بحارة أسفي: حي على النضال، شرارة نضال ضروري ضد عبودية فرط الاستغلال

أخبار عمالية9 يناير، 2024

خاض بحارة الصيد الساحلي صنف السردين بأسفي إضرابا عن العمل، يوم الأربعاء 11 أكتوبر 2023 إثر حملة واسعة على جهاز الراديو، من أجل الاحتجاج رفقة البحارة، أطلقها الربابنة دامت من يوم الجمعة حتى يوم الاثنين، احتجاجا على تأخر مستحقات الضمان الاجتماعي.

اتفق الجميع، بعد نقاش مستفيض وسط الربابنة، على إبلاغ السلطة بالتوقف عن العمل يوم الثلاثاء، وبتنظيم مسيرة احتجاجية من الميناء عبر شارع مولاي يوسف صوب وكالة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

جرى دعم المسيرة الاحتجاجية من قبل بعض الربابنة من أجل توفير لافتات، واستدعاء وسائل الإعلام… الخ. أصبح البحارة، بعد منع المسيرة الاحتجاجية، ورفضهم الخروج للبحر أسياد الإضراب، منتزعين الاندفاع للنضال من الربابنة الذين صاروا ميالين للخروج للبحر، وقرروا، بعد أن تجمع ما يناهز 2000 بحار بميناء آسفي، اعلان اضراب مفتوح بدءا من يوم الأربعاء 11 أكتوبر 2023.

حملت وثيقة وزعها البحارة بداية الإضراب، باسم تنسيقية البحارة بميناء أسفي، مطالب البحارة. جرى أيضا تعميمها عبر غرف الدردشة في الواتساب، وكانت كالتالي: المطالبة بالتعويضات العائلية، وصرف مستحقات البحارة المتأخرة منذ شهر ماي الى حدود شهر شتنبر 2023، و التغطية الصحية، ورفض اعتماد السنوات الأخيرة في احتساب التقاعد، والحق في التعويض عن الراحة البيولوجية لشهري يناير وفبراير، ومطالبة المراكب بالتصريح بكل كميات الصيد، والمطالبة باحداث لجنة لمراقبة المبيعات وكذا تعويض صناديق شحن السمك البلاستيكية بالصندوق الموحد.

ليس الأمر حصرا للحماية الاجتماعية في مشكل تقني كما تدعي بعض الهيئات، بل جرى ربطه الى حد ما بمشاكل اخرى يتخبط فيها قطاع الصيد مثل انتشار السوق السوداء، والزامية الصناديق الموحدة التي جاء بها برنامج اليوتيس. مع ذلك، ينبغي تسجيل مؤاخذة بعض البحارة واضعي الوثيقة على عدم إدراج التصريح الكامل بأيام العمل اعتمادا على السجل البحري للمركب، أي 26 يوم، بدل اعتماد الصندوق على ايام البيع فقط.

إضراب بحارة أسفي يحقق ضغطا عابرا على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي

استمرت الاحتجاجات ثلاث أيام متتالية داخل الميناء وجرى نقل الاحتجاج عند الباب الرئيسي للميناء بأمر من السلطة المحلية. صدح البحارة بشعارات تبدأ بالنشيد الوطني، و»ملكنا واحد محمد السادس»، و «البحار هاهو والمسؤول فين هو»، وحملوا الرايات ولافتة واحدة تحمل مطالبهم المنوه بها أعلاه.

انتدب البحارة لجنة لحضور الاجتماع الذي دعت إليه السلطات المحلية يوم الخميس 12 أكتوبر 2023 بمقر الملحقة الإدارية بأسفي. لقاء حضره كل من رئيس المنطقة الحضرية الثانية، وقائد الملحقة الادارية الاولى بالنيابة، ورئيس مفوضية الميناء، والمندوب الجهوي للصيد البحري، ومدير المكتب الجهوي للصيد البحري، وممثل الدرك الملكي البحري بميناء أسفي، ورئيس المصلحة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والكاتب العام للجامعة الوطنية للصيد البحري بمراكش-أسفي وممثل عن القوات المساعدة، وربابنة مراكب الصيد الصناعي و 13 ممثلا عن بحارة الصيد الصناعي.

كان جدول الاجتماع هو نقطة التصريح بالبحارة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وخلاصته معالجة التصريحات المقدمة للصندوق منذ شهر ماي، مع الزامية استئناف العمل يومه الخميس 12 أكتوبر 2023. وكان هذا هو الاجتماع الأول والأخير الذي يحضره منتدبون عن البحارة رغم وعود العامل للقاء البحارة يوم الاثنين 16 أكتوبر 2023.

يوم 16 أكتوبر 2023، جرى عقد اجتماع مركزي بمقر الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي في الدار البيضاء، غاب عنه المضربون، وترأسه المدير الوطني للصندوق بحضور كل من رئيس جامعة غرف الصيد البحري، ورئيس غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، ومستشار برلماني عن قطاع الصيد البحري، ونائب رئيس الكنفدرالية الوطنية للصيد التقليدي بالمغرب، وممثل عن الوزارة الوصية مستشار وزير الفلاحة و الصيد البحري، ومدير التكوين البحري، رجال البحر والإنقاذ، ومدير التسويق بالمكتب الوطني للصيد. وخلص تقريبا إلى نفس ما صدر عن اجتماع أسفي تقريبا، أي إعادة التصريح بلوائح البحارة بالطريقة اليدوية المعتادة مرفقة بملف إلكتروني لأشهر مايو ويونيو ويوليوز 2023، وإيداعها لدى وكالات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعد التأشير عليها من قبل مندوبيات الصيد البحري قبل 20 أكتوبر من السنة الجارية، فيما سيتم معالجة الأشهر الموالية في الشهر التالي، وعلى هذا الأساس ستُصرف مستحقات البحارة بأثر رجعي للمستوفين الشروط القانونية الجاري بها العمل.

أسباب هزيمة بحارة الصيد الساحلي سردين بميناء أسفي، وكسر إضرابهم

استمر إضراب بحارة آسفي بعفويته رغم صدور بلاغ الصندوق يوم 16 أكتوبر 2023، ورغم صدور بيانات، وعقد لقاءات لهيئات «نقابية» لم تشارك في الإضراب، ولم تتضامن مع البحارة المضربين، بل منها هيئات حملت مطالب أخرى وعلى رأسها تخفيض ثمن الكازوال، ومنها من تبنى مخرجات اجتماع 16 اكتوبر 2023 المذكور انفا ويطالب باستئناف العمل، ومن بينها النقابة الوطنية لبحارة وربابنة الصيد البحري الصناعي المكتب النقابي لبحارة السمك الصناعي كدش التي أصدرت بيانا يوم 19 أكتوبر 2023، قررت فيه استئناف العمل. فقط النقابة الديمقراطية لبحارة الصيادين بالمغرب، المنضوية تحت لواء فيدرالية النقابات الديمقراطية، هي من أعلنت تضامنها اللامشروط مع البحار ة المضربين، وأيدت مطالبهم المشروعة، وقامت بزيارة المضربين بميناء أسفي يوم الجمعة 20 اكتوبر 2023.

لم يلتحق بحارة مراكب الجر وقوارب الصيد باسفي الإضراب الذي خاضه بحارة الصيد الصناعي، رغم النقاشات التي دارت في الغرف الواتسابية، ولم يستطع بحارة الموانئ الجنوبية الانضمام لإضراب بحارة أسفي، ورغم الاحتجاجات والتضامن التي عبرت عليه الموانئ القريبة مثل الجرف الأصفر، والجديدة والدار البيضاء، خلال الأيام الأولى من الإضراب فإن شرارة الإضراب ظلت حبيسة ميناء أسفي واقتصرت على بحارة الصيد الصناعي بأسفي .

ظل البحارة المضربين أمام بوابة الميناء منذ اليوم الثالث من الإضراب بعد منعهم من الإحتجاج داخل الميناء، الى ان جرى كسر الإضراب يوم 25 أكتوبر 2023، ولم تشهد هذه الأيام خلق أي لجنة تنظيمية سوى ما سمي بالتنسيق الذي عين نفسه من الأفراد المنتدبين للاجتماع الذي جرت أطواره بالقيادة يوم 12 أكتوبر، وبقيت التعبئة للاضراب حبيسة مواقع التواصل الاجتماعي والغرف الواتسابية، وتلك التي احدثها المضربون أثناء الإضراب، وهذا راجع أساسا لضعف الحركة النقابية بالموانئ المغربية. أضف لذلك غياب أي مقترح، ختى من لجنة التنسيق نفسها، بشأن أساليب لدعم المعركة من قبيل إحداث صندوق لدعم الإضراب.

في المقابل، اجتهد أرباب المراكب والدولة في تنويع أساليب كسر الاضراب، هكذا سارع أرباب المراكب، منذ اليوم الأول للإضراب إلى تلفيق التهم للمضربين، ووضع بالفعل أحد الربابنة، في اليوم الأول من لإضراب، شكاية ضد بعض البحارة يتهمهم فيها بالعنف، كما اتهم أيضا مجموعة من البحارة بنشر فيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو الى العنف. وكان أهم أسلوب جرى استخدامه هو التهديد بالطرد. وخلف الإضراب بالفعل مجموعة من البحارة المطرودين، على رأسهم الميكانيكي العامل بمركب «لاشنتريل» أحد نشطاء الحركة الاحتجاجية بالميناء، وأثار استياء لدى المضربين الذين ظلوا متجمعين أمام بوابة الميناء طيلة يوم 24 أكتوبر 2023، في انتظار تلبية مطالبهم.

على هذا النحو، نجح أرباب المراكب وربابنتها، بمعية الإدارات المسؤولة عن قطاع الصيد، في كسر الاضراب يوم 25 أكتوبر 2023. تمكن الربابنة من زرع البلبلة وسط المحتجين أمام الميناء بالدعوة الى حوار بين التنسيق والربابنة، ونجحت الدولة كذلك في تهديد متزعمي الإضراب واخافتهم عن طريق استدعائهم إلى مركز الشرطة. وفضلا عن ذلك، قام أحد متزعمي التنسيق بإعلان وقف الاحتجاج دون سابق إعلام بمبرر وقوع الخيانة. استدعى الربابنة البحارة العاملين لديهم من أجل كسر الإضراب، وجرى نقل بعضهم عبر شاحنات التبريد «الفريكو»، بينما أبحرت بعض المراكب دون طاقم، أو بطاقم ناقص، وسمحت الإدارات المسؤولة عن قطاع الصيد بدخول سيارات الأجرة إلى الميناء لنقل البحارة. هكذا نجحت الدولة في إخماد المعركة.

إضراب بحارة أسفي شرارة خمدت ستعود للاشتعال.

نجح بحارة الصيد بأسفي في خوض إضراب لمدة 14 يوما، وكان إضرابا عفويا تكمن أهميته في أنه جرى في سياق التراجع الذي شهدته النضالات بقطاع الصيد البحري عموما، بميناء أسفي خاصة، وهو يشكل درسا لمستقبل النضالات الآتية لا محالة، بالرغم من كونه قاسيا.

ساعد غياب التنظيم في كسر الإضراب، وعمق الافتقار للخبرة لدى المضربين المشكل، خاصة أنهم دخلوا معركة مفتوحة دون أي زاد نضالي. لم يشهد الإضراب خلق أي لجنة تسهر عليه، وغابت الجموع العامة للمضربين، وهي الآلية الأساسية لأي إضراب يرجى خلق إمكانيات نجاحه، فهي الفضاء الرحب للنقاش الجماعي دون أي إقصاء، وفضاء للتربية على الحوار والديمقراطية… وهي الفضاء كامل السيادة على مجريات المعركة وإيقاعها ومصيرها… ولا غنى عنها لأي إضراب، فما بالك حين يكون مفتوحا.

إن إمكانية انتصار المضربين تعتمد، فضلا عن السياق وحال موازين القوى، على عقد جموع عامة ديمقراطية، وحرة وذات سيادة، وإحداث هياكل تنظيمية استثنائية لمتابعة تطورات الإضراب، وعلى رأس قائمة تلك الهياكل، لجنة إضراب واسعة وديمقراطية، تتفرع عنها بقية لجان ضرورية مثل لجنة الإعلام لنشر أخبار الإضراب، وكشف بطلان الاخبار المسمومة التي تنشرها الباترونا مثل «الماتش تباع»، وأيضا لجنة الدعم والمالية تسهر على صندوق الإضراب لضمان صمود البحارة المضربين، واجتذاب تضامن، ولما لا انضمام، «الرأي العام» وباقي قطاعات البحارة المعنيين بمشاكل قطاع البحر … بهذا أيضا توضع المصدات الأساسية بوجه البلبلة وعزلة المعركة، وتوضع الصعوبات أمام مساعي كسر الإضراب…

 

بقلم، ابراهيم موناصير

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا