناء منذ بداية عام 2023، من بينها ست (06) حوادث مميتة خلال شهر أبريل وحده. سبق التطرق لها على صفحة المرصد. (دون احتساب الحوادث التي نتجت عنها إصابات خطيرة).

ليصبح 29 هو عدد حوادث الشغل المميتة في قطاع البناء التي تم رصدها منذ بداية هذا العام. إنها الأعلى والأكثر دموية مقارنة بالقطاعات الأخرى.

وبكل تأكيد، العدد الحقيقي للحوادث التي أزهقت أرواح عمال البناء أكبر بكثير من هذا العدد؛ ناهيك عن الحوادث التي فقد فيها عمال بناء آخرين أطرافا من أجسادهم أو سببت لهم عاهات فهي أكثر بكثير من تلك المميتة، لكن لا معطيات عنها لعدم اهتمام وسائل الإعلام بها لأنها لا تثير اهتمام قارئها، ولا وجود لمعطيات من طرف الدولة عنها!!

إنه فقط جانب من الوضع القاتم للظروف التي يشتغل فيها العمال في مواقع البناء. أما جانبه الآخر، ربما الأعظم والأكثر قتامة -نقول ربما لأنه للأسف لا معطيات ولا دراسات حول هذا الجانب- فهو الأمراض المهنية التي تفتك بهم نتيجة المخاطر الصحية التي يتعرضون لها في أماكن العمل.

وما يزيد هذا الوضع قتامة، أن أغلب (كي لا نقول كل) عمال البناء الذين يسقطون ضحايا مخاطر الشغل (حوادث الشغل وأمراضه) غير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا تأمين لفائدتهم، ما ينتج عنه من ضياع حقوقهم وحقوق أسرهم، ويسقطها في العوز والفقر والضياع…

يا للواقع القاتم المر، يا للقمة العيش المرة آخر مرارة؛ مئات آلاف عمال البناء في المغرب (أكثر من مليون عامل في أوراش البناء في المدن) يستيقظون يوميا، في الصباح الباكر، يتوجهون إلى أماكن عملهم على أمل كسب قوت يومهم.

يكدحون في كل حي وشارع، كدح النمل، لساعات طويلة مقابل أجر هزيل، ولا يتقاضون سوى أجر الأيام التي يشتغلونها، أما الآحاد والأعياد التي لا يشتغلون فيها لا يأخذون عنها مقابلا متناسبا  لا تأمين لهم عن حوادث الشغل ولا عن الأمراض المهنية. لا ضمان اجتماعي لهم ولا تقاعد…

أغلبهم من ضواحي المدن والقرى، وعدد منهم بعيدون عن أسرهم، ما يزيد من تكاليف العيش والتنقل… والمعاناة.

وأين يكدحون؟ في بيئات عملٍ (أوراش بناء ومبانٍ…) لا تتوفر فيها أدنى شروط السلامة والصحة، ولا وسائل وقاية وإنقاذ، فيسقطون ضحايا حوادث الشغل؛ كل يوم عدد منهم قد يكون خروجهم من منازلهم الخروج الأخير، يعودون إليها جثثا هامدة، ولا يأخذ ذوي حقوقهم أية تعويضات تذكر. فيما آخرون يعودون إليها دون يدٍ أو رجلٍ، أو بعاهةٍ مستديمةٍ، ليصبحوا عالة على أسرهم الفقيرة الهشة أصلا…

أما أولئك الذين عادوا إلى منازلهم، كثيرون منهم أنهك العمل أجسادهم، وازداد وهنهم يوما بعد يومٍ، تدهورت حالتهم الصحية تدريجيًّا، وغالبًا بشكل لا رجعة فيها، ليجدوا أنفسهم -وهم في منتصف العمر- يواجهون وضعًا لا حيلة لهم فيه، بعد أن يكونوا قد دخلوا دائرة الأمراض المهنيّة.

وهذا الوضع سيزداد بكل تأكيد سوءا في قادم الأيام، بعد أن أصدرت كل من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ووزارة الداخلية، دورية مشتركة يرميان من خلالها إلى تبسيط مساطر الترخيص المتعلقة بالبناء في العالم القروي.

——————————

3- وما السبب؟ بسيط، تقول لنا الدولة وموظفوها وأقلامُها، بعد الاعتراف على مضض، أن أسباب المصائب التي لحقت وتلحق عمال البناء هي فعلا بسبب غياب شروط السلامة والصحة المهنيتين، في أوراش البناء، تقول أن ذلك راجع لكون قطاع البناء تستحوذ على الأغلبية الساحقة لأنشطته مقاولات صغيرة وصغيرة جدا، وشركات مناولة، كما يأخذ فيه القطاع غير المنظم حجما كبيرا، ما يجعل الاستجابة لقواعد الصحة والسلامة المهنية محدودة للغاية في أغلب أوراش البناء والمباني.

ونحن نقول إن ذلك راجع إلى عدم اهتمام الدولة بالمصائب التي تضرب عمال البناء وغياب جديتها في إنهائها. بل إن تحجُّجَها ذاك هو بغرض الإبقاء على هذا الوضع الكارثي.

– فهل يصعب على أصحاب أوراش البناء (المنعشين العقاريين) الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتسجيل العمال فيه وتأدية مستحقاتهم له، وتمتيعهم بباقي حقوقهم المنصوص عليها في قوانين الشغل؟ حقوق لن تكلفهم الشيء الكثير، وهم من يجنون من استثماراتهم في العقار ملايين الأرباح.

– هل يصعب عليهم تأمين عمالهم عن حوادث الشغل وعن الأمراض المهنية؟

– هل ستُمس أرباحهم الضخمة بتوفيرهم وسائل الإنقاذ والوقاية من مخاطر العمل في أوراشهم؟

– هل يصعب على من يريد بناء منزل أو القيام بإصلاحات كبيرة فيه تأمين العمال عن حوادث الشغل وعن الأمراض المهنية؟

– أيهما أغلى ثمنا، امتلاك سيارة أو شاحنة وتأدية ضرائب وتأمينات سنوية عنها، أم امتلاك منزل وتأدية ضرائب وتأمينات عنه لفائدة عمال البناء لسنوات محدودة؟ ليُوفَّر بها وسائل الإنقاذ والوقاية خلال فترة العمل في المبنى والتأمين عن حوادث الشغل وعن الأمراض المهنية، والتأدية منها لفائدتهم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وأما التحَجُّج بالقطاع غير المهيكل في أنشطة البناء فلا أساس له من الصحة والجدية؛ متى لمواطن بناء مسكن دون أن تعلم السلطات المحلية (عن طريق المقدمين والشيوخ…) بالأمر.

إن المسؤول الأول عن هذا الوضع الكارثي هو الدولة، لغياب المراقبة الفعلية لأجهزتها لتطبيق شروط السلامة والصحة في أوراش البناء والمباني، وعدم تفعيلها عقوبات على المخالفين، رغم ضعف هذه العقوبات وعدم كفايتها لردعهم؛ وعدم استعدادها التدخل لإرغام أصحاب أوراش البناء والمباني على ضرورة تمتيع العمال بحقوقهم المنصوص عليها في قوانين الشغل، وإنهاء أكذوبة القطاع غير المهيكل.

وهذا بدوره يسمح لتجاوزات أصحاب الأوراش والمباني بالازدهار؛ هَمُّ شركات البناء والمنعشين العقاريين هو الربح، وهَمُّ أصحاب المباني هو بناء مساكنهم بأقل تكلفة ممكنة.

تقوم الدولة بتمتيع المنعشين العقاريين بإعفاءات من الضرائب ومنح تسهيلات وامتيازات للحصول على أوعية عقارية…

أليس الأجدر بها عوضا عن ذلك، توجيه هذه المبالغ لتوفير شروط الصحة والسلامة في أوراش البناء والمباني، والتأمين على حوادث الشغل والأمراض المهنية لفائدة عمال البناء، وضمان تسجيلهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي…

وأن تقوم بسن قوانين تحد من تجاوزات أصحاب الأوراش والمباني وتجرمها، خاصة في حالة حادثة شغل مميتة أو خطيرة.

وتوفر لتنفيذ هذه القوانين مؤسسة وعددا كافيا من الأطر بصلاحيات تخول ذلك. مثل:

– إنشاء وكالة وطنية للسلامة والصحة في قطاع البناء والتشييد

– مراقبون ومفتشو الشغل لكي يفتشوا ورشات البناء، وأن يكون العدد كافيا لمراقبة جميع ورشات العمل في البلاد

– تأهيل العمال حول مخاطر العمل ووسائل الحماية

– فرض استعمال وسائل الوقاية من المخاطر الحديثة والعمل بالآلات الحديثة

– التنصيص على تأمين حوادث الشغل والأمراض المهنية وضمان تسجيل العمال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي شرطا أوليا للحصول على ترخيص بناء.

–  نشر معطيات حوادث الشغل والأمراض المهنية من قبل هذه الوكالة

– توقيف العمل في كل ورش أو مبنى لم يحترم قوانين الشغل ولا يتوفر قبل بدء أ العمل على تأمين حوادث الشغل والأمراض المهنية وضمان تسجيل العمال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مع إصدار عقوبات في حق المخالفين أرباب عمل وعمال…

لا يعقل حجز سيارة أو شاحنة ونقلها لمحجز في حالة عدم توفرها أو عدم توفر سائقها على رخصة سياقة أو تأمين لها… ولا تتخذ أية إجراءات إزاء مثل هذه التجاوزات والخروقات لأصحاب الأوراش والمباني ذات العواقب الوخيمة على عمال البناء وأسرهم…

——————————

4- إجراءات وأخرى لو وجدت ونفذت لحدث تحول كبير لصالح عمال البناء وأسرهم، لتقلص عدد حوادث الشغل والأمراض المهنية في صفوفهم، وأصبحت لهم ولأسرهم تغطية صحية، لكن الدولة لا نية لها ولا رغبة في ذلك. بل إنها لا ترغب حتى في التطبيق الفعلي لقوانين الشغل الحالية على قلتها وعلاتها. تريد إبقاء عمال البناء يدا عاملة رخيصة لفائدة أصحاب الأوراش.

لذا لا فائدة من انتظار رحمة أرباب أوراش البناء ودولتهم، ولا في تصديق مزاعم اهتمامهم بمصائب ومشاكل عمال البناء؛ كما أنه لن يتم تمتيعنا بحقوقنا من طرف أصحاب أوراش البناء والمباني بمحض إرادتهم، ولن تتدخل الدولة هي الأخرى بمحض إرادتها لتفعل ذلك ما لم تكن مرغمة على هكذا فعل.

لذا ليس أمامنا سوى تنظيم وتوحيد أنفسنا في إطار نقابي أو جمعوي، بتعاون مع القوى المناضلة، خاصة التي تهتم بشروط الصحة والسلامة المهنية لفائدة العمال، من أجل توعية وتأطير بعضنا البعض بحقوقنا ومطالبنا؛ لفرض شروط الصحة والسلامة المهنيتين، وظروف تشغيل نتمتع فيها بحقوقنا، على الأقل، كما تنص عليها قوانين الشغل على قلَّتها وعلَّاتها.

——————————

ملاحظة: ومن أجل تفاصيل أكثر عن “مخاطر السقوط ومخاطر المواد المتساقطة وسبل الوقاية منها” يرجى العودة إلى “الفقرة الرابعة” من نص”بسبب انعدام شروط السلامة والصحة المهنيتين في أوراش البناء، حوادث الشغل تواصل إزهاق أرواح العمال؛ عاملا بناء  فارقا الحياة في حادثتي شغل متفرقتين في نفس اليوم، في ثاني عيد العمال والعاملات الأممي فاتح ماي 2023؛ إنها بداية شهر حزينة يعيشها عمال البناء وعائلاتهم” منشور على هذه الصفحة بتاريخ 06 ماي 2023].

————انتهى————-

عن : مرصد حوادث الشغل و الأمراض المهنية بالمغرب

شارك المقالة

اقرأ أيضا