عندما يهتم البنك العالمي بالنساء…

النساء, بلا حدود11 يوليو، 2023

بقلم كريستين فاندن دايلين  Christine Vanden Daelen

بينما كان البنك العالمي، في أول جيل خطط التقويم الهيكلي، غير مكترث بأدوار النساء في الاقتصادات الخاضعة له وبعواقب سياساته المدمرة على ظروف حياة النساء (بقائهن على قيد الحياة)، بذلت هذه المؤسسة ما بوسعها، في سنوات 1990، لتظهر  فصاعدا كأداة حقيقية لتحررهن.

أصبحت مسألة الجندر (النوع الاجتماعي) قائمة في كل تدابيره ومشاريعه.

بات البنك العالمي على ما يبدو حريصا جدا على مراعاة وضع النساء الخاص وزيادة نسبة فرص خياراتهن، إذ «خصص» لهن برامج وقروضا عديدة. نظم مشاريع تكوين مهني كثيرة «لذوات الدخل المنخفض من النساء»، وتحديث التعليم الذي يدمج مسألة المساواة بين الفتيات والفتيان، وتحسين التغذية، وتنظيم الأسرة، أو أيضاَ تقديم معونات للإنتاج، و«مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية».

كيف يمكن تفسير هذا التحول، وحماس البنك العالمي  المستجد هذا تجاه النساء وظروف تحررهن؟

ضغط الحركات الاحتجاجية على سياسات التقويم الهيكلي

حذار من الانخداع! لا يعبر طبعاً إدماج البنك العالمي بُعد الجندر في جميع إجراءاته وتوقعاته عن رغبة العمل تلقائيا لمحاربة ما يثقل كاهل النساء من صنوف ميز متعددة، بل يشكل مجرد محور من المحاور الأساسية لعملية التواصل الرامية إلى استعادة شرعيته المفقودة.

اضطر خبراء البنك العالمي، تحت ضغط الحركات الشعبية المعارضة لخطط التقويم الهيكلي، إلى الاعتراف بفشل استراتيجيات التقويم الهيكلي خلال سنوات الثمانينيات فشلاً ذريعاً. ولم تؤد سوى إلى خلق حالات ركود دائم وتفاقم فجوة التفاوت والفقر.

ومن ثم، يطور البنك العالمي موضوع «التنمية القائمة على المشاركة» الشهير، لإعادة خلق توافق حول تدابير التقويم الهيكلي، ووقف واحتواء ما تجلى من سخط ضد النظام الاقتصادي النيوليبرالي خلال النضالات الاجتماعية الحاشدة والمذهلة (مثل تعبئات سياتل، أو تأسيس المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري، أو أول مسيرة عالمية للنساء ضد سياسات المؤسسات المالية العالمية في نيويورك عام 2000، أو نضالات حركة زاباتيستا في المكسيك أو أيضاً حركة فلاحين بلا أرض (MST) في البرازيل)،

ماذا يعني ذلك؟ سيتمكن البنك العالمي من زرع أوهام حول إسهامهن في ما يفرضه من سياسات «التنمية» النيوليبرالية، من خلال إشراك «المجتمع المدني» في انجاز وثائق استراتيجية الحد من الفقر، وهي وثائق تشترط منح البنك العالمي قروضاً. لماذا يشكل ذلك وهما قائما على المشاركة؟ تتناسب هوامش مناورة «المجتمع المدني» في إعداد وثائق استراتيجية الحد من الفقر مع إملاءات ورغبات البنك العالمي، الذي سيعود له القرار الأخير دوماً:

وثمة خدعة أخرى، وليست أخيرة، تثيرها نظرية ««التنمية القائمة على المشاركة»: يتيح هذه الآلية للبنك العالمي احتواء نشاط المجتمع المدني. يتكون هذا المجتمع المدني من منظمات غير حكومية، وجمعيات ميدانية، ولجان أحياء وقرب، تضم نساء كُثرا، ومنظمات نسائية و/أو نسوية تقوم بثمن بخس بجزء كبير من المهام الصحية والتعليمية التي لم تعد الدولة مشرفة على النهوض بها.

وتجدر الإشارة إلى أن أي محاولة احتواء دالة على وجود ميزان قوى: لا يجري احتواء إلا ما يبدو خطرا ومدمرا لما هو قائم. بهذا المعنى، إذا أثبتت محاولة قيام المؤسسات المالية العالمية باحتواء حركات نضال النساء أن هذه الأخيرة باتت قوة وعنصرا أساسيا، مثل إشكالية الجندر،  فإنها مسعى لم يخل من عواقب على التجذر الأولي (تغير هيكلي) للمشروع النسوي.

وفي الواقع، يأمل البنك العالمي، تحت ستار جعل «التنمية» «مستدامة» و«مجندرة»، دمج النساء والحركات النسوية في السيرورة، وتضلليها في إطار الدفاع عن العولمة النيوليبرالية [1]. وبذلك، تستفيد المؤسسات المالية العالمية من الشرعية الأخلاقية للحركة النسائية، وخاصة من طاقتها، التي لم تنل الاعتراف منذ فترة طويلة لدرجة أنها تبدو اليوم طاقة غير ناضبة. يشكل استغلال النساء وحركاتهن في الواقع استراتيجية هائلة في إطار تنفيذ العولمة النيوليبرالية. وتجدر الإشارة إلى أن التوافق الظاهر الذي يتبناه البنك العالمي من خلال نظريته «التنمية القائمة على المشاركة»، لا يقل فظاظة عن تدابيره القسرية، ولا تقل سلبية عواقبه على حياة النساء بالذات.

لا تمثل «الشراكة» التي يسعى البنك العالمي إلى ارساءها، في الوقت الذي تستفيد فيه من إمكانات النساء، سوى حيلة إضافية تتيح لها تحييد الحركة النسوية ونزع الطابع السياسي عنها، وحرمانها من أي استقلال أيديولوجي أو مؤسسي أو مالي، وافراغها في نفس الوقت من مقترحاتها الجذرية. والواقع أن هكذا دينامية حوار ومشاركة مع البنك العالمي تحول دون إجراء أي تحليل منظومي أو أي استراتيجية خاصة بأسباب الميز الهيكلية التي تعاني منها النساء يوميا في مجالات لا حصر لها. ومن هنا، يختزل البنك العالمي المشروع النسوي في سياسات تتوخى مجرد تعديل بسيط في العولمة النيوليبرالية البطريركية باتجاه تحقيق مزيد من المساواة بين الرجال والنساء، وبالتالي تقليص كل تجذرها الأولي. لحسن الحظ، لا تمثل النساء اللواتي باشرن هذا «الحوار» العقيم وغير المتكافئ مع صناع العولمة، سوى فصيل من الحركة النسوية المتعددة وغير المتجانسة أساسا!

 يرتبط عمل البنك العالمي على دمج موضوع الجندر في استراتيجياته ارتباطا مباشرا بالمصالح الاقتصادية، وما أبعده عن تشكيل أمارة نزعة تقدمية ناشئة داخله!

لم يثبت البنك العالمي في تقريره المعنون بـ«مكافحة الفقر» الصلة بين انعدام المساواة الجندرية وفقر النساء إلا في عام 2001.

على ضوء هذا الوضع الاعتباري، اعتمد البنك العالمي المسلمة التالية: سيتيح الحد من أشكال تعدد صنوف الميز الذي تعاني منه النساء زيادة انتاجيتهن في المنزل وسوق الشغل على حد سواء. يأمل البنك العالمي، عبر محاربة صنوف الميز ضد النساء، في جعل علاقات اجتماعية قائمة على نوع الجنس أكثر ربحاً رغم أنها متفاوتة إلى حد أنها أصبحت تؤدي إلى نتائج عكس توقعاته.

وبالتالي، ليس من المستغرب أن ينظر البنك العالمي إلى النساء كمورد واستثمار وعامل إنتاج يجدر وقف نقص استخدامه لوضعه في طليعة مجال الإنتاج، سواء كان نقدا أو منزليا. وستتيح مشاركتهن بلا أي حاجز مرتبط بنوع جنسهن زيادة الإنتاجية واندماج اقتصادات بلدان الجنوب في السوق المعولمة.

لا يرى البنك العالمي في أي لحظة أن أشكال التقدم المنشود في مجال حقوق النساء غاية في حد ذاتها. إذ تخضع تماما لأهداف اقتصادية. ويعتبر البنك العالمي، أن مساواة الجندر غير جديرة بالاعتبار إلا إذا كانت مصدر فعالية اقتصادياً، ومربحة رأسماليا.

إن كل فكرة حول تغيير موازين القوى لتجسيد حتى المساواة بين الجنسين، التي يرى البنك العالمي أنها واعدة جداً لتحقيق النمو الاقتصادي، غائبة تماما عن خطاباته ونظرياته، في حين أن الحركات النسوية على وعي للغاية بعدم إمكانية تحقيق تحرر النساء إلا من خلال تغيرات منظومية (إنهاء الأنظمة الثلاثة لاضطهاد النساء: النظام البطريركي والرأسمالية والعنصرية). لكن هل من اللازم أن يثير ذلك استغرابنا؟ لا أعتقد ذلك.

إن ما يروجه البنك العالمي من تدابير زائفة لتعزيز حقوق النساء وحرياتهن وإمكانات اختيارهن، لا يضم أهداف تحررية فعلية سواء بالنسبة للنساء أو بقية المجتمع. وذلك لأسباب ثلاثة يمكن تحديدها بسهولة:

1) يروم البنك العالمي توفيقا بين متطلبات عديدة متناقضة في نهاية المطاف: من جهة، فإن رغبة ترشيد الاقتصادات، وجعلها أكثر إنتاجية وفعالة، تستتبع مسبقا القضاء على أبشع أشكال العنف والقمع، وتوسيع نطاق استقلالية الأفراد رجالا ونساء وحرية اختيارهم/ن جزئيا وضمان قدرة أقصى عدد منهم/ن على القيام بنشاط منتج، ومن ناحية أخرى، قد يتحول هكذا توسع هامش الاختيار إلى تحرر فعلي ضد العولمة النيوليبرالية، إذا تعدت هذه السيرورة الحدود المرسومة. وهكذا بدل توطيد آليات تحرر جماعي، يدعم البنك العالمي استراتيجيات ارتقاء النساء الفرداني، للحد جزئيا من «أخطار» إرساء مجتمع خال من جميع أشكال الاضطهاد.

2) إذا حظي اندماج النساء في سوق الشغل (غير المنظم في أغلب الأحيان) بالتشجيع، يعتبر البنك العالمي النساء بداية مربيات ومنتجات رأسمال بشري: رأسمال بشري خاص بهن وبأسرتهن. وبالتالي، لا يعترف البنك العالمي بتمتع النساء بنفس فرص ولوج الرجال إلى المجال العام، حيث الأنشطة مدرة للدخل عموماً، رغم أنه لا يحصر دورهن صراحة في مجال المنزل.

تجذر الإشارة إلى أن البنك العالمي لا يقوض في أي لحظة قسمة العمل الجنسية التيي تعهد بمسؤولية العمل الإنجابي إلى النساء والعمل المنتج إلى الرجل. بل يفاقم قسمة العمل ذات الطابع الجنسي هاته لأن البنك العالمي، بفرضه تراجع دور الدولة، سيسهم في زيادة حصة عمل النساء في المنزل، وبالتالي نقل هذه الأخيرة إلى مجال الأسرة. في الواقع، ستسعى النساء من خلال زيادة عملهن المجاني وغير المرئي إلى تحمل مسؤولية تلبية هذه الخدمات المجانية سابقا، خاصة في مجالات التعليم والصحة والبنيات التحتية (النقل ونظام التزود بالمياه، الخ).

3) على الرغم من أن للبنك العالمي وما يجسده من نظام رأسمالي علاقة متناقضة مع الأسرة (من ناحية، يحتاج إلى الأسرة التي تؤمن إعادة انتاج قوة العمل مجاناً، من خلال النظام الاجتماعي وذي الطابع الجنسي الذي تضمن استمراره؛ ومن ناحية أخرى، يحتاج البنك العالمي إلى أن يكون قادرا على التصرف في قوة عمل حرة لبيع نفسها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الأمر الذي يؤدي من خلال الإدماج المكثف للنساء في العمل المأجور، إلى زعزعة استقرار هذه المؤسسة العائلية نفسها دائماً)، تظل في نظرهما خلية المجتمع الأساسية. مع ذلك، لم يعد لازماً إثبات مدى كون الأسرة أداة قوية لتمرير الهيمنة البطريركية التي تضطهد النساء وإعادة إنتاجها.

يتعين أكثر من أي وقت مضى تعزيز شبكات النضال التي تحظى باستقلالها أيديولوجياً ومؤسسياً ومالياَ، بوجه هذه المناورات المتمثلة في استغلال الحركة النسوية والنسائية واحتوائها. تشكل هذه الحركات، غير الخاضعة تماماً للحكومات والمؤسسات العالمية (البنك العالمي ومنظمة الأمم المتحدة)، وحدها أدوات تحرر فردي وجماعي فعلي للنساء.

تعمل الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشروعة CADTM، من خلال تعزيز أشكال التقارب مع الحركات النسوية المستقلة التي تمنح الأفضلية مثلها، للتعبئة الشعبية والنضال ضد الرأسمالية البطريركية والعرقية، على زيادة حدة التزام انخراطها النسوي ودعم توطيد هذه الحركات في الوقت نفسه. لا غنى عن هذا الالتزام إذا أرادت الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشروعة CADTM النضال فعلاً للقضاء على جميع أشكال اضطهاد البشر – رجالا ونساء. وفي الواقع، أدركت الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشروعة CADTM جيداً عدم امكانية ادعاء النضال ضد نظام الهيمنة الرأسمالية دون مهاجمة من يستعبد النساء، وبالأحرى النساء ضحايا العنصرية، في حين أن جميع أنظمة الاضطهاد متشابكة ومشتركة الجذور.

********

إحالة

[1]  Jules Falquet, De gré ou de force, p.123

كريستين فاندن دايلين: باحثة في العلوم السياسية

الرابط الأصلي 

 

 

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا